النص المفهرس

صفحات 61-80

وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن ابن سابط
مرفوعاً: كان النبي إذا هلك قومه ونجا هو والصالحون، أتى هو
ومن معه فيعبدون الله بمكة، حتى يموتوا فيها، وإن قبر نوح، وهود،
وصالح، وشعيب بين الركن، وبين زمزم والمقام(١). وفي ((زبدة
الأعمال)) عن عبد الله(٢) رضي الله عنه قال: سكن الخضر بيت
=ومقالي في مجلة ((الانسان)) العدد ٢ الصفحة ٧٠ عن القسم الثاني.
كان في أكثر البلاد أماكن يزعم أهلها أن فيها قبر نبي من غير دليل ولا برهان ...
ومن ذلك الزعم بأن قبر نبي الله (يحيى) عليه السلام في مسجد دمشق، ولو صح أنه
وجد حجر عليه باللغة الآرامية (هنا قبر يحيى) مردود سنداً، وإن صح فهو محرف
عن لفظة (يوحنا) فإن اللغة الآرامية كانت لغة تستغني بالضمة عن الواو. وتكتب فيها
الألف الممدودة ياء .. وهذا القبر لم يعرف في زمن الصحابة ولا التابعين، ولذلك يكون
نُصُباً من الأنصاب.
(١) [قال ناصر: ] (١٦) قلت: وأخرجه الأزرقي أيضاً (ص ٣٤) من طريق
حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن محمد بن سابط عن عَِّ قال: فذكره.
قلت: وهذا ضعيف مرسل، فان محمد بن سابط أخو عبد الرحمن بن سابط، وهو
تابعي: قال ابن أبي حاتم (٢٨٣/٢/٣) عن أبيه: ((لا أعرفه)). وعطاء بن السائب كان
اختلط كما تقدم. [٥ ].
(٢) إذا أُطلق عبد الله فهو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود. والعجيب أن
يوجد من علمائنا من ينقل مثل هذا الخبر مع ما في ظاهر متنه من خرافة واستحالة
واقعية وعقلية ... ويأتي من بعده آخرون ليصدقوا ذلك ... أو يتستروا وراء عبارة:
حدِّث عن بني إسرائيل ولا حرج، أو أن لا تكذبهم ولا تصدقهم .. إلخ، ويغفل عن
افتتان الناس بدعوى حياة النبي الخضر الدائمة !! كما في الأكاذيب، وعن زعم وجوده
في الوقت الواحد في الأماكن المتعددة كما في متن هذا الكتاب، والذي يحتاجه القارى
هنا هو أن نقول له: كل هذا الخبر مكذوب سنداً ومتناً، مردود عقلاً ومشاهدة .=
٥١

المقدس فيما بين باب الرحمة إلى باب الأسباط وهو يصلي كل جمعة
في خمسة مساجد: في المسجد الحرام، وفي مسجد المدينة، وفي مسجد
بيت المقدس، وفي مسجد قباء. ويصلي كل ليلة جمعة في مسجد
الطور ويأكل كل جمعة أكلتين من كمأة وكرفس ويشرب من
زمزم، ومن جب سليمان الذي ببيت المقدس، ويغتسل من عين سلوان
أخرجه الحافظ أبو القاسم ابن عساكر(١).
=حفظ الله علينا عقولنا وديننا.
(١) [قال ناصر: ] (١٧) قلت: وما أراه يصح من قبل إسناده ولئن صح فهو من
الإسرائيليات. [ن].
٥٢

(قوله: ثم غسله بماء زمزم) لأنه يدل على فضل زمزم حيث
اختص غسله بها دون غيرها من المياه.
وقد قال شيخ الإسلام البُلقيني (١): إنه أفضل من الكوثر، لأن
به غسل قلبه الشريف، ولم يكن يغسل إلا بأفضل المياه. اهـ.
= عن يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، حتى عرج بي إلى السماء الثانية، فقال
لخازنها: افتح، فقال له خازنها: مثل ما قال الأول، ففتح، قال أنس: فذكر أنه وجد
في السموات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم صلوات الله عليهم، ولم يثبت
كيف منازلهم، غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا وإبراهيم في السماء السادسة،
قال أنس: فلما مرَّ جبريل بالنبي عَّهِ بإدريس قال: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح،
فقلت: من هذا؟ قال: هذا إدريس، ثم مرَرْت بموسى فقال: مرحباً بالنبي الصالح
والأخ الصالح.، قلت: من هذا؟ قال: هذا موسى، ثم مرَرْت بعيسى فقال: مرحباً
بالأخ الصالحٍ والنبي الصالح، قلت: من هذا؟ قال هذا عيسى، ثم مرَرْت بإبراهيم،
فقال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا إبراهيم عَ لِّ، قال
ابن شهابٍ: فأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان قال
النبي ◌َّهِ: ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام، قال ابن حزم
وأنس بن مالك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ففرض الله على أمتي خمسين صلاة،
فرجعت بذلك حتى مرَرْت على موسى، فقال: ما فرض الله لك على أُمّتك؟ قلت:
فرض خمسين صلاة، قال: فارجع إلى ربك فإن أمتك لا تُطيقُ ذلك، فراجعني
فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى قلت: وضع شطرها، فقال: راجع ربك فإن أمتك
لا تطيق، فراجعت، فوضع شطرها، فرجعت إليه، فقال: ارجع إلى ربك فإن أمتك
لا تطيق ذلك، فراجعته، فقال: هي خمس وهي خمسون، لا يُبدَّل القول لدي فرجعت
إلى موسى، فقال: راجع ربك، فقلت: استحييت من ربي، ثم انطلق بي حتى انتهى
بي إلى سدرة المنتهى، وغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة، فإذا فيها
حبايل اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك.
(١) هو شيخ الإسلام صالح بن عمر البلقيني، من علماء الحديث والفقه، تولى قضاء=
٥٥

