النص المفهرس
صفحات 141-160
وأخذ عنه البخاري، ومسلم، وأخرج له، وكذا ابن ماجه، والبغوي وخلق. كان ذا رحلة ومعرفة صاحب حديث. قال أحمد: أرجو أن يكون صدوقاً. وقال أبو حاتم: صدوق مدلس. وقال أبو زرعة: كتبه صحاح. قال في ((الميزان)): قال البخاري: عمي فتلقن، وضعفه جداً وقال: كلما تلقن شيئاً، تلقنه فيه نظر(١). وضعفه ابن المديني، والنسائي، وابن عدي. وأفحش ابن معين فكذبه. قال النسائي: ليس بثقة. وقال العراقي: اختلط بعد أن كتب عنه مسلم، ولعله لو عرف تغيره ما روى عنه في الصحيح(٢). (١) هنا كتب الشيخ ناصر على هامش الأصل كلمة (تعليق) غير أنه لم يعلق - وذلك قبل عشرين سنة - والظاهر أنه استشكل عبارة « كلما تلقن شيئا، تلقنه فيه نظر)) أقول: إن التلقين: حال تصيب بعض الناس، ولا تعيبهم إذا بقيت في شؤونهم الخاصة، ولكن الخطر فيها إذا أثرت على مروياتهم، أو إساءة القول في الناس، أو أكل حقوق غيرهم من عباد الله. (٢) إن تعليل الحافظ العراقي هذا مردود. لأن الإمام مسلم عندما روى عن ابن المؤمل، روى عنه قبل تغير حاله واختلاطه. فهو عنده من أهل الصدق الحائز لما اشترط فيمن يروي عنهم في صحيحه، ولو أن الإمام مسلم وغيره أسقطوا حديث من تغيرت حاله، لضاع الكثير من الحديث والعلم .. وهذا مشاهد في غير هذا الراوي، ولم يعمد إليه أهل العلم حتى يومنا هذا. وما يروى عن الإمام أحمد وغيره من ضربهم على حديث فلان، أو فلان .. فإنه لعلة أو لعلل أخرى. نسأل الله السلامة. ١٣٣ وقال ابن معين: لو وجدت سيفاً ودُرقة لغزوته. وقال مسلم: یکثر الدليل على التدليس، صدوق. وقال عبد الحق: كثير التدليس. انتهى. قال الأسيوطي: وإن وَهاه ابن معين، فوثقه الإِمام أحمد والرازيان، والبغوي، والدارقطني وآخرون واحتج به مسلم وكفى بذلك. وعامة أمره: أنه عمر مائة سنة، فاختلط حفظه، مات سنة أربع ومائتین. (قوله: واغتر الحافظ الدمياطي إلخ، مع قوله: وصححه المنذري، والدمياطي، من حديث سويد، لكن رده الحافظ ابن حجر)، والبحث مع الحافظ الدمياطي أولاً، ومعه ومع المنذري ثانياً: إنما هو في تصحيحهما طريق سويد، لا في المتن، ولا في طريق أخرى، تأمل منصفا. (قوله: وضعفه العراقي والنووي). أي ضعفا إسناد عبد الله بن المؤمل. وحاصله أن طريق عبد الله بن المؤمل، اختلف في تحسينها وتضعيفها. والقاعدة: أن حديث المختلف في توثيقه وتجريحه، يكون حسناً (١) (١) وهذا ليس على إطلاقه .. لأن الاجماع على توثيق رجل يكاد يكون معدوماً، وإذا تأملت في تراجم الكبار، وجدت لهم مضعفاً أو طاعناً ... وليس كل رأي يقبل، بل لابد من الدليل .. وبذلك تبقى بعض الأحاديث صحيحة. وإن تكلم في رواتها من غير إثبات للجرح. ومحل التوسع في هذا ليس هنا. ١٣٤ على أن ابن المؤمل، لم ينفرد به عن أبي الزبير، بل توبع فيرتقي إلى الصحة، من هذه الطريق. (وقوله: وبخط ابن حجر إلخ)، البحث هنا إنما هو في الإِرسال، والوصل. قال في ((الفتح)): رجاله - يعني ابن عباس - موثقون، إلا أنه اختلف في إرساله ووصله، وإرساله أصح. (قوله: لكن ورد من رواية غيره): عند البيهقي من طريق إبراهيم ابن طهمان، ومن طريق حمزة الزيات. (اما ابن طهمان) هذا فهو: إبراهيم بن