النص المفهرس
صفحات 241-260
هلا تيقظت وجنح الدجى وقمت فيه ساكباً عبرة وبين جنبيك لظى حسرة مُدَ من الشرق إلى الغرب كأنها تُسكب من سُحب تشتد من جنبٍ إلى جنب خليلك في لهوٍ وفي لعب قانياً عطفك من زهو ومن عجب على ليالٍ بتها مرسلا سكران من خمر الهوى كمر الريح في الهب تسر باللذة جهلاً وإن مرت معقب كرب أيما كرب وربما كان سرور الفتى ١٢١٨ - وكان موسى بن أبي عائشة من القائمين بالليل، وكان يُدعى المجتهد من کثرة سهره و طول قيامه. ١٢١٩ - وقال ذو النون المصري رحمه الله تعالى: ((إن سفر الآخرة لا يقطع بالراحات بل تحمل النفس فيه على التعب والمشقات)). ١٢٢٠ - وأقام أبو بكر بن عياش خمسين سنة لم يفترش له فراشاً. ١٢٢١ - وروي عن واثلة بن الأسقع صاحب النبي وَّر قال: ((من قام من الليل فتوضأ فصلى باهى الله تعالى به الملائكة، يقول: انظروا إلى عبدي قام من فراش وطيٍ إلى ماءٍ باردٍ ملتمساً رحمتي لا رحمته لا رحمته)). ١٢٢٢ - وكان عبد الله بن الزبير ابن عمة النبي وَ لا ير لا ينام الليل، وكان يقرأ القرآن في ليلته، وكان يواصل الأيام صياماً، ولما صلبه الحجاج بن يوسف وقف عليه عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وقال: السلام عليك يا أبا خبيبٍ أما والله إن كنت لصواماً قواماً وصولاً للرحم. ١٢٢٣ - وقال مخلد بن الحسن وكان ثقة حدثني هشام بن حسان، قال: كان منصور ابن زاذان يصلي إلى جانبي في رمضان بين المغرب والعشاء، وكانوا يؤخرون العشاء إلى ربع الليل، فكان يختم القرآن مرتين، وفي الثالثة يبلغ الطوالتين، قال: وكانت له عمامةٌ فكان يحلها كوراً كوراً ويمسح بها دموعه، فإذا ابتلت وضعها بين يديه. قال مخلدٌ: فلو أن غير هشامٍ حدثني بهذا الحديث ما صدقته. قال: وكان أول ما يبلى من ثوب منصور موضع ركبته من كثرة سجوده. قال: وكان يختم القرآن في صلاة الضحى، وكان يختم أيضاً من الأولى إلى العصر. ١٢٢٤ - وعن العلاء، قال: أتيت مسجد واسط فأذن مؤذن الظهر، وجاء منصور بن زاذان فرأيته سجد إحدى عشرة سجدةً قبل أن تقام الصلاة. وقال ابن حربٍ: لو قيل ٢٤١ کتاب التهجد - م١٦ لمنصور بن زاذان: إنك تموت غداً ما كان عنده مزيدٌ. ١٢٢٥ - وكان عبد الله بن الوليد المزنى أعبد الناس، وكان بالحيرة، وكان رهبانها يقولون: ما كنا نظن أن في الحنیفیة مثل هذا کأنه جذعٌ قائمٌ اللیل کله. ١٢٢٦ - وكان ورادٌ العجلي من العابدين، وكان يقطع عامة ليله بكاءً وتضرعاً، وكان إذا قرب الفجر سجد ثم بكى، ثم قال: مولاي عبدك يحب الاتصال بطاعتك فأعنه على ذلك بتوفيقك، أيها المنان عبدك يحب اجتناب سخطك فأعنه على ذلك بمنك، أيها المنان عبدك عظيم الرجاء لخيرك فلا تقطع رجاءه منه يوم يفرح بخيرك العابدون. هذا ونحوه من الدعاء والتضرع، ولا يزال كذلك حتى يطلع الفجر، وكان قد عاهد الله عزّ وجلّ أن لا يضحك حتى یری وجھه الکریم جل جلاله. ١٢٢٧ - وكان أبو يونس المقبري من العابدين، قال ابن وضاح: قال وكيع بن الجراح ذات يومٍ: حدثنا أبو يونس المقبري عن الحسن، فقيل له: أبو يونس المقبري؟ قال: ذاك الذي بکی حتی عمي، وصلی حتی احدودب، وطاف حتى أُقُعد. ١٢٢٨ - وكانت حفصة بنت بشر ابن أخت محمد بن سيرين من العابدات القانتات من ثقات النساء اللاتي يؤخذ عنھن حدیث رسول الله ہہے، وروی عنها ثقات المحدثین، قال هشام بن حسان: كان فراش حفصة بنت سيرين مصلاها أربعين سنة. قال: وكانت تسرج سراجها من الليل ثم تصلي فربما طفىء السراج فيضاء لها البيت حتى تُصبح. ١٢٢٩ - وقال مهدي بن ميمون: مكثت حفصة بنت سيرين في مصلاها ثلاثين سنة ما تخرج إلا لقايلةٍ أو لقضاء حاجةٍ. يقول: لا تخرج منه إلا لنوم القايلة التي يستعان بها على صلاة الليل، أو لقضاء حاجة الإنسان التي لا بد منها . ١٢٣٠ - وقال محمد بن هشام: كانت حفصة تقول لنا: يا معشر الشباب خذوا منه واعملوا للآخرة فإني والله ما رأيت العمل إلا في الشباب. قال: وقرأت القرآن وهي بنت ثنتي عشرة سنة، وماتت وهي بنت تسعين سنة. ١٢٣١ - وقال أبو سليمان الداراني: سمعت رابعة العدوية تقول في جوف الليل: يا دليل المتحيرين في الفلوات، وأنيس المستوحشين في الخلوات، بك أنسي إذا أنس البطالون بسواك، إلهي قد انكدرت النجوم ونامت العيون وأنت الحي القيوم لا تأخذك سنةٌ ولا نوم، وقد غلقت الملوك أبوابها وأرخت ستورها وخلا كل حبيبٍ بحبيبه، وكل أنيس بأنيسه وخلوت بمناجاتك يا محبوب فوعزتك وجلالك لو قطعتني قطعاً وصبيت عليَّ العذابَ ٢٤٢ صبا ما تزيدت في قلبي إلا حباً، ثم قالت: الله أكبر فقرأت القرآن كله في أربع ركعاتٍ. ١٢٣٢ - وقال مسمع بن عاصم: قالت رابعة يعني هذه اعتللت علةً قطعتني عن قيام الليل، ثم رزقني الله العافية، وأعقبتني العلة فترة فكنت قد سكنت إلى قراءة حزبي بالنهار وانقطع عني قيام الليل، فبينما أنا ذات ليلةٍ رأيت في منامي كأني رفعت إلى روضةٍ خضراء ذات قصورٍ وقبابٍ حسان، فبينما أنا أجول فيها وأتعجب من حسنها إذا أنا بجاريةٍ تطارد طائراً أخضر كأنها تريد أخذه يشغلني حسنها عن حسنه ـ تريد حسن الجارية عن حسن الطائر - فقلت لها: ما تريدين منه دعيه فوالله ما رأيت طائراً أحسن منه، فهل لك أن أريك شيئاً هو أحسن منه؟ قلت: بلى. فأخذت بيدي فأدارتني في الروضة حتى أتت بي إلى باب قصرٍ فاستفتحت ففتح لها، قالت: افتحوا لي بيت المقة ــ أي بيت المحبة ــ ففتح لها بابٌّ شاع منه شعاعٌ استناره من نوره ما بين يدي وما خلفي فدخلت إلى بيت يحار فيه البصر يتلألأ حُسناً ما أعرف له في الدنيا شيئاً يشبهه، قالت: فبينما نحن نجول فيه إذ رفع لنا بابٌ ينخرق إلى بستانٍ، قال: فأهوت نحوه وأنا معها فتلقانا وصفاء كأن وجوههم اللؤلؤ بأيديهم المجامر، قالت: أين تريدون؟ قالوا: نريد فلاناً قتل شهيداً في البحر. قالت لهم: أفلا تبخرون هذه المرأة تعنيني أي يبخرونني بذلك البخور الذي كان في المجامر، قلن لها: قد كان لها حظٍّ من قيام الليل فتركته. قالت: فأرسلت يدها من يدي ثم أقبلت عليَّ فقالت: ونومك ضدٌ للصلاة عنيد صلاتك نورٌ والعباد رقود يسير ويفنى دائماً ويبيد وعمرك غنمٌ إن غفلت ومهلةٌ ثم غابت عني واستيقظت، قالت رابعة: فما ذكرتها إلا طاش عقلي وأنكرت نفسي، قال: مسمعٌ: فحدثني دهثم العجلي قال: ما نامت رابعة بعد هذه الرؤيا حتى ماتت رحمها الله. ١٢٣٣ - وكانت منيفة العابدة إذا هجم الليل، قالت: يا نفس قد جاء سرور المؤمنين فتقوم في محرابها كأنها الجذع القائم حتى تصبح، فإذا أصبحت وأمكنت الصلاة قامت تصلي، فهي في صلاةٍ إلى العصر، فإذا صلت العصر نامت فكان ذلك دأبها. فقيل لها: لو جعلت هذه النوبة بليلٍ كان أهدأ لبدنك، فقالت: والله لا أنام في ظلمة الليل أبداً، فكان ذلك دأبها أربعين سنة حتى ماتت رحمة الله عليها. وكانت تسكن البحرين. ١٢٣٤ - قال عامرٌ - من أهل البحرين - رأيت منيفة هذه في النوم بعد موتها فقلت لها: يا منيفة كيف حال الناس هنالك، فقالت: وعن أي حالٍ تسأل، الدار واحدة لأهل الطاعة لكنهم يتفاوتون فيها بالأعمال، ولا تسأل عن حال أهل النار، ثم وليت فاتبعني صوتاً يا عامر عليك بالجد والاجتهاد لعلك تسلك مسالك السابقين وتسعى سعي المجتهدين، ٢٤٣ فمرضت والله من رؤياي هذه شهراً. ١٢٣٥ - وقال أبو سليمان الداراني: ((ما اشتد عمل قط ولا ثقل مع قوة العزيمة على عمله وأیاس النفس من تركه)). ١٢٣٦ - وقال: سأل الحواريون عيسى عليه السلام فقالوا له: كيف لنا أن ندرك جماع الصبر ومعرفته؟ فقال: قدموا عزمكم في الأمور كلها واستعملوه قبل أعمالكم، واتخذوا كتاب ربكم أمامكم فيما تعملون من أعمال دينكم. ١٢٣٧ - وفي الزبور: ((من أحب الله أحبه، ومن ناجاه بقوة العزيمة قَبلهُ». ١٢٣٨ - وقال بعض الحكماء: ((من أراد الجنة وحورها ونعيمها وقصورها والنظر إلى وجه العلي الأعلى فيها فليستعمل العزم على الزهد في الدنيا، وعلى التوبة من الذنوب، وعلى الاجتهاد في قيام الليل، فإنما الحظ لأهل العزائم)). ١٢٣٩ - وقال أحمد بن الحواري: قال أبو سليمان الداراني: یا أحمد اصبر على حرٍ قليلٍ وبردٍ قليلٍ، وسفرٍ قليلٍ، وعطش قليلٍ تقطع الدنيا بأعمالٍ صالحةٍ تغتبط بها في الآخرة، وإنما سورة الجوع والعطش والسهر ساعةٌ، فإن صبرت في تلك الساعة وعزمت أدتك إلى راحةٍ واغتباطٍ . ١٢٤٠ - عن ثوبان مولى رسول الله وَ لهم أنه قال: قال رسول الله وَله: ((إنكم لتعملون أعمالاً تغرب عنكم إلى يوم القيامة، ويوشك العوازب أن تؤوب إلى أهلها فمسرورٌ ومكظومٌ))(١). تغرب: تغيب، وتؤوب: ترجع، والمكظوم: الحزين. ١٢٤١ - مناجاة ليحيى بن معاذٍ رحمه الله تعالى: يا من يأوي كل معتمدٍ إليه ويستغني به كل منقطع إليه. يا من جعل ديني توحيده، وعبادتي تمجيده، وجعل ساعاتي منه خلواتي، وألذ أوقاتي منه أوقات مناجاتي. یا من أعزني بالفهم عنه ولني بالخوف منه، يا من أفردني عن أصحابي وأقرني وعزني في معارفي وجيراني، لقد هان لي فيك هجر الإخوان وترك الأوطان، وإني لأتبرم بكلام الورى ويضيق لي جحر الدنيا، وإني في حبس الحياة مأسورٌ، وفي قيد الأحزان مصبورٌ، سيدي ومولاي وغايتي ومناي، إن كان صوتي ممقوتاً لأملأن فمي تُراباً ولألبسن من حزني وذلي جلباباً، ولئن كان محبوباً ليزدادن ظمأي منه شراباً، وإني على خوفي من ذلك لأرجو عفوك هنالك. يا من جعل قلبي مأوى الأحزان، وصدري معدن الأشجان ظمأي لا یرویه إلا رؤيتك، وأملي لا يحققه إلا مشاهدتك. إلهي كم (١) ضعيف: أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) برقم (١٤١٦)، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٢٣١/١٠): ((فيه يحيى بن عبد الحميد الحماني، وهو ضعيف)) اهـ. ٢٤٤ تكون الأستار بيني وبين القرب منك منسدلة، والهموم بسبب ذلك إلى قلبي منجعلة، طال وقوفي يا رب الأرباب عاكفاً بالباب منتظراً للقبول ورفع الحجاب. إلهي قسا قلبي وجهلت أمري وبخلت بالماء عيني، ذهبت حياتي ودنت وفاتي وكأني بالقبور قد زيد فيها قبري وأقبلت