قلت: الحديث المتقدم أخرجه مسلم أيضاً (١) والبلقيني ذكر
ذلك في ((تاريخ مكة)).
=الديار المصرية مرات، له مؤلفات عديدة، وتوفي سنة ٨٦٨.
وقوله: (شيخ الإسلام) اتباعاً لما جرى عليه العلماء بإطلاق ذلك على من شاب في
الإسلام أو انفرد بذلك عمن مضى من الأتراب وحصل على الوعد المبشر بالسلامة:
أنه ((من شاب شيبة في الإسلام فهي له نور يوم القيامة)).
ومنها ما هو في عرف العوام: أنه العدة، ومفزعهم إليه في كل شدة.
ومنها أنه شيخ الإسلام بسلوكه طريقة أهله، قد سلم من شِرَّة الشباب وجهله فهو
على السنة في فرضه ونفله.
ومنها شيخ الإسلام بالنسبة إلى درجة الولاية، وتبرك الناس بحياته، فوجوده فيهم الغاية.
ومنها أن معناه المعروف عند الجهابذة النقاد المعلوم عند أئمة الإسناد: أن مشايخ
الإِسلام والأئمة الأعلام هم المتبعون لكتاب الله عزّ وجلّ، المقتفون لسُنّة النبي معَ له،
الذين تقدموا بمعرفة أحكام القرآن ووجوه قرآآته، وأسباب نزوله. وناسخه
ومنسوخه، والأخذ بالآيات المحكمات، والإيمان بالمتشابهات قد أحكموا من لغة
العرب ما أعانهم على علم ما تقدم، وعلموا السنة نقلاً وإسناداً وعملاً بما يجب
العمل به اعتماداً، وإيماناً بما يلزم من ذلك اعتقاداً، واستنباطاً للأصول والفروع
من الكتاب والسنة، قائمين بما فرض الله عليهم، متمسكين بما ساقه الله من ذلك
إليهم، متواضعين لله العظيم الشأن، خائفين من عثرة اللسان، لا يدَّعون العصمة ولا
يفرحون بالتبجيل، عالمين أن الذي أوتوا من العلم قليل.
فمن كان بهذه المنزلة حكم بأنه إمام، واستحق أن يقال له: شيخ الإسلام.
انظر الصفحة (٥١ و ٥٢) من كتاب ((الرد الوافر)) للعلامة ابن ناصر الدين الدمشقي،
الطبعة الثانية، طبع المكتب الإسلامي.
(١) هو في ((صحيح مسلم)) ١٤٨/١ رقم ٢٦٣.
٥٦

ونقل الشيخ سيدي عبد المجيد الزبادي ما نصه: وذكر صاحب
(المواهب اللدنية)) (١) وغير واحد قالوا: إنه أفضل مياه الدنيا والآخرة.
وقال الحطاب (٢) ما نصه: وقد ذكر شيخ شيوخنا القاضي تقي
الدين الفاسي المالكي في ((تاريخ مكة)) عن شيخه شيخ الإسلام البلقيني
وذكره أيضاً صاحب (المواهب اللدنية)) عن البلقيني: أن ماء زمزم
أفضل من ماء الكوثر لغسل قلبه عدّ له به فكيف بما خرج من ذاته علي
انتھی.
وقال الزرقاني بعد كلام يأتي ما نصه: وجزم البلقيني بأن ماء
زمزم أفضل من ماء الكوثر لغسل قلبه علي به ليلة الإسراء.
وبحث معه السيوطي بأشياء ردها ابن حجر ((بشرح العباب)).
وقال ابن حجر الهيتمي(٣) في ((شرح الهمزية)) ما نصه:
(١) صاحب ((المواهب اللدنية)) هو العلامة أحمد بن محمد القسطلاني. وقوله هذا في
الجزء ٣ الصفحة ٣٤ من طبعة المكتب الإسلامي. بتحقيق الأستاذ صالح ابن الشيخ
أحمد الشامي مفتي الحنابلة في قصبة دوما شرقي دمشق. وكتاب ((المواهب)) فيه الغث
والسمين ... وقد نبه المحقق في كثير من الأماكن على ما في الكتاب من مجازفات غير
مستندة إلى أخبار صحيحة ... ولعله في طبعة ثانية - إن شاء الله - يتتبع جميع أخباره
بالتخريج والمناقشة.
(٢) هو محمد بن محمد الرعيني، فقيه مالكي متصوف، ولد سنة ٩٠٢ وتوفي سنة
٩٥٤.
(٣) هو أحمد بن محمد الهيتمي السعدي الأنصاري، له مؤلفات كثيرة وانظر ((جلاء
العينين في محاكمة الأحمدين)) للسيد نعمان الآلوسي في رد ما قاله بحق شيخ الإسلام
ابن تيمية. ولد الهيتمي سنة ٩٠٩ وتوفي ٩٧٤، وله مجازفات، رحمه الله.
٥٧

