النص المفهرس

صفحات 341-360

إهداء الدیباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٤١
٣٦ - كتاب الفتن
وإن أنكر ذلك أكثر الناس ، وترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله ؛ لا شيخ
، ولا طريقة، ولا مذهب ، ولا طائفة بل هؤلاء هم الغرباء منتسبون إلى الله بالعبودية
له وحده وإلى رسوله بالاتباع إلى ما جاء به وحده وهؤلاء هم القابضون على الجمر
حقا وأكثر الناس -بل كلهم - لائم لهم فلرغبتهم بين هذا الخلق : يعدونهم أهل
شذوذ وبدعة ، ومفارقة للسواد الأعظم .
ومعنى قول الرسول وظلّ "هم التراع من القبائل": أن الله سبحانه وتعالى
بعث رسوله وأهل الأرض على أديان مختلفة ، فهم بين عباد أوثان ونيران ،وعباد
صور وصلبان ، ويهود وصابئة وفلاسفة ، وكان الإسلام في أول ظهوره غريبا وكان
من أسلم منهم واستجاب لله ولرسوله غريبا في حيه وقبيلته وأهل عشيرته ، فكان
المستجيبون لدعوة الإسلام نزاعا من القبائل بل آحاد منهم تغربوا عن قبائلهم
وعشائرهم ، ودخلوا في الإسلام ، فكانوا هم الغرباء حقا، حتى ظهر الإسلام
وانتشرت دعوته ودخل الناس فيه أفواجا فزالت تلك الغربة عنهم ثم أخذ في
الاغتراب والترحل ، حتى عاد غريبا كما بدأ بل الإسلام الحق - الذي كان عليه
رسول الله صَلّ وأصحابه - هو اليوم أشد غربة منه في أول ظهوره وإن كانت
أعلامه ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة ، فالإسلام الحقيقي غريب جدا وأهله
غرباء أشد الغربة بين الناس .
فكيف لا يكون المؤمن السائر إلى الله على طريق المتابعة غريبا بين هؤلاء
الذين قد اتبعوا أهوائهم ، وأطاعوا شحهم وأعجب كل منهم برأيه ؟
فهو غريب في دينه لفساد أديانهم ، غريب في تمسكه بالسنة ،لتمسكهم
بالبدعة، غريب في اعتقاده لفساد عقائدهم ، غريب في صلاته لفساد صلاتهم ،

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٤٢
٣٦- كتاب الفتن
غريب في طريقه لضلال وفساد طرقهم ، غريب في نسبته لمخالفة نسبهم ، غريب في
معاشرته لهم، لأنه يعاشرهم على ما لا تهوى أنفسهم.
وبالجملة هو غريب في أمور دنياه وآخرته ، لا يجد من العامة مساعدا أمينا ،
ولا معينا ، فهو عالم بين جهال ، صاحب سنة بين أهل بدع ، داع إلى الله ورسوله
بين دعاة إلى الأهواء والبدع ، آمر بالمعروف ناه عن المنكر بين قوم المعروف لديهم
منكر ، والمنكر معروف . أهـ
. (١٦) باب من ترجى له السلامة
٣٩٨٩ - حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى حَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ
١٩
عِيسَى بْنٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ خَرَجٌ
يَوْمًا إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَحَدَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَاعِدًا عِنْدَ قَبْرِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ بَيْكِي فَقَالَ مَا يُبْكِيكَ قَالَ يُبْكِينِي شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ
اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَّمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَّلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَّلْمَ يَقُولُ إِنْ يَسِيرَ
الرِّيَاءِ شِرْكٌ وَإِنْ مَنْ عَادَى لِلْهِ وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْأَبْرَارَ
الْأَنْقِيَاءَ الْأَخْفِيَاءَ الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا وَلَمْ يُعْرِفُوا قُلُوبُهُمْ
مَصَابِيحُ الْهُدَى يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ .
ضعيف
٣٩٩٠ - حَدَّثْنَا هِشَامُ بْنُ عُمَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ حَدَّثْنَا زَيْدُ
بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَّالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ النَّاسُ كَإِلٍ
مِائَةٍ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةٌ.
صـيع
الشرح : في حديث معاذ أن اليسير من الرياء شرك ، والرياء هو العمل لغير
وجه الله، كأن يتصدق أو يتعبد ، أو يقاتل ، لأجل مديح الناس ، وهو شرك يُحبط
العمل ، فإن الله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً وصواباً ؛ خالصاً لله؛