الديدان نحوي وبادرت مسرعةً إلى ما قدر لها من الرزق في بدني ومزقت لفائف كفني فلها نشيشٌ فيما بين جلدي ولحمي واختلافٌ في مفاصلي وعظمي تُأكل فلا تمنع مني ولا تصرف بكيد الآدميين عني، يا ويح نفسي إن تحيرت على الصراط غداً، وسُد عني الطريق إلى جنة المأوى. يا ويح نفسي إن سقطت عن الصراط إلى لظى وصرت إلى نار دخانها نارٌ للدنيا. سيدي أبعد الإيمان تعذبني، ومن مقطعات النيران تُلبسني، وفي جهنم مع الأشقياء تحشرني، وإلى مالكٍ خازنها تسلمني، وفيها يا ذا العفو والإحسان تدخلني، وعفوك الذي كنت أرجو تحرمني، ويحي وكيف تحتمل أغلال النيران عنقي، وسرابيل القطران جسمي، فيا أكرم الأكرمين قوِ وهني، وفك ما غلق من رهني، واستعملني عمل من استيقن حضور أجله، بل من قد مات فرأى سوء عمله ثم أُخر ساعةً من نهارٍ ليعمل للجنة أو للنار. يا ولي المؤمنين يا أرحم الراحمين. ١٢٤٢ - ومن مناجاته أيضاً إلهي كيف أدعوك وقد عصیتك، وکیف لا أدعوك وقد عرفتك، مددت إليك يداً بالذنوب مملوءةً، ويميناً بالرجاء مشحونة، حق لمن دعاك بالندم تذللاً أن تجيبه بالكرم تفضلاً. إلهي لو علمت أن غيرك يتولى حسابي لزهقت من المخافة روحي غير أني أعلم أنك تحاسبني ولا تطلع الخلق على ما كان مني. إلهي أرجوك مع الذنب وأخافك مع الطاعة لأن الطاعة لا تؤمنني والذنب لا يؤيسني، وإني لأرجوك مع الذنب بالعفو لأنك بالعفو معروفٌ، وأخافك مع الطاعة لأني بالآفات موصوف. إلهي يكون من الفقير المحتاج الدعاء والمسألة، ويكون من العَفُو الجواد النيل والعطية. ١٢٤٣ - ويروى أن غلبة الشوق إلى الله عزّ وجلّ أخرجت سمنون المحب ليلةً من مصلاه، قال: فلما بلغت المقابر الشونيزية سمعت في بدءٍ من الليل صوتاً له أنينٌ وحنينٌ فقربت منه فسمعته يقول: الخوف أقصاني، والرجاء أدناني، والحب حيرني، والشوق هيمني، وأنا فيما بينهما أسيرٌ، وخلاصي عليك يسيرُ. قال: فوجد قلبي وقصدته فلم أجد أحداً فعدت إلى موضعي وإني لأهيم بما كنت. ١٢٤٤ - وقال ذو النون المصري رحمه الله: سمعت ريحانة المجنونة ليلة جمعةٍ تناجي وقت السحر وتقول: إلهي أنت سيدي وأملي ومن به تمام عملي، أعوذ بك من بدنٍ لا ینتصب بين يديك، وأعوذ بك من عينٍ لا تبكي شوقاً إليك إلهي أنت الذي صرفت عن جفون المشتاقين لذيذ النعاس، وأنت الذي سلبت قلوب العارفين من اعتراض الوسواس، وأنت ٢٤٥ الذي خصصت أولياءك بخصائص الإخلاص، وأنت الذي توليت احباءك واطلعت على سرائرهم، وأشرفت على مكنون ضمائرهم وسري عندك مكشوفٌ وأنا إليك ملهوفٌ، وأنت عليَّ رؤفٌ فارحمني بکرمك يا أكرم الأكرمين، يا أرحم الراحمين. ١٢٤٥ - وكان يوسف بن الحسين رحمة الله عليه يقول في مناجاته: إلهي توبة أو مغفرة فقد ضاقت عليَّ أبواب المعذرة. إلهي خطيئتي خطيئة صماء، وعاقبتي عاقبةٌ بهماء، فلا الخطيئة أحسن الخروج منها ولا العاقبة أهتدي بالرجوع إليها، ومن شأن الكرماء الرفق بالأسری، ثم ینشد على إثرها: وقلبي كئيبٌ في الوثاق أسير وأذكركم في السر والجهر دائباً يدبر أمر الخلق وهو شكور لتعلم نفسي قدرة الخالق الذي ١٢٣٦ - ومن مناجاة ذي النون الأخميمي رحمه الله: إلهي سمع العابدون بذكر عذابك فخشعوا، وسمع المذنبون بحسن عفوك فطمعوا. إلهي إن كانت الخطايا اسقطتني لديك فاعف عني بحسن توكلي عليك. إلهي لك تسبح كل شجرةٍ ولك تسجد كل مدرةٍ، ولك تسبح الطير في أوكارها، والوحوش في قفارها، والحيتان في قعر بحارها بأصواتٍ خفيه، ونغماتٍ بكية. اللهم إني أثبت بين يديك قدمي، وأشخصت إليك بصري، ورفعت إليك جوانحي، وبسطت إلى مواهبك يدي، وخضع لك قلبي وجسدي، وصرخ إليك صوتي وأنت الكريم الرؤوف الرحيم الذي لا يضجره النداء، ولا يبرمه إلحاح الملحين بالدعاء، ولا يخيب رجاء المرتجين. يا رب هب لي من حلمك وعفوك ما يكفيني هم ذنوبي، ويستر عليَّ عيوبي، وتنجيني من عذابك، وتجيرني من سخطك وعقابك يا أرحم الراحمين يا أكرم الأكرمين. ١٢٤٧ _ ويروى عن مسمع بن عاصم، قال: سمعت عابداً من أهل البحرين يقول في مناجاته: سمعته من جوف الليل من حيث لا يعلم بمكاني قرة عيني وسرور قلبي، ما الذي أسقطني من عينيك مانح العصمة ومنزل الرحمة، ثم صرخ وبكى وقال: طوبى لقلوبٍ ملأتها خشيتك واستولت عليها محبتك فخشيتك قاطعةٌ لها عن كل معصيةٍ خوفاً لحلول سخطك ومحبتك، مانعةٌ لها من كل لذةٍ غير لذة مناجاتك، نافية لها عن كل ما يشغلها عن ذكرك، محببة إليها الاجتهاد في خدمتك، ثم بكى وقال: يا حزناه من خوف فوت الآخرة حيث لا رجعة إلى الدنيا، ولا عثرة تقال ولا حيلة ولا توبة تنال. يا رب أشرقت بنورك السموات وأنارت بنور وجهك الظلمات، وحجبت جلالك عن العيون فوصلت به معارف القلوب، واستويت على عرشك فناجاك من بسيط الأرض النبيون والصديقون، فسمعت النجوى وعلمت السر وأخفى. سيدي خضعت لك رقبتي وخشع لك قلبي لتدخلني في ٢٤٦ رحمتك بعزتك وتنظر إليَّ نظرة تجيرني بها يا كريم. ١٢٤٨ - وكانت امرأةٌ من العوابد تقول في