وأخذ البلقيني من إيثار الملك له على ماء الكوثر: أنه أفضل منه
وهو ظاهر، خلافاً لمن نازع فيه بما لا يجدي كما بينته في ((شرح
العباب)). انتهى منه.
قلت: ويدل على أفضلية ماء زمزم عليه أيضاً بزاقه عليه السلام
في بئر زمزم دون الكوثر، كما يأتي في خصائصه.
قال ابن أبي جمرة: إنما لم يغسل بماء الجنة، لما اجتمع في زمزم
من كون أصل مائها من الجنة، ثم استقر في الأرض ، فأريد بذلك
بقاء بركته صلى الله عليه وسلم في الأرض.
قال العلقمي: يؤخذ منه: أنه أفضل المياه، وبه جزم البلقيني.
قال الحفني: ومعنى الأفضلية أن استعمال ماء زمزم أكثر ثواباً
من استعمال ماء الكوثر(١). وهكذا يترتب على الأفضلية أيضاً
الأيمان والتعاليق.
(١) وهذا من التخريف الذي لا مستند له من عقل، فضلاً عن النقل .. لأن ماء
الكوثر في الجنة: لا يترتب على استعماله أي ثواب. لأن الأعمال انتهت في الدنيا،
وهنا فضل الله على من أدخلهم الجنة .. وحتى في الدنيا يكون الثواب على استعمال ماء
زمزم وغيره من المياه تبعاً للغرض في الاستعمال! وما كان أغناهم عن هذا.
(*) [وعلق الشيخ ناصر - حفظه الله - على هذا بقوله: ] (١٨) قلت: وهل يمكن
لأحد في هذه الدنيا أن يستعمل ماء الكوثر؟! تالله إن البحث في المفاضلة بينه وبين
ماء زمزم لهو من التقول على الله بغير علم، فنسأل الله تعالى الحماية. ونحو هذا الخلاف
الآتي بعده، فإنه من نافلته بل ترف العلم! ولا دليل عليه !. [ن].
(*) هذا لو كانت الأيمان تنعقد في الحلف بـ (زمزم) وهو قول مردود، لأن الحلف لا
يجوز إلا بالله - سبحانه - وأسمائه وصفاته، وسوى ذلك لغو. وقد يصل عند الإصرار
عليه إلى المخالفة لشرع الله الذي أراده لعباده.
٥٨

قلت: قد يقال: معنى الأفضلية: أفضلية ذات ماء زمزم على ماء
الكوثر، ويترتب على أفضلية الذات أفضلية الاستعمال وكذلك
الأيمان والنذور.
واختلف هل الماء الذي نبع من بين أصابعه عَّ لِ أفضل من ماء
زمزم مطلقاً؟ ومبنى الخلاف: هل الماء النابع من بين أصابعه خرج
من ذاته الشريفة؟ وهو قول الأكثر، أو لم يخرج منها، وإنما كثر
ببر کته.
قال ابن سلطان (١) على ((الشفاء)) ما نصه: قال النووي: في كيفية
النبع قولان:
أحدهما: الماء كان يخرج من نفس أصابعه وينبع من ذاتها وهو
قول أكثر العلماء.
وثانيهما: أنه تعالى أكثر الماء في ذاته فصار يفور من بين أصابعه.
انتھی منه.
وممن حكى القولين، ونسب الأول للأكثر أيضاً القاضي عياض،
وصرح منهم بالمازري.
ولفظ النووي في أول كتاب الفضائل من ((شرح مسلم)):
وفي كيفية هذا النبع قولان حكاهما القاضي عياض وغيره:
(١) لعله محمد بن محمد بن سلطان الدمشقي الصالحي، مفتي الشام، والقاضي بمصر،
له العديد من المؤلفات. ولد سنة ٨٧٠، وتوفي سنة ٩٥٠.
٥٩

أحدهما: ونقله القاضي عن المازري: وأكثر العلماء أن الماء كان
يخرج من بين أصابعه عَ لِّ، وينبع من ذاتها، قالوا: وهو أعظم في
المعجزة من نبعه من حجر(١).
الثاني: أن الله أكثر الماء في ذاته فصار يفور من بين أصابعه. انتهى.
ونقل نص النووي ابن العربي في ((القبس)) وقال قبله: ونبع الماء من
بين أصابعه خصيصة له لم تكن لأحد قبله.
قال الخطاب بعد نقل ماللنووي بواسطة ((القبس)) ما نصه: قلت:
وعلى القول الأول، فهو أشرف مياه الدنيا والآخرة. وقال القرطبي:
لم نسمع بمثل هذه المعجزة عن غير نبينا علّ له، حيث نبع الماء من بين
عظمه وعصبه ولحمه ودمه، ونقله عنه ابن حجر في ((علامات النبوة) من
كتاب ((المناقب من شرح البخاري)). انتهى بواسطة الحطاب.
فعلى من نسب الخلاف للعلماء من غير ترجيح دَرَك (٢) وهو
العلامة سيدي المهدي الفاسي في ((حاشية الدليل)) ونصه:
وقد اختلف علماؤنا في ذلك التفجر، هل كان من نفس الأصابع
أو لا. انتهى منه(٣).
(١) يشير إلى معجزة سيدناموسى عليه السلام، في قوله تعالى: ﴿اضرب بعصاك
الحجر ... ) سورة البقرة (٢) الآية (٦٠)، وسورة الأعراف (٧) الآية (١٦٠).
(٢) أي استدرك.
(٣) انظر الصفحة (٨٤و ١٤١) من كتاب ((المعجزات المحمدية)) للأستاذ الفاضل
وليد الأعظمي، طبع المكتب الإسلامي.
٦٠

