النص المفهرس

صفحات 401-420

إهداء الدیباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٠١
٣٦ - كتاب الفتن
٤٠٤٧- حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ الْعُثْمَانِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَقُومُ
السَّاعَةُ حَتَّى يَفِيضَ الْمَالُ وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ قَالُوا وَمَا الْهَرْجُ يَا رَسُولَ اللَّهِ
قَالَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ الْقَتْلُ ثَلَاثًا .
صحيح
الغريب :
الفتنة : الامتحان والاختبار، قال ابن الأثير (٤١١/٣): وقد كثر استعمالها
فيما أخرجه الاختبار للمكروه ، ثم كثر حتى استعمل بمعنى الإثم والكفر ، والقتال
والإحراق، والإزالة والصرف عن الشيء. اهـ
قوله : " بكلِّي ؟ قال: " بكلك" ، لعل عوفاً أحب أن يمازح رسول الله
وَّ؛ معرباً عن صغر المكان وضيقه، والله أعلم
قوله : ( هدنة ) بضم الهاء وسكون المهملة بعدها نون هي الصلح على تك
القتال بعد التحرك فيه. قوله : ( بني الأصفر ) هم الروم . قوله : ( غاية ) أي راية
, وسميت بذلك لأنها غاية المتبع إذا وقفت وقف. (الفتح ٢٧٨/٦)
الشرح :
بعثة النبي صلى الله عليه وسلم :
أفاد حديث أبي هريرة أن بعثة النبي ◌ُّ هي أول أشراط الساعة، لأنه دَُّ
نبي آخر الزمان، وذلك للقرب الشديد بين الإصبعين الذين شبه بهما قرب بعثته
من الساعة، وأنه ليس بين الساعة وبين بعثته رَّ نبي، وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين
، كما أفاد تقريب أمر الساعة ،

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٠٢
٣٦- كتاب الفتن
موت النبي صلى الله عليه وسلم :
كان موت النبي ◌ُ ◌ّ من أعظم المصائب التي دهمت المسلمين، حتى إن أحدهم
صل الله
ليعزي نفسه في ما يصيبه من المصائب بتذكر مصيبته في موت النبي ◌َّ فتهون
عليه المصائب ، وقد أنكر الصحابة رضوان الله عليهم قلوبهم عند موته
وتغيرت في أعينهم المدينة، فما عادوا يرونها كما كانت وهو ◌ّ بينهم، ولا غرو
فغياب شخص النبي ◌ُّ بموته، وهو المعلم الهادي الشفوق، وانقطاع الوحي من
السماء ، جريّ أن يهيج الصحابة على البكاء ، ويلف المدينة كلها بالحزن الشديد ؛
لما كانوا يدركونه أن خيراً عظيماً قد انقطع ، وأن هذا هو أول النقصان .
لم يكن موت النبي ◌َّ أمراً خارجاً عن حسبان الصحابة رضوان الله
عليهم ، فقد كانوا يعلمون يقيناً أن الموت نهاية كل حي ، وكانوا يقرأون قول الله
تعالى لنبيه بَّ { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون. كل
نفس ذائقة الموت . ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون } ، ولكنها الصدمة
الكبرى في فقد أعز عزيز، وأحب حبيب عند المسلمين، وكان موته وق﴿ من أوائل
أشراط الساعة.
فتح بيت المقدس :
ومن علامات الساعة أيضاً فتح بيت المقدس ، وقد فتحت في عهد الفلووق
عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه سنة ست عشرة من الهجرة ؛ فتحها عمر
بنفسه ، وصالح أهلها ، وطهرها من اليهود والنصارى ، وأقام بها مسجداً في قبلة
: بيت المقدس .

٤٠٣
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦ - كتاب الفتن.
فتح بيت المقدس على يدي عمر بن الخطاب :
قال ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية (٥٧/٧): ثم سار حتى صالح
نصارى بيت المقدس واشترط عليهم إجلاء الروم إلى ثلاث ، ثم دخلها ، إذ دخل
المسجد من الباب الذي دخل منه رسول الله ◌ّ ليلة الإسراء.
قال : وصلى بالمسلمين فيه صلاة الغداة من الغد ، فقرأ في الأولى بسورة ص
وسجد فيها ، والمسلمون معه ، وفي الثانية سورة بني إسرائيل ، ثم جاء إلى الصخرة
فاستدل على مكانها من كعب الأحبار .
قال : ثم جعل المسجد في قبلي بيت المقدس ، وهو العمري اليوم ، ثم نقل
التراب عن الصخرة في طرف ردائه وقبائه ، ونقل المسلمون معه في ذلك ، وسخر
أهل الأردن في نقل بقيتها ، وقد كانت الروم جعلوا الصخرة مزبلة لأنها قبلة
اليهود. اهـ
الداء : أو طاعون عمواس :
وبعد فتح المقدس ظهرت علامة أخرى من علامات الساعة كما يشير
حديث الباب ، وهي الداء الذي مات فيه كثير من الصحابة رضي الله عنهم ، وهو
طاعون عمواس الذي ظهر في خلافة عمر رضيالله، سنة ثمان عشرة للهجرة على ما
رجحه ابن كثير في البداية والنهاية (٥٩/٧) قال: أما الطاعون المنسوب إلى عمواس
فكان في سنة ثماني عشرة. اهـ
-وعمواس مدينة في أرض الشام ، قال ياقوت الحموي في معجم البلدان
(١٥٧/٤) : وهي كورة من فلسطين ، بالقرب من بيت المقدس ، ونقل عن المهلبي
قوله : كورة عمواس هي ضيعة جليلة على ستة أميال من الرملة على طريق بيت
المقدس، ومنها كان ابتداء الطاعون في أيام عمر بن الخطاب رضيته ، ثم فشا في

