النص المفهرس

صفحات 201-220

قال: فيك فضلٌ؟ قلت: نعم. فمضى وجاءني بقصعة عدس ورغيفين فأكلتهما وقلت: قد
اكتفيت، ثم اضطجعت ونمت ليلي إلى الصباح فما صليت ولا طفت، قال: فرأيت بعد ذلك
رسول الله ◌َ ﴿ فقال: ((بيان)) قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ((من أكل بشرهٍ أعمى الله قلبه،
وحرمه المناجاة والتملق))(١) فانتبهت فزعاً مرعوباً، وعاهدت الله لا أشبع بعدها أبداً.
واعلم أن ثقل الذنوب تمنع النفس أن تنشط للخير، والجسد أن يخفف للطاعة.
١٠١٠ - كما قال الحسن: ((إن العبد ليذنب الذنب فيمنع به قيام الليل)).
١٠١١ - وقال سفيان الثوري: «لقد حُرمت صیام خمسة أشهر وقيامها بذنبٍ أحدثته))
قيل له: وما هو؟ قال: ((رأيت رجلاً يبكي فقلت في نفسي هو مرائي)).
١٠١٢ - وقال بعض الصالحين: ((كم من أكلة منعت قيام ليلةٍ، وكم من نظرةٍ حرمت
قراءة سورة، إن العبد ليأكل الأكلة أو ليفعل الفعل فيحرم بها قيام سنةٍ)).
١٠١٣ - قال بعض الصالحين: ((إذا لم تقدر على صيام النهار وقيام الليل فاعلم أنك
مکبولاً قد کبلتك خطيئتك)».
١٠١٤ - قال بعضهم: دخلت على كرز بن وبرة فوجدته يبكي، فقلت له: ما
يبكيك؟ أتاك موت أحد من أهلك؟ قال: أشد من ذلك. قلت: وجع يؤلمك؟ قال: أشد من
ذلك. قلت: فما هو؟ قال: بابي مغلقٌ، وستري مسبل، ولم أقرأ حزبي البارحة، ما ذاك إلا
لذنبٍ أذنبته.
١٠١٥ - وقال أبو جعفر القفال وكان رجلاً صالحاً دخلت على أحمد بن يحيى وكان
لي صديقاً، فرأيته يبكي بكاءً كثيراً ما يكاد يتمالك، فقلت: أخبرني ما حالك؟ فأراد أن
يكتمني فلم أدعه، فقال لي: فاتني حزبي البارحة ولا أحسب ذلك إلا لأمرٍ أحدثته فعوقبت
بمنع حزبي، وثم أخذ يبكي فأشفقت عليه وأحببت أن أسهل عليه، فقلت: ما أعجب أمرك
لم ترض عن الله في نومةٍ نَومَكَ إياها حتى قعدت تبكي بين يديه، فقال لي: دع عنك هذا
يا أبا جعفر، فما أحسب ذلك إلا من أمرٍ أحدثته، ثم غلب عليه البكاء، فلما رأيته لا يرجع
إلی قولي انصرفت عنه وترکته.
هذا وأمثاله صفة الصالحين رضوان الله عليهم كانوا لشدة خوفهم يتهمون أنفسهم
ويرون أن كل نقصانٍ يكون في طاعتهم أو كسل في جَدهِم إنما هو عقابٌ يعاقبون به، وطرد
ينطردون به عن باب الله عزّ وجلّ بسببه.
(١) هذا الحديث لم نقف عليه، والله أعلم.
٢٠١

واعلم أنهم كانوا يقلون من الذنوب أو يكثرون من العمل، ويحقرون أنفسهم:
١٠١٦ - كان صلة بين أشيم يصلي الليل كله، فإذا أصبح، قال: ((اللهم إن مثلي لا
يسألك الجنة، اللهم أجرني من النار)).
وقد روي صلاة الليل كله عن جماعة كثيرة :
١٠١٧ - قال أبو طالب المكي: حكى ذلك لنا على سبيل الاشتهار عن أربعين من
التابعين، وكان فيهم من واظب على ذلك أربعين سنة، منهم سعيد بن المسيب، وصفوان بن
سليم المدنيان، وفضيل بن عياض، ووهيب بن الورد المكيان، وطاوس بن كيسان،
ووهب بن منبه اليمانيان، والربيع بن خثيم والحكم بن عتيبة الكوفيان وأبو سليمان الداراني
وعلي بن بكار الشاميان، وأبو عبد الله الخواص وأبو عاصم العبادانيان، وحبيب بن محمد،
وأبو جابر السلماني الفارسيان، ومالك بن دينار، وسليمان التيمي، ويزيد الرقاشي،
وحبيب بن أبي ثابت، ويحيى البكاء البصريون، وكهمسْ بن المنهال وكان يختم القرآن في
الشهر سبعين ختمة وما لم يفهم رجع وقرأه مرة أخرى. وأيضاً، من أهل المدينة أبو حازم،
ومحمد بن المنكدر في جماعة.
وأما من صلی نصف الليل فلا یحصی عددهم، وقد قيل: من کثر خوفه قل نومه واشتد
عزمه .
١٠١٨ - وقال مالك بن دينار: قالت ابنة الربيع بن خثيم لأبيها الربيع: ما لي أرى
الناس ينامون وأنت لا تنام فقال لها: ((يا بنية، إن أباك يخاف البيات)) يعني الموت. وكان
الربيع هذا من القائمين بالليل.
١٠١٩ - ومشى يوماً مع ابن مسعود في الحدادين، فلما نظر إلى الأكيار تنفخ، وإلى
النيران تلفح صعق وسقط مغشياً عليه، فقعد ابن مسعود عند رأسه إلى وقت الصلاة، فلما لم
يفق حمله على ظهره إلى منزله، فلم يزل مغشياً عليه إلى مثل الساعة التي غشي عليه فيها،
ففاته خمس صلواتٍ وابن مسعود عند رأسه يقول: ((والله هذا هو الخوف)).
١٠٢٠ - ويروى أنه حفر في بيته بئر، فكان إذا وجد في قلبه قساوة دخل فيه، وكان
يُمثل نفسه أنه قد مات وندم وسأل الرجعة فيقول: ﴿رب ارجعوني لعلي أعمل صالحاً فيما
ترکت﴾ [المؤمنون: ٩٩]، ثم یجیب نفسه فیقول: قد رجعت یا ربیع، قد رجعت یا ربيع،
فيرى فيه ذلك أياماً أي يرى فيه العبادة والاجتهاد والكآبة والحزن.
١٠٢١ - وقال الضحاك: ((أدركت أقواماً يستحيون من الله من طول الضجعة في سواد
اللیل)).
٢٠٢

