النص المفهرس

صفحات 101-120

قال سمي: فحدثت بعض أهلي بهذا الحديث فقال لي: وهمت إنما قال: ((يسبح الله
تعالى ثلاثاً وثلاثين، ويحمد الله ثلاثاً وثلاثين، ويكبر الله ثلاثاً وثلاثين)) فرجعت إلى أبي
صالح فقلت له ذلك، فأخذ بيدي وقال: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، الله أكبر،
وسبحان الله، والحمد لله حتى بلغ من جميعهن ثلاثاً وثلاثين. قال ابن عجلان: فحدثت بهذا
الحديث رجاء بن حيوة فحدثني بمثله عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي وَّر.
٤٤٣ - وعن كعب بن عجرة، عن النبي ◌َّهر قال: ((مُعقبات لا يخيب قائلهن ــ أو
فاعلهن: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة)».
٤٤٤ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلافيه: ((من سبح الله دبر كل صلاةٍ ثلاثاً
وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون)). وقال:
«تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد وله الملك وهو على كل شيء قدير،
غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)).
٤٤٥ - النسائي عن ابن عمر، أن رجلاً رأى فيما يرى النائم، قيل له: أي شيءٍ أمركم
نبيكم؟ قال: أمرنا أن نسبح ثلاثاً وثلاثين، ونحمد ثلاثاً وثلاثين، ونكبر أربعاً وثلاثين فذلك
مائة، فقال: سبحوا خمساً وعشرين، واحمدوا خمساً وعشرين، وكبروا خمساً وعشرين،
وهللوا خمساً وعشرين فتلك مائة. فلما أصبح ذكر ذلك للنبي و له فقال رسول الله وَالآتى:
«افعلوا كما فعل الأنصاري)».
٤٤٦ - وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَ له: ((من سبح الله في دبر كُلّ صلاةٍ
الغداةِ مائةَ تسبيحةٍ، وهلل مائةَ تهليلةٍ غُفر له ذُنوبه ولو كانت مثل زبد البحر)).
٤٤٧ - الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله وَله: ((خُلتانِ
لاَ يُحصِيهمَا رجُل مُسلم إلا دخل الجنةَ، ألا وَهُمَا يسيرٌ، ومن يعمل بهما قليل: يسبح الله في
دبر كل صلاةٍ عَشراً، ويَحمدهُ عشراً، ويُكبرهُ عشراً)) قال: فأنا رأيت رسول الله بَلتر يعقدها
بيد، قال: ((فتلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان، وإذا أخذت
مضجعك تسبحه وتكبره وتحمده فتلك مائةٌ باللسان وألف في الميزان، فأيكم يعمل في اليوم
والليلة ألفين وخمسمائة سيئة؟)) قالوا: وكيف لا نحصيها، قال: ((يأتي أحدكم الشيطان وهو
في صلاته فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا، حتى يثقل فلعله لا يفعل، ويأتيه وهو في مجضعه فلا
یزال ینومه حتی ینام)).
٤٤٨ - النسائي عن عروة بن الزبير، عن عائشة، أن رسول الله ويَ لقد كان إذا جلس
مجلساً أو صلى تكلم بكلماتٍ، فسألته عائشة عن الكلمات، فقال: ((إن تكلم بخيرٍ كان طابعاً
١٠١

عليهن، وإن تكلم بغير ذلك كان كفارة لهن: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب
إليك)).
٤٤٩ - وعن الصنابحي، عن معاذ بن جبلٍ، قال: أخذ رسول الله و لتر بيدي يوماً، ثم
قال: ((والله يا معاذ إني لأحبك)) فقال له معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسول الله وإني والله
لأحبك. قال: ((أوصيك يا معاذ، لا تدعن في دبر كل صلاةٍ: اللهم أعني على ذكرك وشكرك
وحسن عبادتك))(١).
٤٥٠ _ الترمذي عن سعد بن أبي وقاصٍ، أنه كان يُعَلم بَنيهِ هؤلاء الكلمات كما يُعَلم
المُكَتّبُ العلمان، ويقول: ((إن رسول الله وَّهو كان يتعوذ بهن دبر كل صلاةٍ: اللهم إني أعوذ
بك من الجبن، وأعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا
وعذاب القبر))(٢).
٤٥١ - النسائي عن أبي بكرة، أن رسول الله ويلو كان يقول دبر كل صلاةٍ: ((اللهم
أعوذ بك من الكفر وعذاب القبر))(٣).
٤٥٢ - وفي مسند البزار عن شداد بن أوس، أن النبي ◌َّ قال: ((سيد الاستغفار إذا
انصرف أحدكم من صلاته أن يقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا
على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء بنعمتك عليَّ، وأبوء
بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت))(٤).
٤٥٣ - النسائي عن الحارث، عن مسلم التميمي، قال: قال رسول الله وَليقول: ((إذا
صليت الصبح فقل قبل أن تتكلم: اللهم أجرني من النار سبع مراتٍ، فإنك إن مُتَ من يومك
كتب الله لك جوازاً من النار، فإذا صليت المغرب فقل قبل أن تتكلم: اللهم أجرني من النار
سبع مراتٍ، فإنك إن مُتَ من ليلتك كتب الله لك جوازاً من النار)).
٤٥٤ _ النسائي عن أبي أمامة الباهلي، قال: قال رسول الله وَالر: ((من قرأ آية
الكرسي في دبر كل صلاةٍ مكتوبةٍ لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن
(١) صحيح: أخرجه أبو داود (١٥٢٢)، والنسائي (٥٣/٣)، وأحمد (٢٤٤/٥ -٢٤٥)، وغيرهم.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري (٦٣٦٥)، والترمذي (٣٥٦٧)، والنسائي (٢٥٦/٨، ٢٦٦)، وغيرهم.
(٣) صحيح: أخرجه الترمذي (٥٣٠٣)، والنسائي (٧٣/٣ - ٧٤)، وأحمد (٣٦/٥، ٣٩)، وغيرهم.
(٤) ضعيف: وأخرجه أيضاً النسائي (١٩٢/١)، والترمذي (٢٤٨/٢)، وأحمد (١٢٥/٤)، وانظر:
(مشكاة المصابيح)) للتبريزي (٩٥٥)، وتعليق الشيخ الألباني عليه.
١٠٢

یموت)»(١).
٤٥٥ - وعن عقبة بن عامرٍ، قال: ((أمرني رسول الله ولو أن أقرأ المعوذات دبر كل
صلاةٍ))(٢).
باب في الجُلُوسِ فِي المُصَلَى حَتّى تَطْلُعَ الشَّمس
٤٥٦ - ذكر مسلم بن الحجاج عن سماك بن حربٍ، قال: قلت لجابر بن سمرة:
أكنت تُجالس رسول الله وَلِّ؟ قال: نعم كثيراً، كان لا يقوم من مُصَلاهُ الذي يصلي فيه الصبح
أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية
فيضحكون ويبتسم.
٤٥٧ - وذكر الترمذي من حديث أبي ظُلالٍ، عن أنس بن مالك، قال: قال
رسول الله وَله: ((من صلى الغداة في جماعةٍ، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى
ركعتين كانت له كأجر حجةٍ وعُمرة. قال: قال رسول الله وَله: ((تامة تامة))(٣).
قال البخاري: أبو ظلالُ مقارب الحديث، يريد أن حديثه يقرب من حديث الثقات،
أي لا بأس به.
صَلَةُ المَرِيضِ وَصَلَةُ الصَّحِيحِ قَاعِداً فِي النَّافِلَةِ
٤٥٨ - البخاري عن عمران بن حصين، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي وَلقّى،
فقال: ((صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنبٍ)).
٤٥٩ - وعنه قال: سألت رسول الله وَ له عن صلاة الرجل وهو قاعدٌ، فقال: ((من
صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم)).
٤٦٠ - مسلم عن عبد الله بن عمروٍ، قال: حُدثت أن رسول الله وَلَه قال: ((صلاة
الرجل قاعداً نصف الصلاة)) فأتيته فوجدته يُصلي جالساً، فوضعت يدي على رأسه، فقال:
((ما لك يا عبد الله بن عمرو؟)) قال: حُدثت يا رسول الله أنك قلت: ((صلاة الرجل قاعداً نصف
الصلاة)) وأنت تصلي قاعداً، قال: ((أجل ولكني لست كأحدٍ منكم)).
(١) حسن: أخرجه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) برقم (١٠٠)، وابن السني برقم (١٢٤).
(٢) صحيح: أخرجه أحمد (١٥٥/٤)، وأبو داود (١٥٢٣)، والترمذي (٣٠٦٧)، والنسائي (٦٨/٣)،
وغيرهم.
(٣) حسن: وانظر: ((المشكاة) برقم (٩٧١).
١٠٣

