النص المفهرس
صفحات 41-60
القول الثاني: لا يعمل بالحديث الضعيف مطلقا لا في الفضائل ولا في الأحكام. حكاه ابن سيد الناس عن يحيى بن معين وقال به ابو بكر العربى المالكي والظاهر أنه قول البخاري ومسلم مما يظهر من صنيعهما في الصحيحين. وقال به ابن حزم الظاهري. انظره يقول في كتابه الفصل: ((ما قاله أهل المشرق، والمغرب، أو كافة عن كافة، أو ثقة عن ثقة، حتى يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم. إلا أن في الطريق رجلا مجروحاً بكذب، أو غفلة، أو مجهول الحال. فهذا يقول به بعض المسلمين. ولا يحل عندنا القول به، ولا تصديقه، ولا الأخذ بشيء منه ١/هـ. واستدلوا بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه ((من كذب على متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار)). وحديث ابن ماجه: ((من روى عني حديثا وهو يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين)» ووجه ذلك حيث علقّ الحكم بالوعيد على مجرد الرواية، أو التحديث بما لم يصح ... ولم يقل في الحديث: وهو مستيقن أنه كذب فالوعيد لكل من حدث بحديث ضعيف - وهو لا يريد بيان ضعفه والتحذير منه - كالحديث المرسل والمنقطع أو في سنده راوي سىء الحفظ، انفرد بروايته. والكذب على الرسول أشد واعظم من الكذب على غيره. وقالوا: لا فرق بين أحاديث الفضائل وأحاديث الأحكام فكلها دين يجب تبليغه فوجب التوثق من روايته. وقالوا: إن الثواب حكم من الأحكام التكليفية ولا حكم الا بدليل من الشارع. وقالوا ايضا: ما نقل عن سفيان الثوري)، وأحمد بن حنبل)، من جواز العمل بالحديث الضعيف يراد (بالضعيف) الحديث الحسن عند المتأخرين بعد الترمذي حيث كان لا يعرف تقسيم الحديث قبل الترمذي الا الى صحيح أو ضعيف. ثم صارت القسمة ثلاثية، هي الصحيح والحسن والضعيف. -٤١- القول الثالث: يعمل بالحديث الضعيف في الفضائل بشروط ثلاثة: ١ - الا يكون الضعف شديدا، فلا تقبل رواية الكذاب، والمتهم به، ولا من فحش غلطه. ٢ - أن يندرج الحديث تحت أصل معمول به من الشريعة. كقاعدة كلية مثلا. ٣ - الا يعتقد المسلم عند العمل به أنه ثابت عن الرسول. بل يعتقد الاحتياط. وممن قال بهذا القول: ابن الصلاح في مقدمته، والعراقي في شرح الألفية، وابن دقيق العيد في الاقتراح، والحافظ بن حجر في نزهة النظر. والسيوطي في التدريب. وهذا القول متفرع عن القول الأول. وأدلته هي عموم أدلة القولين السابقين مع شىء من التقييد لكل منها. مناقشة أدلة كل قول: أ - القول الأول: استحباب العمل بالحديث الضعيف لا أعرف من قال به غير النووي)، ورأيه مرجوح. وذلك أن المستحب أو المندوب يتوقف على أمر من الشارع لحصول الثواب على الفعل. ولم يرد أمر من الشارع بخصوصه. أما الحديث ((إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم .. )) فهو عام يشمل الواجب والمندوب. والمباح على قول بعضهم .. اما القول بالجواز ـــ دون الاستحباب فهو قول جماهير العلماء كما سبق بيانه. ب- القول الثاني: استدلالهم بظاهر الحديثين لا يثبت لهم فيهما حجة لأن الحكم علق على تعمد الكذب على الرسول،أو العمل به وهو يعلم أنه مكذوب عليه صلى الله عليه وسلم، بدليل حديث أبي هريرة عند مسلم: ((من تَقّل علي ما لم أقل)) فالتقول والتعمد يفسران حديث علي عند ابن ماجه. وجملة ((وهويرى أنه كذب)) جملة حالية أي من روى حديثا والحال انه يعلم أن ما يرويه كذب على النبي فهو مستحق للنار. أما