١٠٢٢ - وكان الحسن بن صالح البصري يقول: ((إني لأستحي من الله أن أنام تكلفاً
حتی یکون النوم هو الذي يصرعني)). وکان يقال له: حية الوادي يعني لتيقظه وذكائه.
١٠٢٣ - قال عبد الله بن أبي كريب: ((ما توسد أبي فراشاً منذ أربعين سنة، إنما كان
ينام قاعداً يهجع هجعة خفيفة قبل الفجر)).
١٠٢٤ - وقال ثابت البناني: ((إذا استيقظت من الليل ثم رجعت إلى النوم فلا نامت
عیني)).
١٠٢٥ - وكان عبد الله بن مسعود صاحب النبي ◌َّ إذا هدأت العيون قام فيسمع له
دوي کدوي النحل حتی یصبح.
١٠٢٦ - وقال سفيان بن عيينة: كانوا يقولون في ذلك الزمان أطول أهل الكوفة
تهجداً طلحة بن مصرف، وزبيد اليماني، وعبد الجبار بن وائل، فقلت لسفيان: فمنصور؟
قال: نعم، إنما كان الليل عنده مطية من المطايا فمتى شئت وجدته قد ارتحله يعني إذا شئت
وجدته يصلي.
١٠٢٧ - ويروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لمعاوية بن أبي سفيان:
(لئن نمت النهار لأضيعن الرعية، ولئن نمت الليل لأضيعن نفسي، فكيف لي بالنوم والنوم
غالب هذين)). يريد رضي الله عنه أنه كان لا ينام إلا قليلاً ولا ينام حتى يغلبه النوم.
١٠٢٨ - كما يروى عن فزارة الشامي وقيل له: صف لنا الأبدال وكانوا يظهرون
فقال: ((أكلهم فاقةٌ، ونومهم غلبةٌ، وكلامهم ضرورةٌ، وصمتهم حكمةٌ، وعلمهم قدوة)).
١٠٢٩ - وكان عمرو بن عتبة بن فرقد يخرج إلى القبور، فيقول: ((يا أهل القبور قد
طويت الصحف، يا أهل القبور قد رفعت الأعمال)) ثم يبكي ويصف قدميه فيصلي حتى
يصبح، ثم يرجع قبل الصبح في الجماعة.
١٠٣٠ - وكان الحسن بن حييٍ وأخوه علي بن حييٍ وأمهما يقومون بالقرآن كل
ليلةٍ، فماتت أمهما فكان الحسن وعلي يقومان به، ثم مات عليٌّ فكان الحسن يقوم به، ورث
عنهما ما كان لهما من الصلاة كما يرث الإنسان مال أبيه أو أخيه.
١٠٣١ - وباع الحسن هذا جارية من قوم، فلما كان من جوف الليل قامت فقالت:
يا أهل الدار، الصلاة الصلاة، فقالوا لها: أصبحنا؟ أطلع الفجر؟ فقالت: أوما تصلون إلا
الصلاة المكتوبة، ثم مرت إلى سيدها فقالت له: سيدي بعتني من قوم لا يصلون بالليل،
ردني فردها.
٢٠٣

١٠٣٢ - واشترى أبو عبد الله الساجي جارية سوداء لخدمته، فقال: قد اشتريتك
فضحكت فحسبها مجنونة، فقال لها: أنت مجنونة؟ فقالت: سبحان الله من يعلم خفيات
القلوب، ما أنا بمجنونة. ثم قالت له: هل تقرأ شيئاً من القرآن؟ فقال: نعم. فقالت: اقرأ
عليَّ، فقرأ عليها ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فشهقت وقالت: يا مولاي هذه لذة الخبر
فكيف لذة النظر، فلما جن الليل وطء فراشاً للنوم فقالت له: أما تستحي من مولاك إنه لا ينام
وأنت تنام، ثم أنشدت:
جوف ليلٍ بقلبه المستهام
عجباً للمحب كيف ينام
طائرات إلى مليك الأنام
إن قلبي وقلب من كان قبلي
وتجافى عن اتباع الحرام
فارض مولاك إن أردت نجاة
قال الساجي: ثم قامت ليلها تصلي، فلما كانت في آخر سجدةٍ سمعها تقول فيها: يا رب
بحبك إياي لا تعذبني. فقلت لها: غلطت قولي بحبي إياك لا تعذبني، فلما فرغت قالت
لي: يا مولاي ما غلطت بل أصبت، لولا سابق محبته لي لم أحبه ولم توجد محبتي له.
وقولها له: ((أما تستحي من مولاك أنه لا ينام وأنت تنام مختاراً للنوم، وإنما ينبغي لك
أن تكون في عبادةٍ وفي عمل يقربك منه حتى يغلبك النوم، فإذا غلبك النوم نمت، وقد
يحذف من الكلام ما يفهم ويعلم ويستغنى عن ذكره، وقد علم أنه لا بد للإنسان من النوم
فاستغنى عن ذكره ههنا. ومثل هذه الحكاية في الكلام بآخر ما:
١٠٣٣ - روي عن السري رحمه الله تعالى: قال دخلت سوق النخاسين فرأيت جارية
ينادى عليها بالبراءة من العيوب فوقف الناس عنها، فشريتها بعشرة دنانير، فلما انصرفت إلى
المنزل عرضت لها الطعام فقالت: والله يا مولاي ما رأيت أحداً في دارنا آكلاً نهاراً قط. قال:
في خير، وتركتها فلما كان من العشاء أتيتها بطعام فأكلت منه قليلاً ثم قالت: يا مولاي بقيت
لك خدمة؟ قلت: لا. قالت: فدعني لخدمة مولاي الأكبر، قلت: أي وكرامة. فانصرفت
إلى بيت تصلي فيه وصليت أنا العشاء الآخرة ورقدت، فلما مضى من الليل الثلث ضربت
الباب عليَّ فقلت لها: ما تريدين؟ قالت: يا مولاي مالك خظ من الليل، قلت: لا فمضت،
فلما كان النصف منه ضربت عليَّ الباب وقالت: يا مولاي قام المتهجدون وردهم قلت:
يا جارية أنا بالليل خشبةٌ وبالنهار حلبةٌ. قالت: يا ويلاه ومضت، فلما بقي من الليل الثلث
الآخر ضربت عليَّ الباب ضرباً عنيفاً وقالت: أما دعاك الاشتياق إلى مناجاة الخلاق، قم
خذ لنفسك مكاناً فقد سبقك الخُدام، فهاج مني كلامها خاطراً وأسبغت الوضوء وركعت
ركعاتٍ، ثم تجسست إليها فوجدتها ساجدةٌ وهي تقول: يا مولاي بحبك لي ألا غفرت لي،
٢٠٤

فقلت لها: يا جارية من أين علمت أنه يحبك؟ فقالت: يا مولاي لولا محبته لي ما أقامك
وأقامني، فقلت لها: اذهبي فأنت حرةٌ لوجه الله، فدعت ثم خرجت وهي تقول: هذا العتق
الأصغر بقي العتق الأكبر.
١٠٣٤ - وقال عبد الرحمن بن يزيد: ((كان عطاء الخراساني يُحيي الليل، فإذا مضى
منه ثلثه أو أكثر نادى: يا عبد الرحمن بن يزيد، يا فلان يا فلان قوموا فتوضؤوا وصلوا فإن
صلاة آخر هذا الليل أهون من شرب الصديد ولبس مقطعات الحديد، الوجاء الوجاء، النجاء
النجاء)) زاد غيره في هذا: «فإذا قال هذا سمعت من ههنا متوضئاً، ومن هُهنا مصلياً، ومن
هُهنا باكياً».
١٠٣٥ - وكان عثمان بن حبيب يقوم من السحر، فيقول: ((الرحيل الرحيل، سبقتم
إلى الماء، سبقتم إلى الظل، من سبق إلى الماء يظمأ، ومن سبق إلى الظل يضحى. قال:
فسمعت القراءة من لهُهنا، والتسبيح من لهُهنا، والبكاء من هُهنا).
يقول: من سبق إلى الماء يجده قد شربه من سبق إليه فيبقى هو عطشان، ومن يسبق
إلى الظل يجده قد جلس إليه من سبق إليه فيقعد هو في الشمس .
١٠٣٦ - وكان بالقيروان رجل يمشي ويذكر الناس عامة الليل، ويقول فيما يقول:
((الرحيل الرحيل)) فيبقى على ذلك زماناً، ففقد صوته ابن الأغلب فسأل عنه، فقيل له: قد
مات. فأنشد ابن الأغلب:
حَتَى أَنَاغَ بَبَابِهِ الجَمالُ
مَا زَالَ يلهَجُ بالرحيلِ وَذِكرِهِ
متَشمل لم تُلهِهِ الأَامالُ
فَأْصَابِهِ ذَا هُبَةٍ مُستَيْقِظاً
واعلم أن الأعمال بالنيات فمن فتح له بابٌ من الخير فليسلكه كان ذلك الباب ما كان
صلاةً أو قراءةً، أو ذكراً، أو دعاءً، أو تذكر غفلةٍ، أو إيقاظ نائم، فيؤجر بالنية والقصد، وبأن
يقتدى به ويعمل بمثل عمله، وقد يقصد هذا العبد وقد لا يقصده، ويقصد منفعة نفسه بالعمل
فيقتدي به فيؤجر من غير قصد الأجر، وحديث النبي ◌َّ: ((من سن سنة حسنة))(١) صحيحٌ،
والأخبار في هذا الباب كثيرةٌ.
١٠٣٧ - يروى عن بعض الصالحين أنه عرج بروحه في النوم فعرض عليه عمله،
قال: فلم أر ذنباً استغفرت منه إلا غفر، ولم أر ذنباً لم أستغفر منه إلا وجدته كما كان،
ورأيت في عملي حبة رمان التقطتها فأكلتها فكتبت لي حسنةً، وقمت ليلةً أصلي فرفعت
(١) صحيح: قطعة من حديث أخرجه مسلم (١٠١٧)، والنسائي، والترمذي (٢٦٧٥)، وابن ماجه
(٢٠٣)، وأحمد (٣٥٧/٤).
٢٠٥