طهمان بن شعيب، أبو سعيد الخراساني الهروي، نزيل نيسابور، ثم مكة، وبها مات سنة ثمان وستين ومائة كما في ((التهذيب)). أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والبخاري أيضاً في ((التاريخ)). وكان أحد الأعلام، أخذ عن آدم بن علي، وسِماك بن حرب، ومحمد بن زياد، وأبي الزبير، والفزاري، ومنصور وخلق. وأخذ عنه الإمام أبو حنيفة - أكبر منه - وصفوان بن سليمان- شيخه - ويحيي بن أبي كثير، ومحمد بن سابق، وابن المبارك وخلق. وثقه الإِمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، وأبو حاتم، وصالح بن محمد، وابن معين، والعجلي، وابن راهويه، والدار قطني. والحاكم، وابن حزم، والجمهور. وحدث عنه ابن مهدي راجع ((الخلاصة)) ومقدمة ((الفتح)). ١٣٥ (وأما حمزة الزيات) فهو: حمزة بن حبيب بن عمارة التيمي، مولى تيم الله (١) أبو عمارة الزيات الكوفي، أحد القراء السبعة(٢) أخذ عن الحكم، وحبيب بن أبي ثابت، وعمرو بن مرة. وأخذ عنه ابن المبارك وجرير بن عبد الحميد، وأبو أحمد الزبيري و خلق. أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وثقه ابن معين والنسائي. قال مُطَيّن: مات سنة ثمان وخمسين ومائة، وقيل سنة ست. وقال في ((اختصار اللسان)) حمزة بن حبيب أبو عمارة الزيات المقرىء الكوفي شيخ القراء، وأحد السبعة الأئمة، مولى بني تيم الله، قرأ على الأعمش، وحمران بن أعين، ولد سنة ثمانين، وسمع طلحة ابن مصرف، والحكم، وعدي بن ثابت، وحبيب بن أبي ثابت. (١) تيم الله ، هي فخذ من قريش. قوم أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، والولاء ليس عن استرقاق - دائماً - وإنما أخذ عرفاً ساد عند الأعاجم في الالتحاق بالعرب تشرفاً، ولأسباب أخرى. ويحسن أن يذكر عند كل واحد منهم ولا (أو مولاهم) ومن يحذف ذلك يُدخل الأنساب في بعضها من غير موجب. (٢) القراء السبعة هم: ١ - نافع بن أبي نُعيم المدني، توفي سنة ٢٠١٦٩ - عبد الله بن كثير المكي، توفي سنة ١٢٠. ٣ - أبو عمرو بن العلاء البصري، توفي بعد سنة ١٤٨. ٤ - عبد الله بن عامر الدمشقي، توفي سنة ١١٨. ٥ - عاصم بن أبي النجود الكوفي، توفي سنة ٦.١٢٧ - حمزة بن حبيب الزيات الكوفي، توفي بعد سنة ١٥٦. ٧ - علي بن حمزة الكسائي، توفي سنة ١٨٩، رحمهم الله. ١٣٦ وعنه ابن آدم، ويحيى، وحسين الجعفي، وحجاج الأعور، وخلق. وقرأ عليه عدة وإليه المنتهى في الصدق والورع والتقوى، وثقه ابن معين، وعبد الرزاق، توفي سنة ثمان وخمسين ومائة، وقيل خمس وثمانين ومائة. أخرج له مسلم، والأربعة فقد علمت صحته من طريق سيدنا جابر رضي الله عنه(١). فائدة: الثقة: من جمع العدالة، والضبط. كما قاله المناوي في مواضع من شرحه على ((التوضيح)) وغيره. (قوله: إلا ما قيل إن الجارودي تفرد عن ابن عيينة بوصله، ومثله لا يحتج به إذا انفرد). أقول: تقدم قول المنذري، فإنه صدوق. قاله الخطيب البغدادي وغيره. وتقدم قول الحافظ: إنه لا بأس به لكنه شذ، وقوله: صدوق الخ. إلا أن روايته شاذة فوصله لما انفرد به الجارودي من بين أصحاب ابن عيينة كان شاذاً، فهو شذوذ في السند، فزيادة الجارودي من طريق سفيان، عن ابن عباس انفرد بها من بين سائر أصحاب