تخريجهم كلام سفيان الثوري» والامام أحمد في المراد بالضعيف على -٤٢- اصطلاح الترمذي ومن بعده وهو الحديث ((الحسن)) غير سليم. اذ كيف ينزل كلام المتقدم على المتأخر والعكس هو الصواب. ثم إن الامام أحمد عمل بأحاديث نص الترمذي بعد ذلك على ضعفها ومنها ما هو في المسند. والترمذي يريد بالضعيف حسب اصطلاحه غير ما يريده أحمد ومن معه ــ قطعا الا اذا كان الترمذي يريد (بالضعيف) المعمول به، وان ضعف سنده. وهذا دليل لأهل القول الاول وهم المجيزون لا لهولاء. اما قولهم: إنه لا فرق بين الفضائل والأحكام في الرواية إذ كلها دين ـ لا يسلم لهم ذلك فان الدعوة الى الفضائل والترغيب فيه لا يلزم منها حكم. فاذا ما روي حديث ضعيف في مناقب بعض الصحابة أو بعض القبائل لا يستلزم ثبوت حكم. بل كل ما فيه مدح وثناء لمعين في وقت معين. وتبليغ أمور الدين تتفاوت في الوجوب فتبليغ أمور الاعتقاد واحكام الصلاة والزكاة والصيام والحج أشد واوجب من غيرها من الأحكام الأخرى والفضائل والأداب كما تتفاوت درجات وجوب التبليغ للداعي والمدعو. وقولهم: إن طلب الثواب في الفضائل حكم من الأحكام التكليفية ولا حكم الا بدليل من الشارع أقول: (الحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بافعال المكلفين إقتضاء أوتركا) فاقتضاء الفعل اما جازم أو غير جازم فان كان الأول فواجب أو الثاني فمندوب واقتضاء الترك أيضا إما جازم أو غير جازم فان كان جازما فهو المحرم والمحظور وان كان غير جازم فهو المكروه. فظهر ان المباح - أي الجائز - ليس من أفعال التكليف فالمباح أصل الأشياء ترد عليه أحكام التكليف الأربعة فينتقل الى واحد منها .. وما يحصل الفاعل المباح من الثواب انما هو لشكره نعم الله عليه أولا جتنابه وتر که ما حرم عليه. وبهذا يظهر معنى المباح عند الأصوليين حيث قالوا: (ما لايثاب فاعله ولا يعاقب تاركه). والله أعلم. - ٤٣- جـ - القول الثالث: الشرط الأول صحيح في الجملة فان من كان كذاباً أو متهما بالكذب فلا تصح روايته. وهذا السبب هو الذي عناه أهل القول الأول عند رواية العقائد والأحكام. حيث هي رأس مال المسلم، وتجارته في الدنيا والآخرةُ، فالتشدد في قبول روايتها أولى من التشدد في حصول الربح الزائد على رأس المال. وهي أحاديث الفضائل والزهد والرقائق والسير والتاريخ. أما الشرط الثاني فليس في ذكره كبير فائدة لأن العمل حينئذ يكون بذلك الأصل المعمول به لا بهذا الحديث. أما الشرط الثالث: وهو العمل به إحتياطا مع اعتقاد عدم ثبوته. فشرط غير معتبر، ولا معنى له. إذ كيف يرجو الثواب من الله بهذا الحديث - الضعيف - وهو لا يجزم بأنه من الوحي المنزل على رسوله ثم إن الأحتياط بترك العمل بهذا الحديث الضعيف أولى وأظهر، من الاحتياط بالعمل به مع اعتقاد عدم ثبوته. وهذا القول أشبه ما يكون بالتلفيق بين القولين السابقين في الجواز والمنع. حيث الاحتياط جزء من القول بالجواز. وعدم اعتقاد الثبوت جزء من القول بالمنع. والله أعلم. الترجيح وفائدة الخلاف: كنت قد رجحت القول الثالث أثناء بحثي للماجستير. وتبين لي الآن ترجيح القول الأول. لظهور أدلته وقوتها ووضوح استدلال أهله له. وهو المتفق مع يسر الشريعة، وسماحتها. وعليه عمل جمهور الناس حتى من يقول بالمنع فانهم يقدمون الحديث الضعيف اذا لم يكن بالباب غيره على القياس وآراء الرجال. أما فائدة الخلاف فاضرب لها مثلين فقط فأقول: الأول: أخرج الترمذي في جامعه (ج٢ص١٨) عن سراقة بن مالك بن جشعم قال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيد الأب من ابنه ولا يقيد الأ بن من أبيه. -٤٤- قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه من حديث سراقة. الا من هذا الوجه وليس اسناده بصحيح. رواه اسماعيل بن عياش، عن المثنى بن الصباح والمثنى يضعف في الحديث .. ثم قال: وهذا حديث فيه اضطراب والعمل على هذا عند أهل العلم أن الأب اذا قتل ابنه لا يقتل به واذا قذف ابنه لا يحد.