ويرحم الله بعضهم إذ يقول:
والجذع حن حنين الشيق الثكل
تفجر الماء جرياً من أنامله
(قوله: أكثر الماء في ذاته): أي ذات الماء.
ووقع في عبارة ابن سلطان ما نصه: وفي نبعه احتمالان من زيادة
الكمية أو الكيفية، وهو أظهر، كما يدل عليه طلبه فضل الماء، ويشير
إليه ما سبق من الترجمة في قوله: وتکثیره بیر کته.
ولعل مراده بزيادة الكمية زيادة أجزاء الماء من ذاته الشريفة،
وبزيادة الكيفية: أن الماء عظم في نفسه ببركته عدّ له من غير زيادة
أجزاء من ذاته عَ ◌ّه فقوله: وهو أظهر. غير ظاهر: لأنه مخالف
لمذهب الأكثر كما تقدم له هو نفسه، وكما يأتي والله أعلم.
(وقوله: كما يدل عليه طلبه فضل الماء): يجاب عنه: بأنه إنما طلبه
تستراً، إذ لم تدع الضرورة إلى بيان كونه من ذاته الشريفة، وإنما
دعت إلى وجود أصل الماء.
(وقوله: ويشير إليه ما سبق من الترجمة في قوله وتكثيره): مراده
بالترجمة ترجمة ((الشفاء)) ولا إشارة فيها إذ قوله: وتكثيره ببركته
محتمل للأمرين. تأمل.
وقال الزرقاني: بعد أن ذكر مثل ما للنووي من أن القول بأنه
إيجاد معدوم هو قول الأكثر ما نصه:
فإن قلت: هو إيجاد معدوم على كلا القولين فما الفرق بينهما؟
قلت: مراد من قال: إيجاد معدوم: أنه خرج من ذاته عَّ المه ماء، ومراد
٦١

الآخر أن الماء الذي وضع يده فيه كثر ببركته، ولم يخرج من ذاته
ماء. ثم على القول: بأنه إيجاد معدوم هو أشرف مياه الدنيا والآخرة.
وأما على الآخر فيحتمل أنه أشرف منها أيضاً. ويحتمل: أن
كلا من ماء زمزم والكوثر أفضل منه، فخرج من هذا أن ماء زمزم
أفضل من الكوثر، كما جزم به البلقيني، وسلمه له غير واحد، وأن
الماء الذي نبع من بين أصابعه عَ لّم أشرف مياه الدنيا، التي منها زمزم
وأشرف مياه الآخرة التي منها الكوثر، بناء على أنه إيجاد معدوم
الذي هو قول أكثر العلماء.
ونبع الماء من بين أصابعه عّ لِّه في مواطن متعددة، وفي أعداد
مختلفة. كما ذكره ابن حبان في ((صحيحه)) ففي بعضها أتي بقدح،
وفي بعضها زجاج، وفي بعضها جفنة، وفي بعضها ميضأة، وفي بعضها
مزادة، وفي بعضها كانوا خمس عشرة مائة، وفي بعضها أربع عشرة
مائة، وفي بعضها ثمانمائة، وفي بعضها زهاء ثلاثمائة، وفي بعضها
ثمانين، وفي بعضها سبعين.
وساق ابن عبد البر(١) في ((الاستيعاب)) بسنده إلى سالم ابن أبي
الجعد قال: سألت جابر بن عبد الله، عن أصحاب الشجرة قال:
كنا ألفاً وخمسمائة. قال: ولو كنا مائة ألف لكفانا.
(١) هو يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي، يقال له
حافظ المغرب، له الكثير من المؤلفات، ولد سنة ٣٦٨ وتوفي سنة ٤٦٣.
٦٢

قال أبو عمر رضي الله عنه (١): يعني الماء النابع من أنامله عَ ليهِ.
وقد ذكرنا طرق ذلك في ((التمهيد)) بما بان به أن ذلك كان منه
مرات في مواطن شتى صلَّى الله عليه وسلَّم.
وفي «صحيح البخاري)) في حديث جابر في قصة نبع الماء من بين
أصابعه: أنهم كانوا ألفاً وأربعمائة.
وفي رواية .. أنهم كانوا خمس عشرة مائة.
وهذه القصة كانت بالحديبية وفي عددهم أقوال مختلفة.
وفي مسند أحمد(٢) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:
غزونا - أو سافرنا - مع رسول الله عَ لّه ونحن يومئذ بضعة عشر
ومائتان، فحضرت الصلاة، فقال رسول الله عَ لٍ: ((هل في القوم من
ماء؟)) فجاء رجل يسعى بإداوة فيها شيء من ماء قال: فصبه رسول
الله عَّه في قدح، قال: فتوضأ رسول الله عَّلِ فأحسن الوضوء، ثم
انصرف وترك القدح، فركب الناس القدح يمسحوا ويمسحوا. فقال
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
((على رِسْلكم)) حين سمعهم يقولون ذلك، قال فوضع رسول الله
عَ لِ كفه في الماء والقدح، ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
((بسم الله)) ثم قال: ((اسبغوا الوضوء)) فوالذي هو ابتلاني ببصري
(١) قصده ابن عبد البر، وكان الأولى به التصريح باسمه. وأن يترحم عليه بدلاً من
الترضي الموهم الذي هو الصحابة رضي الله عنهم.
(٢) هو برقم ١٤٠٩٩، من طبعة المكتب الإسلامي الجديدة المرقمة المفهرسة.
٦٣