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٤٣
٣٦ - كتاب الفتن
لم يشرك صاحبُه فيه مع الله أحداً، وصواباً أي عمِله على وفق السنة ، وفيه أن من
عادى أولياء الله من المتقين ، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، فكأنما يحارب
الله تعالى ، ومن ذا الذي يقدر على أن يحارب الله، ومن يصمد لغضبه وبطشه
وجبروته ؟!، والجواب الذي لا جواب غيره : لا أحد ، وعليه فقوله " بارز الله
بالمحاربة " خرج مخرج التهديد والوعيد، أي أن من تعرض لذلك، فمصيره _لا
محالة _الهلاك والدمار .
وفيه أن من عباد الله من يكون ولياً لله تعالى ، ذا منزلة عند الله عالية ، بما في
قلبه من إيمان قوي خالص ، وطهارة من كل صور الشرك ، وغيرة على حرمات
الدين أن تنتهك ، ولا يكون وجيهاً في قومه ، بل يكون مغموراً ؛ لا يُفتقد إذا غاب
؛ ولا يُلتفت إليه إذا حضر، وذلك عند فساد الناس ، واختلال القيم ؛ فصاحب المال
، أو السلطان ، أو العزوة من الأهل والعشيرة ، هو السيِّد المقدم، وإن كان فاجراً ؛
فاسدَ الدين والأخلاق ، وأما الفقير المتواضع ، المستضعَف ، فهو المغمور المنسيُّ،
الذي لا يحفل به أحد ، وإن كان صالحاً أميناً ديِّناً ، فهؤلاء الصالحون محبوبون لله
تعالى ، وإن هانوا على الناس .
وفي حديث ابن عمر بيان أن المسلم القوى الناهض بأعباء الدين وواجباته ،
المراعي لحقوق الله وحقوق العباد ، القائم بواجب الأخوة الإيمانية مع إخوانه
المسلمين ، بمساعدتهم ، وجير ضعفهم ، والرفق بهم ، وحثهم على مواصلة العمل
الصالح ، وتحمل المشاق في سبيل الله ، والمضي بعزم وصدق أمامهم ، دون تضجر أو
شکوی ، أن صاحب هذه الأوصاف نادر وقليل ، لا تكاد تجد مثله واحداً بين كل
مائة من الناس .

٣٤٤
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦ - كتاب الفتن
قال الحافظ في الفتح (٣٣٥/١١) : قوله ( إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد
ے
تجد فيها راحلة) المعنى : لا تجد في مائة إبل راحلة تصلح للركوب , لأن الذي يصلح
للركوب ينبغي أن يكون وطيئا سهل الانقياد , وكذا لا تجد في مائة من الناس من
يصلح للصحبة بأن يعاون رفيقه ويلين جانبه .
قال الخطابي : تأولوا هذا الحديث على وجهين : أحدهما أن الناس في أحكام
. الدين سواء ؛ لا فضل فيها الشريف على مشروف ، ولا لرفيع على وضيح ، كالإبل
: المائة التي لا يكون فيها راحلة ؛ وهي التي ترحل لتركب , والراحلة فاعلة بمعنى
مفعولة أي كلها حَمولة تصلح للحمل ولا تصلح للرحل والركوب عليها . والثاني
. أن أكثر الناس أهل نقص: وأما أهل الفضل فعددهم قليل جدا, فهم بمنزلة الراحلة
في الإبل الحمولة , ومنه قوله تعالى {ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون }.
قلت : وأورد البيهقي هذا الحديث في كتاب القضاء في تسوية القاضي بين
الخصمين أخذا بالتأويل الأول , ونقل عن ابن قتيبة أن الراحلة هي النجيبة المختارة
من الإبل للركوب , فإذا كانت في إبل عرفت , ومعنى الحديث أن الناس في النسب
كالإبل المائة التي لا راحلة فيها , فهي مستوية. وقال الأزهري: الراحلة عند العرب
الذكر النجيب والأنثى النجيبة , والهاء في الراحلة للمبالغة قال : وقول ابن قتيبة
غلط والمعنى أن الزاهد في الدنيا الكامل فيه الراغب في الآخرة قليل كقلة الراحلة في
الإبل .
وقال القرطبي : الذي يناسب التمثيل أن الرجل الجواد الذي يحمل أثقال
الناس والحمالات عنهم ويكشف كرهم عزيز الوجود كالراحلة في الإبل الكثيرة .

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٤٥
٣٦ - كتاب الفتن
وقال ابن بطال : معنى الحديث أن الناس كثير والمرضِيِّ منهم قليل, وإلى
هذا المعنى أومأ البخاري بإدخاله في " باب رفع الأمانة " لأن من كانت هذه صفته
فالاختيار عدم معاشرته . اهـ
وقال النووي في شرح مسلم (٣٤٢/٨): قال ابن قتيبة : الراحلة النجيبة
المختارة من الإبل للركوب وغيره , فهي كاملة فإذا كانت في إبل عرفت .
قال : ومعنى الحديث أن الناس متساوون ليس لأحد منهم فضل في النسب ,
بل هم أشباه كالإِبل المائة . وقال الأزهري : الراحلة عند العرب الجمل النجيب
والناقة النجيبة . قال : والهاء فيها للمبالغة كما يقال : رجل فهامة ونسابة . قال :
والمعنى الذي ذكره ابن قتيبة غلط , بل معنى الحديث أن الزاهد في الدنيا الكامل في
الزهد فيها والرغبة في الآخرة قليل جدا كقلة الراحلة في الإبل , هذا كلام الأزهري
, وهو أجود من كلام ابن قتيبة , وأجود منهما قول آخرين أن معناه المرضِيِّ
الأحوال من الناس ؛ الكامل الأوصاف ؛ الحسن المنظر ؛ القوي على الأحمال
والأسفار .
قال : سميت راحلة لأنها ترحل أي يجعل عليها الرحل فهي فاعلة بمعنى مفعولة
كعيشة راضية أي مرضية ونظائره .
(١٧) باب افتراق الأمم
٣٩٩١ - حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا مُحْمَّدُ بْنُ بِشْرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو
ھ
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفَرَّقَتْ الْيَهُودُ
عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةٌ وَتَفْتُرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةٌ .
حسن صحيح
٣٩٩٢ - حَدَّثْنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِرِ بْنِ دِينَارِ الْحِمْصِيُّ حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ
يُوسُفَ حَدَّثْنَ صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَوْفٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ

٣٤٦
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦- كتاب الفتنُ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ افْتَرَقَتْ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةٌ فَوَاحِدَةٌ فِي
الْجَنَّةِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ وَاقْتُرَقَتْ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ
فِي النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَالْذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى تَّلَاثٍ وَسَبْعِينَ
فِرْقَةً وَاحِدَةٌ فِي الْحَنَّةِ وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ قَبَالَ
الْجَمَاعَةُ .
صبيع
٣٩٩٣ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارِ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرِو حَدَّثَنَا قَتَادَةُ
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَوَقَّتْ
عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةٌ وَإِنَّ أُمَِّي سَتَفْتُرِقُ عَلَى ثِنْتَيْنٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي الَّارِ
إلَّا وَاحِدَةٌ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ
صحيح
٣٩٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمْرٍو ◌َعَنْ
أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لْتَتَبِعُنَّ سُنّةً مَنْ
كَانَ قَبْلَكُمْ بَاعًا بِبَاءٍ وَذِزَاعًا بِذِرَاعٍ وَشِبْرًا بِشِْرٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُخْرٍ ضَبٍّ
لَدَخَلْتُمْ فِيهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ إِذّا .
حسن صحيح
الشرح: في أحاديث الباب صدق ما أخبر به النبي رَّ بما يحدث في أمته
من الأهواء والبدع، وما يكون من الفُرقة والاختلاف ، فقد وقع ما أخبر به
حيث ذهبت الأهواء بالمسلمين كل مذهب ، ونشأت الفرق الضالة ، والمقالات
المنحرفة، حين جهل أصحابها السنة، فاتخذوا رؤوساً جهالاً، وبقيت فرقة واحدة
على الحق، وهي الفرقة الناجية، المتمسكة بما كان عليه رسول الله صلّ وأصحابه
رضوان الله عليهم، وهي المرادة في قوله ﴿ّ "وواحدة في الجنة" ، وهي الجماعة؛
أي جماعة أهل السنة . قال الله تعالى { ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٤٧
٣٦ - كتاب الفتن
دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون} وقال سبحانه { إن الذين فرقوا
دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء}، وقال عزّ مِن قائل {واعتصموا بحبل الله
جميعاً ولا تفرقوا} وقال سبحانه { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا
السبل فتفرق بكم عن سبيله } .
وقد تكلم العلماء في تعيين هذه الفرق المنحرفة ، وعدِّها ، وأرجعوا أصول البدع
إلى أربعة منها ؛ وهي الخوارج ، والروافض ، والقدرية ، والمرجئة ، ثم تشعّبت كل
فرقة إلى فرق حتى بلغت هذا العدد ، ولا يتعين معرفة علامات ومقالات جميع الفرق
المنحرفة ، وإنما يتعين معرفة الحق ، وصفات الفرقة الناجية ، والعضّ عليها ، ومفارقة
سائر الفرق الضالة والبراءة منها ، وذلك أننا لو عرفنا الحق ، انكشف لنا الباطل
فنجتنبه ، قال تعالى { فماذا بعد الحق إلا الضلال}، وثمة معنى آخر، وهو أن
معرفة انحراف الفرق وضلالها راجع إلى مخالفتها لما كان عليه رسول الله وحَة
وأصحابه ، فجماعة الحق هي المعيار الشرعي لمعرفة الانحراف والضلال عند الفرق .
يقول الشاطبي رحمه الله في كتابه الفذ " الاعتصام" (٢/ ٢٠٠) : وذلك أن
هذه الفرق ، إنما تصير فرقاً بخلافها للفرقة الناجية ، في معنى كليٍّ في الدين ، وقاعدة
من قواعد الشريعة. اهـ
وفي الأحاديث أن من أسباب الضلال وأشكاله اتباع اليهود والنصارى ، في
فتنتهم بالدنيا وعاداتهم وأخلاقهم وفحشهم وعري نسائهم ، وقد كثر هذا الاتباع
في زماننا ، وعم به البلاء ، وفسد به المجتمع، ولم ينج من الوقوع في متابعتهم إلا
عصبة من المؤمنين تمسكوا بدينهم ، وشريعتهم وأخلاقهم .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣٤٦/٣): وأما تعيين
هذه الفرق فقد صنف الناس فيهم مصنفات وذكروهم في كتب المقالات لكن الجزم

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٤٨
٣٦ - كتاب الفتن
بأن هذه الفرقة الموصوفة هي إحدى الثنتين والسبعين لا بد له من دليل فإن الله حرم
القول بلا علم عموما وحرم القول عليه بلا علم خصوصا فقال تعالى {قل إنما حرم
ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم
ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}، وقال تعالى { يا أيها الذين
آمنوا كلوا مما في الأرض خلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين
إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } وقال تعالى
{ ولا تقْف ما ليس لك به علم }، وأيضا فكثير من الناس يخبر عن هذه الفرق بحكم
الظن والهوى ؛ فيجعل طائفته والمنتسبة إلى متبوعه الموالية له هم أهل السنة والجماعة
، ويجعل من خالفها أهل البدع ، وهذا ضلال مبين. اهـ
وما قرره شيخ الإسلام من أن هذه البدع لا يقطع بتعيينها ، وافقه عليه
الشاطبي في الاعتصام (٢٢٣/١): فيقول بعد أن نقل كلام الطرطوشي في نفسٍ
المعنى : حاصل كلامه أن هذه الفرق لم تتعين بعد . قال الشاطي: لأن ذلك التعيين
ليس عليه دليل . اهـ
وقال القرطبي في تفسيره (١٠٣/٤): قال أبو الفرج بن الجوزي : فإن قيل
هذه الفرق معروفة . فالجواب أنا نعرف الافتراق وأصول الفرق وأن كل طائفة من
الفرق انقسمت إلى فرق وإن لم نحط بأسماء تلك الفرق ومذاهبها فقد ظهر لنا من
أصول الفرق الحرورية والقدرية والجهمية والمرجئة والرافضة والجبرية وقال بعض أهل
العلم : أصل الفرق الضالة هذه الفرق الست وقد انقسمت كل فرقة منها اثنتي
عشرة فرقة فصارت اثنتين وسبعين فرقة. اهـ
وقال الشاطبي في الموافقات (١٩٤/٤): هذه الفرق وإن كانت على ما هي
عليه من الضلال فلم تخرج من الأمة ودل على ذلك قوله "تفترق أمتي" فإنه لو