٤٠٤
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦ - كتاب الفتن
أرض الشام ، فمات فيه خلق كثير لا يحصى من الصحابة رضي الله عنهم ، ومن
غيرهم ، وذلك سنة ١٨ للهجرة، ومات فيه من المشهورين أبو عبيدة بن الجراح ،
وعمره ثمان وخمسون سنة ، وهو أمير الشام، إلى أن قال : وقيل : مات فيه خمسة
وعشرون ألفاً من المسلمين . اهـ
كثرة المال :
ومما أخبر به الحديث أيضاً من علامات الساعة ، استفاضة المال حتى يصير
الكثير منه في أعين الناس قليلاً تافهاً ، فلا يتهافت الناس عليه ، بل يُعرضون عنه،
.
إعراض من لا حاجة لهم فيه ، أو إعراض المستغني عنه بما عنده ، وقد وردت
أحاديث كثيرة في هذه العلامة ، منها ما رواه البخاري في كتاب الفتن من صحيحه
من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﴿® قال: "لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكـ
المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقته وحتى يعرضه عليه فيقول الذي
يعرضه عليه لا أرب لي به " ، وما رواه مسلم من حديث أبي موسى " ليأتين على
الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب ، ثم لا يجد أحداً يأخذها منبه؟
ومن حديث ثوبان " إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها ، وإن أمني
سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنْزين الأحمر والأبيض" وغيرها من
الأحاديث الصحيحة ، وقد كثر المال واستفاض في عهد الصحابة، وعهود بعدهم ،
بسبب الفتوحات ، لا سيما ما وقع منها في بلاد الفرس والروم ، وأما كثرة المنال
على النحو الذي أشار إليه الحديث فلم تأت بعد ، ولعلها التي تكون في زمن المهدي
، وعيسى بن مريم عليه السلام ، حيث يعمّ الرخاء ويفيض المال ، وتخرج الأرض
كنوزها وبر كاتها .
:

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٠٥
٣٦ - كتاب الفتن
فتنة تدخل کل بيت :
ومن أشراط الساعة التي عدّها الحديث فتنة عظيمة تقع بين الناس ، ويدخل
شرها بيت كل مسلم، وقد ورد في أحاديث أخر في الصحيحين وغيرهما أن آخر
هذه الأمة سيصيبها بلاء عظيم وفتن. وقد بين لنا نبينا نَّ سبيل النجاة من هذه
الفتن ، وأن العاصم منها هو الإيمان بالله واليوم الآخر ولزوم جماعة المسلمين ،
والعضّ على سنته ريَّ، والحذر من البدع والأهواء والضلالات ، وحذرنا
من الاقتراب من الفتن إذا وقعت ، وعلمنا أن نتعوذ بالله منها .
قبل وقوعها
ما الله
وقد ظهرت في المسلمين ألوان من الفتن ، أخبر بها النبي
، ففي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله وسل طة -
وهو مستقبل المشرق - يقول: " ألا إن الفتنة ها هنا، ألا إن الفتنة ها هنا، من
حیث يطلع قرن الشيطان "
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٤٧/١٣) وأول الفتن كان من قبل المشرق
فكان ذلك سببا للفرقة بين المسلمين وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به , وكذلك
البدع نشأت من تلك الجهة . اهـ
فمن جهة العراق وفارس ظهر معظم البدع ، ونشأت أكثر الفرق كالخوارج
والروافض والجهمية وغيرهم ، ومن جهة المشرق يخرج الدجال ، ويأجوج ومأجوج
، فنعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن .
وقد وقع الفتنة أيضاً بعد مقتل عثمان بن عفان رضيبه ، فاختلف المسلمون
وتفرقوا، وتقاتلوا ، فجرى بينهم من المعارك كوقعة الجمل وصفين والحرة ، قتل فيها

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٠٦
٣٦- كتاب الفتن
عشرات الآلاف من خيرة المسلمين ، فعمت الفتنة المسلمين حتى دخلت كل بيت
كما أخبر النبي صَ﴿ ، وذلك أنه قلّ بيت ليس منه قتيل.
وظهر الخوارج ، فسفكوا الدماء بتأويلات باطلة ، ومعتقدات فاسدة ،
فعظم بهم البلاء .
ومن الفتن العظيمة التي ابتليت بها الأمة في زماننا ترك الاحتكام إلى شريعة
الإسلام ، واتباع اليهود والنصارى في الاحتكام إلى دساتيرهم الباطلة، وتشبَّه كثير
من المسلمین بالكفار في أخلاقهم ، فأخذوا عنهم فحشهم ، وفجورهم ،فتبرجت
النساء ، وبالغن في إظهار فتنتهنّ للرجال كما هو الحال في بلاد الكفار من اليهود
والنصارى ، وتبلد الرجال ، وأصابتهم الدياثة وانعدمت غيرتهم، وصدق رسول الله
وَّ؛ فقد وقع ما أخبر به من اتباع المسلمين سَنن اليهود والنصارى شيراً بشبر
وذراعاً بذراع كما في حديثي أبي هريرة وأبي سعيد الخدري في الصحيح .
قال ابن بطال فيما حكاه عنه الحافظ في الفتح (٣٠١/١٣): أَعلمَ وَّ
أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور والبدع والأهواء كما وقع للأمم قبلهم , وقد أنذر
في أحاديث كثيرة بأن الآخر شر, والساعة لا تقوم إلا على شرار الناس, وأن الدين
إنما يبقى قائما عند خاصة من الناس . قال الحافظ : قلت : وقد وقع معظم ما أنذر.
مللله
وسيقع بقية ذلك. اهـ
به وہہ
قتال بني الأصفر وهم الروم :
ومن الفتن التي أخبر بوقوعها النبي ◌ّ قتال الروم، حيث يغزون المسلمين
، بعد هدنة تكون بينهم ، فينقضون العهد ، ويغدرون ، فيجيئون تحت ثمانين راية،
أي أنهم يكونون ثمانين دولة ، في نحو مليون مقاتل، يتحالفون على قتال المسلمين ،.