مناجاتها: سبحانك ما أضيق الطريق على من لم تكن دليله وما أوحش البلاد على من لم تكن أنيسه. ١٢٤٩ - وكان ذو النون رحمه الله يقول في مناجاته: يا من لطفه بالرحمة جنب الشكوى، ويا من لقربه أمكنت النجوى، ويا من بالركون إلى أنسه طابت السكنى، أذقني برد الثقة بك وراحة التفويض إليك والتوكل عليك. ١٢٥٠ - ويروى عن أبي عبد الله الساجي، قال: تزوجت امرأة تسمى جوهرة فأعلمتني أن معها ثلاثة آلاف دينارٍ، فكرهت صحبة من تريد الدنيا وتؤثر غير الله تعالى، فابتدأتني وقالت لي: قد عزمت على أن أفرق ما معي على الفقراء والمساكين، وأصحبك على التجريد والإيثار والفقر، ففعلت ذلك والتزمت قيام الليل وصيام النهار، وكانت لا تسألني حاجةً إلا ابتدأتها فاستعرضت حوائجها يوماً فسألتني أن أحج بها فأخدمها على التجريد والإيثار، فبينما نحن بالنباح سمعت صوتاً حزيناً ينادي وهو يقول: يا حبيب من تحبب إليه، يا قرة عين من لاذ به وانقطع إليه، يا سيدي يا مولاي غلقت الملوك أبوابها وأوقفت عليها حجابها، وخلا كل حبيبٍ بحبيبه وقلوب العارفين تأبى إلا حبك والأنس بك، وإني قد جئتك هذه الليلة من غير ادلالٍ بعملٍ ولا استحقاقٍ بموهبةٍ، وقد تركت الجنة لطالبها، والنعيم لسائله، أسألك أن تتفضل عليَّ بقربك، ولا تحرمني طول مناجاتك وجزيل العطية من الأنس بك. يا إلهي بالتحقيق، يا إلهي بالتصديق. قال: فقلت: يا جوهرة ما هذا الصوت الشجي في الليل الهادي؟ فقالت: لا علم لي حتى أسأل، قال: فأخبرت أنها سلامة السوداء، وأنها تعبد الله سبحانه على التجريد والإيثار منذ زمان يسمع صوتها ولا يعرف موضعها. قال: وسلامة كانت من العابدات القانتات المتجردات، وهي قد سأل الله تعالى إبراهيم بن أدهم أن تكون زوجته في الجنة لتجريدها وإيثارها. ١٢٥١ - وقال حكيم بن جعفرٍ: سمعت أبا عبد الله البرائي غير مرةٍ يقول: كرمك أطعمنا يا سيدي في عفوك، وجودك رجانا في فضلك، وذنوبنا تأسينا من ذلك وقلوبنا لمعرفتها بك تأبى أن ينقطع رجاها منك، فتفضل أيها الکریم وجد بفضلك يا رحيم. ١٢٥٢ - وقال بعض الصالحين: كنت في الطواف ليلةً فسمعت أنين شابٍ يئن في حال سجوده ومناجاته لمعبوده وهو يقول: إلهي نامت العيون وصدقت بمكارمك الظنون. إلهي مَنْ العبد الذليل حتى يناجي الملك الجليل مهما تصرفت في عبدك فلا تشمت به الشيطان الحاسد ولا تجمع بينه وبين العدو الجاحد. ٢٤٧ ١٢٥٣ - وكانت شعوانة العابدة تقول في مناجاتها: إلهي ما أشوقني إلى لقائك، وأعظم رجائي في ثوابك، وأنت الكريم الذي لا يخيب لديه أمل الآملين، ولا يبطل عنده شوق الشايقين. إلهي: إن كان أتى أجلي ولم يقربني منك عملي فقد جعلت الاعتراف بالذنب وسائلي، فإن عفوت فمن أولى منك بذلك، وإن عذبت فمن أعدل منك هنالك. إلهي: قد أخذت على نفسي في النظر لها، وبقي لها حسن نظرك، فالويل لها إن لم تسعدها. إلهي: إنك لم تزل بي براً أيام حياتي فلا تقطع برك عني بعد مماتي، ولقد رجوت من تولاني في حياته بإحسانه أن يسعفني بعد مماتي بغفرانه. إلهي: كيف أنيس من حسن نظرك بعد مماتي، ولم تولني إلا الجميل في حياتي. إلهي: إن كانت ذنوبي قد أخافتني فإن محبتي لك قد أجارتني. إلهي: لو أردت إهانتي لها هديتني، ولو أردت فضيحتي لما سترتني. إلهي ما ظنك تردني في حاجةٍ أفنيت فيها عمري. إلهي: لولا ما قارفت من الذنوب ما خفت من عقابك، ولولا ما عرفت من كرمك ما رجوت ثوابك. ١٢٥٤ - وقال محمد بن عبد العزيز: كانت شعوانة قد کبرت وضعفت وقعدت عن العمل فأتاها آتٍ في منامها فقال: إن البكاء شفاء من كل محزونا اذري جفونك أما کنت شاجیةً إن الدؤوب لمن فعل المطيعينا (١) صومي وصلٍ سواد الليل دائبةً وكانت من أحسن الناس صوتاً إذا قرأت أو بكت أو ناحت على نفسها، وكان يجتمع إليها صنوف الناس من القرَّاء يأخذون من حسن صوتها ونغمته، وكذلك أصحاب النياحة وأصحاب الحدوِ وغيرهم، ولم يكن عندها شيءٌ من الألحان إنما كان حُسناً رزقته من غير تكلفٍ ولا تعمدٍ . ١٢٥٥ _ وكانت عجردة العابدة إذا جاء الليل لبست ثيابها وتقنعت ثم دخلت محرابها فصلت إلى السَّحَر، ثم قعدت تدعو إلى الفجر فقال لها بعض أهل الدار: لو نمت شيئاً، فیکت وقالت: ذكر الموت لا يدعني أنام. ١٢٥٦ - وقال سعيد الأزرق: أتيت مكة ليلاً فبدأت بالبيت فبينا أنا أطوف إذا بامرأة رافعةٍ يديها ملتزمةٍ بالبيت قد علا نشيجها وهي تقول: يا من لا تراه العيون ولا تخالطه الظنون، ولا تغيره الدهور ولا يخاف الدوائر، ولا يخشى العواقب، عالم مثاقيل الجبال (١) البيتان والقصة في ((صفة الصفوة)) (٢/ ٢٧٢)، ورواية البيت الثاني فيه كذا: جدّي وقومي وصومي الدهر دائبة فإنما الذّوب من فعل المطيعينا ٢٤٨ ومكاييل البحار، وعدد الأمطار، وورق الأشجار، وما أظلم عليه الليل، وما أشرق عليه النهار، أسألك يا من استكانت لعظمته السموات والأرض، أسألك أن تجعل خير عمري آخره، وخير عملي خاتمته، وخير أيامي يوم لقاك، وخير ساعاتي ساعة خروجي من