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٤٩
٣٦ - كتاب الفتن
كانت ببدعتها تخرج من الأمة لم يضفها إليها ، وقد جاء في الخوارج في هذه الأمة
كذا فأتى بفي المقتضية أنها فيها وفى جملتها ، وقال في الحديث "وتتمارى في الفُرِق"
ولو كانوا خارجين من الأمة لم يقع تمار في كفرهم، ولقال إنهم كفروا بعد
إسلامهم . فإن قيل : فقد اختلف العلماء في تكفير أهل البدع كالخوارج والقدرية
وغيرهما .
فالجواب أنه ليس في النصوص الشرعية ما يدل دلالة قطعية على خروجهم
عن الإسلام والأصل بقاؤه حتى يدل دليل على خلافه ، وإذا قلنا بتكفيرهم فليسوا
إذا من تلك الفرق بل الفرق من لم تؤدهم بدعتهم إلى الكفر ، وإنما أبقت عليهم من
أوصاف الإسلام ما دخلوا به في أهله ، والأمر بالقتل في حديث الخوارج لا يدل
على الكفر ، إذ للقتل أسباب غير الكفر كقتل المحارب والفئة الباغية بغير تأويل وما
أشبه ذلك ؛ فالحق أن لا يحكم بكفر من هذا سبيله
وبهذا كله يتبين أن التعيين في دخولهم تحت مقتضى الحديث صعب وأنه
أمر اجتهادي لا قطع فيه إلا ما دل عليه الدليل القاطع للعذر وما أعز وجود مثله.
وقال رحمه الله : ولهؤلاء الفرق خواص وعلامات في الجملة وعلامات أيضا في
التفصيل فأما علامات الجملة فثلاث :
إحداها: الفُرقة التي نبه عليها قوله تعال {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست
منهم في شئ} وقوله {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا } وغير ذلك من الأدلة
قال بعض المفسرين : صاروا فرقا لاتباع أهوائهم وبمفارقة الدين تشتت
أهواؤهم فافترقوا وهو قوله {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً} ثم برأه الله منهم
بقوله {لست منهم فى شيء} وهم أصحاب البدع والكلام فيما لم يأذن الله فيه
ولا رسوله قال ووجدنا أصحاب رسول الله ﴿ من بعده قد اختلفوا في أحكام

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٥٫٠
٣٦ - كتاب الفتن
الدين ولم يفترقوا ولم يصيروا شيعا لأنهم لم يفارقوا الدين وإنما اختلفوا فما أذن لهم
من اجتهاد الرأي والاستنباط من الكتاب والسنة فيما لم يجدوا فيه نصاً .
والخاصة الثانية هي التي نبه عليها قوله تعالى {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما.
تشابه منه ابتغاء الفتنة] فجعل أهل الزيغ والميل عن الحق ممن شأنهم إتباع المتشابهات
وقد تبين معناه وقال عليه الصلاة والسلام "فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه.
فأولئك الذین سمى الله فاحذروهم " .
والخاصية الثالثة اتباع الهوى وهى التي نبه عليها قوله {فأما الذين فى قلوبهم زيغ}
وهو الميل عن الحق اتباعا للهوى وقوله {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من
الله}، وقوله {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم}.
وأما العلامات التفصيلية في فرقة فقد ثُبِّ عليها وأشير إليها كما في قوله تعالى
{فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول} إلى قوله {ويريد الشيطان أن يضلهم
ضلالا بعيدا} . اهـ
(١٨) باب فتنة المال
٣٩٩٥ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادِ الْمِصْرِيُّ أَثْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيّ
عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَقُولُ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ لَا وَاللَّهِ مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ إِلَّا مَا يُخْرِجُ اللَّهُ
لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ فَسَّكَتَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ كَيْفَ قُلْتَ قَالَ قُلْتُ وَهَلْ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ّ إِنَّ الْخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلَّ ◌ِخَيْرٍ أَوَ خَيْرٌ هُوَ إِنْ كُلِّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِعُ
يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَلَأَتْ امْتَدَّتْ حَاصِرَتَّهَا.