لقد رأيت العيون عيون الماء يومئذ تخرج من بين أصابع رسول الله
ێ حتى توضؤوا أجمعون. انتھی.
((وفي الشفاء): وروى حديث نبع الماء من بين أصابعه عد له جماعة
من الصحابة، منهم أنس، وجابر، وابن مسعود الخ.
قال بعض الحفاظ: وورد نبع الماء من بين أصابعه عَ لمه من طرق
كثيرة يفيد مجموعها العلم النظري، المستفاد من التواتر المعنوي.
وحديث الكوثر رواه أنس كما في البخاري، وعائشة، وابن عباس،
وحذيفة وهو من الأحاديث المتواترة.
وأما الماء الذي انفجر بیر کته ێێ، وجرى بمسه ودعوته، فرواه
معاذ كما في ((الموطأ)) و((صحيح مسلم))، والبراء كما رواه (البخاري))،
وسلمة بن الأكوع، كما رواه مسلم، وأبو قتادة كما رواه البيهقي،
وعمران بن حصين كما في «الصحيحين، وسلمة بن الأكوع، وعمر
ابن الخطاب كما في ((صحيح ابن خزيمة)) والبيهقي والبزار (١). وجزم
ابن سلطان: بأنه كثر وعظم ببركة أسماء الله، من غير زيادة أجزاء
الماء، عكس مذهب الأكثر في الماء النابع من بين أصابعه عَ لّهِ. قال
على قوله عَ لّله للمرأة كما في ((الشفاء)): ((اذهبي فانا لم نأخذ من مائك
شيئاً)(٢). أي من كميته.
(١) يلاحظ أن المؤلف لم يلتزم الترتيب المعتاد في تقديم المصادر. وله في بعض ذلك
عذر فتقديمه للموطأ وهو المعتاد في المغرب - وهو مغربي - لأن كثرتهم أتباع مذهب
الإمام مالك، ولأن مالكاً أقدم من البخاري ومسلم.
(٢) هو في ((الشفا)) صفحة ٢٤٤، وبلفظ ((ارجعي)) وانظر ((مصنف عبد الرزاق))
٢٧٧/١١ رقم ٢٠٥٣٧.
٦٤

وقال على قوله: ((ولكن الله سقانا)) ما نصه أي بسبب زيادة كيفية،
ببر کة أسمائه. انتھی.
ونبع الماء من بين أصابعه علٍّ من خصائصه، ولم يثبت لأحد من
الأنبياء، ذكره ابن عبد السلام. انتهى من ((الخصائص)).
وأما الزرقاني فجعله من الخصائص: على أنه إيجاد معدوم. الذي
هو مذهب الأكثر(١)، وسيأتي عن العارف الشعراني أنه - أي الماء
النابع - ليس من الماء الذي على وجه الأرض.
ومن بر كاته علّ له في أمته: أن نبع الماء من أصابع بعض الأولياء(٢)
فقد ذكر سيدي أحمد بن ناصر في فتاويه أن ابن القاسم كان ربما
أملى على سحنون مسألة فلم يكتبها حتى يستحلفه عليها لقد صح
(١) وقد تقدم في الصفحة (٥٩) وتكرار المؤلف: ((مذهب الأكثر)) و((عليه
الأكثرون)) في غير محله. لأن مثل هذه الأمور لا تثبت بالأكثرية. ولا تُرد بالأقلية؛
بل هي تبع لصحة الدليل، أو صواب الاستدلال. وقوله ((العارف)) من توزيع الألقاب،
من غير نظر دقيق في معانيها لأن هذا اللفظ عندهم يعني: ((أنه عارف بالله)) وهيهات
لمثل الشعراني وهذه المنزلة. وأحسن ما يقال فيه، سمعته من أستاذنا العلامة الشيخ علي
الطنطاوي - واللفظ لي -: الشعراني له صحو وسكر، ووعي وغفلة .. ففي صحوه
ووعيه يؤلف كتابه - ((الميزان)) وفي سكره وغفلته يؤلف ((الطبقات)). أقول: وفي
الطبقات من الضلال والجهل والسخافة ما لا يجوز معه إبقاء هذا الكتاب في أيدي
الناس.
(٢) إنّ اعتقاد مثل ذلك أدخل في عقائد الناس ما لا يصح اعتقاده، بل أفسد
عقولهم، وحكاية تنقيط ماء في الدواة قد يكون من شدة العرق أحياناً.
٦٥