دار الفناء إلى دار البقاء التي تكرم فيها من أحببت من أوليائك، وتهين فيها من أبغضت من أعدائك، أسألك يا إلهي عافيةً جامعةً لخير الدنيا والآخرة، ثم صرخت صرخةً غشي عليها. ١٢٥٧ - ويروى عن بكرِ العابد، قال: تعبد شابٌ صغيرٌ من أهل الشام فبالغ في العبادة والاجتهاد، فقالت له أمه: يا بني عملت بنفسك ما لم يعمده أحدٌ من الناس، أما تريد أن تنام في ليلٍ ولا نهارٍ، فقال لها: يا أماه ليتك بي كنت عقيماً، ليتك لم تلدني يا أماه، إن لابنك في القبر رقاداً طويلاً، وفي عرصات القيامة موقفاً مهولاً فقالت له: يا بني لولا أني أعرفك صغيراً وكبيراً لظننت أنك أحدثت حدثاً موبقاً، وأذنبت ذنباً مهلكاً لما أراك تصنع بنفسك، فقال لها: يا أماه وما يدريني أن يكون الله عزّ وجلّ قد اطلع عليَّ وأنا في بعض ذنوبي فمقتني وقال: اذهب فلن أغفر لك، ثم صرخ صرخةً خر ميتاً رحمه الله. ١٢٥٨ - ويروي أبي عمرو بن حرب الله، قال: كنت في محرسٍ من محارس الشام، فسمعت رجلاً ينشد هذه الأبيات بالليل: لماتهنا منامه أحد لو يعلم الراقدون ما رقدوا فاز من في الظلام يجتهد يا أيها النائمون ويحكم قد صدق به قد انفردوا إن كنتم نوماً فإن له رجال قال: فقام الناس من کل جهةٍ لما سمعوه يصلون ويجتهدون. ١٢٥٩ - ومَرَّ قومٌ براهب فرأوا ما يصنع بنفسه من الاجتهاد فكلموه في ذلك فقال: وما هذا عند ما يراد بالخالق من ملاقاة الأهوال وهم غافلون قد عكفوا على حظوظ أنفسهم ونسوا حظهم الأكبر من ربهم، فبكى القوم عن آخرهم. ١٢٦٠ - ويروى أن الله عزّ وجلّ يأمر ملكاً من الملائكة في الليل فيقول: انزل إلى بلد كذا فيه فلاناً فإني أحب مناجاته، وأنم فلاناً فإني أكره مناجاته. ١٢٦١ - وقيل: إذا لم يرض الله تعالى مقام عبدٍ حرمه لذة مناجاته. اللهم لا تجعلنا من المحرومين وجد علينا برحمتك يا أرحم الراحمين. ١٢٦٢ - وقال أبو خزيمة القاضي ـ قاضي مصر - كنت بالإسكندرية فأتاني آتٍ في منامي فقال لي: قم فصل، ثم قال: أما علمت أن مفاتيح الجنة مع أصحاب الليل هم خزانها . '۔ ٢٤٩ ١٢٦٣ - وقال منصور بن عمار الواعظ: لو علمت من عصيت لما نمت أو تسترضيه ولفررت بالنهار عن معاصيه. ١٢٦٤ - ويروى عن ذي النون المصري رحمه الله قال: بينما أنا بشاطىء البحر إذا أنا بجارية والصبيان يتبعونها ويرمونها بالحجارة، فكففتهم عنها، فنظرتْ إليَّ وقالت: يا ذا النون فوقفت لها، فقالت لي: ما علامة المجتهدين يرحمك الله، فقلت لها: نهارهم صيامٌ وليلهم قيامٌ، فقالت: هذا هو، قلت: نعم. فقالت: أنت أنسي وأنت مني قريب يا حبيب القلوب أنت الحبيب كل علة فنعم الطبيب يا طبيباً بذكره يتداوى فاستنارت فما تلاها غروب طلعت شمس من أحبك ليلا وشمس القلوب ليس تغيب إن شمس النهار تغرب بالليل فإلى ربها تحن القلوب فإذا ما الظلام أسبل ستراً ثم قالت: كيف يلذ في ظُلم الليل المنام من علم أن حبيبه لا ينام، أما تقوم العيون للعيون النائمة إليه لعساه يقسم لها من رحمته ما تتنعم به، أو كلاماً يرجع إلى هذا، ثم قالت وهي تبكي: حيائي منك أمرضني، وحبي لك أسقمني، فإن فكرت في إحسانك لم أبلغ بفكري إلى كنهه، وإن ذكرت سترك عليَّ لم أقم بشكره، فيا عجباً لقلوب العارفين كيف لم تنقطع إجلالاً لك إذ عرفوك، وإعظاماً لقدرك إذ وصفوك، فتباركت ما أجهل من عصاك وأغر بحلمك مع علمه بأنك ناظرٌ إليه مطلع عليه. ١٢٦٥ - وقال مالك بن دينار: الصلاة خدمة الله في الأرض، ولو علم الله أن شيئاً من عبادته أفضل من الصلاة لما قال: ﴿فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب﴾ [آل عمران: ٣٩]. ١٢٦٦ - قال غيره: وقال نبينا محمد رَله: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجدٌ)) وقد تقدم هذا الحديث. ١٢٦٧ - قال سفيان بن عيينة: قدم علينا يوسف بن يعقوب كان قاضياً لأهل اليمن فذكرناه أخبار الحكم بن أبان فأثنى عليه خيراً، وقال: كان يصلي بالليل فإذا غلبه النعاس نزل في البحر فقعد فيه يسبح الله فيه ويقول: أسبحه مع دواب البحر، أذكره مع الذاكرين، وأسبحه مع المسبحين، سبحان المسبح بألسنة الأولين والآخرين من أهل السموات والأرضین والخلائق أجمعين. ١٢٦٨ - وقالت ابنة عامر بن عبد الله لأبيها: يا أبة ما لي أرى الناس ينامون وأنت لا ٢٥٠ تنام؟ فقال: إن حاجتي لا تدعني أن أنام. وعامر هذا معروفٌ في العارفين من المجتهدين وقد تقدم ذكره. ١٢٦٩ - وفي الحديث: أن رسول الله وَّهبات ليلة بدر يصلي قائماً إلى الصبح ويدعو ربه تبارك وتعالى [ ..... ] ما كان فيه من الدعاء والاستنصار بالله عزّ وجلّ عن النوم. ١٢٧٠ - وكان عمران بن زيد قد عاهد الله تعالى أن لا ينام بليلٍ إلا مغلوباً، وكان يقول: حبيت إليَّ طاعة الله فلولا الركوع والسجود وقراءة القرآن ما أحببت البقاء في الدنيا، فلم يزل مجهوداً مجتهداً حتى مات، فرأته ابنته في النوم فقالت له: يا أبت لا عهد لي بك منذ فارقتنا فكيف حالك؟ قال: خير حالٍ يا بنية، قربنا في المنازل، ومهد لنا المضاجع ونحن لههنا يُغدا علينا ويراح برزقنا من الجنة، فقالت: وما الذي بلغكم هذا؟ قال: الصبر الصالح وكثرة التلاوة للقرآن. ١٢٧١ - وقال بعضهم لابنه وهو يوصيه: يا بني اتق الله بالليل والنهار، والسر والعلانية وعليك بخلوة الليل وطول السهر ففي ذلك حياة القلب وصلاح البدن. ١٢٧٢ - وقال يحيى بن معاذٍ الرازي رحمه الله: ما وجدنا في الفضائل عملاً أفضل من قيام الليل، ولا ورثوا عن شيء من تلك الأعمال، أوثق عن قيام الليل به، وجدوا القلوب وزايلوا الذنوب، ووقعوا على الطريق إلى علام الغيوب. ٠ ١٢٧٣ - وكان حسان بن أبي سنان من المجتهدين المشمرين، كان ورعاً كثير الصلاة كثير الصيام، فنحل وسقم حتى صار كهيئة الخيال، فلما مات وأُدخل مُغسلهُ ليُغَسل و کشف عنه الثوب فإذا هو کالخیط رقةً ونحافةً، فجعل أصحابه حوله یبکون. قال یحیی بن سليمان وإبراهيم العيشي: لما نظرنا إليه وهو كذلك قد أبلاه الدأب والاجتهاد أكبرنا ذلك وبكى أهل البيت وعلت أصواتهم فسمعوا قائلاً من ناحية البيت: نحيل الجسم من طول القيام تجوع للإله لكي يراه لأذهب جسمه طول القيام وقام لربه في الليل حتى فوالله ما رأينا إلا باكيةً، وتفقدنا قائل هذا فلم نر أحداً، وكانوا يرون أن بعض الجن رثاه . ١٢٧٤ - وقال بعض الصالحين: سمعت قائلاً يقول ليلاً من جانب البحر، ينشد بيتين فقصدت الصوت فلم أجد أحداً ولا رأيت أحداً فعلمت أنه هاتف بالحق، وهما هذان البيتان: لولا رجال لهم ورد يقومونا وآخرون لهم سردٌّ يصومونا ٢٥١ لأنكم قوم سوءٍ لا تُبالونا لزلزلت أرضكم من تحتكم سحراً ١٢٧٥ - ويروى عن محمد بن عبد الواحد وكان من الصالحين قال: ركبنا البحر فأصابتنا أهواله فألقتنا إلى جزيرة من جزايره، فخرجنا إليها فإذا رجلٌ يعبد صنماً من دون الله عزّ وجلّ، فقلت له: من تعبد؟ فقال: هذا وأومأ بيده إلى الصنم، فقلنا له: ما هذا إله هذا لا شيء، عندنا في المركب من يعمل مثله وخيراً منه، قال: وأنتم من تعبدون؟ قلنا: نعبد الله الملك الذي في السماء عرشه، وفي الأرض مشيئته، وفي البر والبحر قدرته، وفي الموتى قضاؤهُ، وفي الأجنة في بطون أمهاتها ينفذ حكمه. قال: وما علمكم بهذا الذي تقولون؟ قلنا: بُعث إلينا رسولاً كريماً فأخبرنا بذلك. قال: وما فعل ذلك الرسول؟ قلنا له: أدى الرسالة وأدى الأمانة ثم قبضه الله إليه، واختار له ما لديه. قال: فهل عندكم من علامةٍ؟ قلنا : نعم، ترك عندنا كتاب الملك. قال: فاقرؤوني كتاب هذا الملك فإنه ينبغي لكلام هذا الملك في سلطانه وجلاله أن يكون حسناً، فأتيناه بالمصحف، فقال: لا أعرف هذا اقرؤوه، فقرأنا عليه منه فبكى، فلم نزل نقرأ عليه وهو يبكي، فلما فرغنا قال: ينبغي لصاحب هذا الكتاب أن لا يعصى ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله - صاحب هذا الكتاب - وأشهد أن محمداً رسول الله الذي جاء به، فعلمناه شرائع الإسلام وسوراً من القرآن، وحملناه معنا في المركب فلما صلينا العشاء الآخرة ذهبنا ننام، فقال: يا قوم هذا الإله الذي دللتموني عليه أينام إذا جنه الليل؟ فقلنا: هو عظيم شأنه، عزت أسماؤه، وجل جلاله، فقال: بئس العبيد أنتم إذ تنامون ومولاكم لا ينام يريدون لا ينام أحدٌ إلا مغلوباً فأقبل على العبادة والاجتهاد يصلي الليل والنهار، فأعجبنا كلامه واجتهاده، فلما قدمنا عبادان قلت لأصحابي: هذا رجلٌ قريب العهد بالإسلام فجمعنا له دراهم وأعطيناه إياها، فقال: ما هذا؟ قلنا: تنفقها وتستعين بها على عبادة ربك. قال: لا إله إلا الله، دللتموني على طريقٍ لم تسلكوها أو سلكتموها ثم نسيتموها، أنا كنت في جزيرة من جزاير البحر أعبد صنماً من دونه فلم يضيعني وأنا لا أعرفه ولا أعبده فكيف يضيعني اليوم وأنا أعرفه وأعبده، فلما كان بعد أيام قيل لنا: أدركوه فإنه لُمَا به، فأتيته فوجدته في سكرات الموت، فقلت له: هل من حاجةٍ؟ فقال: قد قضى حاجتي الذي جاء بكم إلى الجزيرة حتى أخرجتموني، فبينما أنا معه وهو يعالج سكرات الموت غلبتني عيني فرأيت في المنام روضة خضراء فيها قبةٌ، وفي القبة سريرٌ عليه جارية لم ير الراؤون مثلها وهي تقول: سألتك بالله ألا ما عجلت به إليَّ فقد اشتد شوقي إليه، فاستيقظت مرعوباً فإذا هو ميت فغسلناه وكفناه وواريناه التراب، فلما كان في النوم رأيت ذلك الروضة فيها تلك القبة وفيها ذلك السرير وعليه تلك الجارية وهو إلى جنبها، وهو يكرر هذه الآية: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾ [الرعد: ٢٥٢ ٢٤]. ١٢٧٦ - وقال سفيان بن عيينة: تعبد شاب صغير من بني تميم، فكان يحيي الليل كله بالصلاة لا ينام، فقالت أمه: يا بني لو نمت شيئاً، فقال لها: يا أماه ما شئت إن شئت نمت اليوم ولا أنام غداً، وإن شئت لم أنم اليوم لعلي أدرك القيامة غداً مع المستريحين من عُسر الحساب والآمنين من خوف العذاب، فقالت له: والله يا بني ما أريد إلا راحة الآخرة والنجاة من شدائدها والفوز بنعيمها، يا بني راحة الآخرة