صوتي بالقرآن فسمع بي جاري فقام فصلى فكتبت لي حسنة.
١٠٣٨ - وقال أبو الجويرة: صحبت أبا حنيفة الفقيه رضي الله عنه ستة أشهر فما
رأيته وضع جنبه فيها بلیل.
١٠٣٩ - وقال بعض الصالحين: إن بضاعة الآخرة كاسدة فاستكثروا منها فإنه لو كان
أوان نفاقها لم يوصل منها إلى قليلٍ ولا إلى كثيرٍ، وإن نفاقها يكون في الآخرة وإذا كانت
الآخرة لم يوصل منها إلى شيء لأن الآخرة ليست دار عمل هيهات هيهات ذهبت دار العمل
وبقيت دار الجزاء، ذهبت دار الغفاء وبقيت دار البقاء.
١٠٤٠ - ويروى أن أبا حنيفة كان ينام من الليل ويصلي منه، فمر بقوم فقالوا: هذا
هذا أبو حنيفة الذي يصلي الليل كله، فقال: أراني أوصف بما لا أعمل، فكّان بعد ذلك
◌ُصلي اللیل کله.
١٠٤١ - وكان موسى الطبراني يقوم الليل كله، فإذا كان السحر ينادي، حتى متى
أصف الطريق للمريدين، وأنا في حارة المتحيرين، عمل العاملون، قضى الصالحون، فاز
المتقون، ثم بکی وشهق.
١٠٤٢ - وقال ذو النون المصري رحمه الله: كنت مرابطاً بالإسكندرية مع جماعةٍ من
إخواني، وكان فينا فتى لا ينام في أعلى الحرس، فإذا أجنه الليل أشرف علينا ثم نادى:
يخبره بالحق إذ ينصح
ألا فتى يقبل من ناصح
لمن يهجران الكرى يسمح
بأن جنات العلى زينت
عن باب ذي الأفضال لا يبرح
لكل عبد قام في ليله
ثم ينصرف إلى محرابه، فإذا انتصف الليل أشرف علينا ثانيةً ثم نادى:
وقام من يبغي الرضا والغنا
قد أدبر الليل وطاب الكرى
الخدمة لما اجتنـا
وبات للمتعب راحاته واستعذب
أمارة بالسوء تبغي الرضا
تشكو إليه نفسه أنها
ثم ينصرف إلى محرابه حتى إذا انفجر عمود الصبح أشرف، ثم نادى:
فقد مضى الليل وقد راحا
ليهنكم يا إخواني كلكم
وزادكم براً وإصلاحا
لا ضيع الله لكم سعيكم
هذا عمود الصبح قد لاحا
قوموا إلى فرضكم واعجلوا
٤٣ - قال محمد بن السماك: كان لي جارٌ بالكوفة يصوم النهار ويقوم الليل، فإذا
٢٠٦

جن اللیل یبکي ويقول:
لما رأيت الليل أقبل خاشعاً
أبكي فتقلقني إليه صبابتي
فإذا كان آخر الليل جعل يبكي ويقول:
قد بت في الليل إذا لاحت معالمه
ضمنت في القلب حباً قد كلفت
بادرت نحو مؤانسي وحبيبي
فأبيت مسروراً بقرب مجيبي
ما كان آنسني فيه بمولاي
به والله يعلم مكنون أحشاي
وكان له أبٌّ شيخٌ فيسألني أن أكلمه ليرفق بنفسه، فبعثت إليه يوماً وأنا في جماعةٍ من
أصحابي، فلما جاء نظرت إليه فإذا هو كالشيء البالي لو هبت عليه الريح لرمت به من شدة
الضعف، فسلم وجلس فقلت له: يا حبيبي إن الله عزّ وجلّ افترض عليك طاعة أبيك كما
افترض عليك طاعته، ونهاك عن معصية أبيك كما نهاك عن معصيته، فتأذن لنا أن ننصحك في
شيء، فقال لي: يا عم لعلك تريد أن تأمرني بالتقصير في العمل وترك المبادرة إلى الله
عزّ وجلّ، قلت: لا، ولكن بدون هذا يدرك المطلوب. فقال: هيهات يا عم، إني بايعت
على هذا الشأن فتية من الحي بايعتهم وعاهدتهم على السباق إلى الله سبحانه، فجدوا
واجتهدوا، ودعوا فأجابوا رحمة الله عليهم، ولم يبق من القوم غيري، وإن عملي ليعرض في
كل يوم مرتين، فما يقول الله عزّ وجلّ، أو ماذا يقولون إذا رأوا فيه خللاً أو تقصيراً، ثم قال:
يا عم إني بايعت على هذا الشأن فئة جعلوا الليل لهم مطيا قطعوا به عرض المفاوز، وتسنموا
به ذرى الصُم الشواهق، فإذا انصرف القوم وقد ذبحهم الليل بسكاكين السهر، وتقلصت
أعضاؤهم بطول التعب، خمص البطون من السرى، لا يقرهم القرار بل أجابوا لما دعاهم
الملك الجبار. قال محمد ابن السماك: فتركنا والله حرة ومضی، فما كان إلا قليلاً حتی قیل
لي: لقد لحق بالله عزّ وجلّ.
١٠٤٤ - وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ((علامة الصالحين صفرة الألوان
من السهر، وعمش العيون من البكاء، وذبول الشفاه من الصيام، عليهم غبرة الخاشعين)).
١٠٤٥ - وقال أبو سليمان الداراني: أهل الليل على ثلاث طبقاتٍ: فمنهم من إذا قرأ
فتفكر بكى، ومنهم من إذا قرأ فتفكر لم يبك لكنه صَاحَ، ومنهم من إذا قرأ لم يبك ولم يصح
ولكنه بهت. فقال له رجل: يا أبا سليمان من أي شيء بكاء هذا؟ ومن أي شيء صاح هذا؟
ومن أي شيء بهت هذا؟ قال: ما أقوى على التفسير. قال أبو سليمان: وهذه الطبقة أرفعها،
وهي التي إذا تفکر بهت فلم یبك ولم يصح.
وأنشدوا:
٢٠٧

