النص المفهرس

صفحات 101-120

تناول السمن والسكر وطبيخ الكرفس (١) والرازيانج (٢).
ومما يمنع هيجان العطش الرائب (٣) والبقلة الحمقاء والكمثرى،
والرئباس(٤) وامساك قطع الفضة والزجاج والبلور والصدف وأملس
الحصيات في الفم مما ينفع ذلك. وإن أفرط العطش حتى خيف الموت،
ثم ورد الماء فليحذر الإمعان فيه، ففيه الهلاك، وليتدرج من المضمضة
إلى جرعات، ثم إلى الري. انتهى من رحلة الزبادي بلفظها على ما فيها
من بعض التصحيف(٥).
وقد سئل الشيخ سيدي عبد القادر الفاسي: عن مسائل منها سؤال
عن: كيفية خروج هذه المياه من خبايا الأرض، كالعيون وأضرابها، هل
من الماء الذي دحى الله الأرض عليه، أو من عصارات الأرض ونداها
أم من البحر الذي أحاط بجرم الأرض، ثم يطيب عندما يتخلل باطن
(١) الكرفس: عشب من فصيلة الخيميات، يزرع كنبات طبي، كما تؤكل ضلوع
أوراقه، أو جذوره، خضراً أو مطبوخة.
(٢) رازيانج: هو الأنيسون ويسمى الشمار بالشام ومصر، وهو بري وبستاني،
عطري ذكي الرائحة.
(٣) الرائب هو اللبن المروب الخاثر. الذي يستخرج منه الزبد، يسمى في ((مصر))
بالزبادي. وبه سمي الإناء الذي يوضع فيه (الزبدية).
(٤) كلمة الرئباس من أصل فارسي. وهو نبات معمر ينبت في جبال الشام، وتؤكل
ضلوعه وتربب، ويصنع من عصيره شراب الريباس.
(٥) والتصحيف لايكاد يخلو منه كتاب، وعلى الأخص في الألفاظ التي نقلت عن
اللغات الأجنبية لاختلاف طرائق وقواعد التعريب حتى عند العلماء.
٩٣

الأرض؟ وما القول المعول عليه في نزول المطر، هل هو من السماء، أومن
البحر بواسطة كما أندى به (١) الشاعر في قوله:
شربنا بماء البحر ثم ترفعت ... إلخ.
فأجاب بما نصه:
وأما كيفية خروج المياه من خبايا الأرض كالعيون إلخ.
فقد حكى البكري عن صاحب ((الجغرافيا)) أن عدد الأنهار الكبار
مائتان وتسعون نهراً، وعدد العيون الكبرى مائتان وثلاثون عيناً (٢).
قال الإمام القاضي ابن آمقشاب في ((كنز الأسرار ولقاح
الأفكار)): الصحيح أن انفتاق العيون، وجري الأنهار، إنما هو بقدرة
العزيز الجبار العظيم، لا غير ذلك مما تقوله الفلاسفة والطبائعيون (٣)،
وأما أصلها فظاهر القرآن العظيم، أنه من ماء السماء كآية ﴿أنزل
من السماء ماءً فسلكه ينابيعَ في الأرض﴾(٤).
قال الواحدي: ((ينابيع)) هي الأمكنة التي ينبع منها الماء، وكل ماء
في الأرض فمن السماء ينزل وكآية ﴿فَأسكناه في الأرض﴾(٥). ولم
(١) كذا الأصل، ولعل فيه تحريف أو نقص.
(٢) إن مثل هذا الحصر من رمي الكلام على عواهنه .. فليس في أيامهم - ولا حتى
في أيامنا هذه- مثل هذا الحصر .. وإن لفظ كبار وصغار أمر نسبي لا ضابط له.
(٣) يقصد فيها الذين يرجعون الأمور إلى طبائع الأشياء بإغفال دور الخالق العظيم
وقد نُبذ بها بعض المؤمنين من قبل خصومهم.
(٤) سورة الزمر (٣٩)، الآية ٢١.
(٥) سورة المؤمنون (٢٣)، الآية ١٨.
٩٤

يسع الحال لكتب ما قاله المفسرون في ذلك.
وأما من أين ينزل المطر ففي القرآن أنه ﴿من السماء﴾ وفيه
أيضاً ﴿من المزن﴾، و ﴿المعصرات﴾ وهي السحاب.
وجمع الإمام الفخر بين الآيات: بأن السحاب يسمى سماء، لأن كل
ما ارتفع وعلا يسمى سماء، فإذا نزل من السحاب فقد نزل من السماء، أو
يقال: نزل من السماء إلى السحاب، ومن السحاب إلى الأرض.
وقال بعضهم: كيفية نزوله من السماء أن الله صعد الأبخرة المائية
من قعر الأرض، ومن الجبال إلى السماء (١) حتى صارت عذبة
صافية بسبب التصعيد، ثم إذا تألفت وتكونت ماء ينزل الله منه قدر
الحاجة إليه، ولولا ذلك لم ينتفع بتلك المياه لتصرفها في قعر الأرض،
ولا بماء البحر لملوحته ولأنه لا حيلة لإجراء مياه البحر على وجه
الأرض، لأنه في غاية العمق.
قال الإِمام الفخر: وهذه الوجوه إنما يتمحلها من ينكر الفاعل
المختار، أما من أقر فلا حاجة له في شيء منها.
وقال بعضهم: ظاهر نص القرآن، نزول المطر من السماء، وصرف
اللفظ عن مُقتضى الظاهر، من غير مانع يمنع من حمله عليه، غير
جائز، وذكر فساد من قال: إن الأمطار تتكون من البخارات.
(وأما قوله: شربن بماء البحر إلخ).
(١) وترك البحر وهو أكبر مصدر لذلك. وكأنه - كما سيأتي - ظنّ أن ملوحته
تمنع من تحليته عند التبخر.
٩٥