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٠٧
٣٦ - كتاب الفتن
وهذا لم يقع بعد ، وقد بينت رواية مسلم عن عبد الله بن مسعود في وصف قتال
الروم أن النصر يكون للمسلمين، وأن هذا النصر يكون تهيئة لفتح القسطنطينية .
وترجم البخاري في كتاب الجزية والموادعة من صحيحه (باب ما يحذر من
الغدر ) وقول الله تعالى {وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله } ثم أورد فيه
حديث عوف بن مالك هذا . وقال الحافظ في الفتح (٢٧٧/٦) : قوله : ( باب ما
يُحذر من الغدر) ، وفي هذه الآية ، إشارة إلى أن احتمال طلب العدو للصلح خديعة
، لا يمنع من الإجابة إذا ظهر للمسلمين , بل يعزم ويتوكل على الله سبحانه .
قال : المهلب فيه أن الغدر من أشراط الساعة . وفيه أشياء من علامات
النبوة قد ظهر أكثرها . وقال ابن المنير: أما قصة الروم فلم يجتمع إلى الآن ولا بلغنا
أنهم غزوا في البر في هذا العدد فهي من الأمور التي لم تقع بعد . وفيه بشارة ونذارة
, وذلك أنه دل على أن العاقبة للمؤمنين مع كثرة ذلك الجيش , وفيه إشارة إلى أن
عدد جيوش المسلمين سيكون أضعاف ما هو عليه . اهـ
ووقع في رواية للحاكم أن عوف بن مالك قال لمعاذ في طاعون عمواس :
ل الله
وفتح بيت المقدس والطاعون , قال : وبقي
قد وقع منهن ثلاث , يعني موته څے
ثلاث . فقال له معاذ: "إن لهذا أهلا" . ووقع في الفتن لنعيم بن حماد أن هذه
القصة تكون في زمن المهدي على يد ملك من آل هرقل .
وقوله في حديث أبي هريرة " متى الساعة ؟" قال ابن رجب الحنبلي في
شرحه على البخاري (١٩٧/١): لما كان العلم بوقت الساعة المسئول عنه غير ممكن
، انتقل منه إلى ذكر أشراطها ، وهي علامتها الدالة على اقترابها .

٤٠٨
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦٠ - كتاب الفتن
وهذا كما سأله الأعرابي : متى الساعة ؟ فقال: "ما أعددت لها ؟" فأعرض
عن الجواب عن الساعة إلى ذكر الاستعداد لها ، لأنه هو المأمور به ، وهو الذي يعني
٠٠
السائل وغيره وينبغي الاهتمام به .
وقال في معنى قوله " وإذا تطاول رعاء الغنم في البنيان": وفي هذا
إشارة إلى أن من أشراط الساعة فساد ولاة الأمور بجهلهم وجفائهم، ويشهد لهذا
الحديث الآخر " إذا وكل الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة". اهـ
وفي قوله وُّلّ " إذا ولدت الأمة ربتها" قال العلماء معناه: أن تبيع السلدة
أمهات أولادهم ، ويكثر ذلك ، فيتداول الملاك المستولدة ، حتى يشتريها ابنها أو
بنتها ، ولم يشعرا بذلك .
قال الخطابي في معالم السنن (٣٢٢/٤): معناه أن يتسع الإسلام ويكثر
السبي ويستولد الناس أمهات الأولاد فتكون ابنة الرجل من أمته في معنى السيدة
لأمها , إذ كانت مملوكة لأبيها وملك الأب راجع في التقدير إلى الولد. اهـ
وعزاه النووي في شرح مسلم (١٩٤/١) إلى أكثر أهل العلم.
أن يكثر العقوق في الأولاد ، فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته، من
الإهانة بالسب والضرب والاستخدام ، فأطلق عليه ربها مجازاً لذلك، أو المراد بالرب
المربي فيكون حقيقة : ذكره الحافظ في الفتح (١٢٢/١) ورجحه فقال: وهذا أوجه
الأوجه عندي لعمومه .اهـ
قال النووي في شرح مسلم (١٨١/١): واعلم أن هذا الحديث ليس فيه
دليل على إباحة بيع أمهات الأولاد , ولا منع بيعهن . وقد استدل إمامان من كبار
العلماء به على ذلك , فاستدل أحدهما على الإباحة والآخر على المنع وذلك بعجب
منهما. وقد أنكر عليهما فإنه ليس كل ما أخبر ﴿ّ بكونه من علامات الساعة