٣٥١
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦ - كتاب الفتن
اسْتَقْبَلَتْ الشَّمْسَ فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ ثُمَّ اجْتَرَّتْ فَعَادَتْ فَأَكَلَتْ فَمَنْ يَأْخُذُ مَالًا بِحَقْهِ
صـيع
يُبَارَكُ لَهُ وَمَنْ يَأْخُذُ مَالًا بِغَيْرٍ حَقِّهِ فَمَثْلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ .
٣٩٩٦ - حَدَّثْنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادِ الْمِصْرِيُّ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبِ أَثْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ
الْحَارِثِ أَنْ بَكْرُ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَّهُ أَنْ يَزِيدَ بْنَ رَبَاحٍ حَدَّثَّهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ
الْعَاصِ عَنْ رَسُولِ اللّهِلَّ أَنَهُ قَالَ إِذَا فُتِحَتْ عَلَيْكُمْ خَزَائِنُ فَارِسَ وَالرُّومِ أَيُّ قَوْمٍ
أَنْتُمْ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ نَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا اللَّهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لاَّ أَوْ غَيْرَ
ذَلِكَ تَتْنَافَسُونَ ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ ثُمَّ تَتَدَابِرُونَ ثُمَّ تَتْبَاغَضُونَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ تَنْطَلِقُونَ
فِي مَسَاكِينِ الْمُهَاجِرِينَ فَتَجْعَلُونَ بَعْضَهُمْ عَلَى رِقَابٍ بَعْضٍ . صحيح
٣٩٩٧ - حَدَّثْنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الْمِصْرِيُّ أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ
ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبْرِ أَنْ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْرَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ
وَهُوَ حَلِيفُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُوَيِّ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَنْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي
بِجِزْيَتِهَا وَكَانَ التَِّيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ الْعَلَءَ
بْنَ الْحَضْرَمِيِّ فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنْ الْبَحْرَيْنِ فَسَمِعَتْ الْأَنْصَارُ بِقُدُومٍ أَبِى عُبَيْدَةَ
فَوَافَوْا صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ انْصَرَفَ فَتَعَرَّضُوا لَهُ فَتَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ
رَآهُمْ ثُمَّ قَالَ أَظْنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنْ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ مِنْ الْبَحْرَيْنِ قَالُوا أَجَلْ يَا رَسُولَ
اللّهِ قَالَ أَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ فَوَ اللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنِّي أَخْشَى
عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا
تَنَافَسُوهَا فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ .
صبيع

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٥٢
٣٦ - كتاب الفتن:
الشرح : في هذه الأحاديث التحذير من فتنة المال ، وذم النهم والشره
وشدة الانهماك في جمعه ، والمنافسة في إظهار زينة الدنيا ، والتفاخر بها ، وبيان أن
من يقع في ذلك فقد عرض نفسه للهلاك ، وذلك من جهة ما يدخل عليه في الغالب
من الفساد في الدين ، واختلاط الحرام بالحلال في كسبه ، أو منع المستحقين
حقوقهم في هذا المال ، وما يترتب عليه من بغض الناس له وحسدهم ، وحقدهم
عليه ، وما يكون من انشغاله بجمع المال وحراسته ، عن مهمات الدين من العلم
والعبادة والدعوة والجهاد ، فإن من استغرق في جمع الدنيا فاتته الآخرة ، ومن فاتته
الآخرة خسر ، وإن حاز مال الدنيا كله ، وإن الفلاح والفوز والهناء إنما هو في
الإيمان والعمل الصالح ، وإن لم يكن في اليد من الدنيا إلا ما يقيم الأَود ، ثم ضرب
النبي ◌َّ من الأمثلة _ مما في بيئتهم - ما يبين هذه الحقائق، ويزيل عنها اللبس،
ويرفع الغشاوة .
فالعرب يعرفون أن البهيمة قد تقبل على ما تستلذ من العشب ، فتأكل بنهم
غير مدركة لما يصيبها من الأذى بسبب الشراهة ، حتى إذا امتلأت ، وانتفخت
بطنها ، هلكت أو كادت أن تهلك ، فذلك مثل يُقَرب إليهم المراد من المعنى في أن
الانهماك في جمع الدنيا ، وإن كان مستلذاً للإنسان ، إلا أنه مُهلك .
قال النووي في شرح مسلم (١٥٤/٤): قوله ◌َّ: (لا والله ما أخشى
عليكم أيها الناس إلا ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا ) فيه التحذير من الاغترار
بالدنيا والنظر إليها , والمفاخرة بها , وفيه: استحباب الحلف من غير استحلاف إذا
كان فيه زيادة في التوكيد والتفخيم ليكون أوقع في النفوس . قوله : ( يا رسول الله
أيأتي الخير بالشر؟ فقال له رسول الله وَّ: إن الخير لا يأتي إلا بخير أو خير هو.
إن كل ما ينبت الربيع يقتل حبطا أو يلم إلا آكلة الخضر أكلت حتى امتلأت

٣٥٣
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦ - كتاب الفتن
خاصرتاها استقبلت الشمس ثلطت أو بالت ثم احترت فعادت فأكلت , فمن يأخذ
مالاً بحقه يبارك فيه , ومن يأخذ مالاً بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع )
أما قوله وَلّ: (أو خير هو) فهو بفتح الواو و(الحَبَط) التخمة. وقوله ◌َّ:
( أو يلم ) معناه أو يقارب القتل
وقوله : ( ثَلطت ) أي ألقت الثلط , وهو الرجيع الرقيق , وأكثر ما يقال
الإبل والبقر والفيلة .
قوله : ( اجترَّت ) أي مضغت جرها . قال أهل اللغة ( الجرة ) بكسر الجيم
ما يخرجه البعير من بطنه ليمضغه ثم يبلغه , (والقصع) شدة المضغ. وأما قوله ◌َ*
: ( ما أخشى عليكم أيها الناس إلا ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا فقال رجل يا :
رسول الله أيأتي الخير بالشر؟ فقال له رسول الله و ◌َ ◌ّ: إن الخير لا يأتي إلا بخير أو
خبر هو ) فمعناه: أنه ◌ُّ حذرهم من زهرة الدنيا وخاف عليهم منها , فقال هذا
الرجل : إنما يحصل ذلك لنا من جهة مباحة كغنيمة وغيرها , وذلك خير , وهل يأتي
الخير بالشر ؟ وهو استفهام إنكار واستبعاد , أي يبعد أن يكون الشيء خيرا ثم
يترتب عليه شرح سنن ابن ماجة, فقال له النبي ◌َّ: أما الخير الحقيقي فلا يأتي
إلا بخير , أي لا يترتب عليه إلا خير , ثم قال: ( أو خير هو ) معناه : أن هذا الذي
يحصل لكم من زهرة الدنيا ليس بخير , وإنما هو فتنة , وتقديره: الخير لا يأتي إلا
بخير , ولكن ليست هذه الزهرة بخير لما تؤدي إليه من الفتنة والمنافسة والاشتغال بها
عن كمال الإقبال على الآخرة , ثم ضرب لذلك مثلا فقال وضَّ: (إن كل ما
ينبت الربيع يقتل حبطا أو يلم إلا آكلة الخضر ... إلى آخره) ومعناه : أن نبات
الربيع وخضره يقتل حبطا بالتخمة لكثرة الأكل , أو يقارب القتل إلا إذا اقتصر منه