اهـ. ومضى العمل على هذا منذ عهد النبوة الى يومنا هذا فاصبح اجماعاً مع أن الحديث لم يثبت له اسناد يحتج به ولكن تلقي الناس له كافة بالقبول يغني عن صحة سنده. الثاني: أخرج أحمد، والترمذي، والدارقطني، والبيهقي عن عمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة، عن أبيه، عن جده: ((أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فانتبهوا الى مضيق، فحضرت الصلاة فمطروا السماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم فأمر رسول الله المؤذن فأذن، ثم تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وصلى بهم يومىء أيماء ويجعل السجود أخفض من الركوع». قال فيه الترمذي: هذا حديث غريب تفرد به عمر بن الرماح البلخي، لا يعرف الا من حديثه. وقد روى عنه غير واحد من أهل العلم .. والعمل على هذا عند أهل العلم وبه يقول أحمد واسحق. وقال البيهقي في اسناده ضعف ولم يثبت من عدالة بعض رواته ما يوجب قبول خبره. ويحتمل أن يكون ذلك في شدة الخوف. قلت: لا أعلم حديثا يدل على جواز صلاة الفريضة على الراحلة غير هذا الحديث وفي سنده ما فيه. وانما وردت أحاديث صحيحة في صلاة النافلة على الراحلة. والمسلمون اليوم قاطبة إذا أدركتهم الفريضة وهو على متن الطائرة فانهم يصلونها على متنها حسب استطاعتهم. أليس العمل به - مع ضعفه - تؤدى به الفريضة ويسقط به الواجب. وبالعمل به في مثل هذه الحال تظهر للعيان سماحة الإِسلام و يسر تشريعاته. -٤٥- والخلاصة في هذا المبحث إن الحديث الضعيف الذي ليس في اسنادہ کذاب أو متھم بالكذب - إذا تناقل أهل العلم العمل به ارتقى الحديث الى مرتبة القبول ــ وان غضب من هذا من لا فقه لهم من أهل الاسناد - فالأسنادانما وضع حتى لا يدخل في الدين ما ليس منه لا لينفى ويخرج منه ما تسلسل العمل به عند أهل العلم من المحققين من رجال الفقه والإسناد. والله أعلم. -٤٦- المبحث الرابع المراد بنجد في حديث (نجد قرن الشيطان) ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قام الى جانب المنبر فقال: الفتنة ها هنا، الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان أو قال: قرن الشمس. وفي رواية انه دعا بالبركة لأهل الشام واليمن قالوا ونجد يارسول الله فقال: هناك الزلازل والفتن. هذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه باب قول النبي: الفتنة من قبل المشرق (٩٥/٨) وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الفتن وأشراط الساعة (٢٢٢٨/٤). وفيه يقول عبد الله بن عمر راوي الحديث - مفسراً المراد منه: ياأهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الفتنة من ها هنا، وأشار بيده نحو المشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان وانتم يضرب بعضكم رقاب بعض». وأخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة (٩٠٤/٢) وفي المسند (٢٣/٢، ٩٢،٥، ١١١، ١٢١،١١٨، ١٢٦، ١٥٢)، وأخرجه