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٠٩
٣٦ - كتاب الفتن
يكون محرما أو مذموما , فإن تطاول الرعاء في البنيان . وفشو المال , وكون خمسين
امرأة لهن قيم واحد ليس بحرام بلا شك , وإنما هذه علامات والعلامة لا يشترط فيها
شيء من ذلك ; بل تكون بالخير والشر والمباح والمحرم والواجب وغيره والله
أعلم. اهـ
رفع العلم وظهور الجهل :
ومن أشراط الساعة أيضاً رفع العلم وظهور الجهل ، وذلك بموت العلماء ،
فيتخذ الناس رؤوساً جهالاً يفتون الناس بغير علم فيضلونهم ، كما في حديث عمرو
بن العاص في الصحيح . والمراد بالعلم في هذه الأحاديث علم الكتاب والسنة ؛ الذي
به هداية الناس وصلاح أمرهم ، فإذا ذهب هذا العلم بذهاب حملته ظهرت البدع
واستحكم الجهل ، وهو من أعظم الفتن .
والعلماء الذين تحصل الفتن بذهابهم هم العلماء العاملون ، القائمون بأمر الله
تعالى في دعوة الناس إلى السنة ، والسعي لإصلاح ما فسد من أمر دينهم ، والصدع
بكلمة الحق ، ومناصحة الولاة ، فإنه إذا ذهب هؤلاء العلماء الصالحون ولم يبق
منهم في ديار المسلمين إلا القليل ، ظهر طائفة ممن يتنسبون إلى العلم ، يداهنون
الولاة ، ويهملون أمر العامة ؛ فيفسدون ولا يصلحون ، وهذا من أشد الفتن .
ويقول ابن كثير في النهاية في الفتن والملاحم (٤١/١): والمقصود أن العلم
يرفع في آخر الزمان ، ويكثر الجهل ، وفي هذا الحديث إخبار بأنه ينزل الجهل ، أي
يلهم أهل ذلك الزمان الجهل ، وذلك من الخذلان ، نعوذ بالله منه ، ثم لا يزالون
كذلك في تزايد من الجهالة والضلالة إلى أن تنتهي الحياة الدنيا. اهـ
ومما ورد من الأحاديث في ذهاب العلم أو نقصه ما رواه البخاري في كتاب
الأدب من صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ولم يتقارب الزمان

٤٠
٤١٠
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦- كتاب الفتن
وينقص العمل ويلقى الشح ويكثر الهرج قالوا وما الهرج؟ قال: القتل ، القتل."
فقد بين الحديث أن العلم الشرعي في تناقص ، وأن الهمم في طلبه قد قصرت، فلا
يقبل عليه إلا القليل ، ولا يعلو فيه كعبه من هذا القليل إلا أقل القليل .
وفي هذا المعنى يقول الإمام الذهبي رحمه الله في تذكرة الحفاظ (١٠٣١/٣)
بعد أن ذكر ما كان عليه العلماء من الإمامة في العلم ؛ كلّ في فنه : وفي الجملة ،
وما أوتوا من العلم إلا قليلا ، وأما اليوم ، فما بقي من العلوم القليلة إلا القليل، في
أناس قليل ؛ ما أقل من يعمل منهم بذلك القليل ، فحسبنا الله ونعم الوكيل. اهـ
وترجم البخاري في كتاب العلم من صحيحه " باب رفع العلم وظهور
الجهل ، وقال ربيعة لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه . اهـ
وقال الحافظ في الفتح (١٧٨/١) : قوله : ( باب رفع العلم) مقصود الباب
الحث على تعلم العلم , فإنه لا يرفع إلا بقبض العلماء .
قال : وما دام من يتعلم العلم موجودا لا يحصل الرفع . وقد تبين في حديث
الباب أن رفعه من علامات الساعة .
ومراد ربيعة أن من كان فيه فهم وقابلية للعلم لا ينبغي له أن يهمل نفسه
فيترك الاشتغال , لئلا يؤدي ذلك إلى رفع العلم . أو مراده الحث على نشر العلم في
أهله لئلا يموت العالم قبل ذلك فيؤدي إلى رفع العلم . أو مراده أن يشهر العالم نفسه
ويتصدى للأخذ عنه لئلا يضيع علمه . وقيل مراده تعظيم العلم وتوقيره , فلا يهين
نفسه بأن يجعله عرضا للدنيا . وهذا معنى حسن , لكن اللائق بتبويب المصنف ما
تقدم .

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤١١
٣٦ - كتاب الفتن
وقال ابن بطال فيما حكاه عنه الحافظ (١٦/١٣): وجميع ما تضمنه هذا
الحديث من الأشراط قد رأيناها عيانا فقد نقص العلم وظهر الجهل وألقي الشح في
القلوب وعمت الفتن وكثر القتل .
وعقب الحافظ ابن حجر عليه فقال: الذي يظهر أن الذي شاهده كان منه
الكثير مع وجود مقابله , والمراد من الحديث استحكام ذلك حتى لا يبقى مما يقابله
إلا النادر , وإليه الإشارة بالتعبير بقبض العلم فلا يبقى إلا الجهل الصرف , ولا يمنع
من ذلك وجود طائفة من أهل العلم لأنهم يكونون حينئذ مغمورين في أولئك ,
ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن ماجه بسند قوي عن حذيفة قال " يدرس الإسلام كما
يدرس وشي الثوب حتى لا يُدري ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة ، ويسري
على الكتاب في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية " الحديث. اهـ
فشو الزنا ، وشرب الخمر :
ومن أشراط الساعة انتشار الزنا ، وكثرته ، وقد ظهرت هذه العلامة في
زماننا في ديار المسلمين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ومما ساعد على
انتشارها ، تشجيع أولياء الأمور على اختلاط الرجال بالنساء في المدارس والجامعات
، والمنتديات ، وما تقوم به وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة من حض على
هذا الاختلاط وتشجيع للفتيات على التعري والتبرج بكل وسائل الإغراء وذلك
بعرض صيحات من الملابس التي تلبسها المرأة الغربية ؛ النصرانية أو اليهودية ،
وتعليم الشباب من الجنسين طرائق الفساد من العشق والمخادنة ، وما يزينون به هذه
الدعوات الفاسدة من الغناء ، وكافة ألوان الفجور مما يسمونه فناً ، وما ينفقونه من
أموال المسلمين على إنشاء الشواطيء ليصطاف عندها الرجال والنساء في عري
ودياثة لا يرضاها من كان عنده مثقال ذرة من إيمان أو حياء . فهذا وغيره من