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٥٤
٣٦ - كتاب الفتن
على اليسير الذي تدعو إليه الحاجة وتحصل به الكفاية المقتصدة فإنه لا يضر , وهكذا
المال هو كنبات الربيع مستحسن تطلبه النفوس وتميل إليه , فمنهم من يستكثر منه
ويستغرق فيه غير صارف له في وجوهه , فهذا يهلكه أو يقارب إهلاكه , ومنهم
من يقتصد فيه فلا يأخذ إلا يسيرا , وإن أخذ كثيرا فرقه في وجوهه كما تثلطه الدابة
فهذا لا يضره . هذا مختصر معنى الحديث .. وقال القاضي عياض: ضرب ن ◌ّ لهم
مثلا بحالتي المقتصد والمكثر فقال رَّ: أنتم تقولون إن نبات الربيع خير , وبه قوام
الحيوان وليس هو كذلك مطلقا, بل منه ما يقتل أو يقارب القتل , فحالة المبطون
المتخوم كحالة من يجمع المال ولا يصرفه في وجوهه, فأشار إلى أن الاعتدال
والتوسط في الجمع أحسن , ثم ضرب مثلا لمن ينفعه إكثاره وهو التشبيه بآكلة
الخضر , وهذا التشبيه لمن صرفه في وجوهه الشرعية. ووجه الشبه أن هذه الدابة.
تأكل من الخضر حتى تمتلئ خاصرتها ثم تثلط , وهكذا من يجمعه ثم يصرفه , والله
أعلم .
وقال ابن كثير في التفسير (٣٥٩/١): وحب المال كذلك تارة يكون للفخر
والخيلاء والتكبر على الضعفاء والتحبر على الفقراء فهذا مذموم وتارة يكون للنفقة
في القربات وصلة الأرحام والقرابات ووجوه البر والطاعات فهذا ممدوح محمود
شرعا. اهـ
وقال الحافظ في الفتح (٢٤٨/١١): وقال الزين بن المنير: في هذا الحديث
وجوه من التشبيهات بديعة : أولها تشبيه المال ونموه بالنبات وظهوره , ثانيها تشبيه
المنهمك في الاكتساب والأسباب بالبهائم المنهمكة في الأعشاب , وثالثها تشبيه
الاستكثار منه والادخار له بالشره في الأكل والامتلاء منه , ورابعها تشبيه الخارج
من المال مع عظمته في النفوس حتى أدى إلى المبالغة في البخل به بما تطرحه البهيمة

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٥٥
٣٦- كتاب الفتن
من السلح ففيه إشارة بديعة إلى استقداره شرعا , وخامسها تشبيه المتقاعد عن جمعه
وضمه بالشاه إذا استراحت وحطت جانبها مستقبلة عين الشمس فإنها من أحسن
حالاتها سكونا وسكينة ، وفيه إشارة إلى إدراكها لمصالحها , وسادسها تشبيه موت
الجامع المانع بموت البهيمة الغافلة عن دفع ما يضرها , وسابعها تشبيه المال
بالصاحب الذي لا يؤمن أن ينقلب عدوا , فإن المال من شأنه أن يحرز ويشد وثاقه
حبا له وذلك يقتضي منعه من مستحقه فيكون سببا لعقاب مقتنيه , وثامنها تشبيه
آخذه بغير حق بالذي يأكل ولا يشبع . وقال الغزالي : مثل المال مثل الحية التي فيها
ترياق نافع وسم ناقع , فإن أصابها العارف الذي يحترز عن شرها ويعرف استخراج
ترياقها كان نعمة , وإن أصابها الغبي فقد لقي البلاء المهلك
وفي قوله " والله ما الفقر أخشى عليكم" قال الحافظ ابن حجر: وهذه
الخشية يحتمل أن يكون سببها علمه أن الدنيا ستفتح عليهم ويحصل لهم الغنى بالمال ,
وقد ذكر ذلك في أعلام النبوة مما أخبر واّ بوقوعه قبل أن يقع فوقع .
وفي قوله مثل "زهرة الدنيا،" قال الحافظ: المراد بزهرة الدنيا بهجتها
ونضارتها وحسنها.
وقال : المراد ما فيها من أنواع المتاع والعين والثياب ، والزروع وغيرها مما
يفتخر الناس بحسنه مع قلة بقائه .
وفي قوله ( فتهلككم ) : أي لأن المال مرغوب فيه فترتاح النفس لطلبه
فتمنع منه فتقع العداوة المقتضية للمقاتلة المفضية إلى الهلاك . قال ابن بطال : فيه أن
زهرة الدنيا ينبغي لمن فتحت عليه أن يحذر من سوء عاقبتها وشر فتنتها , فلا يطمئن
إلى زخرفها ولا ينافس غيره فيها. اهـ