فذلك شيء قد كانت العرب تزعمه. انتهى منه بلفظه.
قلت: وفي الباب الثاني من ((الإبريز))(١) ما يخالف هذا الذي حرره
سيدي عبد القادر الفاسي والفخر الرازي فراجعه، والله أعلم.
(١) هو كتاب لعبد العزيز الدباغ تلقاه عنه تلميذه أحمد بن المبارك وهو مطبوع.
٩٦

الفصل الأول
اعلم(١): أن هذا الحديث، وهو قوله عَّ له: ((ماء زمزم لما شرب له))
الذي الكلام عليه هو المقصود من هذا التأليف، أفرده الحافظ ابن حجر
بجزء جمع فيه طرقه، أشار له في ((الفتح))(٢)، والمناوي على ((توضيح
النخبة)) وكذلك أفرده الحافظ الدمياطي بجزء، أشار له ابن حجر الهيتمي
في كتابه ((تطهير الجنان واللسان)) ولم أقف على واحد منهما.
وكذلك ألف في هذا الموضوع الشيخ خليفة ابن أبي الفرج ابن
محمد الزمزمي البيضاوي المكي الشافعي المقتول سنة نيف وستين
وألف، وسماه ((نشر الأنفاس، في فضائل الزمزم، وسقاية العباس))(٣)
أوله:
(١) هنا رجع المؤلف - رحمه الله - إلى الموضوع بعد هذا الاستطراد عن المياه، مما
لا دخل له في ((زمزم)). يفي راح نصف الكتاب فى المقدمة
(٢) هو في ((فتح الباري)) ٤٩٣/٣.
(٣) في الأصل: ((بنشر ... )) وهو تصحيف، وذكره الأستاذ الزركلي: ((نشر الآس
- أو الأنفاس - في فضائل وأخبار زمزم وساقية العباس)) والمؤلف: أصله من البيضاء،
مولده ومنشأه ووفاته بمكة سنة ١٠٦٢. انظر ((الأعلام)) ٣١٢/٢، الطبعة السادسة.
٩٧

الحمد [لله] الذي شرف زمزم على سائر المياه، ... ولم أقف عليه
أيضاً.
كما أنه قد ألف الشيخ أحمد بن يوسف التيفاشي(١) ((سجع الهديل في
أخبار النيل)) ذكر ذلك الأسيوطي في خطبة ((حسن المحاضرة).
ولله در القائل:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحياناً (٢)
فتقول: هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)(٣) وابن أبي
شيبة وابن ماجه في ((سننه)) (٤)، والحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول))
وسمُّويه، والبيهقي في (السنن الكبرى))، والطبراني في ((الأوسط))،
والخطيب أبو بكر البغدادي في ((التاريخ))، والمنقري في ((فوائده))،
والدار قطني في «سننه)) من حديث محمد بن حبيب الجارودي. حدثنا
سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس رفعه
بزيادة ((ان شربته تستشفي شفاك الله، وان شربته لشبعك أشبعك الله،
وإن شربته لقطع ظمئك قطعه الله، وهي هزمة جبريل، وسقيا
(١) نسبة إلى تيفاش من قرى قفصة بإ فريقية. انظر ((الأعلام)) ٢٧٣/١.
(٢) هذا البيت لبشار بن برد.
(٣) هو في ((مسند الإمام أحمد)) الطبعة الأولى - وبالترقيم الجديد برقم ١٤٨٣٣.
طبع المكتب الإسلامي.
(٤) هو في ((صحيح سنن ابن ماجه - باختصار السند)) برقم ٢٤٨٤.
٩٨

إسماعيل)) (١) والمستغفري أبو العباس في ((الطب النبوي)) وزاد في روايته:
(١) [قال ناصر: ] (٢٧): حديث ضعيف مخرج في ((الإرواء)) (١١١١).
(تنبيه) هذا الحديث إنما أخرجه الدارقطني فقط من بين الجماعة الذين عزاه المصنف
إليهم، وإنما أخرج هؤلاء الجملة الأولى منه ((ماء زمزم لما شرب له)) من حديث جابر
ابن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، لا من حديث ابن عباس، فلعل في تخريج المصنف
شيئاً من السقط أدى إلى مثل هذا الخلط. ثم تبين لي شيءٍ من ذلك، وهو أن قوله
الآتي: كلهم عن سيدنا جابر بن عبد الله الأنصاري مرفوعاً. ليس محله هناك، وإنما
بعد قوله المتقدم: ((والمنقري في فوائده)) ومع ذلك فلا تزال العبارة فيها شيء من
التشويش [ن ]
(*) [قال زهير: والذي في (إرواء الغليل)) ٣٢٩/٤-٣٣٣ برقم ١١٢٦ وليس ١١١١
وهو: ]
١١٢٦ - (حديث ابن عباس أن رسول الله عَّم قال: ((ماء زمزم لما شرب له، إن
شربته تستشفي به شفاك الله، وإن شربته يشبعك أشبعك الله به، وإن شربته لقطع
ظمئك قطعه الله، وهي هزمة جبريل وسقيا [الله ] إسماعيل)). رواه الدار قطني)
ص٢٦٧.
باطل موضوع. أخرجه الدارقطني في ((سننه)) (٢٨٤): ثنا عمر بن الحسن بن علي ثنا
محمد بن هشام بن عيسى (!) المروزي ثنا محمد بن حبيب الجارودي: ناسفيان بن عيينة
عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس به.
قلت: وهذا إسناد ضعيف فيه ثلاث علل:
الأولى: محمد بن حبيب الجارودي غمزه الحاكم كما يأتي، وفي ((تاريخ بغداد))
(٢٧٧/٢): ((محمد بن حبيب الجارودي، بصري قدم بغداد، وحدث بها عن عبد العزيز
ابن أبي حازم، روى عنه أحمد بن علي الخزاز والحسن بن عليل العنزي وعبد الله بن
محمد البغوي وكان صدوقاً)).
قال الحافظ في ((اللسان»:
((فيحتمل أن يكون هو هذا، وجزم أبو الحسن القطان بأنه هو، وتبعه على ذلك ابن
دقيق العيد والدمياطي))=
٩٩