عرج على الدار لا شطت بك الدار
فانزل بها فلأمرٍ ما دعيت لها
وانظر هنالك أقواماً كأنهم
شدوا الحريم وارخوا بي أعنتهم
قاموا ونمت وأرزاق الوری قسمٌ
كم خائفٍ منهم يفدى مخافته
حيران قد مزج التذكار عبرته
وصارخٍ تملأ الآذان صرخته
وشاخص العين مبهوت قد
لأجل طول المدى والبعد عنهم
بحيث خيم رهبانٌ وأحبارٌ
وشق سمعك أعذار وأعذارُ
خيل الرهان جرى بهن مضمارٌ
وساعدتهم على المطلوب أقدارُ
وفي المقادير إيراد وإصدارٌ
فما يبيت على أمرٍ له جارٌ
فظل منها على خديه آثارٌ
هيهات لا أهل تحمي ولا دارُ
أخرسه سر ولله في ذا الخلق أسرارٌ
ولا خبت لهم في دارهم نارٌ
١٠٤٦ - قال الفضيل بن عياضٍ: ((بلغني أن الله عزّ وجلّ ينزل كل ليلةٍ إلى السماء
الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: ((كذب من ادعى محبتي فإذا جنه الليل نام عني،
أليس كل محبٍ يحب الخلوة مع حبيبه، فها أنا مطلعٌ على أحبائي إذا هجم الليل مثلت نفسي
بين أعينهم فخاطبوني على المشاهدة، وكلموني على الحضور، وغداً أقر أعينهم في
جنتي)).
١٠٤٧ - وذكر أبوالحسن بن جهضم في كتابه بإسنادٍ إلى محمد بن المبارك، قال:
بينما أطوف بالكعبة وإذا بأعرابي بدوي متعلقٍ بأستار الكعبة وقد شخص ببصره نحو السماء
وهو يقول: ((وعزتك لئن عاقبتني لأخاصمك بمغفرتك، ولئن ناقشتني لأحببنك بعفوك،
ولئن حبستني في النار لأحرق أهل النار بحبي لك)). قال محمد بن المبارك: فجئت إلى
الفضيل بن عياض فقال: يا أبا عبد الرحمن أشيئاً شغلك عني؟ قلت: أجل. قال: أمرٌ قاطع
عن الله عزّ وجلّ؟ قال: لا. قال: فما ذاك؟ فأخبرته بخبر الأعرابي فخر الفضيل مغشياً
عليه، فلما أفاق قال: يا أبا عبد الرحمن تعرف ذلك البدوي؟ قلت: لا. قال: إنه من قوم
خدموا الرب تبارك وتعالى فتدللوا عليه، يا أبا عبد الرحمن أخبرك بما رأيت في الطواف،
قلت: بلى أخبرني يا أبا علي. قال: بينما أنا أطوف بمكة إذ ضرب ضارب بين كتفي وقال:
يا فضيل تدري ما يقول الله عزّ وجلّ؟ قلت: وما يقول تبارك وتعالى؟ قال: إنه إذا هدأت
العيون، وتطبقت الجفون، وغارت النجوم يطلع جل جلاله فيقول: أليس عبادي يزعمون
أنهم يحبوني، هأنا مطلعٌ على قلوب أحبائي، إنه من أحبني لم يأخذه طيب الرقاد من أجلي
بل أولئك الذين طفيت أبصارهم عن الدنيا فنظروا بأبصار القلوب إلى ما تضمنته حجب
الغیوب، ثم التفت فلم أره.
٢٠٨

١٠٤٨ - وفي بعض المواعظ: يا ابن آدم بقيام الليل يعلو جدك، ويرى زندك، ويثبت
مجدك، فإياك أن تهد بالكسل بنيانك، وتسقط بالملل إيوانه، فيخرب منك ما لا يُعمر،
وينصدع منك ما لا يجبر، وتخسر من بضائعك أعظم ما تخسر.
وأنشد :
وأي مجدٍ هد أبياته
لو يعلم الراقد ما فاته
وسر بالخدمة أوقاته
لحرم النوم على جفنه
على مبيتٍ طال ماباته
فأرسل الدمعة ممزوجة
ولا يبالي بالذي فاته
ضيع فيه الحظ من ربه
يحكم في الفردوس إثباته
من درجات ثبتت في العلى
يطل إليها اليوم أعناته
ومن يرم تلك المعاني غداً
١٠٤٩ - وروي أن الله عزّ وجلّ أوحى إلى داود عليه السلام: ((من أحبني تهجد بين
يدي إذا نام البطالون، وذكرني في خلواته إذا لهى عن ذكري الغافلون، وشكر نعمتي عليه إذا
سها عن شكري الساهون».
١٠٥٠ - وفيما يروى أيضاً عن الله عزّ وجلّ: ((أي عبدي أنا الله اقتربت لقلبك
وبالغيب رأيت نوري)).
فما ظنك رحمك الله بعبدٍ أراه الله نوره، وأنار ضميره، وکشف عنه حجبه وستوره،
أتقول يخالطه كسل، أو يطوف به ملل، أو يجزع لطارقٍ نزل صغر أو جل، كثر أو قل، كلا
ومن أنعم عليه وأحسن إليه ما دام ذلك النور حواليه، ودليل ربه تبارك وتعالى بين يديه.
١٠٥١ - كان صلة بن أشيم من العباد المجتهدين، كان من أهل الليل والنهار. قال
والد العبدي: كنت في غزوة كابل، وكان في الجيش صلة بن أشيم، فلما أمسيت راقبت أن
أبصر ما يوصف عنه من المجاهدة، فلما هدأت العيون خرج عن الجيش، وكان في طرفٍ منه
فتبعته، ثم توضأ ثم وقف فصلى، فجاء أسد فربض بين يديه، فصعدت في شجرةٍ خوفاً منه،
فلم يزل كذلك يصلي إلى قريبٍ من الصبح والأسد رابضٌ بين يديه، فلما سلم قال للأسد
انصرف واطلب الرزق من عند غيرنا فانصرف الأسد، ثم سجد سجدة طويلة حتى خشيت أنه
قد مات في سجوده، ثم رفع رأسه وهو يبكي بكاء الثكلى، ويتمايل كالسكران فحمد الله
محامد لم أسمع بمثلها، ولا أعلم في القلوب منها، ثم قال: إلهي إن طائفة استجاروا بك من
نارك فأجرتهم، وطائفة سألوك جنتك فأعطيتهم، وطائفة طلبوك فلم يرضوا بغيرك وقالوا:
من طلب المخلوق بقي مع المخلوق، فكن لهم كما أرادوا، ولا تضحني عن شكر محبتك إلا
٢٠٩
كتاب التهجد - م١٤

بمشاهدتك، ولا تختم لي حلاوة عبادتك إلا بمجاورتك، ثم رجع وأصبح كأنه بات علی
الحشايا، وأصبحت وأنا بي من فترة السهر وكسله ما الله به عليم.
١٠٥٢ - وقال بعض العلماء: بلغني أن العبد إذا قام إلى الصلاة من الليل ضحك
الرب إليه وقال للملائكة: ما حمل عبدي على أن قام يصلي من بين أهل داره؟ فيقولون: يا
ربنا رجيته شيئاً فرجاه، ووقيته شيئاً فخافه. فيقول تعالى: أشهدكم أني قد أعطيته ما رجا،
وأمنته مما يخاف.
١٠٥٣ - وروي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَلهو: ((من بلغه عن الله
عزّ وجلّ عمل فيه فضلٌ فعمل فيه ابتغاء ذلك الفضل أعطاه الله ذلك الفضل وإن كان الذي
حدث به كاذباً»(١).
وهذا إنما يكون إذا كان العمل له أصلٌ في كتاب الله أو في سنّة رسوله عليه السَّلام.
١٠٥٤ - وقال سعيد بن المسيب: ((إن الرجل ليصلي بالليل فيجعل الله في وجهه نوراً
يحببه عليه كل مسلم فيراه من لم يره قط فيقول: إني لأحب هذا الرجل)).
١٠٥٥ - وقال الحسن البصري رحمه الله: ((أدركنا أقواماً وصحبنا أقواماً كانوا
يفرحون بشيء من الدنيا ولا يأسفون على شيء منها أدبر ولهى، كانت في أعينهم أهون من
التراب الذي تطئونه بأقدامكم، إن كان أحدهم ليعيش عمره كله ما يطو له ثوبٌ، ولا أمر أهله
بصنعة طعام، ولا جعل بينه وبين الأرض شيئاً، أدركتهم عاملين بكتاب الله وسنة نبيه، إذا
جنهم اللیل فقیام على أطرافهم يفترشون وجوههم، تجري دموعهم على خدودهم، يناجون
ربهم في فكاك رقابهم، إذا عملوا الحسنة فرحوا بها ودأبوا في شكرها، وسألوا الله تعالى أن
يتقبلها، وإذا عملوا السيئة أحزنتهم وسألوا الله أن يغفرها لهم)).
١٠٥٦ - وروي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه صلى الصبح يوماً، فلما سلم
انفتل على يمينه وغلبه كآبة، فمكث حتى طلعت الشمس ثم قلب يده، وقال: ((لقد رأيت
أصحاب محمدٍ وَّ﴿ وما رأيت اليوم شيئاً يشبههم، كانوا يصبحون صُفراً شُعثاً غُبراً، قد باتوا
لله سجداً وقياماً يتلون كتاب الله، يراوحون بين أقدامهم وجباههم، وكانوا إذا ذكروا الله مادوا
كما تميد الشجر في يوم الريح، وكأنَّ القوم غافلون یعني من حوله)).
وقد قيل: يا ابن آدم اهجر فراشك فإن الفُرش غداً أمامك. وأنشدوا:
(١) موضوع: وانظر: ((الموضوعات)) لابن الجوزي (٢٥٨/١)، واللآلىء للسيوطي (٢١٤/١)،
والمقاصد الحسنة (ص٤٠٥)، وتنزيه الشريعة (٢٦٥/٢)، وفيض القدير (٩٥/٦)، و((السلسلة
الضعيفة)) للألباني (٤٥٣/١) برقم (٤٥١)، وتمييز الطيب برقم (١٣٤١)، وغيرهم كثير.
٢١٠