سماعها عن مالك(١) فبينما هو كذلك احتاج ذات يوم إلى ماء يجعله
في الدواة فأراد أن يقوم فقال له ابن القاسم: رويدك، فأدلى أصبعه
إلى الدواة فقطر منه من الماء ما فيه كفاية، فلم يكن يستحلفه سحنون
بعد ذلك. انتھی.
وبعد تحريري هذا وقفت على سؤال لبعض الأفاضل مع جوابه
له تعلق بمسألة نبع الماء من بين أصابعه عدّ له، وهل ذلك الماء هو
إيجاد معدوم، أو تكثير موجود؟ وحاصله هو ما تقدم.
ثم يلي الكوثر النيل، ثم يلي النيل الفرات.
فإن قلت: ظاهر حديث، وهو قوله عَّ ◌ُلّم: (ليس من الجنة في
الأرض شيء إلا ثلاثة أشياء: غرس العجوة، والحجر، وأواق تنزل
في الفرات كل يوم بركة من الجنة)).
أخرجه الخطيب في ((التاريخ)) عن أبي هريرة ونقله في ((الجامع
الصغير)) وإسناده ضعيف(٢) يقتضي أن الفرات أفضل من النيل حيث
(١) في الأصل (ملك)، ولعله اختصر اسم الإمام مالك.
(٢) [قال ناصر: ] (١٩) قلت: وقد بينت علته في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة))
(١٦٠٠) [ن].
(*) [يقول زهير: فقد قال الشيخ ناصر عند الحديث ١٦٠٠ ما يلي: ] - (ليس في
الأرض من الجنة إلاَّ ثلاثةُ أشياء: غرسُ العجوة، وَأواقٍ تنزلُ في الفرات كلّ يومٍ
من بركةِ الجنة، والحجرُ).
ضعيف. أخرجه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٥٥/١): أخبرنا القاضي أبو عمر القاسم
ابن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي - بالبصرة - قال: نا عبد الرحمن بن أحمد الختلي
قال: حدثني عبد الله بن محمد بن علي البلخي قال: نا محمد بن أبان قال: نا أبو=
٦٦

= معاوية عن الحسن بن سالم بن أبي الجعد عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول
الله ع لل: فذكره:
قلت: وهذا إسناد غريب، رجاله ثقات، ليس فيهم من ينظر في حاله غير اثنين:
الأول: الحسن بن سالم، فلم أرَ مَن ذكره غير ابن أبي حاتم من رواية جمع عنه،
وروى عن ابن معين أنه قال: ((صالح)).
والآخر: محمد بن أبان، وهو بلخي، وهما اثنان من هذه الطبقة: الأول: محمد بن أبان
ابن وزير البلخي، وهو ثقة من رجال البخاري. والآخر: محمد بن أبان بن علي البلخي،
وهو مستور كما قال الحافظ، ولعله هو علة هذا الحديث الغريب، فإنه لم يترجح لي أيهما
المراد الآن. ولم أر من صرح بإعلال الحديث، أو تضعيفه، اللهم إلا ما ذكره السيوطي
في مقدمة ((الجامع الكبير))؛ أن مجرد عزو الحديث إلى ((تاريخ الخطيب)) ونحوه، يكفي
للإشارة إلى تضعيف الحديث، وقد أورد الحديث في ((جامعيه)) من رواية الخطيب
وحده. ومما يلفت النظر أن المناوي بيض للحديث، ولم يتكلم عليه بشيء، وأما في
(التيسير)) فجزم بأن إسناده ضعيف. فلعله منه بناء على ما ذكرته آنفاً.
ومَن دون محمد بن أبان ثلاثتهم ثقات، مترجمون في ((التاريخ)) فراجعهم إن شئت
(٩٣/١٠ - ٩٤ و٢٩٠ - ٢٩١ و١٢/ ٤٥١ - ٤٥٢).
ولقد استنكرت من هذا الحديث طرفه الأول، لما فيه من النفي مع ثبوت قوله عد له:
((سيحان وجيحان، والفرات والنيل، كل من أنهار الجنة)).
أخرجه مسلم وغيره، وهو مخرج في ((الصحيحة)) (١٠٠).
وقوله: ((الحجر الأسود من الجنة))، وما فيه من أن العجوة من الجنة، قد صح من
حديث أبي هريرة وغيره كما بينته في ((تخريج المشكاة)) (٤٢٣٥).
وأما نزول البركة في الفرات من الجنة، فلم أجد ما يشهد له، سوى ما أخرجه الخطيب
أيضاً من طريق الربيع بن بدر عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله بن مسعود قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(ينزل في الفرات كل يوم مثاقيل من بركة الجنة)).
ضعيف جداً، فإن الربيع بن بدر هذا متروك، وقد روي عنه بلفظ آخر مضى برقم
(١٤٣٨) .=
٦٧