أحب لك من راحة الدنيا، فدونك فحالف السهر لعلك تنجو من عسر ذلك اليوم وما أخالك ناجياً، فصرخ الشاب صرخةً خر ميتاً بين يديها، فاجتمع إليها نساء بني تميم فجعلت تقول: وابنياه، واقتيل يوم القيامة. وأنشد بعضهم في ذلك: فعلاك منها كدرةٌ وظلام رفعت عليك دخانها الأيام ورقت له من غيرك الأحلام عزا فوق سنامها أعلام ولئن رددت فما عليه ملام فلرب ودٍ ساقه اللوَّام والناس فيه هجرٌ ونيام عبثت بها الأوجاع والآلام بدمٍ له من مقلتيك سجام حتى ترى ما خطت الأقلام قد ضاق عنه مسلكٌ ومقام فله على هذا الورى إقدام فالسهد حل والمنام حرام لولا الضرورة ما وجدت تنام من طالبوه ساهرون قيام وأصاب حلمك بالخطيئة صابٌ ولقد أتتك نصيحةٌ من مخلصٍ فلئن قبلت فلقد ذهبت بخيرها فاقبل هديت وإن يكن بملامةٍ والبس من الظلمات سابغ درعها واقدح زناد الخوف بين جوانحٍ وإذا نزفن دموع عينك فابكين من قلب أهيم لا يقر قراره والبس لهذا الموت جلة خائفٍ لا تأمنن عليك من إقدامه واكحل جفونك بالسهاد من أجله ألا غذاء كالغذاء تناله ومن العجائب أن تراه نائما ١٢٧٧ - ويروى أن الله عزّ وجلّ يقول لملائكته: ((ما بال عبادي المجتهدين؟ فيقولون: إلهنا خوفتهم شيئاً فخافوه، وشوقتهم شيئاً فاشتاقوا إليه، فيقول تعالى: لو رأوني عبادي كانوا أشد اجتهاداً». ١٢٧٨ - وقال الجنيد: ما رأيت أعبد من السرى السقطي، أتت عليه ثمانٌ وتسعون سنة ما رؤي مضطجعاً إلا في علة الموت يريد الجنيد والله أعلم أن هذا كان فى الأكثر من ٢٥٣ أحواله والأغلب من أموره لأنه إن اضطجع مثلاً في السهر مرة لم يكن مناقضاً لما قال، لأن مثل هذا لا يعتد به والعرب لا تعتد بالشيء اليسير يقول فلان لا يمسك شيئاً من المال وقد يمسك منه شيئاً ولو ثوباً زائداً على ما يحتاج أو ديناراً أو درهماً أو عرضاً من العروض مما لا يحتاج إليه في الوقت. ١٢٧٩ - وقالت عائشة رضي الله عنها: ((كان رسول الله ويلقر يصوم شعبان كله، كان يصومه إلا قليلاً))(١) لما كان فطره فيه * قيل لا لم تعتد بذلك، وقالت: كان يصوم شعبان كله ثم تبينت بعد ذلك والكلام الأول صحيحٌ عند العرب لم تنبت الأرض شيئاً ولا بد أنها قد أنبتت ولکنه قليل لا يعتد به. ١٢٨٠ _ ويروى عن أبي محمدٍ الحريري أنه اعتكف بمكة سنة فلم ينم ولم يستند إلى عمودٍ ولا إلى حائطٍ ولا مد رجليه، فمر أبو بكرِ الكناني وكان من العابدين فسلم عليه وقال: بم قدرت على هذا؟ قال: على صدق باطني فأعانني على ظاهري، فأطرق أبو بكر ثم مشى متفكراً. وهذا أيضاً لا بد له أيضاً من قيام إلى حاجة الوضوء والصلاة، ولا بد له من أكلٍ، ولا بد له من إغفاءٍ وسِنَةٍ، وإنما هذا على ما تقدم والله أعلم. ١٢٨١ - وكذلك ما يروى عن أبي يزيد البسطامي، أنه قيل له: حدثنا عن رياضتك في بداية أمرك، فقال: دعوت نفسي إلى الله عزّ وجلّ فجمحت عليَّ فعزمت على أن لا أشرب الماء سنة ولا أذوق النوم سنة فرقت لي. ولعل أبا يزيد رحمه الله اجتزى بشرب اللبن في هذه المدة عن شرب الماء، وإذا كان الأكل قليلاً كان الاحتياج إلى الماء قليلاً، وربما أكل المبردات في الأكثر، وقد يعين الله من يشاء على ما يشاء، ويختص من يشاء بما يشاء. ١٢٨٢ - ويروى أن سهل بن عبد الله التستري رحمه الله لما حاصرهم الصفار أقام في محرابه سبعة عشر يوماً بلياليها فلم يخرج منه ولا قام إلى حاجةٍ ولا أكل ولا شرب ولا توضأ، فلما كان في اليوم السابع عشر التفت إلى من وراءه وقال: قضيت الحاجة فاصطلحوا في ذلك اليوم ووضعت الحرب ثم رفع عنهم. وقد سمعت رحمك الله هؤلاء المجتهدين والذين لم تسمع بهم أكثر، ولعل ما سمعت سيوقظ منك نائماً، وينبه منك غافلاً، وإذا كنت بالليل تنام ملء جفونك وبالنهار تغفل عن إصلاح شؤونك فأنت کما قال الأول: وأنت إذا استيقظت أيضاً فنائم وقد أخبر البواب أنك نائمٌ (١) صحيح: أخرجه البخاري (١٩٦٩ - ١٩٧٠: ومسلم (١٧٦/١١٥٦)، واللفظ الوارد في ((الكتاب قريب من لفظ مسلم، أما لفظ البخاري فبمعنى ما في الكتاب. ٢٥٤ ولربما كان النوم أحسن لك وأعوذ بالسلامة عليك. وأنشدوا: يا راقد الليل والنهار وصاعداً زورق الأماني وغافلاً والمنون ردت ويك تيقظ فإن جاراً وليس ينجيك فضل مال ولا جيادٌ مضمراتٌ تخرج وإن من نام وهو خلقٌ فقم وثوب الظلام صافٍ وماء عينيك في انسكابٍ فاضرع لمن جوده عميمٌ عساه يعطيكما نصوحاً وتقبس النار في فؤادٍ وناد يا من به استنارت ومن به قام كل شيء عبدك وافاك في ذنوبٍ لیس لها. وبائع الربح بالخسار وهو منى العمر في انحدار إليه مسنونة الشفار جاورت منها أشر جار ولا رجالٌ ذوو اقتدار من كبةِ الغبــار عن ذكر هذا لفي اغترار وأنت مستجمع الإزار ونار جنبيك في استعار يسكب بالليل والنهار تصلح ما كان من عوار كأنه ملبس بقار في الفلك سبعة الذراري في الخلق من جامدٍ وبارد يسبح منهن في بحار فامنن عليه بفضل عفوٍ . أولا فمن ذا سواك يرجو ومن إلى فضله نجارى تم كتاب التهجد للإمام العالم العامل الحافظ أبي