٤٦١ - وعن عبد الله بن شقيقِ العُقيلي، قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله وَ ليه
فقالت: ((كان يكثر الصلاة قائماً وقاعداً، فإذا افتتح الصلاة قائماً ركع قائماً، وإذا افتتح
الصلاة قاعداً ركع قاعداً) وقد صح - أيضاً - عنها صفةٌ أخرى ذكره مسلم.
٤٦٢ - وعنها أن رسول الله وَل﴿ل كان يصلي جالساً فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من
قراءته قدر ما يكون ثلاثين آية ــ أو أربعين آية، قام فقرأ وهو قائمٌ، ثم ركع، ثم سجد، ثم
يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك. ذكرت أن هذه الصلاة صلاها رسول الله وَ قير بعدما كبر.
٤٦٣ - النسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((رأيت النبي ◌َّه يصلي مربعاً».
في معنى قول المصلي الله أكبر، وقوله سمع الله لمن حمده، ومعنى التسليم:
قال بعض العلماء: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وقل الحمد لله الذي لم يتخد ولداً ولم
يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً﴾ [الإسراء: ١١١]، أخبر
جل جلاله رسوله ◌َّلي أن تكبيره سبحانه لا يكون إلّ على هذه الأوصاف التي وصف بها نفسه
أنه لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك كما قال تعالى: ﴿لم يلد ولم يولد ولم يكن له
كفواً أحد﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤] لم يكن له شريكٌ في ملكه ينازعه، ولا نظير يقارنه، ولا
ولي يتكثر به من القلة، ولا نصير يتعزز به من الذلة، فأمر نبيه و لو أن يحمد من هذه صفته من
أجل أن الحمد لا ينبغي إلا له، ولا يجب لأحدٍ سواه، لأن من هذه صفته فاصل النعم كلها
من عنده، وهو المتفرد بها، وإن أجرى بعضها على يدي من شاء من خلقه فهو المجري لها،
فلا يكون الحمد خالصاً إلا له، ولا تصلح الكبرياء إلا له، كما قال تعالى: ﴿وله الكبرياء في
السموات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ [الجاثية: ٣٧] فأخبر تعالى أن الكبرياء في
السموات ليس إلا له، والكبرياء الكبر، العزة، والعظمة، والجلال، والسلطان، والقدرة،
والكمال، وهو العزيز في ملكه الذي عز فقدر، وتعظم فقهر، الحكيم الذي خلق كل شيء
بحكمته، وأجراه على مشيئته، وجعله متصرفاً على قبضته. فقول العبد الله أكبر إنما معناه الله
أكبر من كل شيء دونه، وإن كان ما دونه صغير بالإضافة إليه، فالواجب عليه أن يعتقد أنه
ليس في السموات السبع ولا في الأرضين السبع من يضر ولا ينفع غيره، وأن من نظر إلى
مخلوق بعين الضر والنفع فلم يكبر الله سبحانه عزّ وجلّ حق تكبره، ولا عظمه حق تعظيمه،
من أجل أنه قد أشرك معه في ملكه لما أضاف إليه الضر والنفع، ولهذا قال جلّ وعزّ لنبيه عليه
السلام: ﴿وكبره تكبيراً﴾ [الإسراء: ١١١] بعد إخباره إياه أنه لا شريك له في ملكه ليكون
تكبيره إياه مستوفياً من الصلاة التي لا تنبغي إلا له، ولهذا أخبر رسول الله ميلي أن التكبير يملأ
ما بين السموات والأرض، أراد به يملأ ما بينهما نوراً إذا كبر على الوجه المتقدم ذكره، فإذا
١٠٤

قال العبد الله أكبر على يقين أنه أكبر من أن يُرَدَ قضاؤه، أو يتعقب حكمه، أو تخالف مشيئته
أو يضُرَ دونه ضارٌ، أو ينفع دونه نافعٌ، حتى لا يكون في قلبه سواه، فكأنه لم ير في السموات
ولا في الأرض، ولا فيما بينهما شيئاً إلا الله وحده، فإذا رفع العبد الوسائط بينه وبين معلاه،
ولم ير ما بين العرش إلى الثرى شيئاً سواه، وصغر ما دونه، وترك النظر إلى غيره، ملأ الله له
ما بين أرضه وسمواته نوراً وجعل له ما بينهما قُواماً وخُداماً لأنه أخرج ما بين الطبقتين وما
فيهما من سره ملأ الله له ما بين الكونين من بره، وينبغي للعبد إذا قال في صلاته الله أكبر عند
افتتاحهما أن يكون ذكر الله في قلبه أكبر وأعظم من أن يذكر معه سواه، أو يخلط بذكره شيئاً
من دنياه إجلالاً له وتعظيماً، ولهذا سمى رسول الله وَ﴿ هذا التكبير تحريماً، فقال عليه
السلام حين ذكر الصلاة: ((تحريمها التكبير وتحليلها التسليم))، فنبه بهذا على أن الذي يقوم
إلى الصلاة إذا كبر تكبيرة الإحرام فقد حرم على نفسه كل ما كان مباحاً له قبلها من الاشتغال
بالدنيا ومعاشها، وما كان فيها من مخالطة أهلها، وقد احترم بحرمة الصلاة ودخل في حماها
ولم یشغل قلبه بذکر شيء سواها. وأما من کان في صلاته مقبلاً علی شهوته وغفلاته فلیس
لصلاته تحريم ولا لمناجاته حين يناجي ربه فيها تعظيم.
٤٦٤ - وقال عليه الصلاة والسلام: ((إن صلاتنا لا يصلح فيها شيءٌ من كلام
الآدميين، إنما هي تهليل وتكبير وقراءة))(١).
ولهذا قيل لتكبيرة الافتتاح تكبيرة الإحرام على التشبيه بالإحرام بالحج، لأن المحرم
بالحج إذا بلغ ميقاته تطهر ولبس ثياب إحرامه، وأقبل على ما هو قاصداً إليه فعله وعمله،
وحرم على نفسه ما كان مباحاً له قبل دخوله في الإحرام مثل الطيب واللباس والنساء وغير
ذلك، فكذلك المصلي إذا أراد أن يدخل في الصلاة وتطهر للوقوف بين يدي ربه، ثم قام إلى
الصلاة وأحرم باسم الله العزيز الكبير، وهو قوله الله أكبر معظماً له بقلبه من كبر، وأن يمتلىء
هيبة وخوفاً وخشية.
وقد قال بعض العلماء في قوله عزّ وجلّ: ﴿اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة
إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ [العنكبوت: ٤٥] أي هو أكبر في قلب
الذاكر له من أن يخلط ذكره بشيء سواه.
وقول المصلي سمع الله لمن حمده، معناه: قبل الله حمدي وحمد الحامدین، من أجل
(١) حديث صحيح: وهو في ((صحيح مسلم)) وسنن أبي داود (٩٣٠، ٩٣١)، وغيرهما، وانظر: ((إرواء
الغلیل) برقم (٣٩٠).
١٠٥