إهداء الدیباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤١٢
٣٦ - كتاب الفتن
أساليب الشياطين في إفساد المسلمين وإشاعة الفاحشة هو الذي ساعد على انتشار
الزنا وكثرته في ديارنا ، قال تعالى: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا
لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة . } .
وأما شرب الخمر فقد مضى قريباً الكلام عنه .
كثرة النساء وقلة الرجال :
ومما يقع في آخر الزمان كثرة النساء وقلة الرجال ، والسبب في ذلك والله
أعلم ذهاب الرجال بالقتل في الحروب التي تنشب بسبب الفتن الواقعة آنذاك ، وربما
كان نقص الرجال وكثرة النساء آية وعلامة يجريها الله تعالى في الناس وقتها للدلالة
على قرب الساعة ، فتأتي هذه العلامة في صورة زيادة المواليد من الإناث عن المواليد
من الذكور ، وقد وقع الآن شيء من هذا ، ففي بعض دول العالم الإسلامي في
شرق آسيا يزداد عدد المواليد من الإناث بشكل كبير جداً ، فقد أثبتت إحدى
الإحصائيات أن في كل خمسة عشر مولوداً ، ذكراً واحداً فقط .
قال الحافظ في الفتح (١٧٩/١): قوله: ( وتكثر النساء) : قيل سببه أن
الفتن تكثر فيكثر القتل في الرحال لأنهم أهل الحرب دون النساء .
وقال أبو عبد الملك : هو إشارة إلى كثرة الفتوح فتكثر السبايا فيتخذ
الرجل الواحد عدة موطوءات . قلت : وفيه نظر , لأنه صرح بالقلة في حديث أبي
موسى الآتي في الزكاة عند المصنف فقال: " من قلة الرجال وكثرة النساء" والظاهر
أنها علامة محضة لا لسبب آخر , بل يقدر الله في آخر الزمان أن يقل من يولد من
الذكور ويكثر من يولد من الإناث , وكون كثرة النساء من العلامات مناسبة
لظهور الجهل ورفع العلم . وقوله : " لخمسين" يحتمل أن يراد به حقيقة هذا العدد

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤١٣
٣٦ - كتاب الفتن
, أو يكون مجازا عن الكثرة. ويؤيده أن في حديث أبي موسى: " وترى الرجل
الواحد يتبعه أربعون امرأة " .
انحسار الفرات عن جبل من ذهب :
ومن أشراط الساعة انحسار نهر الفرات عن جبل من ذهب ، فيتكالب الناس
عليه ، ويقتتلون حتى يقتل تسعة من كل عشرة ، ولفظه عند مسلم "فُيُقتل من كل
مائة تسعة وتسعون "، وقد نهى النبي ◌ّ من حضر هذا الكتز أن يأخذ منه شيئاً
يوشك
كما في رواية أبي هريرة وأبي بن كعب في مسلم قال رسول الله :
الفرات أن يحسر عن كتر من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا ."
قال الحافظ في الفتح (٨١/١٣):, والذي يظهر أن النهي عن أخذه لما ينشأ
عن أخذه من الفتنة والقتال عليه .
قال : ويحتمل أن تكون الحكمة في النهي عن الأخذ منه لكونه يقع في آخر
الزمان عند الحشر الواقع في الدنيا وعند عدم الظهور أو قلته فلا ينتفع بما أخذ منه
ولعل هذا هو السر في إدخال البخاري له في ترجمة خروج النار . ثم ظهر لي رجحان
الاحتمال الأول لأن مسلما أخرج هذا الحديث أيضا من طريق أخرى عن أبي هريرة
بلفظ " يحسر الفرات عن جبل من ذهب فيقتل عليه الناس , فيقتل من كل مائة
تسعة وتسعون , ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو".اهـ
وأما فتنة الدجال والدخان وطلوع الشمس من مغربها المذكورة في حديث
حذيفة بن أسيد في أول حديث في الباب فسيأتي الكلام عنها مفصلاً بعد أبواب إن
شاء الله تعالى.