=قلت: وقد تناقض فيه الذهبي، فقال في ترجمته:
((غمزه الحاكم النيسابوري، وأتى بخبر باطل، اتهم بسنده)) يعني هذا الحديث.
وقال مرة: ((موثق)). وأخرى: ((ثقة))، ومرة: ((صدوق) كما يأتي النقل عنه.
والحق أنه صدوق كما قال الخطيب ومن تابعه إلا أنه أخطأ في هذا الحديث فرفعه
وأسنده عن ابن عباس، والصواب فيه موقوف على مجاهد، قال الحافظ في آخر
تر جمته:
((فهذا أخطأ الجارودي [في] وصله، وإنما رواه ابن عيينة موقوفاً على مجاهد، كذلك
حدث عنه حفاظ أصحابه، كالحميدي وابن أبي عمر وسعيد بن منصور وغيرهم)).
وقال في ((التلخيص)) (ص٢٢٢):
((قلت: والجارودي صدوق، إلا أن روايته شاذة، فقد رواه حفاظ أصحاب ابن عيينة
كالحميدي وابن أبي عمر وغيرهما عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله.
ومما يقوي رواية ابن عيينة ما أخرجه الدينوري في ((المجالسة)) من طريق الحميدي قال:
كنا عند ابن عيينة فجاء رجل فقال: يا أبا محمد الحديث الذي حدثتنا عن ماء زمزم
صحيح؟ قال: نعم، قال: فإني شربته الآن لتحدثني مائة حديث،
فقال: اجلس، فحدثه مائة حديث)). قلت: الدينوري واسمه أحمد بن مروان ذكر الحافظ
في ((اللسان)) عن الدار قطني أنه كان يضع الحديث. فلا يوثق بخبره.
الثانية: محمد بن هشام بن عيسى. كذا وقعٍ في المطبوعة من ((الدار قطني)) وفي ((الميزان))
في موضع، و((اللسان)) في موضع آخر نقلاً عن الدار قطني ((ابن علي))، ولم يترجم له
الذهبي في ((الميزان)) وكأنه لأنه ثقة عنده كما يأتي، واستدركه الحافظ فقال:
(قال ابن القطان: لا يعرف حاله، وكلام الحاكم يقتضي أنه ثقة عنده، فإنه قال عقب
حديثه: ((صحيح الإسناد إن سلم من الجارودي)). قلت: وقد قال الزكي المنذري مثلما
قال ابن القطان، وسبق في ترجمة عمر بن الحسن الأشناني قول الذهبي: إن محمد بن
هشام هذا موثق. قال: وهو ابن أبي الدميك)).
قلت: وتبع ابن القطان الحافظ ابن الملقن فقال في ((الخلاصة)) (١/١١٢) عقب قول
الحاكم المذكور:
((سلم منه، فإنه صدوق، لكن الراوي عنه مجهول))=
١٠٠

=الثالثة: عمر بن الحسن بن علي، وهو الأشناني أبو الحسين القاضي، قال الذهبي في
((الميزان)):
((صاحب بلايا، فمن ذلك، حدثنا عمر بن الحسن بن علي ثنا محمد بن هشام [المروزي ]
وهو ابن الدميك موثق ثنا محمد بن حبيب الجارودي .. قلت: وذكر الحديث ثم قال
عقبه:
((وابن حبيب صدوق، فَآفة هذا هو عمر، ولقد أثم الدارقطني بسكوته عنه، فإنه بهذا
الإسناد باطل، ما رواه ابن عيينة قط، بل المعروف حديث عبد الله بن المؤمل عن أبي
الزبير عن جابر مختصراً).
وتعقبه الحافظ بقوله:
((والذي يغلب على الظن أن المؤلف هو الذي أثم بتأثيمه الدارقطني، فإن الأشناني لم
ينفرد بهذا، تابعه عليه في ((مستدركه)) الحاكم، ولقد عجبت من قول المؤلف: ما رواه
ابن عيينة قط، مع أنه رواه عنه الحميدي وغيره من حفاظ أصحابه إلا أنهم أوقفوه
على مجاهد، لم يذكروا ابن عباس فيه، فغايته أن يكون محمد بن حبيب وهم في رفعه)).
وأقول: لم يأثم الدار قطني ولا الذهبي إن شاء الله تعالى، لأن كلاً منهما ذهب إلى ما
أداه إليه اجتهاده، وإن كنا نستنكر من الذهبي إطلاق هذه العبارة في الإمام الدار قطني.
وأما تعجب الحافظ من الذهبي، فلست أراه في محله، لأن الذي أورده عليه من رواية
الحميدي، غير وارد لأنه مقطوع، وإنكار الذهبي منصب على الحديث المرفوع
الموصول، فهو الذي نفاه بقوله ((ما رواه ابن عيينة قط)). ونفيه هذا لا يزال قائماً، كما
يدل عليه هذا البحث الدقيق.
وأما قوله: ((تابعه عليه في ((مستدركه)) الحاكم) فوهم، ولعل في العبارة سقطاً فإن الذي
تابعه إنما هو شيخ الحاكم، فقد قال في ((المستدرك)) (٣٧٣/١): حدثنا علي بن حمشاد
العدل ثنا أبو عبد الله بن هشام المروزي به دون قوله: ((وهي هزمة جبريل، وسقيا الله
إسماعيل)). وزاد:
((قال: وكان ابن عباس إذا شرب ماء زمزم قال: اللهم أسألك علماً نافعاً، ورزقاً
واسعاً، وشفاء من كل داء)). وقال:
((هذا حديث صحيح الإسناد، إن سلم من الجارودي))=
١٠١