اختص بهذه الخصيصة، بل ومن ماء زمزم، كيف وقد قال المناوي:
ولم يرد نظير ذلك في غيره من الأنهار.
قلت: هذه مزية وخصوصية، وقد تقرر أنها لا تقتضي التفضيل،
=(*) [والذي في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) المجلد الأول الصفحة
١٧٦-١٧٧ طبع المكتب الإسلامي، برقم ١١٠ هو: ]
(سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة).
رواه مسلم (١٤٩/٨) وأحمد (٤٤٠،٢٨٩/٢) وأبو بكر الأبهري في ((الفوائد المنتقاة))
(١/١٤٣) والخطيب (٥٤/١-٥٥) من طريق حفص بن عاصم عن أبي هريرة
مرفوعاً.
( *** ) [والذي في («مشكاة المصابيح)) ١٢٢٢/٢ برقم ٤٢٣٥ هو: ].
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَلٍ: ((العجوة من الجنة، وفيها شفاء من السم،
والكمأة من المنّ، وماؤها شفاء للعين)) رواه الترمذي.
( ** ) [والذي في الرقم ١٤٣٨ من سلسلة الأحاديث الضعيفة، هو: ].
(ما من يوم إلّ ينزل مثاقيل من بركات الجنة في الفرات).
ضعيف جداً. أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٢/١٣٢) عن الربيع بن بدر عن الأعمش عن
أبي وائل عن عبد الله عن النبي معَ له، وقال:
((لا أعرفه إلا من حديث الربيع بن بدر)).
قلت: وهو ضعيف جداً، قال ابن عدي في آخر ترجمته: ((وعامة حديثه مما لا يتابعه
أحد عليه)). وقال الذهبي في ((الضعفاء والمتروكين)): تركه الدارقطني وغيره)). وقال
الحافظ في ((التقريب)): ((متروك)). وبه أعله في ((الفيض)) وزاد: ((قال ابن الجوزي: حديث
لا يصح، فيه الربيع، يروي عن الثقات المقلوبات، وعن الضعفاء الموضوعات)).
والحديث عزاه السيوطي في ((الجامع)) لابن مردويه عن ابن مسعود، ففاته هذا المصدر
العالي!
( ** ) [وهو في ((ضعيف الجامع الصغير وزيادته)) برقم ٥٢٢٦:]
((ما من يوم إلا يُقسم فيه مثاقيل من بركات الجنة في الفرات)).
٦٨

على أنه تقدم عن العارف ابن أبي جمرة أن أصل ماء زمزم من
الجنة.
وفي الحديث: ((خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام من
الطعم، وشفاء من السقم))(١) ويأتي في حديث مسلم ((سيحان وجيحان
(١) [قال ناصر: ] (٢٠) قلت: أخرجه ابن حبان في «صحيحه» وغيره بإسناد
حسن كما بينته في ((الصحيحة)) (١٠٥٦). [ن].
(*) [والذي في سلسلة الأحاديث الصحيحة هو: ]
١٠٥٦ - (خير ماءٍ على وجه الأرض ماءُ زمزم، فيه طعام من الطُّعم وشفاء من
السُّقم، وشرُّ ماءٍ على وجه الأرض ماءٌ بوادي برْهوت بقية حضرموت كرجل
الجراد من الهوام، يصبح يتدفق، ويمسي لا بلال بها).
رواه الطبراني (١/١١٢/٣) [٩٨/١١ رقم ١١١٦٧] وعنه الضياء في ((المختارة))
(٢/١١٤/٦٧) من طريقين عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني: نا مسكين بن
بكير: نا محمد بن مهاجر عن إبراهيم بن أبي حرة عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعاً.
ومن هذا الوجه أخرجه في ((الأوسط)) (١/١١٨/١) وقال:
(لم يروه عن إبراهيم إلا ابن مهاجر ولا عنه إلا مسكين تفرد به الحسن)).
قلت: وهو ثقة من رجال مسلم، وكذا من فوقه غير إبراهيم بن أبي حرة، قال الذهبي
في «الميزان» («ضعفه الساجي، ولكن وثقه ابن معين وأحمد وأبو حاتم، وزاد: لا بأس
به، رأى ابن عمر، يروي عنه معمر، وابن معين، وهو جزري، سكن مكة)). قلت:
فالإِسناد حسن على أقل الدرجات.
والحديث قال المنذري في ((الترغيب)) (١٣٣/٢):
((رواه الطبراني في ((الكبير))، ورواته ثقات، وابن حبان في (صحيحه)). وكذا في ((مجمع
الزوائد» (٢٨٦/٣).
قلت: لم يورده الهيتمي في ((موارد الظمآن)) فالظاهر أنه مما فاته. ونقل المناوي عن الحافظ
ابن حجر أنه قال: «رواته موثقون، وفي بعضه مقال، لكنه قوي في المتابعات، وقد جاء.
عن ابن عباس من وجه آخر مرفوعاً)) .=
٦٩