الترمذي في جامعه باطول من هذا (٧٣٣/٥). وأبو عوانه في مسنده (٥٩/١). وأبو نعيم في الحلية (١٣٣/٦). والطبراني في مسند الشاميين (٤٤١/٢) وفي لفظ أبي نعيم والطبراني ((قالوا يارسول الله وفي عراقنا)» بل (ونجدنا) فقال هناك الزلازل والفتن. فتبين بالروايات الصحيحة أن المراد بالحديث نجد العراق لا نجد الجزيرة، ومعلوم أن السنة النبوية يفسر بعضها بعضا. فضلا عن تفسير راوي الحديث - عبد الله بن عمر بن الخطاب - وكل مدارها على عبد الله بن عمر فهو حديث واحد في قضية واحدة قالها الرسول في مكان واحد، وقد حمل حديث عبد الله بن عمر جماعة من ذوي الجهل، والهوى، والتعصب على نجد وسط الجزيرة العربية تلك البلاد التي انتشرت فيها وانطلقت منها دعوة التجديد، والاصلاح في العصر الحديث. -٤٧- وبالتحديد في القرن الثاني عشر الهجري على يد الامام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وقدس روحه، وجزاه الله خيرما يحزي عالما عن تلامذته واتباعه. وبعد أن بطلت تلك الدعوى من جانب الرواية فهاك ابطالها من جانب الدراية: ١ - ان نجدا قلب الجزيرة العربية ليست شرق المدينة حين قال الرسول هذا وأشار إليها بيده وانما الذي يقع شرقها بالتحديد هو نجد العراق وما وراءه. ٢ - لم يقل أحد بهذه المقولة من أهل العلم والتحقيق أصلا. ثم لم يقل بها أحد قبل ظهور دعوة الشيخ وانتشارها في انحاء الجزيرة وبالأخص بلاد الحجاز منها فلما وصلت الى هناك. خاف مشائخ المقامات والطرق والتعصب الأعمى - خافوا على مناصبهم، ومصالحهم الشخصية. فألّبوا عليها العامة وجروا الدولة العثمانية الى قتالها. بحجة أن اتباع هذه الدعوة خوارج، خرجوا من ولاية السلطان ولم يسألوا أنفسهم، ولا غيرهم متى دخلوا في طاعتهم، وبايعوا لخليفتها حتى يقال أنهم نقضوا البيعة، وخرجوا على السلطان!؟ وراح أولئك المشايخ يؤلون النصوص الشرعية، على وفق هواهم. منها هذا الحديث الذي نتحدث عنه ــ وانما فعلوا ذلك ليبقوا على تعصبهم ورياستهم وأرزاقهم .. ٣ - شهادة التاريخ والواقع تدلان أن عامة الفتن التي قتل فيها عمر، وعثمان، وعلي أن مصدرها العراق، وبلاد فارس، ومصر. وكذلك فتنة القتال بين علي ومعاوية وبين علي والخوارج وظهور الشيعة والخلاف بين علي وعائشة الخ، وليس بنجد الجزيرة أي ذكر في هذه الفتن من قريب أو بعيد. ٤ - ولو سلمنا جدلا أن نجد الجزيرة يقع شرق المدينة. فان نجد العراق وما كان شرقه من بلاد الفرس والترك هو شرق المدينة بلا منازع. واذا كان الحديث عاما لهذه البقاع كلها. فما الذي خصصه في نجد الجزيرة دون غيرها؟ إنه الهوى دون غيره. -٤٨- ٥ - جاء في المدينة المنورة في بعض الروايات الصحيحة ذكر وقوع الفتن فيها كحديث (( ... إني لأرى الفتن خلال بيوتكم كوقع القطر)» ولم يقل أحد من الناس. فضلا عن العلماء ان في الحديث ذماً لأهل المدينة وفساد اعتقادهم. كما قالوه في نجد مع أن هذا أصرح من ذاك في مبناه ومعناه. ٦ - دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ما هي الا امتداد لدعوة شيخ الإسلام بن تيمية وإحياء لها حتى بشهادة واعتراف الخصوم - واذا كان الأمر كذلك فهذه الدعوة شامية قبل أن تكون نجديه فيلزمهم على ذلك الحاق الشام بنجد في الذم، بل ان دعوة الرسول لأهل الشام قد تستلزم مدح أهل نجد ماداموا حملوا العقيدة الصحيحة والدعوة السليمة من الشام. ٧ - ورحم الله الحافظ بن حجر فقد قال في شرح حديث (رأس الكفر نحو