((من شربه لمرض شفاه الله، أو لجوع أشبعه الله ، أو لحاجة
قضاها الله)).
كلهم عن سيدنا جابر بن عبد الله الأنصاري مرفوعاً، والحاكم أبو
=قلت: ووافقه الذهبي، وذلك من وهمه وتناقضه، فقد سبق عنه أنه قال في
((الجارودي هذا)): ((أتى بخبر باطل)). وقد عرفت مما تقدم ذكره أن قوله هذا هو
الصواب وأنه أخطأ في رفعه ووصله.
ثم إن الحافظ قد ذكر في ترجمة الأشناني هذا عن الحاكم أنه كان يكذب، وعنه أنه
قال: قلت: للدار قطني: سألت أبا علي الحافظ عنه، فذكر أنه ثقة، فقال: بئس ما قال
شيخنا أبو علي !.
وقال الذهبي في ((الرد على ابن القطان)) (بعد أن ساق الحديث من طريق الدار قطني
(١/١٩-٢):
((قلت: هؤلاء ثقات، سوى عمر الأشناني، أنا أتهمه بوضع حديث أسلمت وتحتي
أختان)».
وجملة القول: إن الحديث بالزيادة التي عند الدار قطني موضوع. لتفرد هذا الأشناني
به، وهو بدونها باطل لخطأ الجارودي في رفعه، والصواب وقفه على مجاهد، ولئن قيل
إنه لا يقال من قبل الرأي فهو في حكم المرفوع، فإن سلم هذا، فهو في حكم المرسل،
وهو ضعيف. والله أعلم.
ثم إن الزيادة التي عند الحاكم في دعاء ابن عباس بعد شربه من زمزم، قد أخرجها
الدارقطني (٢٨٤) من طريق حفص بن عمر العدني حدثني الحكم عن عكرمة قال:
((كان ابن عباس إذا شرب من زمزم قال ... )) فذكره بالحرف الواحد. وهذا إسناد
ضعيف، من أجل العدني، والحكم وهو ابن أبان العدني، صدوق له أوهام كما في
((التقريب)).
فهل الزيادة هذه وقعت للحاكم في الطريق الأولى، أم هي في الأصل عنده من هذه
الطريق لكنها سقطت من الناسخ أو الطابع؟ الله أعلم، فإني لم أقف الآن على شيء
يرجح أحد الاحتمالين.
١٠٢

عبد الله والدارقطني من حديث ابن عباس مرفوعاً، والطيالسي(١)
والبيهقي في (شعب الإيمان)) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً.
وزاد: ((فإن شربته تستشفي شفاك الله، وإن شربته مستعيداً أعاذك
الله، وإن شربته ليقطع ظمأك قطعه الله، وإن شربته ليشبعك أشبعك
الله، وهي هزمة جبريل، وسقيا إسماعيل)).
والفاكهي في ((أخبار مكة)) عن معاوية موقوفاً من حديث ابن
إسحاق، حدثني يحيي بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال:
لما حج معاوية فحججنا معه، فلما طاف بالبيت صلى عند المقام ركعتين،
ثم مر بزمزم وهو خارج إلى الصفا فقال: انزع لي منها دلواً يا غلام،
قال فنزع له منها دلواً، فأتى به فشرب، وصب على وجهه ورأسه،
وهو يقول: زمزم شفاء، هو لما شرب له.
قال السخاوي: قال شيخنا: إنه حسن، مع كونه موقوفاً (٢).
(١) [قال ناصر: ] (٢٨) لم أجده في ((مسند الطيالسي)) ولا رأيت ذا ثقة عزاه إليه،
وإنما عزاه السيوطي في ((الجامع الصغير)) للمستغفري فقط، ولم يورده في ((الجامع
الكبير))! [ن].
(٢) [الذي قاله السخاوي نقلا عن شيخه الحافظ ابن حجر العسقلاني. هو في جملة
ما قاله عن هذا الحديث في ((المقاصد الحسنة)) وهو: ]
٩٢٨- حديث: ((ماء زمزم لما شرب له)).
ابن ماجه من حديث عبد الله بن المؤمل: أنه سمع أبا الزبير، يقول: سمعت جابراً يقول:
سمعت رسول الله ◌ُ بّ فذكره.
وكذا رواه أحمد من حديث ابن المؤمل بلفظ: ((لما شرب منه)).
وأخرجه الفاكهي في ((أخبار مكة)) من هذا الوجه أيضاً باللفظين، وسنده ضعيف،=
١٠٣