ابن عيينة فهي زيادة شاذة، وهذا الشذوذ لاينافي الصحة. وقد صححوه من طريق الوصل والإرسال. ويأتي الكلام في تعارض الوصل والإِرسال في التحشية بعد(٢). (١) أي المتقدمة في الصفحة ١٠٧. (٢) في الصفحة ١٣٩. ١٣٧ وقال أبو عبد الله الحاكم في ((الإِكليل)) ما نصه: والقسم الثالث من الصحيح المختلف فيه، خبر يرويه ثقة من الثقات، عن إمام من أئمة المسلمين، فيسنده، ثم يرويه عنه جماعة من الثقات فيرسلونه. ومثاله حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي عَ لّم أنه قال: ((من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له، إلا من عذرها))(١) كذا رواه عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، وهو ثقة. وقد أوقفه سائر أصحاب سعيد بن جبير عنه. وهذا القسم مما يكثر، ويستدل بهذا المثال على الجملة من الأخبار المروية، فهذه الأخبار صحيحة على مذاهب الفقهاء، فإن القول فيها، قول من زاد في الإسناد أو المتن، إذا كان ثقة. فاما أئمة الحديث، فان القول فيها عندهم قول الجمهور الذين أرسلوه، لما يخشى من الوهم على هذا الواحد لقوله عد له: (الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد))(٢). انتهى. منه بلفظه. ومثل ما للفقهاء للأصوليين، وهو الذي اختاره إمام الصناعة الحديثية أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري. (قوله: وكذا إن قلنا العبرة في تعارض الوصل، والوقف، والإِرسال للواصل - إلخ): (١) هو في (إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل)): ٣٣٧/٢ برقم ٥٥١. (٢) هو حديث ضعيف كما في ((ضعيف الجامع الصغير)) رقم ٣٤٥٥ ولفظه هناك: (الشيطان يهم بالواحد والاثنين، فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم)). ١٣٨ هذا هو الأظهر، والصحيح من مذاهب أربعة أشار لها العراقي في «الألفية» بقوله: وَاحْكُمْ لِوَصْلٍ ثِقَةٍ فِي الأُظْهَرِ وقيلَ: بَلْ إرسالُهُ للأكثر ونسَبَ الأولَ للنظَّارِ أَنْ صَحَّحوهُ، وَقَضى البُخاري بوصْلِ (لانكاحَ إلَّ بَولي)(١) مع كون مَنْ أرسلهُ كالجبل(٢) وقيل: الأكثر، وقيل: الأحفظ قال العراقي في شرحه: إذا اختلف الثقات في حديث فرواه بعضهم متصلا، وبعضهم مرسلاً، فاختلف أهل الحديث فيه، هل الحكم لمن وصل، أو لمن أرسل، أو للأكثر، أو للأحفظ؟ على أربعة أقوال: أحدها: إن الحكم لمن وصلٍ، وهو الأظهر الصحيح كما صححه الخطيب. وقال ابن الصلاح: إنّه الصحيح في الفقه وأصوله. وهذا معنى قوله: ونسب، أي ابن الصلاح الأول للنظار إن صححوه فالنظار هم أهل الفقه والأصول. ثم قال وسئل البخاري عن حديث: ((لانكاح إلا بولي)) وهو حديث اختلف فيه عن أبي إسحاق السبيعي، فرواه شعبة، والثوري عنه عن أبي بردة عن النبي عَ ليه مرسلاً . ورواه (١) حديث صحيح، وانظر ((إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل)) الأرقام ١٨٣٩ و ١٨٤٥ و ١٨٥٨ و١٨٦٠. (٢) ألفية العراقي صفحة ١٧٦. ١٣٩ إسرائيل بن يونس في آخرين عن جده، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري عن النبي معد له متصلاً. فحكم البخاري لمن وصله وقال: الزيادة من الثقة مقبولة، هذا مع أن من أرسله شعبة وسفيان، وهما جبلان في الحفظ والاتقان. والقول الثاني: إن الحكم لمن أرسل، وحكاه الخطيب عن أكثر أهل الحديث. والقول الثالث: إن الحكم للأكثر، فإن كان من أرسله أكثر ممن أسنده، فالحكم للإرسال، وإن كان من وصله أكثر فالحكم للوصل. والقول الرابع: إن الحكم للأحفظ، فإن كان من أرسل أحفظ فالحكم له، وإن كان من وصل أحفظ فالحكم له. انتهى منه بلفظه مع اختصار. قال الشيخ زكريا الأنصاري، ما نصه: وبقي خامس، ذكره السبكي وهو: تساويهما. ومحل الخلاف كما دل عليه كلامهم فيما لم يظهر فيه ترجيح بغير كثرة، وحفظ، وإتقان، وإلا فالحكم دائر مع الترجيح فقد يقدم جزماً الوصل والإرسال لمرجح من نحو ملازمة (١) ومن ثم قدم البخاري (١) وضع هنا الشيخ ناصر إشارة (؟) ولم يذكر شيئاً .. ولعل قصده أن هنا خطأ صوابه أن تكون العبارة ((الوصل، أو الإرسال لمرجح من نحو ملازمة)) لأن من لازم الشيخ أكثر من الرواة، رجح قوله، لأنه أعرف بما عند الشيخ ممن جاء في آخرة. وقد يكون الشيخ أحياناً قد كسل عن وصل الحديث ولم ينشط لرفعه .. أو لكثرة= ١٤٠ هو: كما أفاده شيخنا: الإرسال في أحاديث لقرائن قامت عنده. انتهى منه بلفظه. والحاصل: أن هذا الحديث ورد من طرق متعددة، عن سيدنا جابر مرفوعاً، فورد من طريق عبد الله بن المؤمل، عن أبي الزبير، عن جابر، عند الإِمام أحمد، وابن ماجه. واختلف في عبد الله فقال العقيلي: ضعيف. وقال المنذري: هذا الإسناد حسن، وقال الزركشي: إنه سند جيد. وضعفه العراقي والنووي، ولم ينفرد عبد الله بن المؤمل بطريق أبي الزبير عن جابر خلافاً للعقيلي، بل توبع عن سيدنا جابر فزال ضعفه. وقال الشيخ التاودي (على البخاري) ما نصه: وفي ((المستدرك)) من حديث ابن عباس مرفوعاً(( ماء زمزم لما شرب له))، رجاله موثقون، إلا أنه اختلف في إرساله، ووصله، وإرساله أصح، لوروده من طرق صحيحة، فقد أورده البيهقي من طريق إبراهيم بن طهمان، ومن طريق حمزة الزيات، عن أبي الزبير، عن سيدنا جابر، وهو صحيح من هذين الطريقين عن سيدنا جابر. وورد عن سيدنا جابر من طريق سويد، وهي ضعيفة جداً. وورد أيضاً من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً أخرجه من عنده البيهقي في «الشعب» وصححه. =ما حدثهم به مرفوعاً. اكتفى بذكر الصحابي في إحدى المرات وهذا كثير .. فضلا عما يكون قد اعترى الشيخ من تغير في أحواله وأوضاعه، والقلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء . ١٤١ وقال في ((التيسير)): وسنده حسن لشواهد. ونقل العزيزي في شرح الجامع الصغير، تصحيحه من هذا الطريق عن شیخه. وورد أيضاً من حديث ابن عباس أخرجه الدار قطني في (السنن)) والحاكم في (المستدرك)) وصححه، وصححه أيضاً ابن عيينة، وابن حبان، ووثق رجاله الحافظ الدمياطي، وصححه المنقري كما قاله السيوطي. وصححه السيوطي نفسه أيضاً، وصححه البلالي فيما نقله عنه صاحب ((الكفاية)) وحسنه الحافظ ابن حجر، وصححه جماعة غير من ذکر. فبان لك من هذا: أنهً رواه عن ابن المؤمل ثابت، كما في ((المسند)) والوليد بن مسلم كما في ((سنن ابن ماجه)) وابن المبارك كما في ((فوائد)) أبي بكر المنقري. كما بان لك: أن ابن المؤمل لم ينفرد به عن أبي