محمدٍ عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله الأزدي الاشبيلي قدس الله تعالی روحه ونور ضريحه بمنه. أنهاه نسخاً حامداً لربه ذي المنن، مصلياً مسلماً سالم بن الحسن الشافعي مذهباً البعلبكي الوطن في عام ٨٤١ ومذ منه في شعبان ذي التيمن. الحمد لله على نعمه الوافرة(١) لیس لها . فامنن عليه بفضل عفوٍ. (١) تم التحقيق والحمد لله تعالى، وبمنّه ونعمته تتم الصالحات. ٢٥٥ الفهارس ١ - فهرس أطراف الأحاديث ٢ - فهرس الموضوعات ٢٥٧ کتاب التهجد - م١٧ فهرس أطراف الأحاديث .... . . .. رقم النص طرف الحدیث ٤١ ائتني غداً أحبوك وأثيبك وأعطيك . ٧٦٦ ١٨٩ ائتوه فصلوا فيه ٣١٣ أبرد أبشروا، أبشروا هذا ربكم قد فتح ٢٤٦ باباً من أبواب السماء ٨٩٧ أتاكم شهر رمضان شهر مبارك ٢٥٩ أتدرون لما جمعتكم؟ ٤٦٦ أترون قلبي لههنا ٢ اتقوا اللعانين .٣٣٤ أتموا الصف الأول ثم الذي يليه . إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا یغمس ي أتيت بالبراق أبيض فوق الحمار ١٤٠ ودون البغل ٦٤ اجعلوها في رکوعکم ٣٩٨ ٣٩٨ اجعلوها في سجودکم ٨٢٠ أجل إنها صلاة رغبة ورهبة اجلس فقد آذیت ٦٥٠ أحب البقاع إلى الله ١٧٧ أحب البلاد إلى الله مساجدها ١٧٦ أحدكم ما قعد ينتظر الصلاة في صلاة . ٢٤٣ احضروا الذكر وادنوا من الإمام ٦٥١ اخفض قليلاً ٨٢٨ ٣٩٤ إذا آمن الإمام فأمنوا إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود ٣٧ فليتوضأ إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة والوقار . ٢٣٥ إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة .. ١٠ إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة . العصر ٥٤٤ إذا أراد أحدكم أن يأتي إلى الجمعة فليغتسل . ٦٣٥ إذا أراد أحدكم أن يصلي فليزر ولیرقد ٣٥٢ إذا استأذنت أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها ٢٥١ ده في الإناء إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر ثلاث مرات ٦٥ إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة .. ٣١١ إذا تناءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع ٥٦٥ إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ٢٣٩ ثم خرج إلى الصلاة إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج ٢٤٠/٢٣٨ عامداً إلى المسجد .... إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه ٦٦ ثم لیتنثر إذا توضأ العبد فأحسن وضوءه ثم قام ٤٦٩ إلى الصلاة فأتم ركوعها . إذا توضأ العبد المسلم المؤمن ٢٥٩ فغسل وجهه . ١١٨ إذا توضأت فغسلت یدیك خرجت خ ١١٩ طایا یدیك ٦٩ إذا توضأت فمضمض إذا ثوب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم ٢٣٧ تسعون . إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل .. ٦٣٤ إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صلیت - إذا جاوز الختان الختان فقد وجب ٨٧ الغسل إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها . فقد وجب عليه الغسل ٨٩ إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم . ٩٤٩ القيامة نادى مناد إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما ولیؤمكما أکبر كما ٢٧٥ إذا خرجت من منزلك فصل ركعتين يمنعاك من مخرج السوء ٦٢١٠٠٠٠ إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على ٠٠ ١٩٢ النبي ◌َلچ إذا رأيتني على هذه الحال فلا تسلم ١٥ عليّ . إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد .. ١٩٨ إذا رأیتم من يبيع أو يبتاع في المسجد . ١٩٠ إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل ٥٧٩/٣٢٠ عنها .. إذا سجد أحدكم فلا يسجد كما يسجد ٤٠٧ البعير إذا سجد العبد سجد معه سبعة آرابٍ ٤١٢ إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقیك إذا سمعتم الأذان فقولوا مثلما يقول ٢٨٦ المؤذن .. إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى . ٢٣٦ الصلاة . إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ٢٨٩ المؤذن .. إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيباً ٢٥٣ إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها .. ٣٤٣ إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصبح ٥٨٧ فليضطجع على يمينه . إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء ٤٣١ عليه . إذا صلى أحدكم للناس فليخفف .. ٣٧٠ إذا صليت الصبح فقل قبل أن تتكلم اللهم ٤٥٣ أجرني من النار إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل ٧٧٨ والوتر إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ ٤٣٠ بالله من أربع إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده . ٤٠٣ إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر ... ٢٨٨ إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه ٥٤٦ ٢٦٠ ٤٠٩ ١٤٢