٠ ٠
= ولكن له شاهد عن ابن عباس أخرجه الدارقطني في سننه، من حديث محمد بن
حبيب الجارودي: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي نجيح، عن مجاهد عنه رفعه به
بزيادة: ((إن شربته تستشفي شفاك الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله ، وإن شربته
لقطع ظمئك قطعه الله، هي هزمة جبريل، وسقيا الله إسماعيل)).
ورواه الحاكم من هذا الوجه وقال: إنه صحيح الإسناد، إن سلم من الجارودي. انتهى.
وهو صدوق إلا أنه تفرد عن ابن عيينة بوصله، ومثله إذا انفرد لا يحتج به، فكيف إذا
خالف؟ فقد رواه الحميدي، وابن أبي عمر وغيرهما من الحفاظ كسعيد بن منصور،
عن ابن عيينة بدون ابن عباس، فهو مرسل.
وإن لم يصرح فيه أكثرهم بالرفع، لكن مثله لا يقال بالرأي.
وأحسن من هذا كله عند شيخنا [الحافظ ابن حجر] ما أخرجه الفاكهي من رواية
ابن إسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: لما حجّ معاوية
فحججنا معه، فلما طاف بالبيت صلّى عند المقام ركعتين، ثم مر بزمزم وهو خارج
إلى الصفا، فقال: انزع لي منها دلوا يا غلام، قال فنزع له منه دلوا فأتى به فشرب،
وصب على وجهه ورأسه، وهو يقول: زمزم شفاء، وهي لما شرب له.
بل قال شيخنا: إنه حسن مع كونه موقوفاً، وأفرد فيه جزءاً [أشار إليه في فتح
الباري ٤٩٣/٣ ].
واستشهد له في موضع آخر بحديث أبي ذر رفعه:
((إنها طعام طعم، وشفاء سقم)).
وأصله في مسلم وهذا اللفظ عند الطيالسي.
قال: ومرتبة هذا الحديث: أنه باجتماع هذه الطرق يصلح للاحتجاج به، وقد جربه
جماعة من الكبار فذكروا أنه صح، بل صححه من المتقدمين ابن عيينة، ومن المتأخرين
الدمياطي في جزء جمعه فيه، والمنذري، وضعفه النووي.
وفي الباب عن صفية مرفوعاً: ((ماء زمزم شفاء من كل داء)) أخرجه الديلمي. وعن ابن
عمر وابن عمرو وإسناد كل من الثلاثة واه، فلا عبرة بها. والاعتماد على ما تقدم. ومن
مآثره حديث ابن عباس مرفوعاً ((التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق)) أخرجه ابن=
١٠٤

والديلمي من حديث ابن عمر مرفوعاً، لكن فيه أحمد بن صالح
السموي.
قال ابن حجر: هذا من مناكيره، ومن معنى الحديث المتقدم حديث:
= ماجه، والأزرقي في ((تاريخ مكة)) من حديث خالد بن كيسان، عن ابن عباس. وله
طريق أخرى من حديث عطاء وابن أبي مليكة فرقهما كلاهما عن ابن عباس، أخرجه
الطبراني في الكبير بلفظ: ((علامة بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم)) بل
حديث ثانيهما عند الدارقطني، والبيهقي فسمياه: عبد الله. وفي رواية لثانيهما تسميته:
بعبد الرحمن، وفي ثالثة له أيضاً جعل بدله: محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، يعني:
القرشي المخزومي [وقيل: الجمحي] وفي رابعة له أيضاً لم يسم أحداً، فقال: عن
جليس لابن عباس. والرابع من هذا الاختلاف أصح، فهو كذلك من جهة جماعة
بعضهم عند ابن ماجه، وبعضهم عند البخاري في تاريخه الكبير بلفظ: ((إنه ما بيننا
وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من ماء زمزم)) وله عند الأزرقي طريق آخر من حديث
رجل [من] الأنصار عن أبيه عن جده رفعه «علامة ما بيننا وبين المنافقين أن تدلوا
دلوا من ماء زمزم فتضلع منها، ما استطاع منافق قط يتضلع منها))، وهو حسن.
وللأزرقي من حديث الضحاك بن مزاحم قال: بلغني أن التضلع من ماء زمزم براءة
من النفاق وأن ماءها يذهب بالصداع، والإطلاع فيها يجلو البصر. والكلام في استيفاء
هذا المعنى يطول.
(تتمة) يذكر على بعض الألسنة أن فضيلته ما دام في محله، فإذا نقل يتغير، وهو شيء
لا أصل له، فقد كتب صلَّى الله عليه وسلَّم إلى سهيل بن عمرو: ((إن وصل كتابي
ليلاً فلا تصبحن أو نهاراً فلا تمسين حتى تبعث إليّ بماء زمزم)». وفيه أنه بعث له
بمزادتين، وكان حينئذٍ بالمدينة قبل أن يفتح مكة، وهو حديث حسن لشواهده.
وكذا كانت عائشة رضي الله عنها تحمل وتخبر أنه صلَّى الله عليه وسلَّم كان يفعله،
وأنه كان يحمله في الأداوى والقرب، فيصب منه على المرضى ويسقيهم، وكان ابن
عباس إذا نزل به ضيف أتحفه بماء زمزم. وسئل عطاء عن حمله فقال: قد حمله النبي عَ}،
والحسن، والحسين رضي الله عنهما. وتكلمت على هذا في ((الأمالي)).
١٠٥