والفرات والنيل، كل من أنهار الجنة)) فالحصر في هذا الحديث ملغى،
وكذلك مفهوم العدد (١) على أنا إذا قابلنا بين الخصيصتين، وهما:
خصوصية ماء زمزم بغسل قلبه. وخصوصية الفرات بما ذكر.
ظهرت فضيلة ماء زمزم على الفرات.
على أنه قد أخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عباس قال:
((ضع دَلْوَك من قِبَل العين التي تلي البيت، أو الركن فإنها من
عيون الجنة. وأخرج عبد الرزاق في ((المجامع))(٢) عن معمر قال:
سقط رجل في زمزم فمات فيها فأمر ابن عباس أن تسد عيونها(٣)
وتنزح قيل له: إن فيها عينا قد غلبتنا، قال: إنها من الجنة، فأعطاهم
= (تنبيه) قوله ((بقية)) كذا وقع في ((المعجم الكبير)) بالمثناة التحتية بعد القاف، ونسخته جيدة
مصححة ومقابلة وكذا وقع في ((المجمع)) و ((الجامع الكبير)) (٢/٢٧/٢) وبعض نسخ ((الجامع
الصغير)). ووقع في ((الترغيب)) ونسخة ((الجامع الصغير)) التي عليها شرح ((فيض القدير)) و
((الفتح الكبير)) بلفظ: ((بقبة)) بالباء الموحدة ولعل الصواب الأول، وكذلك وقع في صلب شرح
((الفيض)). ولبعض الحديث شاهد من حديث أبي ذر مرفوعاً بلفظ:
(إنها مباركة، وهي طعام طُعم، وشفاء سُقم)). أخرجه الطيالسي (٤٥٧) وأحمد (١٧٥/٥)
ومسلم (١٥٤/٧) وليس عندهما ((وشفاء سُقم)). خلافاً لمن وهم من الأفاضل !.
(١) لأن العدد لا مفهوم له ... إلا إذا خصص.
(٢) كذا الأصل. وقال ناصر: لعله (الجامع)). [ن]
(*) يقول زهير: بل هو ((الجامع)) الذي رواه عبد الرزاق عن معمر كما في ((مصنف عبد
الرزاق)) من الصفحة (٣٧٩) من الجزء (١٠) حتى نهاية الكتاب. وهذا الحديث رواه
عبد الرزاق عن معمر في مصنفه الجزء الأول برقم ٢٧٥.
(٣) وكانت في الأصل ((تشد عيونها)) ولها وجه ولكن الأصوب ما ذكرناه كما في
((المصنف)).
٧٠

مطرفاً من خز (١) فحشوه فيها، ثم نزح ماؤها حتى لم يبق فيها
نَتَن (٢). انتهى.
(قوله في الحديث: غرس): أي مغروس، والعجوة: النخل، يحتمل
على العموم، ويحتمل نخل المدينة الذي تمره أجود التمر (٣)، وإضافة
غرس إلى العجوة للبيان.
(قوله: أواقٍ): جمع أوقية كذا في الشرح، وفي بعض نسخ المتن:
أوراق، ولم يحل عليها الشراح. انتهى كلام الحفني.
(قوله: تنزل): قال الحفني: أي ينزل من ماء الجنة، من الكوثر -
أو غيره - كل يوم في ذلك النهر وزن أواق. ولا يلزم من ذلك
تفضيل ذلك النهر على نيل مصر، خلافاً لبعضهم. انتهى.
فإن قلت: ظاهر قوله:
بالله قُل للنيل عني إنني لم أشفِ من ماء الفرات غليلا
(١) المطرف: هو رداء من خزّ مربع، ذو أعلام، يشبه المعروف الآن باسم ((البُشت))
القصير الذي يستعمله الرعاة في بلاد الشام. وأما العباءة التي تسمى في نجد وما والاها
بُشتاً فلا تشبه المطرف. والخز: هو الحرير.
(٢) [قال ناصر: ](٢١) قلت: إسناده ضعيف معضل. [ن].
(٣) بل في المدينة نوع من التمر يسمى ((العجوة)). وتتخذ العجوة من أنواع أخرى
في غير المدينة،. وهي التي تجمع وتكبس بعد تمام نضجها.
٧١

يا قَلب كم خلفتَ ثم بثينة وأظن صبرك أن يكون جميلا(١).
يقتضي أيضاً: أن الفرات أفضل من النيل.
قلت: لا يقتضيه، لأن الشاعر اختار الفرات لا من حيث ذاته،
بل من حيث نزول الأحبة به، وإلى هذا الترتيب أشار من قال:
من بين أصابع النبي المتبع
وأفضل المياه ماء قد نبع
فنيل مصر ثم باقي الأنهر
يليه ماء زمزم فالكوثر
قلت: ثم وقفت على ما يقتضي أفضلية الفرات على النيل في ((الغنية))
لمولانا عبد القادر الجيلاني، قدس الله سره العزيز النوراني (٢)، ونصه
في فضل شهر شعبان: واختار من الأنهار أربعة: جيحون وسيحون،
والفرات، والنيل. ثم اختار منها الفرات. انتهى محل الحاجة.
والحاصل أنه اختلف من الأفضل هل النيل أو الفرات؟ وظاهر
الأحاديث تقتضي أفضلية الفرات على النيل.
فإن قلت: ما أخرجه ابن سعد، عن عمر بن الحكم مرسلاً وهو:
(١) في البيت الثاني تورية بـ (بثينة) معشوقة جميل بن معمر الشاعر العذري. وإن
من أعجب الأمور الاستدلال بأشعار العشاق على التفضيل بين أنهار الدنيا وأنهار
الجنة، والماء الذي أكرم الله به رسوله معجزة؟ !.
(٢) الجيلاني هو عبد القادر ابن أبي صالح موسى، الفقيه الحنبلي الواعظ المشهور
توفي سنة ٥٦١. وله كتاب (الغنية لطالبي طريق الحق)). وهو من كتب السلوك
والأخلاق والوعظ. والكلام المنقول هو في الصفحة ١٢٩ من الجزء الأول، من غير
إسناد. وخبره فيه أن الله سبحانه اختار من كل شيء أربعة. وهو كلام لا دليل عليه.
٧٢