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤١٤
٣٦ - كتاب الفتن
(٢٦) باب ذهاب القرآن والعلم
٤٠٤٨ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي
الْجَعْدِ عَنْ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا فَقَالَ ذَاكَ عِنْدَ أَوَانَ
ذَهَابِ الْعِلْمِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ وَنَحْنُ نَفْرَأُ الْقُرْآنَ وَنَّغْرِفُهُ أَيْنَامِنَا
وَيُفْرِئُهُ أَبْنَاؤُنَا أَبْنَاءَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ زِيَادُ إِنْ كُنْتُ لَأَرَاكَ مِنْ أَفْقَهِ
رَجُلٍ بِالْمَدِينَةِ أَوَ لَيْسَ هَذِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقْرَعُونَ الثَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ لَا يَعْمَلُونَ
بِشَيْءٍ مِمَّا فِيهِمَا .
د
٤٠٤٩ - حَدَّثْنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَّةَ عَنْ أَبِي مَالِكِ الْأَشْحَعِيِّ عَنْ رِنْعِيِّ
بْنِ حِرَاشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَّ يَدْرُسُ الْإِسْلَامُ كَمَا يَدْرُسُ
وَشْيُ الثَّوْبِ حَتَّى لَا يُدْرَى مَا صِيَامٌ وَلَا صَّلَاةٌ وَلَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَّةٌ وَلَيُسْرَى عَلَى
كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلْ فِي لَيْلَةٍ فَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ وَتَبْقَى طَوَائِفُ مِنْ النَّاسِ
الشَّيْخُ الْكَبِرُ وَالْعَجُوزُ يَقُولُونَ أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَنَحْنُ
تَقُولُهَا فَقَالَ لَهُ صِلَّهُ مَا تُغْنِي عَنْهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا صَلَاةٌ وَلَا صِيَامٌ وَلَا
نُسُكّ وَلَا صَدَقَةٌ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حُذَيْفَهُ ثُمَّ رَدِّهَا عَلَيْهِ ثًَّا كُلِّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ حُذَيْفَةُ
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فِي الثَّلَِةِ فَقَالَ يَا صِلَّهُ تُنْجِيهِمْ مِنْ النَّارِ ثَلَاثًا. صحيح
٤٠٥٠- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيْرِ حَدَّثَنَا أَنِي وَوَكِيعٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ
شَقِيقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ
R
أَيَّامٌ يُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ وَيَنْزِلُ فِيهَا الْحَهْلُ وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ. صحيح
٤٠٥١- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيْرٍ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا حَدَّثْنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ
عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقِ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ إِنَّ

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤١٥
٣٦ - كتاب الفتن
مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ وَيُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ قَالُوا يَا رَسُولَ
اللَّهِ وَمَا الْهَرْجُ قَالَ الْقَتْلُ .
صبيع
٤٠٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ
الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً يَرْفَعُهُ قَالَ يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَنْقُصُ الْعِلْمُ وَيُلْقَى الشُّحُّ وَتَظْهَرُ
الْفِتَنُ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْهَرْحُ قَالَ الْقَتْلُ .
صحيح
الشرح : في حديث زياد بن لبيد بيان أن ترك العمل بالعلم هو أول ذهاب
العلم ، إذ إن مقتضى العلم العمل ، والعلم بلا عمل ، الجهل خير منه ، وترك العلماء
العمل بما علموه هو سبيل ضياع العلم ، وذلك أن العالم إذا ترك العمل بما علم ،
كان أحرى أن يترك تبليغ العلم ، ودعوة الخلق إلى الخير ، والحرص على هدايتهم
وتعليمهم ، فيعم عند ذاك الجهل ، ويسود الضلال ، حتى لا يدري الناس ما صلاة
ولا صيام ولا نسك ولا صدقة ، وهو معنى اندراس الإسلام وضياع تعاليمه
وأحكامه ، ثم يُسرى على كتاب الله في ليلة ، فلا يبقى في الأرض منه آية .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١٩٨/٣) في معنى القرآن
كلام الله غير مخلوق ، منه بدا ومنه يعود : قال: وأما إليه يعود : فإنه يسرى به في
آخر الزمان من المصاحف والصدور ؛ فلا يبقى في الصدور منه كلمة ، ولا في
المصاحف منه حرف. اهـ
وقال ابن كثير في تفسيره لقول الله تعالى {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم
يحملوها كمثل الحمار } (٣٨٩/٤): يقول تعالى ذاماً لليهود الذين أعطوا التوراة
وحملوها للعمل بها ثم لم يعملوا بها مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارا أي
كمثل الحمار إذا حمل كتبا لا يدري ما فيها فهو يحملها حملا حسياً لا يدري ما عليه
وكذلك هؤلاء في حملهم الكتاب الذي أوتوه حفظوه لفظا ولم يتفهموه ولا عملوا

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤١٦
٣٦ - کتاب الفان
بمقتضاه بل أولوه وحرفوه وبدلوه فهم أسوأ حالا من الحمير لأن الحمار لا فهم له
وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى {أولئك كالأنعام
بل هم أضل أولئك هم الغافلون }.اهـ
وفي الأحاديث أن بين يدي الساعة يكثر الهرج وهو القتل ، ويرفع العلم
ويظهر الجهل ، وقد بسطبت القول في ذلك في الأبواب الماضية بما يغني عن إعادته .
وأما صلة الذي خاطبه حذيفة فهو صلة بن زفر العبسي الكوفي ؛ أحد كبار
التابعين ، وهو ثقة جليل ، روى عن عدد من الصحابة ؛ منهم حذيفة وابن مسعود
وعلي وابن عباس وعمار بن ياسر.
(٢٧) باب ذهاب الأمانة
٤٠٥٣ - حَدَّثْنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدََّنَا وَكِيعٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبِ عَنْ
حُذَيْفَةَ قَالَ حَدَّثْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَيْنِ قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا
أَنْتَظِرُ الْآخَرَ قَالَ حَدَّثْنَا أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي حَذْرٍ قُلُوبِ الرَّحَالِ قَالَ الطَّنَافِسِيُّ يَعْنِي
وَسْطَ قُلُوب الرِّجَالِ وَنَزَّلَ الْقُرْآنُ فَعَلِمْنَا مِنْ الْقُرْآنِ وَعَلِمْنَا مِنْ السُّنَّةِ .
ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا فَقَالَ بَّنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُرْفَعُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلَّ أَثَّرُهَا كَأَثَرِ
الْوَكْتِ وَيَنَامُ النَّوْمَةَ فَتْرَعُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَظَلُّ أَثْرُهَا كَأَثَرِ الْمَحْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَحْتَهُ
عَلَى رِجْلِكَ فَتَفِطَ فَتَرَاهُ مُثِيرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ .
ثُمَّ أَخَذَ حُذَيْفَةُ كَفِّ مِنْ حَصَّى فَدَحْرَجَهُ عَلَى سَاقِهِ قَالَ فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ وَلَنَا
يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ حَتَّى يُقَالَ إِنَّ فِي ◌َنِ فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا وَحَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ مَّا
أَعْقَلَهُ وَأَحْلَدَهُ وَأَظْرَفَهُ وَمَا فِى قَلْبِهِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ مِنْ إِمَانٍ .