الزبير، بل روى من طريق صحيحة عن أبي الزبير، من غير طريق ابن المؤمل، كما عند الطبراني في الأوسط. فالحديث في نفسه صحيح، كما قاله القسطلاني. وقول ابن حجر الهيتمي: ولا تنافي بين القول بصحته، والقول بحسنه، والقول بضعفه. ومن صرح به النووي وهو من أئمة الحفاظ المتأخرين في التصحيح والتضعيف، وذلك لأن من أطلق صحته، أراد باعتبار شاهده ١٤٢ الصحيح، المتقدم عن ابن عباس، ومن أطلق حسنه، أراد باعتبار شاهده الحسن، المتقدم عن معاوية، ومن أطلق ضعفه، فهو بالنظر لذاته خالياً عن الشواهد. انتھی. (وقوله قبله، والحاصل: أنه في حد ذاته ضعيف، ولكن له شواهد أوجبت حسنه، وشواهد أوجبت صحته إلخ) فيه نظر، لما علمت أن الحديث له طرق صحيحة، فهو في حد ذاته صحيح. ١٤٣ الفصل الثاني خصائص وفضائل ماء زمزم [قال المؤلف - رحمه الله - : ] إنه يكره الاستنجاء به، واستعماله في النجاسات، كما قاله ابن بشير، وابن هارون، وعليها حمل العلماء قول ابن شعبان: لا يغسل بماء زمزم ميت، ولا نجاسة: كما يأتي(١). وقيل يجوز وهو ماللتتائي، وقال: إنه ظاهر ((المختصر)) ونصه في ((الصغير)) عند قول الشيخ خليل: وندب جمع ماء وحجر، ثم ماء. ونبه بقوله: ثم ماء، على مخالفة بعض أهل العلم في قوله: يكره بالماء، لأنه مطعوم. وعلى قول ابن حبيب: لا يجزئ الحجر مع القدرة على الماء، وظاهره دخول ماء زمزم، وهو كذلك، خلافا لابن شعبان. انتهى منه بلفظه. قوله: وظاهره أي ((المختصر)) في قوله ثم ماء، حيث أطلق، وأما (١) هؤلاء من فقهاء المذهب المالكي المتأخرين، الذين ينزلون كتب مذهبهم، أو أقوال مشايخهم، منزلة الدليل من الكتاب والسنة، فتجد أن التخريج والتأويل والترجيح لما جاء في تلك المختصرات، وما فهموا منها. ١٤٤ الاستنجاء بالماء العذب - أعني غير ماء زمزم، وغير الماء النابع من بين أصابعه عَّ له فالمعروف فيه الإِباحة كما تقدم. قال القلشاني: مسألة المطلوب الجمع بين الماء والأحجار، فإن اقتصر على الماء أجزأه بغير خلاف، وإن اقتصر على الأحجار مع عدم الماء، ولم تنتشر النجاسة عن فم المخرج فكذلك، فإن وجد الماء فالمشهور الإجزاء، وخالف ابن حبيب فقال: بعدم الإجزاء مع وجوده. انتهى منه بلفظه، فأطلق في الماء. وقال جماعة من السلف منهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بكراهته، رواه عنه مولاه نافع. وأما سيدنا عمر فلم يكرهه. روى الإمام مالك في موطأه عن يحيي بن محمد بن طحلاء، عن عثمان بن عبد الرحمن أن أباه حدثه، أنه سمع عمر بن الخطاب يتوضأ بالماء لما تحت إزاره. قال شارحه الزرقاني، وكأن الإمام أراد بذكر أثر عمر هذا، الرد على من كره الاستنجاء بالماء. وفي باب الاستنجاء بالماء من ((فتح الباري))(١) ما نصه: وقد روى ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: أنه سُئل عن الاستنجاء بالماء؟ فقال: إذا لا يزال في يدي نتن. وعن نافع؛ أن ابن عمر كان لا يستنجي بالماء. وعن ابن الزبير قال: ما كنا نفعله. (١) ((فتح الباري)) ٢٥١/١. ١٤٥ ونقل ابن التين(١) عن مالك: أنه أنكر أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم استنجی بالماء. وعن ابن حبيب من المالكية: أنه منع الاستنجاء بالماء، لأنه مطعوم. انتھی. ويأتي صدر كلام الحافظ بعد، ومثله للعيني في ((عمدة القاري)) قال الزرقاني على الموطأ: فلعل نقل ابن التين عن مالك أنه أنكر أن يكون النبي عَ ◌ّمِ استنجى بالماء، لا يصح عنه إذ هو نجم السنن(٢) مع أنه خلاف معروف مذهبه، أن الماء أفضل، وأفضل منه الجمع بينه وبين الحجر. قال الحطاب قال في كتاب الجنائز من ((النوادر)) عن ابن شعبان: لا يغسل بماء زمزم ميت، ولانجاسة. قال الشيخ ابن أبي زيد ما ذکره في ماء زمزم، لا وجه له عند مالك وأصحابه، ونقله عنه ابن عرفة في كتاب ((الجنائز)) بلفظ: قوله ولا يغسل بماء زمزم ميت ولا نجاسة خلاف قول مالك وأصحابه. قال ابن عرفة: وأبعد منه سماعي ابتداء قراءتي فتوى ابن عبد (١) عبد الواحد بن التين السفاقسي المحدث المالكي، له شرح الجامع الصحيح للبخاري. (٢) وضع الشيخ ناصر إشارة عندها، ولم يكتب عنها شيئاً هنا ولعل المقصود: أن الإمام مالك (نَجَّمَ السُّنّة)) أي ذكرها متفرقة متباعدة .. ففهم ابن التين أنه أنكر استنجاء النبيِ عَّمِ بالماء .. مع أن مذهب مالك: الماء أفضل في الاستنجاء من الأحجار، والجمع بينهما أفضل. ١٤٦ السلام: لا يكفن بثوب غسل بماء زمزم(١) انتهى. وقال الجزولي في شرح قول الرسالة: وماء السماء، وماء الآبار، وماء العيون، وماء البحر: طيب طاهر مطهر للنجاسات. هذا عام يدخل فيه بئر زمزم، وهو المشهور: أن ماء زمزم يتوضأ به، وتزال به النجاسة، ولا خلاف فيه، إلا ما روي عن ابن شعبان من أنه قال: لا تزال به النجاسة تشريفاً له. انتهى. ونحوه للشيخ يوسف بن عمر، قال الحطاب قلت: أما الوضوء به لمن كان طاهر الأعضاء، فلا أعلم في جوازه خلافاً، بل صرح باستحبابه غير واحد، نقلا عن ابن حبيب، وكذا لا أعلم في جواز الغسل به، لمن كان طاهر الأعضاء خلافاً، بل صرح ابن حبيب أيضاً باستحباب الغسل به. قال فضل بن مسلمة في ((اختصار الواضحة))، لابن حبيب: ويستحب لمن حج أن يكثر من ماء زمزم تبركًا ببركته(٢)، يكون منه (١) ذلك لأن الأعاجم مولعون، بغسل الأقمشة التي تجلب من بلادهم إلى مكة ثم تعاد إليها بعد أن تغسل بماء زمزم. (٢) وفي أمر البركة بماء زمزم وحمله. قال الشيخ ناصر الألباني في ((مناسك الحج والعمرة)) الفقرة (١٣٢) الصفحة (٤٢) ما لم يفعله من قبل في: ((حجة النبي صلَّى الله عليه وسلّم)) قال - حفظه الله -: وله أن يحمل معه من ماء زمزم ما تيسر له تبركًا به، فقد كان رسول الله عَّم يحمله معه في الأداوى والقُرب، وكان يصب على المرضى ويسقيهم. [وقال في الحاشية]: ((أخرجه البخاري في ((التاريخ)) والترمذي وحسنه، من حديث عائشة رضي الله عنها، وهو مخرج في ((الأحاديث الصحيحة)) (٨٨٣)) .= ١٤٧ شربه ووضوءه واغتساله، ما أقام بمكة، ويكثر من الدعاء عند شربه. ومثله للخمي. وقال النووي في ((شرح المهذب))(١) : مذهب الجمهور كمذهبنا: أنه لا يكره الوضوء والغسل به. وعن أحمد رواية بكراهته، لأنهَ جاء عن العباس أنه قال [وهو ] عند زمزم: ((لا أحله لمغتسل وهو لشارب حل وبل)). قال: ودليلنا النصوص الصحيحة الصريحة المطلقة، في المياه، بلا فرق، ولم يزل المسلمون على الوضوء به [منه ] بلا إنكار، ولم يصح ما