((ماء زمزم شفاء من كل داء)) أخرجه الديلمي في ((مسند الفردوس))
عن صفية مرفوعاً (١)
وحديث ((خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام من
الطعم، وشفاء من السقم)) الحديث أخرجه الطبراني في معجمه الكبير
عن ابن عباس(٢) والبيهقي بإسناد صحيح عن عبد الله بن المبارك
موقوفاً، لكن الرواة من طريق سيدنا جابر منهم من رواه عنه من
طريق عبد الله ابن المؤمل، عن أبي الزبير، عن جابر، كالإِ مام أحمد،
وابن ماجه، والبيهقي، والفاكهي.
لفظ الإمام أحمد في ((مسنده)): حدثنا علي بن ثابت. حدثني عبدالله
ابن المؤمل، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله عد له:
((ماء زمزم لما شرب له)).
ولفظ ابن ماجه: حدثنا هشام بن عمار. حدثنا الوليد بن مسلم،
(١) [قال ناصر: ] (٢٩) قلت: إسناده ضعيف جداً كما يأتي في الرسالة (ص ٣٣)
[ص ١٢١ هنا ] عن السيوطي. [ن].
(*) يقول زهير: الذي وجدناه في ((فردوس الأخبار للديلمي ثلاثة أحاديث هي:
١ - ((زمزم طعام طعم وشفاء سقم) رقم ٣١٧٠
٢ -((زمزم لما شرب له)) رقم ٣١٧١
٣ - ((زمزم حفنة من جناح جبريل)) برقم ٣١٧٢
(٢) [قال ناصر: ] (٣٠) ... تقدم منا (ص ) أنه حسن [ن ].
(*) أي في الصفحة ٦٩ وهو في ((معجم الطبراني الكبير)) ٩٨/١١ برقم ١١١٦٧ وهو
بتحقيق الأخ الفاضل الشيخ عبد المجيد السلفي.
١٠٦

قال: قال عبد الله بن المؤمل: إنه سمع أبا الزبير يقول: سمعت جابر بن
عبد الله يقول: سمعت رسول الله عَ طلم يقول: ((ماء زمزم لما شرب له)).
ومنهم من رواه عنه من طريق سويد بن سعيد، عن ابن المبارك عن
ابن أبي الموالي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر كالبيهقي في ((الشعب))
والخطيب في ((التاريخ)).
والطريق الأولى: قال العقيلي: تفرد بها عبد الله بن المؤمل: وهو
ضعيف، لكن قال بعضهم: وجدت له طريق أخرى عن أبي الزبير، عن
جابر، أخرجها الطبراني في الأوسط، في ترجمة علي بن سعيد الرازي (١).
(١) [قال ناصر: ] (٣١) قلت: لكن هذه الطريق ليس متنها بلفظ: ((ماء زمزم لما
شرب له))، وإنما هو الحديث المتقدم آنفاً: ((خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم ... ))
انظر ((إرواء الغليل)) (١١٢٣). [٥].
(*) [قال زهير: والذي في (إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل،)) تأليف
الشيخ ناصر الدين الألباني - عافاه الله -: في الجزء ٤ الصفحات ٣٢٠ إلى ٣٢٥
هو: ]
١١٢٣ - (حديث جابر: ((ماء زمزم لما شرب له)) رواه أحمد وابن ماجه) ص ٢٦٧
صحيح. وله عن جابر بن عبد الله طريقان:
الأولى: عن عبد الله بن المؤمل عن أبي الزبير عنه.
أخرجه أحمد (٣٥٧/٣، ٣٧٢) وابن ماجه (٣٠٦٢) والعقيلي في ((الضعفاء)) (ص
٢٢٢) والبيهقي (١٤٨/٥) والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٧٩/٣) والأزرقي في
((أخبار مكة)) (٢٩١) من طرق سبع عن ابن المؤمل به. وقال البيهقي:
((تفرد به عبد الله بن المؤمل)). وقال العقيلي:
((لا يتابع عليه)).
قال الذهبي في ((الضعفاء)) وفي ((الميزان)) :=
١٠٧

.
=(ضعفوه)). وقال في ((الرد على ابن القطان)) (١/١٩):
((لين)).
وقال الحافظ في ((التقريب)):
((ضعيف الحديث)).
ولذلك قال الحافظ السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (٩٢٨) بعد ما عزاه للفاكهي
أيضاً: ((وسنده ضعيف)).
قلت: لكن الظاهر أنه لم يتفرد به، فقد أخرجه البيهقي (٢٠٢/٥) من طريقين عن
أبي محمد أحمد بن إسحاق بن شيبان البغدادي بـ (هراة) أنا معاذ بن نجدة ثنا خلاد
ابن يحيى ثنا إبراهيم بن طهمان ثنا أبو الزبير قال: ((كنا عند جابر بن عبد الله، فتحدثنا
فحضرت صلاة العصر، فقام فصلى بنا في ثوب واحد قد تلبب به، ورداؤه موضوع،
ثم أتى بماء من ماء زمزم فشرب، ثم شرب، فقالوا: ما هذا؟ قال: هذا ماء زمزم،
وقال فيه رسول الله عَ لَّهِ: ((ماء زمزم لما شرب له)). قال: ثم أرسل النبي معَ ◌ّه وهو
بالمدينة قبل أن تفتح مكة إلى سهيل بن عمرو أن أهد لنا من ماء زمزم، ولا يترك،
قال: فبعث إليه بمزادتين)).
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الصحيح، غير معاذ بن نجدة، أورده الذهبي
في ((الميزان)) وقال:
((صالح الحال، قد تكلم فيه، روى عن قبيصة وخلاد بن يحيى، توفي سنة اثنتين وثمانين
ومائتين، وله خمس وثمانون سنة)).
وأقره الحافظ في ((اللسان)).
وأما الراوي عنه أحمد بن إسحاق بن شيبان البغدادي، فلم أعرفه، وهو من شرط
الخطيب البغدادي في ((تاريخه))، ولم أره فيه، فلا أدري أهو مما فاته، أم وقعٍ في اسمه
تحريف في نسخة البيهقي، فهو علة هذه الطريق عندي. وأما الحافظ فقد أعله بعلة
غريبة فقال:
((قلت: ولا يصح عن إبراهيم، إنما سمعه إبراهيم من ابن المؤمل)) قلت: ولا أدري
من أين أخذ الحافظ هذا التعليل، فلو اقتصر على قوله: ((لا يصح عن إبراهيم)). لكان
مما لا غبار عليه. ثم قال :=
١٠٨