:
هذا يقول المأموم ربنا ولك الحمد، أي ربنا استجب لنا ولك الحمد على ما مننت به علينا
وهديتنا إليه، وكذلك يقول المصلي وحده سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، وكان عليه
السلام يقولهما جميعاً، والمصلي قبل أن يدخل في صلاته إنما هو كالعبد الآبق عن مولاه،
الهارب عن سيده، الذي لم يعطه حق العبودية لما يدخل عليه من الغفلات والزلات
والفلتات، فما بين أوقات الصلوات فهو في حال تلك الفلتاتِ والزلاتِ كأنه عبدٌ آبقٌ شارد
عن طاعة مولاه، فإنما يقوم المصلي على سبيل التنصل والاعتذار، وطلب العفو والاعتبار،
فإذا قام العبد إلى مولاه معتذراً من ذلك الجفاء، مستشعراً للمخافة منه والحياء، قد رمت
الهيبة جوارحه، وملأت مراقبة مولاه جوانحه، ثم انحط للركوع خاضعاً مُتذللاً، خاشعاً بعد
قراءة أم القرآن المفتتحة بالتحميد وما تيسر من كلامه المجيد فقد خرج من ذلك الجفاء
ودخل في العبودية، والحياء، والحمد، والثناء، فلما أخذ في رفع رأسه من الركوع للفصل
بينه وبين السجود، وأراد أن يقف منتصباً بين يديه، منتصباً مائلاً رغب لربه تبارك وتعالى أن
یکون بحمده قائلاً، والسماع مهنا بمعنی القبول، فسمع الله لمن حمده أي قبل الله حمدي كما
تقدم، والله - عزّ وجلّ - يكتب للمصلي في قوله سمع الله لمن حمده ثواب كل من دعا له
من مؤمنٍ ومؤمنةٍ لأن قوله سمع الله لمن حمده إنما هو دعاء معناه قبل الله حمد من حمده،
فلهذا يكتب له ثواب من قالها، لأنه قد جاء في الحديث الصحيح أن المؤمن إذا دعا لأخيه
بظهر الغيب قال الملك الموكل آمين ولك بمثل ذلك.
وقول المصلي: ((التحيات لله)» معناه هنا الملك لله، لأن التحية الملك، وأصله
التسليم، فوضعت موضع المُلك مجازاً، وإنما قال التحيات ولم يقل التحية لأن التحية في
الجاهلية إنما كانت للملوك، فإذا دخل عليهم من يَلونه ويحكمون عليه حيوهم بتحياتٍ
مختلفاتٍ، فيقولون لأحدهم: أبيت اللعن أي أبيت أن تأتي ما تلعن عليه، أي أفعالك كلها
محمودةٌ غير مذمومةٍ ويقولون لآخر: عم صبحاً وعم مساءً، أي دام نعيمك صباحاً ومساءً،
والآخر أسلم وأنعم، أي ابق سالماً في نعيم، وكانت العجم تقول لملوكها: عش ألف سنةٍ،
فكثر هذا حتى وضعت التحية موضع الملك، والعرب تقول: لبث فلان في تحيته خمسين
عاماً، أي في ملكه، فأمر المسلمون في التشهد أن يجعلوا تلك التحيات كلها لله أي ذلك
الملك الذي كان لأولئك الملوك إنما هو الله تعالى ملك الأملاك، وجبار الجبابرة، وقيوم
الدنيا والآخرة، فلذلك جاء الكلام بلفظ الجمع فقيل: التحيات لله، لأن المصلي لو قال
التحية لله لأوهم السامع أن المراد بعضها، ولا يكون المُلك على الحقيقة إلا لله وحده كما قال
تعالى: ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء
وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير﴾ [آل عمران: ٢٦] وقد أباح عليه السلام
١٠٦

للمصلي أن يدعو بعد التشهد بما شاء.
وقال بعض العلماء: أذن الله - عزّ وجلّ - للمصلي بمقتضى رحمته وسعة جوده أن
يدعو في صلاته ويستقضي ربه تبارك وتعالى حوائجه في مناجاته، قال عليه السلام لما عَلَم
التشهد: ((فإذا فرغ أحدكم فليدع بما شاء)». أذن الله عزّ وجلّ عند فراغه من السجود الذي هو
غاية الخضوع أن تجلس بين يديه مُطمئناً قلبه إليه وأن تُحييه بتحية الوصول الذي هو علامة
القبول، وأن يسأله حوائجه، فیرغب إليه فیما يصلحه، ويستغفره ليغفر له كما:
٤٦٥ - روي أن النبي ◌َ* دخل المسجد فإذا هو برجل قد قضى صلاته وهو يتشهد،
وهو يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم
يولد، ولم يكن له كفواً أحد أن تغفر لي ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم، فقال
رسول الله ◌َ: ((قد غفر له، قد غفر له)). وأما السلام من الصلاة فإنما هو علم على التحليل
منها والانفصال عنها، وقد أخبر رسول الله وَ له عن ذلك فقال: ((تحريمها التكبير وتحليلها
التسليم)) والتحليل ضد التحريم، والسلام اسم من أسماء الله تبارك وتعالى، وهذا دليل على
شرف الصلاة وجليل شأنها، ورفع مكانها لأن الله تعالى افتتحها باسمه الكبير الذي يقتضي
ترك كل مذكور سواه، وختمها باسمه الذي هو السلام ليكون علماً للمصلي على سلامته عند
فراغه منها عن الهفوات والغفلات التي سبقت، وقيل في قول المصلي: ((السلام عليكم)) أن
معناه الله عليكم، أي الذي اسمه السلام هو المشرف على نياتكم، المطلع على حقائق
طوياتكم، لا يغرب عنه شيءٌ من الأمور، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فخافوه
واتقوه، كما قال تعالى: ﴿واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه﴾ [البقرة: ٢٣٥]
فأعلمنا الله تبارك وتعالى أنه يعلم سرائرنا، ويشرف على ضمائرنا، ولولا أنه غفور - أي
يستر علينا ما يعلم من أسرارنا ويطلع عليه من أخبارنا ــ لهتك أستارنا وأظهر عوراتنا، ولو
أبدى أخبارنا القبيحة لعظمت علينا فيها الفضيحة، قال الله تعالى: ﴿إن الله كان عليكم رقيباً﴾
[النساء: ١] وقال عزّ وجلّ: ﴿أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾ [الرعد: ٣٣] فتكون
الفائدة في قول المصلي ((السلام عليكم)) تنبيهاً للقلوب على أن الله عزّ وجلّ هو المشرف على
سرائرنا، المطلع على ضمائرنا، وأن من هذه صفته لا ينبغي أن يعامل إلا بمعاملةٍ يكون فيها
الخلاص، وأن لا يُعبد إلا بعبادةٍ يقترن بها الإخلاص كما قال تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا
الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: ٥] وقال تعالى: ﴿ألا لله الدين الخالص﴾ [الزمر: ٣].
باب ذكر الخُشُوع
اعلم رحمك الله أن الخشوع روح الصلاة وحَيَوتها ونورها وضياؤها، وبه تصعد إلى
١٠٧