ذكروه عن العباس، بل حكي عن أبيه عبد المطلب، ولو ثبت عن العباس لم يجز ترك النصوص به. وأجاب أصحابنا بأنه قاله في وقت ضيق الماء لكثرة الشاربين. انتهى. قلت: وذكر المحب الطبري(٢) في الباب السابع والعشرين، من أثر العباس، وقال: = [وقال: ] بل إنه ((كان يرسل وهو بالمدينة قبل أن تفتح مكة إلى سهيل بن عمرو: أن اهد لنا من ماء زمزم ولا تترك، فيبعث إليه بمزادتين)). [وقال في الحاشية: ] ((أخرجه البيهقي بإسناد جيد عن جابر رضي الله عنه. وله شاهد مرسل صحيح في ((مصنف عبد الرزاق)) (٩١٢٧)، وذكر ابن تيمية - رحمه الله -: أن السلف كانوا يحملونه. (١) هو المجموع شرح المهذب ٩١/١ وبزيادة [وأما زمزم فمذهب الجمهور ... ]. (٢) هو أحمد بن عبد الله بن محمد الطبري، محب الدين: شيخ الحرم المكي، ولد سنة ٦١٥ توفي سنة ٦٩٤. وانظر كتابه («القِرى لقاصد أم القُرى)) الصفحة ٤٤٨، ٤٤٩. ١٤٨ ((لا أحلها لمغتسل، وهي للشارب حل وبل)) قال: والبل: الحل، كرره تأكيداً، والظاهر أنه يريد الغُسل من الجنابة، لمكان تحريم اللُّبث في المسجد، وإنما أسند التحريم إلى نفسه لأنَّه ملك الماء، بحيازته في حياض كان يجعلها هناك، فالمغتسل من الجنابة ارتكب التحريم من وجهين: من جهة اللبث في المسجد، ومن جهة استعمال المملوك دون إذن مالكه. انتهى.(١) قال الحطاب قلت: أما الوجه الأول فغير ظاهر، لأن موضع زمزم وحريمها سابق على المسجد، فلا يدخل في تحبيس (٢) المسجد. وقد ذكر صاحب ((المدخل)) وغيره أن البيت إذا كانت سابقة على المسجد لا يدخل حريمها في تحبيس المسجد. وقد ذكر الأزرقي: أن حد المسجد الحرام كان إلى جدار زمزم. وصرح بعض الشافعية: بأن موضع زمزم غير داخل في تحبيس المسجد. نعم مرور الجنب في المسجد لا يجوز عند المالكية. وأما إزالة النجاسة بماء زمزم فالظاهر أن ذلك مكروه ابتداء، فإن أزيلت، طهر المحل. ويختلف في كراهة غسل الميت به، على الخلاف في طهارة الميت ونجاسته، فإن قلنا بطهارته كما هو الأظهر الصحيح، جاز غسله به، بل قال اللخمي: إنَّه أولى لما يرجى من بر کته، وإن قلنا: بنجاسته کره غسله به، کما صرح به ابن بشير وغيره، (١) كانت ملكية من حاز شيئاً مباحاً، مصونة ومحترمة عندهم. (٢) التحبيس: الوقف عند المغاربة. ١٤٩ قال ابن بشير في كتاب ((الجنائز)): واختلف في كراهة غسله بماء زمزم، وسبب الخلاف ما قدمنا من الحكم بنجاسته، فإن حكمنا بها كرهنا غسله به، لكراهة استعمال هذا الماء في النجاسات، وأهل مكة يحكون: أن رجلا استنجى به، فحصل له الباسور. وإن حكمنا بطهارة الميت: أجزنا غسله به. انتهى. وقال ابن الحاجب، في كراهة غسله بماء زمزم قولان، إلا أن تكون فيه نجاسة. انتھی. وقال اللخمي بعد أن ذكر قول ابن شعبان: لا يغسل به ميت، ولا نجاسة، وهذا على أصله لأنه يقول: إن الميت نجس، ولا يقرب ذلك الماء النجاسة، وقد ذُكر أن بعض الناس استنجى به فحدث به الباسور (١). وأهل مكة يتقون الاستنجاء به. وعلى القول بأن الميت طاهر يجوز أن يغسل بماء زمزم بل هو أولی لما یرجی من بر كته. انتهى. وصرح ابن الكروي في كتاب ((الوافي)) له بكراهة استعماله في النجاسات احتراماً له. انتهى. ثم قال وجزم المحب الطبري