إهداء الدیباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٥٦
٣٦ - كتاب الفتن
وقال النووي في شرح مسلم (٣٣٤/٩): قوله : (إذا فتحت عليكم
فارس والروم أي قوم أنتم ؟ قال عبد الرحمن بن عوف نقول كما أمرنا الله ) معناه :
نحمده ونشكره ونسأله المزيد من فضله. اهـ
(١٩) باب فتنة النساء
٣٩٩٨ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَال الصَّوَّافُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ
التَّيْمِيِّ ح وَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنْ رَافِعٍ حَدََّنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سُلَيْمَانَ النَّيْمِيِّ عَنْ
أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ أُبِنَّامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَّا
أَدَعُ بَعْدِي فِيْنَةٌ أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ .
صحيح
٣٩٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا حَدَّثْنَا وَكِيعٌ عَنْ خَارِجَةَ
بْنِ مُصْعَبٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يُسَارِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ مَا مِنْ صَبَاحٍ إِلَّا وَمَلَكَانِ يُنَادِيَانِ وَيْلٌ لِلرِّحَالِ مِنْ النِّسَاءِ وَوَيْلٌ
ضعيف جداً
لِلِّسَاءِ مِنْ الرِّحَالِ .
٤٠٠٠ - حَدَّثْنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى اللَّيْتِيُّ حَدَّثْنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثْنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ
جُدْعَانَ عَنْ أَبِي نَضْرَةً عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خَطِيبًا
فَكَانَ فِيمَا قَالَ إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
أَا فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَأَّقُوا النِّسَاءَ .
ضعيف
٤٠٠١ - حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى
عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةً عَنْ دَاوُدَ بْنِ مُدْرِكٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبْرِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ بَيْنَمَا
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ دَخَلَتْ امْرَأَةٌ مِنْ مُزَيْنَةَ تَرْقُلُ
فِي زِينَةٍ لَهَا فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْهَوْا نَسَاءَكُمْ

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٥٧
٣٦- كتاب الفتن
عَنْ لُبْسِ الزِّيْنَةِ وَالتَّبَخْتُرِ فِي الْمَسْجِدٍ فَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يُلْعَنُوا حَتَّى لَبِسَ نِسَاؤُهُمْ
الزِّيَةَ وَتَبَخْتَرْنَ فِي الْمَسَاحِدِ .
ضعيف
٤٠٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ مَوْلَى أَبِي
رُهْمٍ وَاسْمُهُ عُبَيْدٌ أَنْ أَبَا هُرَيْرَةَ لَقِيَ امْرَأَةً مُتَطَيَِّةً تُرِيدُ الْمَسْحِدَ فَقَالَ يَا أَمَةَ الْحَبَّارِ
أَيْنَ تُرِيدِينَ قَالَتْ الْمَسْجِدَ قَالَ وَلَهُ تَطَيْتِ قَالَتْ نَعَمْ قَالَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ
صَلَى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ أَيْمَا امْرَأَةٍ تَطََّتْ ثُمَّ خَرَجَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ لَمْ تُقْبُلْ لَهَا
صَلَةٌ حَتَّى تَغْتَسِلَ .
حسن صبيع
٤٠٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ أَنْبَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
دِينَارِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللّهِ ﴿ّ أَنَّهُ قَالَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ
وَأَكْثِرْنَ مِنْ الِاسْتِعْفَارٍ فَإِّي رَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقَالَتْ امْرَةٌ مِنْهُنَّ جَزََّةٌ وَمَا لَنَا يَا
رَسُولَ اللَّهِ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ قَالَ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ
عَقْلِ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبِّ مِنْكُنَّ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ قَالَ
أَمَّا تُقْصَانِ الْعَقْلِ فَشَهَادَةُ امْرَأَثْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ فَهَذَا مِنْ يُقْصَانِ الْعَقْلِ وَتَمْكُثُ
اللَّيَالِيَ مَا تُصَلِّي وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ فَهَذَا مِنْ نُقْصَانِ الدِّينِ .
صحيح
الغريب
جزلة : أي ذات رأي
الشرح : في أحاديث الباب التحذير من فتنة النساء ، وبيان أنها أضر الفتن
على الرجال ، لما تجرّ عليهم من المعاصي والذنوب ، هذا إذا اقتصر أمرهن على
التبرج والتزين والإكثار من الخروج من بيوتهن إلى مجامع الرجال ، والمشي في
الأسواق ، أما إذا زاد الفساد بهن ، فأغرين الرجال بالزنا فذلك الفساد الأعظم ،
الذي إذا فشا في المجتمع آذن بانهياره ودماره .