الملأ الأعلى وتنهض في السموات العلى، والخشوع انكسار القلب وإخباته وتواضعه لله
عزّ وجلّ وَذِلته وسكون الجوارح من أجل ذلك. وقد ذكر الله الخشوع في أول ما ذكر من
صفاتٍ المؤمنين في سورة من كتابه فقال سبحانه: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم
خاشعون﴾ [المؤمنون: ٢] وفي تفسير قول الله سبحانه: ﴿إن إبراهيم لحليم أواهٌ﴾ [هود:
٧٥]، الأواه: الخاشع المتضرع الكثير الدعاء والرغبة.
٤٦٦ - وقال عليه السلام لأصحابه رضي الله عنهم: ((أترون قلبي لههنا، فوالله ما
يخفى عليَ ركوعكم ولا خشوعكم، إني لأراكم من وراء ظهري» ذكره مالك في الموطأ من
حديث أبي هريرة، فذكر عليه السلام أنهم كانوا خاشعين.
وقد تقدم قوله ◌ّ وذكر الصلوات الخمس: من أتم ركوعهن وخشوعهن فجعل
الخشوع من شروط الصلاة التي لا تکمل إلا به.
٤٦٧ - وقد قيل: ((من صلى بغير خشوع كان كمن أهدى إلى ملكِ جاريةً بغير روح))
ولقد صدق، فإن الخشوع روح الصلاة كما تقدم. وماذا يفيدك أن تحضر جسدك وترفع
وتخفض بيديك وقلبك غائب غير حاضرٍ معك؛ وإنما أمرت أن تحضر بكُليتك ولا يغيب
شيء منك، وربما کان قلبك أهم ما تحضره من جسدك وتسكن به من جوارحك وأكد علیك
من سائرك على أن الطمأنينة في الصلاة فريضة، والسجود على الأعضاء التي أمرت أن تسجد
عليها واجبٌ، واستقبال القبلة لا خلاف في لزومه، وقد تقدم في صلاة النبي بَّل وفي تعليمه
الناس.
٤٦٨ - وقال عليه السلام: ((اسكنوا في الصلاة))، ذكره مسلم من حديث جابر بن
سمرة، فأمر عليه السلام بسكون الجوارح فيها.
٤٦٩ - وذكر أبو جعفر العقيلي عن الأحوص بن حكيم، عن خالد بن معدان، عن
عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله وَ له: ((إذا توضأ العبد فأحسن وضوءه ثم قام إلى
الصلاة فأتم ركوعها وسجودها والقراءة فيها، قالت له الصلاة حفظك الله كما حفظتني ثم
يصعد بها إلى السماء ولها ضوء ونور، وفتحت لها أبواب السماء حتى تنتهي إلى الله تبارك
وتعالى فتشفع لصاحبها، وإذا ضيع وضوءها وركوعها وسجودها والقراءة فيها قالت له
الصلاة ضيعك الله كما ضيعتني، ثم صُعد بها إلى السماء فغلقت دونها أبواب السماء، ثم تلف
كما يلف الثوب الخلق ثم يضرب بها وجه صاحبها(١) فذكر إتمام الركوع والسجود في هذا
الباب والذي تقدم في هذا المعنى يغني عن هذا الحديث وهو أشهر وأعلى إسناداً.
(١) ضعيف: فيه الأحوص بن حكيم، ضعيف الحديث.
١٠٨

٤٧٠ - وسئل الجنيد بن محمد رحمه الله عن فرض الصلاة فدل السائل على مجالس
الفقهاء، فلما مضى السائل قال لأصحابه: تدرون ما فرضُ الصلاة؟ قالوا: يذكر الشيخ.
قال: فرض الصلاة قطع العلائق، وجمع الهمم، والحضور بين يدي الله تعالی.
٤٧١ - ويروى أن الله تعالى أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: أن قل لقومك
تحضرون بأبدانكم، وتعطوني بألسنتكم، وتُغيبون عني قلوبكم باطلاً ما تذهبون.
فعليك رحمك الله أن تحضر قلبك في صلاتك جهد استطاعتك، ومبلغ طاقتك، وأن لا
تصرفه لههنا ولا لهُهنا، وأن لا تمر به هكذا وهكذا، وأن ترفع عنه الخواطر المائلة به،
والأحاديث الشاغلة له، وأن تسمع ما تقرأ وتعقل ما تفعل، فإنه ليس لك من صلاتك إلا ما
عقلت، ولا یکتب لك منها إلا ما فيه حضرت.
٤٧٢ - وذكر أبو داود في ((كتاب السنن)) عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال:
سمعت رسول الله وَله يقول: ((إن الرجل لينصرف وما كُتب له إلا عُشر صلاته، تُسعها،
ثُمنها، سُبعها، سُدسها، خُمسها، رُبعها، نُصفها، ثُلثها)).
٤٧٣ - وذكر النسائي عن أبي اليسر - صاحب رسول اللهوَ له ــ أن رسول الله وَلـ
قال: ((منكم من يصلي الصلاة كاملة، ومنكم من يصلي النصف، والثلث، والربع،
والخمس)) حتى بلغ العُشر.
٤٧٤ - وعن أبي هريرة، عن رسول الله وَلقر قال: ((إن العبد ليصلي فما يكتب له
عشر صلاته، فالتسع، فالثمن، فالسبع، حتی تکتب له صلاته كاملة)).
فعلى حكم هذه الأحاديث إنما يكتب لك من صلاتك ما حضر فيها قلبك، وعقله
عقلك .
٤٧٥ - وقال سلمان، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما: ((الصلاة مكيال، فمن
وَفَى وفى له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله في المطففين)).
٤٧٦ - وقال عليه السلام: ((ما من مسلم يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يقوم فيصلي
ركعتين مقبلاً عليهما بقلبهِ ووجههِ إلا وجبت له الجنة)). ذكر مسلم من حديث عقبة بن عامر،
فشرط عليه السلام حضور القلب في الصلاة.
٤٧٧ - وقال عليه السلام: ((إن المصلي يناجي ربه، فلينظر بماذا يناجيه)).
واعلم أن المناجي لا يكون مناجياً حتى يعلم من يناجي، وبما يناجي، ويحضر عند
المناجاة، فقد علمت كيف يكون العبد منا إذا ناجى سيده من أهل الدنيا، والحر إذا ناجى
عظیم قریته، أو أمیر بلدته کیف یکون إصغاؤه إليه، وتذلله بین یدیه، وخشوع بدنه، وسكون
١٠٩

جوارحه، وحضور قلبه لسماع كلامه وتلقي حديثه، بل الصاحب مع من يُوقر من أصحابه،
ويُعظم من إخوانه، فأقل درجتك يا هذا، وأحط منزلتك، وأدنى مرتبتك أن تكون كذلك مع
ربك تبارك وتعالى، وكما تحب أن لا تصرف وجهك عن قبلتك في صلاتك فكذلك لا تصرف
قلبك عن ربك.
٤٧٨ - وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((إن الرجل لتشيب عارضاه في الإسلام
وما أكمل الله له صلاته)) قيل: وكيف ذلك؟ قال: ((لا يتم خشوعها، ولا تواضعها، ولا إقباله
على الله عزّ وجلّ فيها)).
٤٧٩ - وقال عبادة بن الصامت: ((أول ما يرفع من الناس الخشوع، يوشك الرجل
يدخل مسجداً جماعةً فلا یری فیه رجلاً خاشعاً».
نعم أمر الوسواس في الصلاة شيء غالبٌ ومبعوثٌ مسلط، ورده بالجملة لا يُطاق،
ودفعه كله لا يقدر عليه، ولا يقوم به إلا من أيده الله بتأييده، وأمده بإمداده، ولم تكلف قطع
الخواطر عنك أصلاً، ولا منعها من الولوع على قلبك رأساً، ولكن عليك إذا حضرت
الاجتهاد في ردها، والمدافعة لها، وبعد جهدك لا تلام إن شاء الله تعالى.
٤٨٠ - قال أحمد بن أبي الحواري: قال أبو سليمان الداراني: ((إذا قمت إلى الصلاة
فتذكر من أنت إليه قائم، وبين يدي من أنت واقف، واعتقد نفي ما يجري عليك من الخواطر
المذمومة، فإذا فرغت فاستغفر الله عزّ وجلّ فإنه سبحانه يقبل العقد الأول والآخر، ويغفر ما
بينهما برحمته تبارك وتعالى)).
٤٨١ - وقال أبو حمزة: ((يستعان على رد الوسواس بملاحظة قيام الله
- عزّ وجلّ ــ على القلب وقدرته على العبد)).
وقد ذهب طائفة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم إلى تخفيف الصلاة مخافة
الوسواس أن تكثر عليهم، ويمنعهم من الإقبال على صلاتهم، فانظر قبل دخولك في الصلاة
في الأسباب التي تخاف أن تَشغلك وتُميلك، أو تتذكرها فتذهب بقلبك، فاقطعها كلها عنك،
واقطع منها ما أمكن قطعه من غير رخصةٍ، أو استراحة إلى تأويل غير صحيح، ألا تراه عليه
السلام قد قال: ((لا صلاة بحضرة الطعام)) إشارةً والله أعلم، إلى أن يتعلق القلب بالطعام،
وأن يكون متفرغاً لما هو فيه من الصلاة، مقبلاً على ما هو فيه من المناجاة، وكذلك وهو
يدافع الأخبثين لما في ذلك والله أعلم بما على المصلي من الأشغال والمشقة والأذى في تلك
المدافعة، وهذان الحدیثان ذکرهما مسلم.
٤٨٢ - وذكر مالك في الموطأ عن عائشة رضي الله عنها قالت: أهدى أبو جهم بن
١١٠