بتحريم إزالة النجاسة به، وان حصل التطهير به. إذا علم هذا فقول ابن شعبان: لا يغسل به ميت، ولا نجاسة، ان حمل على المنع من ذلك، أو على أنه لا يزيل النجاسة، فهو خلاف قول مالك وأصحابه. (١) هذا مما لا يثبت ولا يصح. ١٥٠ وإن حمل على الكراهة فالظاهر أنه موافق للمذهب. وقد نقله صاحب ((الطراز)) بلفظ الكراهة، فقال: وكره ابن شعبان من أصحابنا، أن تغسل به نجاسة أو يغسل به ميت. ونحوه في ((الذخيرة) ولا يقال: إن ذلك يدل على أن المذهب عدم كراهة غسل النجاسة به، لعزوهم ذلك لابن شعبان لأنا نقول: إن الذي عزوه لابن شعبان فقط هو عدم غسل الميت به، كما يفهم ذلك من كلام اللخمي، والذي يفهم من كلام الشيخ ابن أبي زيد: أنه حمله على المنع، وكذلك ابن عبد السلام، وخليل في ((التوضيح)) فانهما فسرا القولين المتقدمين في كلام ابن الحاجب بكلام ابن شعبان، وكلام الشيخ ابن أبي زيد، قال ابن عبد السلام: القول بالمنع في كتاب ابن شعبان. وأنكره الشيخ أبو محمد ورأى أنه مخالف لقول مالك وأصحابه. ولا شك أنه ماء مبارك ومع ذلك فلا يمنع أن يصرف فيما تصرف فيه أنواع المياه، إذ من المعلوم أن هاجر لم تكن تستعمل هي وابنها إسماعيل صلوات الله وسلامه عليه، ومن نزل عليهما من العرب، في كل ما يحتاجون إليه سواه، حين لم يكن بمكة غيره. وجعل قول ابن الحاجب: إلا أن يكون فيه نجاسة، عائداً إلى المسألة التي قبل مسألة غسله بماء زمزم، ونقله في ((التوضيح)) عن ابن عبد السلام وعن شيخه أيضاً قال: وكأنهما فرا من إعادته على ماء زمزم، لأنه لو أعيد عليه لفهم أنه يتفق على المنع منه، وليس كذلك إذ ظاهر المذهب الجواز(١). انتهى. (١) من هنا نرى أن المؤلف شغل نفسه والناس، بتصحيح عبارات بعض كتب مذهبه المالكي المتأخرة، أو فهم التلاميذ - أو عدم فهمهم - عن شيوخهم. ١٥١ قال الجزولي في ((شرح الرسالة)): قال بعض العلماء: لا يجوز الوضوء، ولا الاستنجاء بالماء العذب، لأنه طعام. انتهى. وهو قول غريب مخالف للإجماع، ومما يزيد - النقل الذي نقله ابن حجر عن ابن حبيب غرابة أنه مخالف لما تقدم عن التتائي من أن ابن حبيب لا يجزىء عنده الحجر، مع القدرة على الماء، بل يتعين عنده الماء. أخرج البخاري في باب الاستنجاء عن أبي معاذ قال: سمعت أنس ابن مالك يقول: كان النبي عَ ◌ّه إذا خرج لحاجته، أجىء أنا وغلام معنا إدواة من ماء - يعني يستنجي به -. قال الحافظ قوله ((باب الاستنجاء بالماء)) أراد بهذه الترجمة الرد على من كرهه، وعلى من نفى وقوعه من النبي علٍّ(١). انتهى منه بلفظه. ومثله للعيني أيضاً، ثم نقل أحاديث تدل على أن النبي عد اله استنجى بالماء، وأمر به، ثم ذكر بعد في مبحث بيان استنباط الأحكام، من هذا الحديث ما نصه: السادس: أي من الأمور المستنبطة فيه، جواز الاستنجاء بالماء، ولذلك ترجم البخاري عليه، وفيه رد على من منع ذلك كما بيناه. وأجابوا عن قول سعيد بن المسيب، وقد سُئل عن الاستنجاء بالماء: إنه وضوء النساء، لأَنَّه لعل(٢) ذلك في مقابلة غلو من أنكر (١) والمعروف أن فقه الإمام البخاري - رحمه الله - يظهر في تراجم - عناوين - أبوابه في صحيحه. (٢) كذا الأصل ولعل العبارة ((ولعله قال ذلك)). ١٥٢