اهجر فراشك جوف الليل وارم به
ما شئت إن شئتها فُرشا قشةً
هذا عليه قرير العين نائمها
شتان بينهما أو بين حالهما
فبادر الصبح أن تَغشى طلائعه
كم فاز دونك باللذات من رجل
ناموا ونمنا وكل في تقلبه
زكوا نفوسهم بكل صالحة
أولئك الناس إن عد الكرام فهم
ففي القبور إذا وافيتها فرش
أو روضةً فوقها المسومة الرُّقش
وذا عليه سخين العين ينتهش
هل يستوي الذي في الاحشاء والعطش
وتلتقي الفئتان الروم والحبش
وافى به دلج الأسحار والعيش
لنفسه جاهداً يسعى ويجتوش
وطيبوها فلا عيب ولا وقش
وإن نرد دبش فيحمى ذا دبش
١٠٥٧ - كان منصور بن المعتمر من القانتين، وكان يصوم النهار ويقوم الليل،
وكانت له جاريةٌ تصعد إلى سطح لها كل ليلةٍ ومعها ابنة لها جارية بكر تصعد عندما ينام
الناس، وتنزل في آخر الليل، وكانت الجارية تَرى منصور بن المعتمر قائماً يصلي، فلما
فقدته فقالت لأمها: ما فعل الجذع الذي كان قائماً هناك؟ فقالت لها: يا بنية ما كان جذعاً،
إنما كان منصور بن المعتمر، كان يُحيي الليل كله بركعةٍ على قدم، وكان يُحيي كل ليلةٍ.
فقالت لها: يا أماه بلغت به العبادة والفَرقُ من النار هذا المبلغ وأنا أتعاهد هذه القائمة منذ كذا
وكذا وأنت تقولين هو منصورٌ، فما فعل فما لي لا آراه؟ فقالت لها: مات ودفنوه رحمه الله.
قالت لها: يا أماه انطلقي فاشتري لي مُدرعةٌ من شعرٍ أتعبد فيها لله عزّ وجلّ فوالله لا يجتمع
رأسي ورأس رجل أبداً، هذا منصور رجل لم ينم الليل عشرين سنة فَرقاً من النار، اشترى لي
فاشترت لها مُدرعة من شعرٍ، وكانت لها أخت فساعدتها على العبادة فتعبدتا عشرين سنة
يقومان الليل ويصومان النهار حتى ماتا رحمهما الله تعالى.
١٠٥٨ - وكان العلاء بن زيادٍ كثير العبادة والاجتهاد، وكان يصوم حتى يخضر
جسده، ويصلي حتى يسقط، فقال له أنس بن مالك والحسن البصري: إن الله عزّ وجلّ لم
يأمرك بكل هذا، فقال: إنما أنا عبدٌ مملوك لا أدع شيئاً من العبودية والاستكانة إلا أتيته.
١٠٥٩ - وروي أن أبا بكرٍ الشبلي رحمه الله كان يختم القرآن كل يوم ختمة، فإذا جن
عليه الليل قام على قدميه وختم أخرى فعزله أصحابه وقالوا له: إنك تقتل نفسك، فقال:
يا عذالي أنا أطلب قربها من محبوبها على بساط الأنس والمشاهدة والقدس، وأنتم تطلبون
بعدها إلى بساط الغفلة ومحل الوحشة هيهات.
١٠٦٠ - وكان أبو مسلم الخولاني كثير العبادة والاجتهاد، فلما کبر وضعف قيل له:
٢١١

لو قصرت عن بعض ما تصنع، فقال: أليس إذا أرسلتم الخيل في الحلبة يعني في السباق
ألستم تقولون ودعوها وارفقوا بها حتى إذا رأيتم الغاية فلا تودعوها ولا ترفقوا بها؟ قالوا:
بلى. قال: فإني قد أبصرت الغاية وإن لكل ساع غاية، وغاية كل ساع الموت، مسابقٌ
ومسبوقٌ فقد سبقت وأنا على الأثر.
١٠٦١ - وكان بعض الصالحين يصلي كل يوم وليلةٍ ألف ركعةٍ حتى أُقُعد، فكان
يصليها جالساً ويبكي ويقول: ذهب نصف عملي. يقول ذلك لقول النبي عليه السلام:
((صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم)).
وهذا والله أعلم إذا صلى قاعداً من غير ضرورةٍ، لأن التنفل للصحيح من غير عذرٍ
جالساً جائزٌ، والذي يرجى لذلك وغيره يكتب له مريضاً ما كان يعمل صحيحاً على ما جاء في
الحدیث وقد تقدم.
١٠٦٢ - وكان كهمس بن الحسن يُصلي كل يوم وليلةٍ ألف ركعةٍ، فلما كبر وضعف
اقتصر على خمسمائةٍ، وكان يبكي أيضاً ويقول: ((ذهب نصف عملي)).
١٠٦٣ - وكان بعض الصالحين يصلي كذلك ألف ركعةٍ، وكان إذا صلى العصر احتبا
وقال: ((عجبت للخليفة كيف أرادت بك بدلاً منك، عجباً للخليفة كيف استأثرت قلوبها بذکر
سواك)).
١٠٦٤ - وكذلك كان مرة بن شراحبيل، كان يصلي كل يوم وليلةٍ ألف ركعةٍ، فلما
كبر وتبدن كان يصلي كل يوم أربعمائة ركعةٍ، وكانت ركبتاه مثل ركبتي البعير، كانتا قد
اسودتا وغلظتا، وكان له حبل في مسجده، فإذا أعيى استمسك به. وكان مرة هذا قد سجد
حتى أكل التراب جبهته، فلما مات رآه رجل من الصالحين في النوم وكان موضع سجوده
كهيئة الكوكب الذي يلمع، فقلت: ما هذا الذي بوجهك؟ قال: كسنى موضع السجود بأكل
التراب له نوراً. قال: قلت: فما منزلك في الآخرة؟ قال: خير منزلٍ، دارٌ ما ينتقل عنها أهلها
ولا يموتون.
١٠٦٥ - ويروى أن النبي ◌َليل لما أسن اتخذ في مصلاه عموداً يعتمد عليه يعني من
طول قيامه في صلاته ومن ضعفه عليه السلام عن القيام. ذكر هذا الحديث أبو داود.
١٠٦٦ - وكذلك يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويروى عن
عبد الله بن عباس أنه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعةٍ. رواه الأوزاعي وغيره. يروى أنه
كان يصلي بالنهار منها أربعمائة ركعة.
١٠٦٧ - وكان عتبة الغلام كثير الاجتهاد، وكان لا يتهنا بطعام ولا شرابٍ، فقالت له
٢١٢