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٥٨
٣٦- كتاب الفتن
ولقد عمّ الفساد بالمرأة في زماننا في سائر بلاد المسلمين ، حين اهتم أعداء
الإسلام بإفسادها ، وإخراجها من بيتها ، وإلهائها عن وظيفتها الأساسية في حضانة
أبنائها وتربيتهم ، ومشاركة زوجها تحمُّل تلك المسئولية الكبيرة في إقامة البيت
المسلم ؛ اللبنة القوية الصالحة في المجتمع المسلم ، ففتنوها بتقليد المرأة اليهودية
والنصرانية ، وزيفوا لها الأمور ، وزينوا لها التبرج ومخالطة الرجال في معاهد التعليم ،
ثم حشوا عقلها بمفاهيم باطلة ، حتى أفسدوا أخلاقها وأضاعوا حياءها ، وجرؤوها
على الحرام ، فلما صارت زوجة ، مارست ما تعلمته في معاهد الشياطين من رفض
القوامة زوجها ، وتعاطي ما تحسبه حرية وهو فساد وانحراف ، فأضحت تخرج من
بيت زوجها وتعود وقتما شاءت ، فلما ولدت ربّت أطفالها على شاكلتها ،
فخرجت أجيال منحرفة عن شريعة الإسلام ، متباعدة عن آدابه وأخلاقه .
فلا عجب أن يهتم الرسول وَ﴿يّ بأمر المرأة، وينبه إلى خطر إهمال تربيتها
تربية صالحة ، ومغبة تركها تخرج من بيتها تخالط الرجال دون رادع أو زاجر.
فالواجب على المسلم إحسان تربية ابنته تربية إسلامية ، على الإيمان
والحياء والعفة وحسن الخلق ، والواجب على ولي الأمر تعهد أمر النساء ، فإذا وجد
منهن مفسدة كفَّهُنَّ عنها وألزمهن بالحجاب ، ومنعهن من مخالطة الرجال،.
والتحدث إليهم ، وإظهار زينتهن وفتنتهن في الأسواق ، فإن لم يفعل فبئس الوالي هو
؛ حمّل الأمانة فخانها .
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١٣٨/٩): وفي الحديث أن الفتنة بالنساء
أشد من الفتنة بغيرهن , ويشهد له قوله تعالى (زين للناس حب الشهوات من النساء
) فجعلهن من حب الشهوات , وبدأ بهن قبل بقية الأنواع إشارة إلى أنمن الأصل في
ذلك .

٣٥٩
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦- کتاب الفتن
: (إن الدنيا خضرة
صلالله
وقال النووي في شرح مسلم (٦٥/٩) : قوله
حلوة , وإن الله مستخلفكم فيها , فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء )
ومعناه : تجنبوا الافتتان بها وبالنساء , وتدخل في النساء الزوجات وغيرهن,
وأكثرهن فتنة الزوجات , لدوام فتنتهن وابتلاء أكثر الناس بهن .
ومعنى ( الدنيا خضرة حلوة ) يحتمل أن المراد به شيئان أحدهما : حسنها
للنفوس , ونضارتها ولذتها كالفاكهة الخضراء الحلوة, فإن النفوس تطلبها طلبا حثيثا
, فكذا الدنيا . والثاني : سرعة فنائها كالشيء الأخضر في هذين الوصفين . ومعنى "
مستخلفكم فيها " جاعلكم خلفاء من القرون الذين قبلكم, فينظر هل تعملون
بطاعته , أم بمعصيته وشهواتكم. اهـ
وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى { زين للناس حب الشهوات من النساء
.. } (٣٥٩/١): يخبر تعالى عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من
النساء والبنين فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد كما ثبت في الصحيح أنه *
قال"ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" ، فأما إذا كان القصد بهن
الإعفاف وكثرة الأولاد ، فهذا مطلوب مرغوب فيه مندوب إليه ، كما وردت
الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه ، وأن خير هذه الأمة من كان
أكثرها نساء وقوله وّ الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة إن نظر إليها سرته
وإن أمرها أطاعته وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله وقوله في الحديث الآخر
حبب إلي النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة وقالت عائشة رضي الله عنها
لم يكن شيء أحب إلى رسول الله وَّ من النساء إلا الخيل وفي رواية من الخيل إلا
النساء وحب البنين تارة يكون للتفاخر والزينة فهو داخل في هذا وتارة يكون لتكثير

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦٠
۔۔۔
٣٦- كتاب الفتن
--- -
النسل وتكثير أمة محمد وثّ ممن يعبد الله وحده لا شريك له فهذا محمود ممدوح
كما ثبت في الحديث تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة. اهـ
وقال ابن القيم في الطرق الحكمية (ص٨٢): ومن ذلك أن ولي الأمر يجب
عليه أن يمنع اختلاط الرجال بالنساء في الأسواق والفُرج ومجامع الرجال .
قال مالك رحمه الله ورضي عنه أرى للإمام أن يتقدم إلى الصُّاغ في قعود
النساء إليهم وأرى ألا يترك المرأة الشابة تجلس إلى الصياغ فأما المرأة المتجالّة والخادم
الدون التي لا تتهم على القعود ولا يتهم من تقعد عنده فإني لا أرى بذلك بأسا. اه
فالإمام مسئول عن ذلك والفتنة به عظيمة قال وه "ما تركت بعدي
فتنة أضر على الرجال من النساء" وفي حديث آخر "باعدوا بين الرجال والنساء".
وفي حديث آخر أنه قال للنساء: " لكُنّ حافات الطريق".
ويجب عليه منع النساء من الخروج متزينات متحملات ومنعهن من الثياب
التي يكنّ بها كاسيات عاريات كالثياب الواسعة والرقاق ومنعهن من حديث الرجال
في الطرقات ومنع الرجال من ذلك .
وإن رأى ولي الأمر أن يفسد على المرأة إذا تجملت وتزينت وخرجت ثيابها
بحبر ونحوه فقد رخص في ذلك بعض الفقهاء ، وأصاب ، وهذا من أدنى عقوبتهن
المالية.
وله أن يحبس المرأة إذا أكثرت الخروج من مترلها ، ولا سيما إذا خرجت
متجملة بل إقرار النساء على ذلك إعانة لهن على الإثم والمعصية ، والله سائل ولي
الأمر عن ذلك .
ضيعته النساء من المشي في طريق الرجال
وقد منع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب
والاختلاط بهم في الطريق، فعلى ولي الأمر أن يقتدي به في ذلك .