حذيفة، إلى رسول الله وَهُ خميصة شامية لها علمٌ، فشهد فيها الصلاة، فلما انصرف قال:
(ردي هذه الخميصة إلى أبي جهم فإني نظرت إلى علمها في الصلاة فكاد يفتني)).
وقد يكون هذا النظر من النبي عليه السلام إلى هذه الخميصة تعزية لأمته ورحمة لهم،
ورفقاً من الله - عزّ وجلّ ــ بهم، وعذراً عنده جل جلاله إذا شغلوا في صلاتهم لضعفهم
وقلة حزمهم، أو يكون ذلك لتقتدي به في ذلك أمته، فيتفرغون لصلاتهم بترك ما يشغلهم
عنها ويفتنهم فيها، وهذا أصح والله أعلم.
٤٨٣ - وذكر مالك ــ أيضاً ــ في الموطأ، عن عبد الله بن أبي بكرٍ، أن أبا طلحة
الأنصاري كان يصلي في حائط له، فطار دبسي فطفق يتردد يلتمس مخرجاً، فأعجبه ذلك،
فأتبعه بصره ساعة، ثم رجع إلى صلاته، فإدا هو لا يدري كم صلى، فقال: لقد أصابني في
مالي هذا فتنة، فجاء إلى رسول الله ويّير فذكر له الذي أصابه في ماله من الفتنة، وقال: يا
رسول الله، هو صدقة لله فضعه حیث شئت.
٤٨٤ - وعن عبد الله بن أبي بكرٍ - أيضاً -: أن رجلاً من الأنصار كان يصلي في
حائطٍ له بالقُفِ - وادٍ من أودية المدينة في زمان التمر والنخل، وقد ذللت فهي مطرقة
بتمرها - فنظر إليها فأعجبه ما رأى من ثمرها، ثم رجع إلى صلاته فإذا هو لا يدري كم
صلى، فقال: لقد أصابتني في مالي هذا فتنةٌ، فجاء عثمان بن عفان وهو يومئذ خليفةٌ، فذكر
له ذلك وقال: هو صدقة فاجعله في سبيل الخير، فباعه عثمان بخمسين ألفاً، فسُمي ذلك
المال الخمسين.
فانظر إلى عزيمة هؤلاء الرجال وقولهم، وزهدهم في الدنيا، ورغبتهم فيما عند الله
عزّ وجلّ.
٤٨٥ - ويروى عن يوسف بن حبيب أنه قال: قلنا لحبيب بن عبد الله: أوصنا،
فقال: أوصيكم بالقرآن فإنه نور الليل المظلم، وهدى النهار المضيء، وأوصيكم
بالمجاهدة، والاستدراك لما فات، والاستعداد لما هو آتٍ، وإن عرض لكم بلاءٌ فقدموا
أموالكم قبل أنفسكم، ثم أنفسكم قبل أديانكم، فالمحروم من حُرم دينه، والمسلوب من
سُلب دينه، وإذا وقفتم بين يدي ربكم في الصلاة فاجعلوا الجنة والنار بين أيديكم، والميزان
والصراط حولكم، كأنكم تقولون: ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون.
٤٨٦ - وقال أبو القاسم منصور بن أحمد، عن علي بن جعفر، قلت لأبي سعيد
الخراز، أن رجلاً عندنا یقول: لو أن رجلاً وقف يصلي فعرف حقيقة ما هو فيه، ثم جاءت نارٌ
التفت إليها حتى تحرقه، فقال: صدق، وسأضرب لك مثلاً إنه من عرف الله ثقلت عليه
١١١

السموات والأرض.
٤٨٧ - وقال أويس القرني لرجل: ((إذا قمت للصلاة فكن كأنك قد قتلت أهل
السموات والأرض - يعني من رهبتك وخشیتك وخوفك ممن تقوم بین یدیه)).
٤٨٨ _ وقال مروان بن محمدٍ: ((ما رأيت سعيد بن عبد العزيز قط في صلاة إلا رأيت
دمعه يقطر على الحصير)) .
٤٨٩ - وقال له أبو عبد الرحمن الأسدي: ما هذا البكاء الذي يعتريك في الصلاة؟
قال: وأيش سؤالك عنه؟ قال له: لعل الله أن ينفعني بذلك، قال له: يا ابن أخي ما قمت قط
إلى الصلاة إلا ومثلت لي جهنم.
وأوصى رجل من الأنصار ابنه بوصايا، وفيها: وصل صلاة مودع وأنت ترى أنك لا
تصلي صلاة بعدها أبداً.
٤٩٠ - وقال عليه السلام: ((الصلاة تخشعٌ، وتضرعٌ، وتمسكن، وتقنع يديك))
يقول: ترفعها إلى ربك مستقبلاً بطونها وجهك، وتقول: يا رب يا رب. ذكر الترمذي من
حديث الفضل بن عباس(١).
٤٩١ - وذكر البزار من حديث عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله وَله: ((قال الله
تبارك وتعالى: إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطل على خلقي، ولم يبت
مُصراً على معصيتي، وقطع نهاره في ذكري، ورحم المسكين، وابن السبيل، والأرملة،
والمصاب، ذلك نوره كنور الشمس، أكلؤه بعزي، واستحفظه مليكي، أحول له في الظلمة
نوراً، وفي الجهالة حلماً، ومثله في خلقي كمثل الفردوس في الجنة))(٢).
وذكر في هذا الحديث التواضع في الصلاة، ولا يكون التواضع إلا بالخشوع والحضور
واجتماع القلب عند من يقوم مصليّاً بين يدي، المعنى والله أعلم أن العبد إذا كان على هذه
الصفة، وأتى بهذه الصلاة وجب من فضل الله ورحمته قبولها، وإن كان لا يجب على الحقيقة
على الله عزّ وجلّ شيءٌ. وإذا لم يكن العبد على هذه الصفة، ولا أتى بهذه الصلاة؛ بقي تحت
(١) صحيح: أخرجه أصحاب السنن إلّ النسائي، وانظر: ((سنن الترمذي)) (٢٢٧/٢ - وهامشه للشيخ
شاكر).
(٢) ضعيف: أخرجه البزار برقم (٣٤٨ - كشف)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١٤٧/٢): (( ... فيه
عبد الله بن واقد الحراني، ضعفه النسائي والبخاري وإبراهيم الجوزجاني وابن معين في روايته، ووثقه
أحمد وقال: يتحرى الصدق، وأنكر على من تكلم به، وأثنى عليه خيراً، وبقية رجاله ثقات)) اهـ.
قلنا: والإسناد ضعيف لضعفه.
١١٢