أمه: يا بني لو رفقت بنفسك، قال: الرفق أطلب.
١٠٦٨ - ويروى أن مالك بن دينار قال: كان لي ورد أقرأه كل ليلةٍ، فنمت ذات ليلةٍ
فإذا أنا في المنام بجارية من أحسن ما يكون من الجواري بيدها رقعة، فقالت لي: أتحسن أن
تقرأ؟ قلت: نعم. فدفعت إليَّ الرقعة فإذا فيها مكتوبٌ:
عن البيض الأوانس في الجنان
ألهتك اللذائذ والأماني
وتلهو في الجنان مع الحسان
تعيش مخلداً لا موت فيها
من النوم التهجد بالقرآن
تنبه من منامك إن خيراً
١٠٦٩ - ويروى عن الليث رحمه الله قال: كان لي ورد أقومه فانقطعت عنه مدة
فنمت ليلة فرأيت جارية كأنها الشمس تتثنى كالقضيب الحايس، فقلت لها: يا جارية لمن
أنت؟ فقالت: لمن خطبني من مولاي، وأشارت لقطعة رقٍ معها، فإذا فيها مكتوب هذان
البيتان :
مهورهن العمل الصالح
قاسم بعينك إلى نِسوٍ
إلا امرء ميزانه راجح
لا يخطب العذارء في خدرها
١٠٧٠ - وذكر ابن أبي الدنيا، قال: حدثنا محمد بن الحسين، قال: حدثني محمد بن
عيسى بن ضرار السعدي، قال: ثنا عبد العزيز بن سليمان العابد وكان يرى الآيات والأعاجيب
قال: حدثني مطهر السعدي وكان قد بكى شوقاً إلى الله تعالى لستين عاماً قال: رأيت كأني على
شفير نهرٍ يجري بالمسك الأذفر، حافتاه شجر لؤلؤٍ، ونبته من قضبان الذهب، وإذا بجارٍ من بناتٍ
يقلن بصوت واحد: سبحان المسبح بكل لسان سبحانه، سبحان الموجود بكل مكانٍ سبحانه،
سبحان القائم في كل زمان سبحانه. فقلت: من أنتن؟ فقلن: خلقٌ من خلق الرحمن سبحانه.
فقلت ما تصنعن شيئاً؟ فقلن:
على الأطراف بالليل قُومُ
ذرانا إله رب محمدٍ لقومٍ
وتسرى هموم القوم والناس نوم
يناجون رب العالمين إلههم
قال: فقلت: بخ بخ لهؤلاء من هؤلاء لقد أقر الله أعينهم بكن، فقلن: أما تعرفهم؟ فقلت: لا
والله ما أعرفهم. قلّن: بلى، هؤلاء أصحاب التهجد والقرآن والسهر(١).
١٠٧١ - وقال كهمس بن الحسن: ((أدنى حالات المؤمن أن يكون نائماً) يريد أن
المؤمن إذا كان مستيقظاً إنما يكون في صلاةٍ وذكرٍ، أو في نوعٍ من أنواع الخير، فإذا نام
تعطل عن ذلك، والفاجر إذا كان مستيقظاً كان في فجورٍ وشرٍ، فَإذا نام كف عن ذلك، وقد
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((التهجد)) برقم (١٥٥).
٢١٣

يكون أيضاً نوم المؤمن عمل خيرٍ إذا كان نومه ليستريح وليتجمم، فإذا استيقظ عاد إلى ما كان
عليه من الصلاح وأعمال البر لكن تكون حالته نائماً أدنى بالإضافة إلى حاله مستيقظاً.
١٠٧٢ - وكان منصور بن عمار يقول: ((طوبى لمن أصبحت العبادة حرفته، والعزلة
شهوته، والفقراء منيته، والآخرة همته، والموت فكرته، وشغل بالزهد نيته، وبلغ من العيش
بلغته، وأمات بالذل عزته، وشكى إلى الله غربته، ورجا بالتوبة رحمته، طوبى لمن كانت
هذه الصفة صفته)) .
١٠٧٣ - وكان سعيد بن جبير رضي الله عنه من العلماء العاملين، وكان كثير البكاء
بالليل، ولقد بكى حتى عمشت عيناه وفسدت.
وأنشد بعضهم:
فثار وأبدا لنا شأنه
آثار التذكر أحزانه
فأسبل بالدمع أجفانه
وقام وستر الدجى مسبل
فأبكى عِدَاهُ وخلانه
وبكى ذنوباً له قد مضت
فهذا لعمرك قدكانه
ومن لم يكن قلبه جمرة
يحقق لِلَّهِ عصيانه
ومن ذا أحق بها من جهول
كما أخلق الذنب إيمانه
وأخلق في اللهو جثمانه
عرفناه قِدماً وعرفانه
فلولا تفضل من فضله
على الخزي عنوانه
لحق على وجهه أن يكون
١٠٧٤ - وكان ضيغم العابد تعبد قائماً حتى أقعد، ومقعداً حتى استلقى، ومستلقٍ
حتى أفحم أي انقطع وكان باعث قلبه أقوى من جسده فحمل جسده من العبادة أكثر مما كان
يحتمل ولم يشعر بذلك لقوة الباعث، فأمضى به الأمر إلى ما لم يكن يظن به.
١٠٧٥ - وقال أبو حازم: ((أدركت رجالاً ما كان يزيد دخول رمضان في اجتهاد
أحدهم شيئاً، ولا ينقص خروجه من اجتهاده)).
١٠٧٦ - وقال غيره: إذا قصر الأمل وكان الموت نصب العين، وكثرت الرغبة
وعظمت الرهبة، واجتمعت هذه القرائن مع توفيق الله عزّ وجلّ ذهب الملل وانطرد بمعونته
الفتور والكسل، والحول حول الله، وما النصر إلا من عند الله، لا رب غيره ولا معبوداً
سواه.
١٠٧٧ - قال أبو إسحاق الجيلي: قدمت على عبد الحميد الغضائري فوجدته أكثر
٢١٤

عباد الله عبادة، وأعظمهم مجاهدة، وكان لا يتفرغ من صلاته آناء ليله وآناء نهاره، فانتظرت
فراغه وطلبت الكلام معه فلم أقدر على ذلك، ولم أجد إليه سبيلاً، فقلت له: يا هذا إنّا قد
فارقنا الآباء والأمهات، وهجرنا الأهل والقرابات، وتركنا الأوطان فارتحلنا إليك، حتى
قدمنا عليك فلو تفرغت إلينا ساعة حتى تعلمنا مما علمك الله، وتفيدنا مما أفادك الله، فتفرغ
وقال لي: اصابتني دعوة الرجل الصالح سري السقطي رحمه الله تعالى جئته يوماً فوجدته في
مناجاته، فضربت بابه، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا. فسمعته يقول: اللهم من جاءني يشغلني
عنك فأشغله بك عني، فما رجعت من عنده حتى جئت إلى الصلاة والشغل بذكر الله، فما
أتفرغ لشيء سواه.
١٠٧٨ - وقال بعض الصالحين: أقل فائدة تكون في ذكر كبار الصالحين وأهل
الحقائق أن يعرف الإنسان نفسه، ويرى تقصيرها وكسلها وقلة جدها. ويروى هذا الكلام عن
أبي بكرِ الوراق.
١٠٧٩ - قال أبو الأحوص: كان أبو إسحاق السبيعي يقول: يا معشر الشباب جدوا
واجتهدوا، وبادروا قوتكم، واغتنموا شيبتكم قبل أن تعجزوا، فإنه قل ما مرت بي ليلة إلا
قرأت فيها ألف آيةٍ. كان رحمه الله يقول لهم ذلك لينشطهم على العمل، ويحركهم إلى الله
عزّ وجلّ.
١٠٨٠ - وروي عن العلاء بن سالم العبدي، قال: ضعف أبو إسحاق يعني هذا عن
القيام إلى الصلاة، فكان لا يقوم حتى يقام، فإذا قاموه واستتم قائماً قرأ ألف آيةٍ وهو قائم،
كان معه رحمه الله من لذة الصلاة وطيب المناجاة ما يعينه على القيام مع ضعف جسده وكبر
سنه .
١٠٨١ - وقال له رجل بعدما حطمه السن: ما بقي فيك اليوم يا أبا إسحاق؟ قال:
بقي مني أن أقوم فأقرأ القرآن في ركعةٍ. قال: بقي منك الخير وذهب منك الشر. وإن كان
أحدهم لينجلي عنه الليل وهو احرص ما كان عليه وأَهَمَ إليه، وإن كان ليود أنه لا يتم وأن
کواکبه لا تغور لما کان یجد فیه من النعيم ویتغشاه فیه من السرور.
وأنشدوا:
ساعةٌ محسناً بذاك إلينا
ما على الليل لو أقام علينا
أكسبتها الذنوب طبعاً وَرَينا
فجلونا به صدى من قلوب
وسمونا بفضله وارتقينا
ودنونا من ربنا وعلونا
وشفينا جراحةً واشتفينا
فسمعنا عجائباً ورأينا
٢١٥