=((ورواه العقيلي من حديث ابن المؤمل وقال: ((لا يتابع عليه))، وأعله ابن القطان
به، وبعنعنة أبي الزبير، لكن الثانية مردودة، ففي رواية ابن ماجه التصريح بالسماع».
قلت: لكنها رواية شاذة غير محفوظة، تفرد بها هشام بن عمار قال: قال عبد الله بن
المؤمل أنه سمع أبا الزبير.
وهشام فيه ضعف، قال الحافظ:
((صدوق، كبر فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح)).
قلت: والوليد بن مسلم مدلس ولم يصرح بسماعه من ابن المؤمل، وقد خالفه رواة
الطرق الأخرى وهم ستة فقالوا: عن أبي الزبير عن جابر، فروايتهم هي الصواب.
ثم قال الحافظ:
((وله طريق أخرى من حديث أبي الزبير عن جابر. أخرجها الطبراني في ((الأوسط))
في ترجمة علي بن سعيد الرازي)).
قلت: لم أره في (زوائد المعجمين)) لشيخه الحافظ الهيثمي، وقد ساق فيه (١/١١٨/١
- ٢) من رواية أوسط الطبراني بإسناد آخر له عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ ((خير
ماء على وجه الأرض ماء زمزم ... )) ومن رواية فيه قال: حدثنا علي بن سعيد الرازي
ثنا الحسن بن أحمد نحوه.
فهذا هو حديث علي بن سعيد الرازي في ((الأوسط)): ((خير ماء ... )) وليس هو ((ماء
زمزم لما شرب له)) فهل اختلط على الحافظ أحدهما بالآخر، أم فات شيخه الهيثمي
ما عناه الحافظ فلم يورده في ((الزوائد))؟ كل محتمل، والأقرب الأول. والله أعلم.
الطريق الثانية: عن سويد بن سعيد قال: رأيت عبد الله بن المبارك بمكة أتى زمزم،
فاستقى منه شربة، ثم استقبل الكعبة ثم قال: اللهم إن ابن أبي الموال حدثنا عن
محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي عَّم أنه قال: ((ماء زمزم لما شرب له)) وهذا
أشربه لعطش القيامة، ثم شربه.
أخرجه الخطيب في ((تاريخه)) (١١٦/١٠) وكذا ابن المقرىء في ((الفوائد)) كما في
((الفتح)) (٣٩٤/٣) والبيهقي في ((شعب الإيمان)) كما في ((التلخيص)) (٢٢١) وقال
البيهقي :=
١٠٩

=((غريب تفرد به سويد)).
قلت: وهو كما قال في ((التقريب)):
((صدوق في نفسه، إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه، وأفحش فيه ابن
معين القول)). وقال في ((الفتح)) (٣٩٤/٣):
((وزعم الدمياطي أنه على رسم الصحيح، وهو كما قال من حيث الرجال، إلا أن
سويداً وإن أخرج له مسلم، فإنه خلط، وطعنوا فيه، وقد شذ بإسناده والمحفوظ
عن ابن المبارك عن ابن المؤمل. وقد جمعت في ذلك جزءاً)).
وقال في ((التلخيص)) (٢٢١):
((قلت: وهو ضعيف جداً، وإن كان مسلم قد أخرج له في المتابعات، وأيضاً فكان
أخذ به عنه قبل أن يعمى ويفسد حديثه، ولذلك أمر أحمد بن حنبل ابنه بالأخذ
عنه، كان قبل عماه، ولما أن عميٍ صار يلقن فيتلقن، حتى قال يحيى بن معين: لو
كان لي فرس ورمح لغزوت سويداً، من شدة ما كان يذكر له عنه من المناكير. قلت:
وقد أخطأ في هذا الإسناد، وأخطأ فيه على ابن المبارك. وإنما رواه ابن المبارك عن
ابن المؤمل عن أبي الزبير، كذلك رويناه في ((فوائد أبي بكر بن المقري)) من طريق
صحيحة فجعله سويد عن ابن أبي الموال عن ابن المنكدر. واغتر الحافظ شرف الدين
الدمياطي بظاهر هذا الإسناد، فحكم بأنه على رسم الصحيح، لأن ابن أبي الموال
تفرد به البخاري، وسويداً انفرد به مسلم، وغفل عن أن مسلماً إنما أخرج السويد
ما توبع عليه، لا ما انفرد به، فضلاً عما خولف فيه)).
وقال الحافظ السخاوي في (المقاصد الحسنة)) (٩٢٨) بعد أن ذكر حديث أبي الزبير
عن جابر، ومجاهد عن ابن عباس الآتي برقم (١١٢٦) وضعفهما:
((وأحسن من هذا كله عند شيخنا (يعني الحافظ ابن حجر) ما أخرجه الفاكهي من
رواية ابن اسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: لما حج
معاوية، فحججنا معه، فلما طاف بالبيت صلى عند المقام ركعتين، ثم مر بزمزم، وهو
خارج إلى الصفا، فقال: انزع لي منها دلواً يا غلام قال فنزع له منه دلواً، فأتي به
فشرب، وصب على وجهه ورأسه وهو يقول: زمزم شفاء، وهي لما شرب له. بل
قال شيخنا: إنه حسن مع كونه موقوفاً، وأفرد فيه جزءاً، واستشهد له في موضع=
١١٠