الرجاء وانتظار السبب الممتد، والفيض الذي لا ينقطع ولا ينفد.
٤٩٢ - ويروى عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كان رسول الله مَله إذا حضر الصلاة
كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه)) تعني اشتغالاً منه بالصلاة، وإقبالاً عليها، واهتماماً بها .
٤٩٣ - وقال عليه السلام: ((جُعلت قُرةُ عيني في الصلاة)) ذكره النسائي.
٤٩٤ - وكان * يقول: ((يا بلال أرحنا بالصلاة)). لأنه كانت راحةً فيها.
٤٩٥ - وقد سُئل عليه السلام عن الالتفات في الصلاة، فقال: ((هو اختلاس يختلسه
الشيطان من صلاة العبد)) ذكره البخاري عن عائشة رضي الله عنها .
٤٩٦ - قال أبو طالب المكي: حدثنا بعض العارفين، قال: صليت ركعتين من
السحر، ثم غفوت بعدها فرأيت قصراً عالياً ذا شُرَافاتٍ بيضٍ كأنهن الكواكب، فاستحسنته
فقلت: لمن هذا القصر؟ فقيل لي: هذا ثواب الركعتين، ففرحت وجعلت أطوف حوله،
فرأيت شرافة من ركنه قد وقعت، فشانه ذلك وعابه، فاغتممت وقلت: لو كانت هذه الشُرافة
في موضعها تم حسن هذا القصر، فقال لي غلام كان هنالك: قد كانت هذه الشُّرافة في مكانها
من القصر إلا أنك التفت في صلاتك فسقطت.
وهذا في النظر في الصلاة إلى المباح أن تنظر إليه في غير الصلاة، وأما النظر إلى ما
حرم النظر إليه فإن تعمد ذلك يفسد الصلاة، وفاعل ذلك قد ارتكب محرماً وأصاب مأثماً،
وأمره إلى الله تعالى.
٤٩٧ - يروى عن أبي يعقوب يوسف بن الحسين رحمه الله تعالى قال: ((بينا أنا وذو
النون المصري في بعض الزيارات جاء علينا يوم الجمعة، فدخلنا بعض القرى لنؤدي فرض
الجمعة، ففعلنا وأقمنا حتى صلينا العصر ثم خرجنا، فسلم ذو النون على رجل مكفوف
البصر وعليه آثار الخدمة، وبهاء الطاعة، فاغتم ذو النون لكف بصره، فقال له الرجل: يا ذا
النون لا تعترض على العادل في حکمه، فإن من نظر إلی سواه کان هذا جزاءه، فلما خرجنا
سألت ذا النون عنه فقال: هذا كان يوماً في صلاته فنظر إلى شخصٍ محرم عليه النظر إليه،
فندم فلم يزل يبكي على تلك النظرة حتی عمی)).
٤٩٨ - ويروى عن يحيى بن زكريا عليه السلام أنه قال لبني إسرائيل: ((وأمركم
بالصلاة، فإذا قام أحدكم في صلاته فلا يلتفت، فإن الله عزّ وجلّ لا يزال مقبلاً بوجهه على
عبده ما لم يلتفت، وإنما مثل ذلك مثل رجل دخل على سلطان فأخلى له نفسه وقال له
حاجتك، فجعل الرجل يلتفت يميناً وشمالاً، فقال له الملك في آخر كلامه: قم فاخرج،
فخرج بغیر حاجته)).
كتاب التهجد - م٨
١١٣

٤٩٩ - وقال أحمد بن أبي الحواري: ((إذا قام العبد إلى الصلاة قال الله تعالى:
ارفعوا الحجب بيني وبين عبدي، فإذا التفت قال: ارخوها ودعوه وما رضي لنفسه)).
٥٠٠ _ وروي عن عطاء بن أبي رباح، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: ((إذا قام العبد
إلى الصلاة فإنه بين يدي الرحمن سبحانه، فإذا التفت قال له الرب جل جلاله: يا ابن آدم إلى
من تلتفت، إلى ربٍ خيرٍ مني تلتفت، أقبل إليَّ فأنا خيرٌ لك ممن تلتفت إليه)).
واعلم أن قول الله عزّ وجلّ: ﴿والذين هم على صلاتهم يحافظون﴾ [المعارج: ٣٤]،
يحتمل أن يكون المحافظة على الوقت، والمحافظة على أعمال الصلاة، من قراءةٍ، وقيامٍ،
وركوع، وسجودٍ، وغير ذلك من الطمأنينة والسكون، وحضور القلب، وسائر أعمالها، فمن
حافظ عليها هذه المحافظة، وأتى بها على هذه الصفة كان على ما سواها من دينه أشد
محافظة، ومن ضيعها كان لما سواها من دينه أشد تضييعاً.
٥٠١ - كما قال عمر بن الخطاب: ((إن أهم أموركم عندي الصلاة فمن حفظها
وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع)).
٥٠٢ - وفي الخبر عن النبي عليه السلام: ((من هانت عليه صلاته كان على الله
أهون)».
٥٠٣ _ وكان الحسن البصري رضي الله عنه يقول: ((يا ابن آدم ماذا يعز عليك من
دینك إذا هانت علیك صلاتك)).
واعلم أن الخشوع ليس مخصوصاً بالصلاة، بل يكون في كل وقتٍ، ولكنه في الصلاة
٠
أقرب إلى الخشوع، إنما يتولد عن تعظيم الله عزّ وجلّ وهيبةٍ له وإجلال لسلطانه، والصلاة
موضع تعظيم الله وإجلال له سبحانه وتعالى .
٥٠٤ - ويروى أن الله عزّ وجلّ أوحى إلى داود عليه السلام: ((يا داود اذكرني حين
تذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك، ولكن عند ذكري خاشعاً مطمئناً، وإذا قمت بين يدي فقم
مقام العبد الذليل الحقير، وذم نفسك فإنها أولى بالذم، وناجني حين تناجيني بقلب خائفٍ
ولسانٍ صادق».
٥٠٥ _ ويروى أن الحسن رحمه الله تعالى نظر إلى رجلٍ يعبث بيده في لحيته وهو في
الصلاة، فقال: لو خشع قلب هذا خشعت يده. ونظر يوماً إلى رجل يعبث بالحصى في
الصلاة وهو يقول: اللهم زوجني من الحور العين، فقال: بئس الخاطب أنت تخطب الحور
العين وأنت تعبث بالحصى، وقال تعالى: ﴿وبشروا المخبتين﴾ [الحج: ٣٤]، قيل في
١١٤

تفسير المخبتين: هم أئمتهُ المتواضعون، يقال: أخبت إلى الله فهو مخبتٌ، إذا تواضع
وتضرع، ومنه قوله: ﴿وأخبتوا إلى ربهم﴾ [هود: ٢٣] أي خضعوا وتضرعوا، وقيل:
أخبتوا: اطمأنوا وسكنت نفوسهم إليه، وأخبت الرجل توقى المأثم، قيل: ومنه: ﴿وبشروا
المخبتين﴾ [الحج: ٣٤]. وقال بعض الصوفية: الإخبات: قبض الصفات عن الحركات،
قيل له: فما حقيقة ذلك؟ قال: جَمعْ السِرِ أن يَقْسِمَ لغير الله. قالوا له: زدنا، قال: ما فوق
هذا عندي مزید.
٥٠٦ _ ويروى أن رباحاً القيسي، قال: ((غدوت يوماً إلى رابعة العدوية زائراً
فوجدتها تصلي، فلما سلمت قالت لي: يا رباح، إني أجد في عيني خشونة، فنظرت في
عينها وإذا قطعة قصبٍ كبيرة مغروسة في عينها، وكانت تصلي على باديةٍ - يعني على
حصيرٍ - وإذا قد سجدت بالليل فدخلت القصبة في عينها ولم تشعر لشغلها بصلاتها،
وخشوعها في وقت سجودها، وحين مناجاتها. قال رباح: فوالله ما أخرجتها من عينها إلا
بعد مشقة، فتعجبت من شغلها عن الأكوان حال وجودها في سجودها».
هذه رابعة کان سرها قد اجتمع عند ربها فلم تحس بما نزل من جسدها.
٥٠٧ - وقيل لخلف بن أيوب: ((ألا تطرد الذباب عنك في الصلاة؟ قال: لا أعود
نفسي شيئاً يُفسد عليَّ صلاتي. قيل له: وكيف تصبر على أذاها؟ قال: بلغني أن من الناس من
يصبر تحت السياط ليقال فلانٌ جُلدَ، وفلانٌ صبور، ويفتخر بذلك، أفأتحرك أنا الذبابةٍ تنزل
عليَّ وأنا بين يدي ربي أناجيه، وأتلو كتابه)).
وغير بعيد هذا، فإن القلب إذا استغرق بشيءٍ شغل عن شيء آخر، وقد يُنادَى فلا
يَسمعُ، وقد يُصاب جسده بما يؤلم الألم الكثير، وبما يوجع فلا يحس به ولا يشعر بوقوعه،
وقد شوهد من هذا کثیرٌ.
٥٠٨ _ ذكر ابن جهضم في كتابه عن أبي القاسم سمنون المحب، قال: كان في
جيراني رجلٌ له جارةٌ، وكان كثير الميل إليها، شديد المحبة فيها، فاعتلت الجارية علة
شديدةً فأخذه ما قدم وما حدث، فبينا هو يوماً يحرك حساءً صنعه لها بمحراكِ إذ قالت
الجارية أوه، فسقط المحراك من يده وجعل يحرك الحساء بيده حتى سقط لحم أصابعه وهو
لا يشعر، فنظرت إليه الجارية فقالت: ما هذا؟ - فاستيقظ فنظر إلى أصابعه فرأى لحمها قد
سقط، فقال لها: هذا من أجل قولك أوّه. وقد يجد الألم الكثير فيصبر عليه ولا يتحرك عند
نزوله.
٥٠٩ _ ويروى أن رجُلاَ ضُربَ بسياطٍ كثيرة فلم يتكلم ولم يتحرك، ثم ضُربَ سوطاً
١١٥

واحداً فقامت فصاح وتحرك واضطرب، فقيل له: ويلك ضُربت كذا وكذا ولم تتكلم ولا
تحركت، ثم ضُربت سوطاً واحداً فقامت قيامك، فقال: إن الذي كنت أُضرب بسببه كان
يراني فكنت أصبر له وأتحبب بذلك إليه، وإذا ضُربتُ هذا السوط كان قد صرف عينيه عني،
فلما علمت أنه لا يراني ولا يعلم بمكاني لم أقدر على الصبر وكان ما رأيتم.
٥١٠ - وممَّا جَرَ ذكر الذباب والصبر عليها، ما ذكر أنه كان بقرطبة رجل من عظمائها
وكان كثير الوقار، كثير السكون، كان إذا جلس في جماعة لم يتحرك ولم يتقلب، ولم يلتفت
يميناً ولا شمالاً، فخرج يوماً في جنازةٍ شهدها عظماء البلد، فجلس معهم في الجبانةِ،
فدخلت بين جلده وبين ثوبه زنابير فجعلت تلسعه فلا يتحرك، ولا يضطرب، ولا يلتفت
وكأنها إنما تلسع صخرة من الصخور، إلا أنه جعل لونه يتغير، ويحمر وجهه ويصفر، حتى
فرغ من دفن الجنازة، فانصرف إلى منزله، وخلع ثوبه، وإذا بجسده قد تورم وتعقد من لسع
تلك الزنابير. وكان رجلاً فاضلاً كثير المعروف، كثير الخير، كثير الصدقات، يقول ذلك
بعض الفقراء بعد موته، وأظهر هذه الحكاية رحمه الله، وهذا الرجل المذكور هو القاضي أبو
عبد الله محمد بن أصبغ، وهو من جلَتِها وأحد فقهاءِ الشورى.
فإذا كان هذا قد تحمل المشقة، وصبر على هذه الآلام من أجل الناس، ولكي لا
يوصف بالجزع، وقلة الصبر، وعدم الوقار، فكيف يكون في صلاته مخافة أن يسقط من عين
الله، أو يأتي بشيءٍ يشينه عند الله تعالى. وكذلك ذلك الأول هو أحرى أن يتحمل ما تحمل
توقیراً لوقوفه بين يدي ربه، وتعظيماً لمشاهدته وهيبة لاطلاعه تبارك وتعالى عليه.
٥١١ - ويروى عن مسلم بن يسار رحمه الله أنه كان إذا أراد الصلاة قال لأهله:
«تحدثوا کیف شئتم فإني لا أسمعكم)).
٥١٢ - ويروى أنه كان يصلي في جامع البصرة، فسقط منه ناحيةٌ فلم يشعر بذلك.
٥١٣ _ ويروى أن الحريق وقع في بيته وهو قائمٌ يصلي ففزع إليه الناس حتى أطفأوه
وهو قائم يصلي، فلما انصرف من الصلاة أعلمته امرأته، فقال: ما شعرت بذلك.
٥١٤ - وكان عبد الله بن عمر بن الخطاب يصلي فيرجع ويتأوه، حتى لو رآه رجلٌ
ممن لا يعرفه لقال هذا مجنونٌ.
وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى لا يتحرك في صلاته ولا يحك شيئاً من جسده
حتى يفرغ.
وكان عبد الله بن الزبير رحمه الله تعالى يصلي، فجاء حجر المنجنيق، فأخذ طائفة من
ثوبه، فما انتقل عن صلاته حتى فرغ. وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه جذعٌ من الخشوع لا
١١٦

يتحرك، وكذلك كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
٥١٥ - وقال أبو المصعب: كان مالك بن أنس يُطيل الركوع في ورده، وإذا وقف في
الصلاة كأنه خشبةٌ يابسةٌ لا يتحرك منه شيء، فلما ضُرب وأصابته العلة قيل له: لو خففت من
هذا قليلاً، فقال: ما ينبغي لأحدٍ إذا عمل عملاً إلّ حَسَّنه لأن الله عزّ وجلّ يقول: ﴿ليبلوكم
أيكم أحسن عملاً﴾ [هود: ٧].
٥١٦ - وكان أبو يزيد البسطامي إذا دخل في الصلاة سمعت لأعضائه حركة كأنها
عظامٌ في جرابٍ.
٥١٧ - ويروى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يتغير وجهه ويتلون إذا حضر
وقت الصلاة، ويقول: جاء وقت أمانةٍ عرضت على السموات والأرض والجبال، فأبين أن
يحملنها وأشفقن منها .
٥١٨ _ وكان سليمان التيمي رحمه الله تعالى إذا تهيأ للصلاة يصفر ويحمر، ويقول:
إني أريد القيام بين يدي الله عزّ وجلّ.
٥١٩ - وقال سفيان الثوري: لو رأيت منصور بن المعتمر يصلي لقلت يموت
الساعة .
٥٢٠ - وقال مجاهد بن جبير: كنت إذا رأيت العرب استجفيتها، فإذا قاموا إلى
الصلاة، فكأنهم أجسادٌ لا أرواح فيها من خشية الله تعالى - يعني بالعرب الصحابة
والتابعين - رضوان الله عليهم.
٥٢١ - وقال أبو بكر بن عياشٍ: رأيت حبيب بن أبي ثابت يصلي وكأنه ــ ميتٌ
یعني من خوفه و خشوعه .
٥٢٢ - وكان يحيى بن وثاب إذا انصرف من الصلاة مكث ما شاء الله تُعرف عليه كآبة
الصلاة .
٥٢٣ _ وكان إبراهيم النخعي يمكث ساعة بعد الصلاة كأنه مريضٌ.
٥٢٤ - ويروى عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ((ركعتان في تفكرٍ خيرٌ من قيام
لیلةٍ والقلب ساٍ)).
٥٢٥ - وروى أبو طالب المكي عن بشر بن الحارث، عن سفيان الثوري، أنه قال:
«من لم یخشع فسدت صلاته)).
١١٧