فاز عبدٌ أقام بالليل سوقاً
قام فيه وستره قد تدلى
فطفى في الظلوع ناراً وأجرى
وشكى ما شكى بذلٍ وشجوٍ
أغفلته التجار عيناً وعينا
والكرى مالىءٌ فؤاداً وعينا
في الثرى من دموع عینیه عینا
صير الصعب من أمانيه هينا
ما فنى حقه وأذهب إلينا
فتغشاه من سرورٍ وطيبٍ
بان في جسمه فضائلا بونا
وإذا ما الأنام الله قاموا
١٠٨٢ - وكان همام بن الحارث من القائمين بالليل لا ينام إلا هنيهةً ينامها جالساً إذا
غلبه النوم، وكان يقول في سجوده: ((اللهم اشفني من النوم باليسير، واجعل سهري في
طاعتك)).
١٠٨٣ - وكان شريح بن هانىء يقول: ((ما فقد رجلٌ شيئاً أهون عليه من نعسةٍ
ترکها)). وأنشدوا:
كم فيه من أهيم لا يرقد
يا راقد الليل على طوله
خوف به يوم الفتى يشرد
قد شرد النوم عن أجفانه
منتظرٌ ما مثله موعد
هيجه من ربه موعدٌ
يوقدها من ذكره توقد
والدمع قد يمزجه الكمد
دونك ناراً إن تكن توقد
إن خمدت نارٌ فلا تخمد
ما نامها ذو نهيةٍ أَيُدُ
تقصد من نفسك ما تقصد
تقرأ أو تركع أو تسجد
فربما فاتك ما تجهد
أهو شيء نومةٌ تفقد
فبات في أضلعه جمرة
ودمعه ينزل ممزوجه
يا موقد النار بذات الغضى
دونك ناراً في حشا والهٍ
وأنت يا غافل في نومةٍ
ويك تيقظ فسهام الردى
ولتقطع الليل إذا ما دجا
وإن نفت من جفونه نومةٌ
واصبر مع الله على فقدها
١٠٨٤ - وذكر أبو الحسن بن جهضم في كتابه بإسناده إلى أبي بكرِ العطار، قال:
حدثنا أبو القاسم الجنيد بن محمد وقد نزل به الموت، أنا وجماعة من أصحابنا فكان يصلي
قاعداً ويثني رجليه عند الركوع والسجود، فلم يزل كذلك حتى خرجت الروح من رجليه
فثقلت عليه حركتهما وكانتا قد تورمتا فمد رجليه فرآه بعض إخوانه ممن حضر ذلك الوقت
وهو البسامي، فقال: ما هذا يا أبا القاسم؟ فقال: هذه نِعمِ الله أكبر يعني ثم عاد إلى صلاته
٢١٦

فلما سلم قال له أبو محمد الجريري: يا أبا القاسم لو اضطجعت، فقال: هذا وقت تؤخر فيه
الله أکبر یعني ثم عاد إلى صلاته قال: فلم يزل كذلك حتى خرجت روحه رحمه الله.
١٠٨٥ - وعن أبي بكرٍ الجريري قال له: يعني في أثناء تلك الصلاة يا أبا القاسم لو
رفقت بنفسك، فقال له: يا أبا محمد حالةٌ بها وصلت إلى الله عزّ وجلّ في بدء أمري لا
فارقتها أو ألحق به تعالی.
١٠٨٦ - وقال غيره: كان ورد الجنيد كل يوم أربعمائة ركعةٍ، وكان إذ ذاك يخربز في
حانوته في السوق، وكان يسبح كل يوم ثلاثين ألف تسبيحة.
١٠٨٧ - قال أبو عبد الله البراثي: ((بمعرفة الله تعالى هانت على العابدين العبادة،
وبالرضا عنه - عزّ وجلّ - في تدبيره وما قسم من رزقه زهدوا في الدنيا)).
١٠٨٨ - وكانت حبيبة العدوية من العابدات المجتهدات، وكانت إذا صلت العتمة
قامت على سطح لها وشدت عليها درعها وخمارها، وقالت: ((إلهي نامت العيون وغلقت
الملوك أبوابها، وأرسلت عليها حجابها، وخلا كل حبيبٍ بحبيبه، وهذا مقامي بین یدیك» ثم
تقبل على صلاتها فإذا طلع الفجر، قالت: ((إلهي هذا الليل قد أدبر وهذا الفجر قد أسفر،
فياليت شعري هل قبلت مني ليلتي فأهنا، أم رددتها عليَّ فأُعزا، فوعزتك لهذا دأبي، ولو
انتهزتني من بابك لما برحت لما وقع في نفسي من کرمك)».
١٠٨٩ - وكانت عجردة من العابدات، وكانت تُحيي الليل كله، وكانت عمياء فإذا
كانت السحر نادت لها بصوتٍ لها محزون: ((إليك قطع العابدون دجى الليل يستبقون إلى
رحمتك، ويسارعون إلى مغفرتك، فبك أسألك لا بغيرك أن تجعلني في أول زمرة السابقين،
وأن ترفعني لديك في درجة المقربين، وأن تلحقني بعبادك الصالحين وأنت أرحم الرحماء،
وأكرم الكرماء، وأعظم العظماء)) ثم تخر ساجدة. قال: فلا تزال تبكي وتدعو حتى يطلع
الفجر .
١٠٩٠ - وقال أبو محمد الحريري: ((إن الله عزّ وجلّ ريحاً يقال لها الصبحة مخزونة
تحت العرش تهب عند الأسحار تحمل الأنين والاستغفار من المذنبين إلى العزيز الجبار)).
١٠٩١ - وكان أبو فاطمة صاحب النبي عليه السلام قد اسودت جبينه وركبتاه من
كثرة السجود، فقيل له في ذلك، فقال: إن رسول الله وَلتر قال لي: ((يا أبا فاطمة أكثر من
السجود فإنه ليس من عبدٍ مسلمٍ يسجد لله سجدةً إلا رفعه الله درجة)»(١).
(١) حسن: أخرجه ابن المبارك في ((الزهد)) برقم (١٢٩٦). وانظر: ((الإصابة)) لابن حجر (١٥٣/٤ -
١٥٤).
٢١٧