المشرق: ((وفي ذلك إشارة الى شدة كفر المجوس لأن مملكة الفرس ومن أطاعهم من العرب كانت من جهة المشرق بالنسبة الى المدينة وكانوا في غاية التكبر والتجبر حتى مزق ملكهم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم)١/هـ. والعراق واقع في مملكة الفرس قبل الفتح الاسلامي. ٨ - ثم لو فرضنا أن الدعوة السلفية التي ظهرت في قلب الجزيرة العربية. ضلال وباطل فان غيرها من سائر البلاد الاسلامية أحق بوصف الفتن والزلازل لما فيها من الشرك والألحاد والبدع والخرافات والخلاعة والمجون. إن هذا يدركه كل من لديه مسكة من عقل و بقية من ضمیر. وان ذمت نجد بظهور مسيلمة الكذاب فيها وادعاؤه النبوة. فانه قد وقع في غيرها من البلاد مثل ما وقع في نجد بل أشد. ولا نزال حتى في يومنا هذا نسمع من يدعى النبوة من ذوي الجهل والهوس في معظم أصقاع المعمورة وما سمعنا أحدا ذم تلك البلاد وأهلها لمجرد ظهور تلك الدعوة فيها. بل ظهر في غيرها من البلاد من ادعى الألوهية فقال (أنا ربكم الأعلى. وما علمت لكم من الاه غيري). ولم يذم أحد أهل مصر لمجرد إدعاء فرعون الألوهية فيها. -٤٩- وان ذمت (نجد الجزيرة) بقصة الشيخ النجدي الذي تمثل به الشيطان يوم الندوة لما أشار على زعماء قريش بطريقة القتل للرسول صلى الله عليه وسلم. والجواب: أن الاستدلال بهذه الحادثة جهل مركب وسذاجة فاضحة إذ كل ما تدل عليه هذه القصة - إن صحت - أن قريشا وهم أهل الرأي، والنجدة والحسب، والشجاعة، والذكاء، والفطنة سلموا لأهل نجد بالزعامة. وإلا فكيف يُدخِلون هذا الرجل النجدي معهم في أخص أمورهم وأخطرها وهم أشد كتمانا لها من أن تظهر وتنتشر!؟ ومن المعلوم والثابت عند علماء الأثر أن الشيطان يتمثل بصور شتى. واكثر تمثله بصور الصالحين. ليستخف، ويموه على ضعفاء العقول، فيزين لهم الباطل بصورة الحق، والكفر بالايمان، والبدعة بالسنة. وبعد هذا كله يتبين مما لا مجال للشك فيه من عاقل أن المراد بحديث عبد الله بن عمر «ها هنا الفتن، والزلازل حيث يطلع قرن الشيطان)» الحروب والاضطرابات والمحن والمصائب التي تنزل بالناس بسبب كفرهم أو عنادهم وعصيانهم لله عز وجل ومخالفتهم لكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. واذا دُمت بقعة من البقاع، أو قبيلة من القبائل فان الذم يقتصر على المباشرين منهم، المقترفين للذنب، ولا يتعدى الى عامة أهلها، أو من ينتسب إليها ممن جاء بعدهم أو من لم يرض بفعلهم. وصدق الله العظيم « كل نفس بما كسبت رهينة» «ولا تزر وازرة وزر أخرى» - ٥٠- الأربعون النجدية -٥١- الأحاديث النجدية الحدیث الأ ول أخرج الشافعي عن طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس واللحية يُسمع دويُ صوته ولا يفقه ما يقول حتى دنا. فإذا هو يسأل عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات في اليوم والليلة. فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا. إلا أن تطوع. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصيام رمضان. قال: هل علي غيره؟ قال: لا. إلا أن تطوع. قال وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة. قال: هل علي غيرها؟ قال: لا. إلا أن تطوع قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. قال رسول الله صلى الله علیه وسلم: أفلح إن صدق. أخرجه الشافعي في المسند انظر ترتيبه (١٢/١). وأخرجه البخاري في كتاب الإيمان من صحيحه عن طلحة بن عبيد الله (١٧/١) باب الزكاة من الإسلام وقوله (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمه). وفي كتاب الصوم - باب وجوب رمضان (٢٢٥/٢). وفي كتاب الشهادات (١٦١/٣) باب كيف يستخلف وفي كتاب الحيل (١٠/٨) والا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة وأخرجه مسلم عن طلحة بن عبيد الله في كتاب الإيمان في صحيحه (٤٠/١) باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام وأبو داود في كتاب الصلاة من سنته (١٠٦/١). والنسائي في كتاب الصلاة من سنته (٢٢٦/١) باب كم فرضت في اليوم والليلة. وفي كتاب الايمان وشرائعه (١١٨/٨) باب الزكاة. وفي كتاب الصيام (١٢١/٤) باب وجوب الصوم. وأخرجه الامام مالك في الموطأ كتاب قصر الصلاة في السفر (١٧٥/١) باب جامع الترغيب في الصلاة -٥٣- والإمام أحمد في مسنده (١٦٢/١). والبيهقي في سنته (٤٦٦/٢) و(٢٠١/٤). وابن زنجويه في كتابه الأموال (٧٩٧/٢) و(نجد) كل ما ارتفع وصلب من الأرض وهو من أعمال اليمامه وسط جزيرة العرب وسرتها. أعلاها تهامه واليمن وأسفلها العراق والشام ويفرقها وادي الرمه من الغرب الى مشارف البصرة من الشرق فما ارتفع من بطنه فهو نجد الى ثنايا ذات عرق وهي منازل الملوك في الجاهلية ولم تمدح الشعراء موضعاً اكثر من نجد من ذلك قول الشاعر: إليه وإن لم يدرك الطرف أنظر أكرر طرفي نحونجد وإنني اذا أمطرت عود ومسك وعنبر حنيناً إلى أرض كأن ترابها بلاد كأن الأقحوان بروضة أحن إلى أرض الحجاز وحاجتي · و یقول آخر: ونَورُ الأقاحي وتشي برد محبر خيام بنجد دونها الطرف يقصر فبشرت نفسي أن نجداً أشيمها رأيت بروقاً داعيات الى الهوى إذا ذكر الأوطان عندي ذكرته ألا حبذا نجد ومجرى جنوبه أجدك لا ينسيك نجد وأهله وبشرت نفسي أن نجداً أقيمها اذا طاب من برد العشي نسيمها عياطل دنيا قد تولى نعيمها • ويتمنى آخر ألا يدفنوه الا بنجد اذا مات بغيرها: خليلى ان كانت بحمص منيتي فلا تدفناني وارفعاني إلى نجد • ويقول آخر محباً لدين أهلها وشظف عيشها: وغلظة دنيا أهل نجد ودينها الا حبذا نجد وطيب ترابه أرى من سهيل لمحة أستبينها نظرت بأعلى الجلهتین فلم اکد والجلهتان ربوة مرتفعة قرب المدينة من ناحية نجد انظر معجم البلدان (٢٦٢/٥) ومعجم ما استعجم (١٣/١). -٥٤- من فوائد الحديث: ١ - لم يذكر الحج إما لأنه لم يفرض بعد. وأقدم ما قيل أنه سنة خمس وانما فرض الحج في السنة الثامنة. والسائل ضمام بن ثعلبه. ٢ - قوله (إلا ان تطوع) يدل على أن من شرع في عمل تطوع وجب عليه اتمامه. هذا اذا كان الاستثناء متصلاً والا فلا. ٣ - قوله (أفلح وأبيه ان صدق) يدل على جواز الحلف في الأمر المهم، فإن قيل ما الجامع بين هذا وبين النهي عن الحلف بالآباء؟ أجيب إن ذلك كان قبل النهي أو بأنها كلمة جارية على اللسان لا يراد بها الحلف وانما مجرد الدعاء الجاري على اللسان دون إرادة معناه مثل كلمة: حلقى، وعقرى، وتربت يداك. ٤ - فيه أن من لم يصدق بجوارحه فيما التزمه بلسانه لا يفلح وهورد على المرجئة بقولهم إن الإيمان اقرار باللسان واعتقاد بالجنان فقط دون العمل بالجوارح. ٥ - من أدى الواجب عليه كما أمر فقد أفلح وأنجح ولو لم يأت بالنوافل وليس في الحديث أن الرسول أقره على عدم فعل النوافل البته بل كل ما فيه أنه أثبت له الفلاح لأنه أتى بما عليه ولم يقره على أنه اذا أتى بأمر زائد على الواجب لا يكون مفلحاً بل تضمنت الاشارة الى فعل المندوب وذلك اذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب أولى وأحرى لأن المندوب لا يكون الا بعد الفرض. ٦ - فيه متمسك لمن قال: إن الزكاة نسخت كل صدقة في القرآن. -٥٥- الحديث الثاني أخرج البيهقي عن عبد الله بن عمر أن رجلاً قام في المسجد فقال يا رسول الله من أين تأمرنا أن نهل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يهل أهل المدينة من ذي الحليفة و یهل أهل الشام من الجحفه و یهل أهل نجد من قرن. وقال ابن عمر ويزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يهل أهل اليمن من يلملم وكان ابن عمر يقول: لم أفقه هذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر سنن البيهقي (٢٩،٢٨/٥). وأخرجه البخاري في صحيحه في كتاب العلم - باب ذكر العلم والفتيا في المساجد (٤٢/١)، وفي كتاب الحج. باب فرض مواقيت الحج والعمرة (١٤١/٢) فما بعدها من الأبواب وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة (١٥٥/٨). وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج باب مواقيت الحج والعمرة (٨٤،٨٣٨/٢). وأبو داود في السنن، كتاب الحج باب في المواقيت (٢-/١٤٣). والترمذي في جامعه، كتاب الحج باب ما جاء في مواقيت الإحرام لأهل الآفاق (١٩٣/٣). والنسائي في سننه، كتاب مناسك الحج باب المواقيت (١٢٢/٥) فما بعدها. وابن ماجه في سننه، كتاب المناسك باب مواقيت أهل الآفاق (٩٧٢/٢). والدارمي في سننه، كتاب المناسك باب المواقيت (٣٠/٢) والإمام مالك في الموطأ، كتاب الحج باب مواقيت الأهلال (٣٣٠/١)، والدارقطني في سننه، كتاب المناسك باب المواقيت (٢٣٧/٢). والامام أحمد في مسنده (٢٣٨/١، ٢٤٩، ٢٥٢،٢٣٩،٢٣٢، ٣/٢، ٤٨،٩، ٥٥، ٦٥، ٧٨، ١٠٧،٨١، ١٠٤، ١٨١،١٥١، ٣٣٣/٣، ٣٣٦). -٥٦- من فوائد الحديث ١ - وجوب الأحرام من هذه المواقيت لمن دخل مكة قاصداً الحج أو العمره ومن لم يفعل ذلك أثم ولزمه دم. ووجه القول بالوجوب من قوله صلى الله عليه وسلم: يهل أهل المدينة الخ بصيغة الخبر بعد سؤال الرجل من أين تأمرنا أن نهل؟ فالعدول من صيغة الأمر الى لفظ الخبر آكد في الوجوب كقوله تعالى (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)، وقوله (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) أي ليتر بصن وليرضعن. ٢ - فيه دليل على جواز إطلاق لفظ الزعم ــ من قول ابن عمر ويزعمون - على القول المحقق والواقع كما تطلق على الكذب ويحدد السياق المراد بهذا أو ذاك. ٣ - فيه دلالة على فقه ابن عمر وشدة تحريه الصواب حيث قال: (لم افقه هذه عن رسول الله) ورواها كما سمعها. ٤ - وفيه اشارة الى جواز دخول مكة دون إحرام اذا لم يرد حجا أو عمرة بدليل الرواية الأخرى (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن أراد الحج أو العمرة)). -٥٧- الحديث الثالث أخرج بن حبان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يقول: إن جعل لي محمد من بعده - اي الخلافة - تبعته. وقدمها في بشر کثیر من قومه، فاقبل اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي ید رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعة جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، فقال: لوتسألني هذه القطعة ما اعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك. ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لأراك الذي أريت فيه ما رأيت. وهذا ثابت يجيبك عني. ثم انصرف عنه. قال ابن عباس فسألت عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: انك أرى الذي رأيت فيه ما رأيت، فأخبرني أبو هريرة: أن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال: بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارین من ذهب، فأهمني شأنهما. فأوحى الي في المنام أن أنفخهما فنفختهما فطارا فأولتهما كذابين يخرجان بعدي: أحدهما العنسي، والآخر مسيلمة. أخرجه ابن حبان في صحيحة (٢٢٥/٨). وأخرجه البخاري عن ابن عباس في كتاب المغازي من صحيحه (١١٨/٥) باب وفد بني حنيفة وفي كتاب التوحيد (١٨٩/٨) باب قول الله تعالى ((إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون)». وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرؤيا باب رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم (١٧٨٠/٤) فما بعدها. وأخرجه الإمام أحمد في مسنده مختصراً عن أبي سعيد الخدري (٨٦/٣). والترمذي في سننه عن أبي هريرة، كتاب الرؤيا (٥٤٢/٤) باب ما جاء في رؤيا النبى صلى الله عليه وسلم. -٥٨- من فوائد الحديث ١ - قوله (فاقبل اليه رسول الله .... ) يفيد أنه ينبغي للأمام أو نائبه أن يأتي بنفسه الى من قدم اليه من الكفارإن كان فيه مصلحة ظاهرة. ٢ - قوله (بينا أنا نائم .. ) فيه علامة من علامات النبوة الدالة على صدقه صلى الله عليه وسلم. ٣ - جواز الاستعانة بالغير عند مجادلة الكفار انظر قوله لثابت بن قيس (وهذا ثابت يجيبك عني) ٤ - فيه دلالة على فضل ابي بكر الصديق. واشارة الى خلافته. حيث تولى النبي صلى الله عليه وسلم فنفخ السوارين بنفسه، حتى طارا فكان أحدهما مسيلمة الكذاب. تولى الامر بقتله ابوبكر الصديق نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم. -٥٩- الحديث الرابع أخرج عبد الرازق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلاً قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال. فربطوه بسارية من سواري المسجد. فخرج اليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ماذا عندك ياثمامة؟ قال عندي خيريا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر. وإن كنت تريد المال فسل ما شئت. فترك حتى كان الغد. ثم قال له: ما عندك ياثمامه؟ فقال: ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر. فتركه حتى كان من بعد الغد فقال: ما عندك ياثمامة؟ فقال: عندي ما قلت لك. فقال: اطلقوا ثمامة. فانطلق الی نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. ما كان على الأرض وجه أبغض الي من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه الي. والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فاصبح دينك أحب الدين إلي. ولله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد إلي .. وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأمره أن يعتمر فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت؟ قال: لا والله، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة، حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم. أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩/٦). وأخرجه البخاري عن أبي هريرة في كتاب الصلاة من صحيحه (١١٨/١) باب الاغتسال اذا أسلم وربط الأسير في المسجد وفي باب دخول المشرك المسجد (١٢٠/١). وفي كتاب الخصومات. باب التوثق ممن تخشى معرته وفي باب الربط -٦٠ -