٥٢٦ - ويروى عن الحسن أنه قال: ((كل صلاةٍ لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة
أسرع)).
٥٢٧ - وعن معاذ بن جبل: ((من عرف من على يمينه ومن على شماله وهو في
الصلاة متعمداً فلا صلاة له)) .
٥٢٨ - وقال سعيد بن جبير: ((ما عرفت من على يميني، ولا من على يساري منذ
أربعين سنة منذ سمعت عبد الله بن عباس، يقول: الخشوع في الصلاة أن لا يعرف المصلي
من على يمينه وشماله)).
٥٢٩ - وقال محمد بن سيرين: ((كانوا يستحبون للرجل إذا قام في الصلاة لا يجاوز
بصره مصلاه حيث يسجد، وإن كان استعاد شيئاً غمض عينيه)) يقول: إذا كان تعود في صلاته
أن ينظر غمض عينيه حتى لا ينظر .
٥٣٠ - وكان عبد الله بن مسعودٍ إذا قام في الصلاة غض بصره وصوته ويده.
٥٣١ - وكان منصور بن المعتمر إذا صلى ضرب صدره بلحيته.
٥٣٢ _ وكان عباس بن عبد الله بن قيس من خاشعي هذه الأمة، وكان إذا صلى
ضربت ابنته بالدف وتحدثت النساء بما يتحدثن به، فلا يسمعهن ولا يعقل ما يفعلن، وقيل له
ذات يوم: أتحدث نفسك بشيء في الصلاة؟ قال: نعم، بوقوفي بين يدي الله عزّ وجلّ،
ومنصرفي إلى أحد الدارين. فقيل له: إلا بما نُحدث به أنفسنا من أمر الدنيا وما يوسوس به
الشيطان إلينا، فقال: لأن تختلف الأسنة في صدري أحب إليَّ من ذلك.
٥٣٣ _ وقال سعد بن معاذٍ صاحب النبي ◌َّر: ((ما كنت قط في صلاةٍ فشغلت نفسي
بغيرها حتى أقضيها، ولا كنت قط في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول ويقال لها حتى
أنصرف عنها».
هذا الذي يذكر عن هؤلاء الأفاضل كثيرٌ، وقد ذكر أيضاً نحوه عن طائفةٍ غيرهم، وهو
فضل الله يؤتيه من يشاء، وربما كان الأغلب من حالهم، والأكثر من صلاتهم، أو فيها كلها
والله أعلم.
وقال بعضهم: الصلاة من الآخرة، فإذا دخلت فيها خرجت من الدنيا. وقيل لآخر هل
تذكر في الصلاة شيئاً؟ فقال: وهل شيءٌ أحب إليَّ من الصلاة حتى أذكره فيها.
وإذا خشع قلبك وحضر انطرد وسواسك، وطابت مناجاتك، وقصر عليك من الصلاة
ما طال على غيرك.
١١٨

٥٣٤ - كان عبد الله بن الزبير رضي الله عنه يسجد فيطيل السجود حتى تنزل العصافير
على ظهره من طول سجوده ما تحسبه إلا جذع حائط .
٥٣٥ - وعن حماد بن زيد، قال: كان عبد الله بن غالب الحداي يسجد السجدة
فيذهب الذاهب إلى الكلأ ويرجع وهو على حاله، وعبد الله بن غالبٍ هذا من كبار عظماء
العابدين، وهو الذي وُجِدَ في قبره ريح المسك ودام ذلك، ومشى إليه العلماء والثقات،
وشاهدوا ذلك منه، ولما كثر سير الناس إليه خيف عليهم الفتنة فسوي بالأرض وعُمي مكانه.
٥٣٦ - وذكر ابن مغيث بإسناده إلى عبد الله بن وهبٍ، قال: سمعت سليمان بن
القاسم رحمه الله يوم عيدٍ عند منصرفنا من المصلى لأنظر عند من يتعدى، فدخل المسجد
الجامع فظننت أنه مسلكه، فدخلت خلفه فمال إلى الصف الأول فكبر للصلاة فكبرت خلفه
وصليت ركعتين وقعدت في التشهد، وخرّ ساجداً فسمعته يقول في سجوده: يا رب انصرف
عبادك إلى ما أعدوا من زهرات الدنيا ليومهم هذا من زينتهم وطعامهم، وانصرف عبدك
سليمان إليك يسألك فكاك رقبته من حر نارك، ويسألك مغفرتك برحمتك، فيا ليت شعري
ماذا فعلت به، هل قبلته وتجاوزت عنه، فإن كنت قبلته فقد نعم، وسعد، وأفلح. وإن كنت
لم تفعل فيا ويحه، ويا بؤسه، وأخذ في البكاء والانتحاب فطال عليّ انتظاره فقلت في نفسي
أنصرف إلى منزلي وإلى من عودته الفطر معي، فإني أخاف أن يستبطئوني فينصرفوا، فجعلت
على ثوبه علامةً وهو ساجدٌ، فذهبت إلى منزلي فتغديت مع القوم وأطلت الحديث معهم، ثم
انصرفوا وأخذتني نعسةٌ فنمت نوماً طويلاً ثم استيقظت فجددت الوضوء ثم لبست ثيابي
ودخلت المسجد قريباً من الزوال وإذا هو ساجدٌ على حاله وعلامتي على ثوبه لم يزل وهو في
بکائه وتضرعه حتى وصل الظهر بصلاته .
وأما البكاء في الصلاة فقد بکی رسول الله ێ فيه :
٥٣٧ - قال عبد الله بن الشخير: أتيت رسول الله وَّه وهو يصلي ولجوفه أزيرٌ كأزير
المِرجَل ـ يعني يبكي. ذكره النسائي(١).
٥٣٨ - وقال عليه السلام: ((مروا أبا بكر يصلي بالناس)) فقالت عائشة: يا رسول الله،
إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه. فأخبرت أنه كان يبكي إذا صلى. وذكر
هذا الحديث مسلم بن الحجاج.
(١) صحيح: ورواه أيضاً أحمد في ((المسند))، (٢٥/٤ -٢٦٢).
١١٩

٥٣٩ - وقال عبد الله بن شداد: سمعت نشيج عُمر وأنا في آخر الصفوف يقرأ: ﴿إنما
أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ [يوسف: ٨٦]. ذكره البخاري.
وقد بكى غيرهما من الصحابة، وبكى المسلمون، والأحاديث في هذا الباب کثیرٌ.
واعلم أن الإنسان قد يذكر في الصلاة شيئاً من أفعال الخير، وإن لم يكن ذلك لكثرة
اشتغاله به قبل الصلاة.
٥٤٠ - وقد صلى النبي ◌َّ يوماً صلاة العصر، فلما سلم انصرف سريعاً، فعجب
الناس من سرعته، فقال: ((أذكرت وأنا في الصلاة تبراً كان عندنا فكرهت أن يمسي أو يبيت
عندنا، فأمرت بقسمته)) ذكره البخاري وغيره.
٥٤١ _ ويروى أن عمر بن الخطاب، قال: إني لأجهز جيش [ ..... ] (١) وأنا في
الصلاة. وهذا لكثرة اشتغاله بالمسلمين وبما يصلحهم من حراسة ثغورهم، وجهاد عدوهم،
والنظر في أمورهم، وغلبة ذلك عليه.
باب
٥٤٢ - مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله وسلم قال: ((من أدرك ركعة من الصلاة مع
الإمام، فقد أدرك الصلاة كلها)).
٥٤٣ _ وعنه قال: قال رسول الله وَله: ((من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع
الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك
العصر)) .
٥٤٤ _ البخاري عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَليقول: ((إذا أدرك أحدكم سجدة
من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل
أن تطلع الشمس فلیتم صلاته)).
باب ذِكْر أَعْمالٍ أُبِيحت في الصَّلاَةِ، وَأَعْمال نُهيَ عَنْهْا
٥٤٥ _ مسلم عن مُعيقبِ الدوسي، أن رسول الله وَّ قال في الرجل يُسوي التراب
حیث یسجد، قال: ((إن كنت فاعلاً فواحدة)) وفي رواية: ((إن كنت لا بد فاعلاً فواحدة)). يريد
عليه السلام في الصلاة، وقد بينه مسلم .
٥٤٦ _ وذكر سفيان بن عيينة من حديث أبي ذرٍ، عن النبي وَ لّ قال: ((إذا قام
(١) بياض بالأصل المخطوط.
١٢٠