٤١٧
٣٦ - كتاب الفتن
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
وَلَقَدْ أَتَّى عَلَيَّ زَمَانٌ وَلَسْتُ أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ إِسْلَامُهُ
وَلَئِنْ كَانَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانَّا لَيَرُدُّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ لِأُبَايِعَ إلَّا فُلَانًا
١٠
وَفُلَانًا .
صبيع
٤٠٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفِى حَدَّتْنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ
أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ عَنْ أَبِي شَحَرَةً كَثِيرِ بْنِ مُرَّةً عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنْ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ عَبْدًا تَزَعَ مِنْهُ الْحَيَاءَ فَإِذَا نَزَعَ مِنْهُ الْحَيَاءَ لَمْ
تَلْقَهُ إِلَّا مَقِيتًا مُمَقْنًا فَإِذَا لَمْ تَلْقَهُ إِلَّ مَقِيتًا مُمَقْنَا نُزِعَتْ مِنْهُ الْأَمَانَةُ فَإِذَا نُزِعَتْ مِنْهُ
الْأَمَانَةُ لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا حَائِنًا مُحَوَّنَا فَإِذَا لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا خَائِنًا مُحَوَّنًا نُزِعَتْ مِنْهُ الرَّحْمَةُ فَإِذَا
نُزِعَتْ مِنْهُ الرَّحْمَةُ لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا رَجِيمًا مُلَعَّنَا فَإِذَا لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا رَجِيمًا مُلَعَّنَا نُزِعَتْ مِنْهُ
رِبْقَةُ الْإِسْلَامِ .
موضوع
الشرح : ومن أشراط الساعة التي بينها حديث حذيفة في الباب ضياع
الأمانة ، والمراد بالأمانة هنا الأمانة في حفظ الودائع وأدائها ، وسائر أنواع المعاملة
حال البيع والشراء من الصدق واجتناب التدليس والغش ؛ وذلك ببيان العيب في
سلعته إن وجد ، وأداء الثمن دون مماطلة أو مماكسة ، ونحو ذلك مما بينت الشريعة
من أحكام البيع والشراء ، وما يقتضيه الإيمان من الأمانة ، وتفسير الأمانة بهذا هو ما
اختاره راوي الحديث ؛ حذيفة
تَتُه ؛ فهو أعرف بالمراد من غيره.
وأما قوله في الحديث إن الأمانة نزلت في حذر قلوب الرجال وتفسير بعض
أهل العلم للأمانة بأنها الإيمان ، فهو من تفسير الشيء بلازمه ، إذ إن الأمانة والإِيمان
متلازمان ، فإذا ضاع الإيمان فلا أمانة ، وإذا انعدمت الأمانة دل ذلك على ذهاب
الإيمان من القلب، فالأمانة أثر من آثار الإيمان في القلب ، وفي مسند أحمد وصحيح
فقال في
ابن حبان من حديث أنس بن مالك نظّ ◌ُّه قال خطبنا رسول الله g

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤١٨
٣٦ - كتاب الفتن
الخطبة "لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له "، وليس المراد من نفي
الإيمان هنا صحته ، بل المراد نفي كماله .
وقد مر بنا حديث أبي هريرة في الصحيح "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة
" قال : كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: " إذا أسند الأمر إلى غير أهله، فانتظر.
الساعة "
قال الشيخ يوسف الوابل في كتابه أشراط الساعة (ص ١٣٠): ومن مظاهر
تضييع الأمانة إسناد أمور الناس من إمارة وخلافة وقضاء ووظائف على اختلافها إلى
غير أهلها القادرين على تسييرها والمحافظة عليها ؛ لأن في ذلك تضييعاً لحقوق الناس.
، واستخفافاً بمصالحهم ، وإيغاراً لصدورهم، وإثارة للفتن بينهم .
فإذا ضيع من يتولى أمر الناس الأمانة ــ والناس تبع لمن يتولى أمرهم
كانوا مثله في تضييع الأمانة ، فصلاح حال الولاة صلاح لحال الرعية ، وفساده
فساد لهم اهـ
وقال ابن حزم في الإحكام (٣٥٣/٧): ونعم ، لا إيمان أصلا لمن لا أمانة له
ولا يجوز أن نخص بذلك أمانة دون أمانة ، والإسلام هو الأمانة التي عرضها الله
تعالى على السماوات والأرض وقبول الشرائع ، فمن عدم هذه الأمانة التي هي بعض
الأمانات فلا إيمان له ، ومن قيل فيه لا أمانة له فهو محمول على كل أمانة لا على
بعضها دون بعض وأما قوله { "لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه" فكذلك نقول
إن الفعل المذموم منه ليس إيمانا لأن الإيمان هو جميع الطاعات والمعصية إذا فعلها
فليس فعله إياها إيمانا ، فإذا لم يفعل الإيمان فلم يؤمن يعني في تركه ذلك الفعل
خاصة وإن كان مؤمنا بفعله للطاعات في سائر أفعاله ، وقد بينا هذا في كتاب.
الفِصَل ، والإيمان هو الطاعات كلها وليس التوحيد وحده إيمانا فقط ، فمعنى لا