٠
٠
٠
.
=آخر بحديث أبي ذر فيه: ((إنها طعام طعم، وشفاء سقم)). وأصله في ((مسلم)،
وهذا اللفظ عند الطيالسي، قال: ومرتبة هذا الحديث: أنه باجتماع الطرق يصلح
للاحتجاج به، وقد جربه جماعة من الكبار، فذكروا أنه صح، بل صححه من
المتقدمين ابن عيينة، ومن المتأخرين الدمياطي في جزء جمعه فيه، والمنذري، وضعفه
النووي.
وقال ابن القيم في ((زاد المعاد)) (١٩٢/٣ - المطبعة المصرية) عقب حديث ابن أبي
الموال المتقدم عن ابن المنكدر عن جابر:
(وابن أبي الموال ثقة، فالحديث إذاً حسن، وقد صححه بعضهم، وجعله بعضهم
موضوعاً، وكلا القولين فيه مجازفة. وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء
زمزم أمور عجيبة، واستشفيت به من عدة أمراض، فبرأت بإذن الله، وشاهدت من
يتغذى به الأيام ذوات العدد قريباً من نصف الشهر أو أكثر ولا يجد جوعاً،
ويطوف مع الناس كأحدهم، وأخبرني أنه ربما بقي عليه أربعين يوماً، وكان له
قوة يجامع بها أهله، ويصوم، ويطوف مراراً».
قلت: ما ذكره من أن الحديث حسن فقط، هو الذي ينبغي أن يعتمد، لكن لا لذاته
كما قد يوهم أول كلامه الذي ربط فيه التحسين بكون ابن أبي الموال ثقة، فهو
معلول بسويد بن سعيد كما سبق، وإنما الحديث حسن لغيره بالنظر إلى حديث معاوية
الموقوف عليه فإنه في حكم المرفوع، والنووي رحمه الله إنما ضعفه بالنظر إلى طريق
ابن المؤمل قال في ((المجموع)) (٢٦٧/٨):
(وهو ضعيف)).
وذكر له السخاوي شاهداً آخر من حديث ابن عباس، ولكنه عندي ضعيف جداً
فلا يصلح شاهداً، بل قال فيه الذهبي: ((خبر باطل)). وأقره الحافظ في (اللسان)) كما
يأتي بيانه برقم (١١٢٦).
(تنبيه) عزا المنذري في ((الترغيب)) (١٣٣/٢) حديث سويد بن سعيد المتقدم لأحمد
بإسناد صحيح. وهذا وهم منه، فليس هو عند أحمد في مسنده، ولا إسناده صحيح،
بل هو منكر كما تقدم بيانه من كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.
هذا وجزم ابن الجوزي بصحة الحديث مؤكداً ذلك بقوله في ((منهاج القاصدين))=
١١١

والطريق الثانية: قال العقيلي: أيضاً تفرد بها سويد. قال الحافظ
ابن حجر: وهو ضعيف جداً، وان كان مسلم قد أخرج له فإنما
أخرج له في المتابعات، وكذا أمر أحمد بن حنبل ابنه بالأخذ عنه،
كان قبل عماه، ولما أن عمي صار يُلقن فيتلقن(١). حتى قال يحيى
ابن معين: لو كان لي فرس ورمح، لغزوت سويداً، من شدة ما كان
يذكر له عنه من المناکیر.
قال الحافظ ابن حجر: وقد خلط في هذا الإسناد سويد، وأخطأ
فيه عن ابن المبارك، وإنما رواه ابن المبارك، عن ابن المؤمل، عن أبي
الزبير. كذلك رويناه في ((فوائد أبي بكر المنقري)) من طريق صحيحة،
فجعله سويد عن ابن أبي الموالي، عن ابن المنكدر واغتر الحافظ
=وقد قال عليه: ماء زمزم لما شرب له)).
ومال السيوطي إلى تصحيحه في ((الفتاوى)) (٨١/٢). [انتهى من إرواء الغليل ].
( ** ) وقال في ((صحيح سنن ابن ماجه))
(٧٨) باب الشرب من زمزم
٢٤٨٤ - ٣٠٦٢: قال عبد الله بن المؤمَّل: إنه سمع أبا الزبير يقول: سمعت جابر
ابن عبد الله يقول: سمعت رسول، الله ټ يقول:
((ماء زَمْزَمَ لِمَا شُربَ لَهُ))
(صحيح ) - الارواء ١١٢٣.
(١) إن تلقين الشيوخ من أسوأ ما يعتري الرواة. لأن الملقنين له - على الغالب
- هم من المتسترين الذين قد لا تُعرف أغراضهم ولا منزلتهم - وما الذي لقنوه
للشيخ، الذي يكون معروفاً قبل ذلك بالعدالة والصدق. فيدخل كلامه على الناس،
بناء على تحسين الظن به، مما كان معهوداً به سابقاً. وعندها يكون ضرره أكبر من
ضرر المعروف بالكذب. نسأل الله السلامة.
١١٢