١٠٩٢ - وقال عدي بن ثابتٍ: ((قربان المتقين الصلاة، والصلاة من أفضل الوسائل
إلى الله عزّ وجلّ)).
١٠٩٣ - وقال ثابت البناني: ((الصلاة خدمة الله في الأرض، فمن أحب الله
استخدمه)) .
١٠٩٤ - وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يصوم الدهر ويقوم الليل إلا هجعة من
أوله، وربما قامه كله في بعض الليالي.
١٠٩٥ _ وکان عبد الرحمن بن الأسود یصلي کل يوم وليلة ستمائة ركعة وکذلك كان
يصنع مرة الطيب، ويروى ألف ركعةٍ. ولعل ذلك كان في زمن آخر.
وهذه درجات من الأعمال يفتح الله منها على ما يشاء على يدي من يشاء، فمنهم من
يفتح له في الصلاة فيربى فيها على غيره كما روي عن جماعةٍ أنهم كانوا يصلون في اليوم
والليلة ألف ركعةٍ وقد تقدم ذكر ناسٍٍ منهم، ومنهم من يفتح له في الصيام فيصوم السنين
المتتابعة، ويواصل الأيام الكثيرة، وكذلك في القراءة والذكر والجهاد والحج والصدقة،
والمشي في حوائج المسلمين ومعونتهم، وكشف الكرب عنهم، وجلب المنافع لهم إلى غير
ذلك من أفعال الخير وأعمال البر، وهو المسؤول جل جلاله أن يضرب لنا فيها بنصيبٍ
صالحٍ، وأن یزین لنا فيها بمیزان راجح بکرمه ورحمته.
١٠٩٦ - قال أبو سليمان الداراني: ((من قام إلى الصلاة فاستفتح القراءة فوجد لها لذة
فليقرأ ولا يركع ولا يسجد، وإذا وجد للركوع لذة فليركع ولا يقرأ ولا يسجد، وكذلك إذا
وجد للسجود لذة فليسجد ولا يقرأ ولا یرکع، الوجه الذي فتح له من العمل یلزمه» قيل له:
فالحزب الذي قد جعل على نفسه من القراءة والركوع والسجود يصليه؟ قال: ((بالنهار)) قال:
ثم إذا تركه كيف له بأن يفتح له فيه مرة أخرى، هل رأيت أحداً يطلب شيئاً فإذا وجده تركه ثم
يعود يطلبه مرة أخرى.
١٠٩٧ - قال غيره: وإذا فتح له أيضاً بالنهار تركه لوقتٍ آخر، فإن تلك اللذة لا تدوم
إنما هي تارة وتارة، ساعة وساعة، هي أحوال تكثر عند قومٍ، وتقل عند قومٍ، والله عزّ وجلّ
یوجدنا برد ذلك النسیم وطيب ذلك النعيم برحمته .
وقوله: ((إذا وجد للقراءة لذة فليقرأ ولا يركع ولا يسجد)) إنما يريد أن يطول ما وجد فيه
اللذة ويخفف غير ذلك حتى يتم الركعتين على حدودها، وإن كان الذي وجد فيه اللذة
مطولاً، وهذا لا يخفى على من عنده أدنى فهم، وإنما ذكرته وشرحته لئلا يشكل على بعض
من سمعه من النساء والصبيان والله المستعان.
٢١٨

١٠٩٨ - وكان أبو سعيد الخدري رضي الله عنه يكثر الصلاة بالنهار، فإذا جنه الليل لا
يزال قائماً وراكعاً وساجداً حتى يصبح، فقيل له: لو كففت بعض الكف فإن الاقتصاد أمثل،
فقال: إني أخاف أن يجوز أصحابي الصراط وأبقى دونهم، والله لو قمت على رجلٍ واحدةٍ
حتى ألقى الله عزّ وجلّ ما عدل ذلك نظرة واحدة أطمع فيها من لقاء محمد ◌َّ، ثم قال: وما
عملي عند عمل العابدين قبلنا. فقيل له: حدثنا رحمك الله، قال: کان أحدثھم یسد عليه باب
غارٍ فيعبد الله فيه خمسمائة عام أو أكثر، ثم إذا نزل به الموت يرى أن ذلك كان منه ساعةٍ من
نهارٍ .
١٠٩٩ - ويروى عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه لبس الصوف مما يلي
جسده وسرد الصوم واتخذ الليل مركوباً. أي كان يصليه كله أو أكثره.
١١٠٠ - وذكر ابن أبي الدنيا، قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: نا صدقة بن
بكر السعدي، نا مرجى بن وادع الرؤاسي، عن المغيرة بن حبيبٍ، قال: قال عبد الله بن
غالب الحراني: لما برز إلى العدوّ على ما آسى من الدنيا، فوالله ما فيها لبيبٍ جدلٌ، والله لولا
محبتي لمباشرة السهر بصفحة وجهي وافتراش الجبهة لك يا سيدي والمراوحة بين الأعضاء،
والكراديس في ظلم الليالي رجاء ثوابك، وحلول رضوانك، لقد كنت متمنياً لفراق الدنيا
وأهلها، ثم كسر جفن سيفه وتقدم وقاتل حتى قُتل. قال: فحمل من المعركة وإن به لرمقاً
فمات دون العسكر، فلما دفن أصابوا من قبره رائحة المسك، قال: فرآه بعض إخوانه فيما
يرى النائم، فقال له: يا أبا فراس ما صنعت، قال: خير الصنع، قال: إلى ما صرت؟ قال:
إلى الجنة، قال: بم؟ قال: بحسن اليقين، وطول التهجد، وظمأ الهواجر. قال: فما هذه
الرائحة الطيبة التي توجد من قبرك؟ قال: تلك رائحة التلاوة والظمأ. قال: قلت: أوصني،
قال: بكل خيرٍ أوصيك. قلت: أوصني، قال: اكتسب لنفسك خيراً، لا تخرج الأيام عنك
عطلاً، وإني رأيت الأبرار نالوا البر بالبر(١).
١١٠١ - وقال الأسود بن زيدٍ وعلقمة بن قيس: ((التهجد إنما يكون بعد نومةٍ))
يقولان: ثم يقوم لصلاة الليل.
١١٠٢ - وكان بشر بن سعيدٍ يوقظ أهله ويقول: الصلاة الصلاة. ويقول: إن السفر
لا يقطع إلا بدلج الليل، وإن الدنيا سفرٌ ونصبٌ وتعبٌ حتى يمضي العبد إلى رحمة الله
تعالى.
وقد قيل: من كثر في سفره رقاده تعذر مراده وطال عن محبوبه بعاده. وأنشد:
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((التهجد)) برقم (١٥٠).
٢١٩

كأنهم دوننا بالأمر قد قصدوا
وما عملت من عملٍ ذاك الذي تجد
هل فيك ويك لتقض البيع مشتد
وغص سلسلة فما الذي ترد
إلا الكفاف وفي الكفال معتمد
ففي القبور إذا ما حيتها مهد
من الحرير وإلا جمرة تقد
لين الفرش ولا الأوانس الخرد
ودمعة العين في الخدين تطرد
واستشفعوا بعظيم الفصل إذ قصدوا
وفي قبورهم بأطيب ما وجدوا
وخلفوك إلى الودود الذي وردوا
ما كان أولى بتلك المقلة الرمد
كم ذا الرقاد وأهل الجد ما رقدوا
قاموا ونمت وجدوا إذا هزلت
يا صفقة خسرت وخاب أجرها
ولى الشباب وولى العمر أطيبه
فانبذ بدنياك حيث لا اجتماع به
واهجر مهادك لا تلمم بساحته
ما شئت إن شئتها مُهداً ملينة
لله در رجالٍ لم يمل بهم
قاموا ونار الأسى في الحرب تتقد
بثوا حديثهم وطول شجوهم
تنعموا في الدجى بقرب ربهم
جازوا عليك وأنت راقد فمضوا
يا راقداً ورجال الله شاهرة
١١٠٣ - ومما روي من موعظة النبي وَل# لأبي كثير: ((نبه بالتفكر قلبك، وجاف
عن النوم جنبك، واتق الله ربك))(١).
١١٠٤ - وقال الحسن البصري: ((نهارك ضيفك فأحسن إليه، فإنك إن أحسنت إليه
ارتحل بحمدك، وإن أسأت إلیه ارتحل بذمك، وكذلك ليلك».
١١٠٥ - وقال بعض الحكماء: ((إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما)).
١١٠٦ - وقال عليه السلام: ((الشتاء ربيع المؤمن)) (٢). ضرب عليه السلام الربيع
وخصبه مثلاً لليالي الشتاء وطولها، وما يتمكن للمؤمن فيها من القيام، ويتيسر له من المناجاة
ووجود البركات. وهذا الحديث ذكره أبو عيسى الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري.
١١٠٧ - وكان أبو هريرة رضي الله عنه لا يخلو بيته من مصل بالليل، كان قد قسم
الليل ثلاثة أثلاث: ثلثاً له، وثلثاً لا مرأته، وثلثاً لابنته.
١١٠٨ _ وکان زبید اليامي قد قسم الليل أثلاثاً عليه وعلى ابنیه، يصلي كل واحدٍ
(١) لم نقف على هذا الحديث.
(٢) منكر: أخرجه أحمد (٧٥/٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٢٥/٨). والبيهقي (٢٩٧/٤)، والقضاعي
في ((مسند الشهاب)) برقم (١٤١ - ١٤٢) وابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) (٥٠١). وقد أورد
الذهبي في ((الميزان)) هذا الحديث في ترجمة دارج أبي السمع وعدّه مناكيره.
٢٢٠