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤١٩
٣٦ - كتاب الفتن
إيمان له أي لا طاعة ، وكذلك إذا عصى فلم يطع وإذا لم يطع فلم يؤمن وليس
يلزمنا أنه إذا لم يؤمن في بعض أحواله أنه كفر ولا أنه لا يؤمن في سائرها لكن إذا لم
يطع فلم يؤمن في الشيء الذي عصى به وآمن فيما أطاع فيه. اهـ
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٣٩/١٣). قوله ( ثم علموا من القرآن ثم
علموا من السنة ), وفيه إشارة إلى أنهم كانوا يتعلمون القرآن قبل أن يتعلموا السنن
,( والمراد بالسنن ما يتلقونه عن النبي ◌ُّ واجبا كان أو مندوبا. قوله (وحدثنا عن
رفعها ) هذا هو الحديث الثاني الذي ذكر حذيفة أنه ينتظره وهو رفع الأمانة أصلا
حتى لا يبقى من يوصف بالأمانة إلا النادر, ولا يعكر على ذلك ما ذكره في آخر
الحديث مما يدل على قلة من ينسب للأمانة فإن ذلك بالنسبة إلى حال الأولين ,
فالذين أشار إليهم بقوله " ما كنت أبايع إلا فلانا وفلانا " هم من أهل العصر الأخير
الذي أدركه والأمانة فيهم بالنسبة إلى العصر الأول أقل , وأما الذي ينتظره فإنه
حيث تفقد الأمانة من الجميع إلا النادر . قوله ( فيظل أثرها ) أي يصير
قوله ( مثل أثر الوَكْت ) سواد في اللون , وكذا المحْل أثر العمل في اليد
قوله ( فَنَفِط) أي صار منتفطا وهو المنتبر يقال انتبر الجرح وانتفط إذا ورم
وامتلأ ماء، وحاصل الخبر أنه أنذر برفع الأمانة وأن الموصوف بالأمانة يسلبها حتى
يصير خائنا بعد أن كان أمينا , وهذا إنما يقع على ما هو شاهد لمن خالط أهل
الخيانة فإنه يصير خائنا لأن القرين يقتدي بقرينه .
"وقال ابن العربي: المراد بالأمانة في حديث حذيفة الإيمان , وتحقيق ذلك فيما ذكر
من رفعها أن الأعمال السيئة لا تزال تضعف الإيمان , حتى إذا تناهى الضعف لم يبق
إلا أثر الإِيمان , وهو التلفظ باللسان والاعتقاد الضعيف في ظاهر القلب , فشبهه
بالأثر في ظاهر البدن ,

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٢٠
٣٦ - كتاب الفتن
قوله ( ولا أبالي أيكم بايعت ) مراده المبايعة في السلع ونحوها , لا المبايعة
بالخلافة ولا الإمارة ، وقد اشتد إنكار أبي عبيد وغيره على من حمل المبايعة هنا على
الخلافة وهو واضح .اهـ
وقال النووي في شرح مسلم (٤٤٩/١): وأما قول حذيفة رضي الله عنه (
ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلما ليردنه على دينه , ولئن
كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه علي ساعيه , وأما اليوم فما كنت لأبايع إلا فلانا
وفلانا ) فمعنى المبايعة هنا البيع والشراء المعروفان . ومراده أني كنت أعلم أن الأمانة
لم ترتفع , وأن في الناس وفاء بالعهود , فكنت أقدم على مبايعة من اتفق غير باحث
عن حاله وثوقا بالناس وأمانتهم ; فإنه إن كان مسلما فدينه وأمانته تمنعه من الخيانة
وتحمله على أداء الأمانة , وإن كان كافرا فساعيه وهو الوالي عليه كان أيضا يقوم
بالأمانة في ولايته فيستخرج حقي منه , وأما اليوم فقد ذهبت الأمانة فما بقي لي
وثوق بمن أبايعه , ولا بالساعي في أدائهما الأمانة , ( فما أبايع إلا فلانا ) وفلانا:
يعني أفرادا من الناس: أعرفهم وأثق بهم. اهـ
(٢٨) باب الآيات
٤٠٥٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّتْنَا سُفْيَانُ عَنْ فُرَاتِ الْقَزَّازِ عَنْ عَامِرٍ
بْنِ وَائِلَةً أَبِي الطُّغَيْلِ الْكِنَائِِّ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ أَبِي سَرِيِحَةَ قَالَ اطْلُّعَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّمَ مِنْ غُرْفَةٍ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ السَّاعَةَ فَقَالَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّسى
تَكُونَ عَشْرُ آيَاتِ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَعْرِبِهَا وَالدَّجَّالُ وَالدُّحَانُ وَالدَّبَةُ وَيَأُجُوجُ
وَمَأْجُوجُ وَخُرُوجُ عِيسَى أَبْنٍ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامِ وَثَلَاثُ حُسُوفٍ حَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ
وَحَسْفٌ بِالْمَعْرِبِ وَخَسْفٌَ بِحَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَتَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنِ أَبْيَنَ تَسُوقُ
النَّاسَ إِلَى الْمَحْشَرِ تَبِيتُ مَعَهُمْ إِذَا بَاتُوا وَتَقِيلٌ مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا .