النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦ - كتاب الفتن
والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك , لا يكفرون بذلك , بل
هم مؤمنون ناقصو الإيمان . إن تابوا سقطت عقوبتهم , وإن ماتوا مصرين على
الكبائر كانوا في المشيئة . فإن شاء الله تعالى عفا عنهم وأدخلهم الجنة أولا , وإن
شاء عذبهم , ثم أدخلهم الجنة . وكل هذه الأدلة تضطرنا إلى تأويل هذا الحديث
وشبهه . ثم إن هذا التأويل ظاهر سائغ في اللغة مستعمل فيها كثير .
وقال الحسن وأبو جعفر محمد بن جرير الطبري : معناه ينزع منه اسم المدح
الذي يسمى به أولياء الله المؤمنين , ويستحق اسم الذم فيقال : سارق , وزان وفاجر
, وفاسق . وحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن معناه: ينزع منه نور الإيمان.
وفيه حديث مرفوع . وقال المهلب : ينزع منه بصيرته في طاعة الله تعالى.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٦٤٤/٩): قوله "نهى عن النهبَى" أي أخذ مال
المسلم قهراً جهراً ، ومنه أخذ مال الغنيمة قبل القسمة اختطافاً بغير تسوية .
وقال رحمه الله : قوله : ( باب النهبَى بغير إذن صاحبه ) أي صاحب الشيء.
المنهوب , والنهبَى بضم النون فُعلى من النهب , وهو أخذ المرء ما ليس له جهارا,
وهب مال الغير غير جائز , ومفهوم الترجمة أنه إذا أذن جاز , ومحله في المنهوب
المشاع ، كالطعام يقدم للقوم فلكل منهم أن يأخذ مما يليه ولا يجذب من غيره إلا
برضاه , وبنحو ذلك فسره النخعي وغيره , وكره مالك وجماعة النهب في نثار
العرس , لأنه إما أن يحمل على أن صاحبه أذن للحاضرين في أخذه فظاهره يقتضي
التسوية والنهب يقتضي خلافها , وإما أن يحمل على أنه علق التمليك على ما يحصل
لكل أحد , ففي صحته اختلاف فلذلك كرهه. اهـ
وقال في (٥٩/١٢) : قوله ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) قيّد نفي
الإِيمان بحالة ارتكابه لها , ومقتضاه أنه لا يستمر بعد فراغه, وهذا هو الظاهر.
:
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٨٢
٣٦ - كتاب الفتن
ويحتمل أن يكون المعنى أن زوال ذلك إنما هو إذا أقلع الإقلاع الكلي , وأما لو فرغ
وهو مصر على تلك المعصية فهو كالمرتكب فيتجه أن نفي الإيمان عنه يستمر,
ويؤيده ما وقع في بعض طرقه كما سيأتي في المحاربين من قول ابن عباس " فإن تلب
عاد إليه " ولكن أخرج الطبري من طريق نافع بن جبير بن مطعم عن ابن عباس قال.
: لا يزني حين يزني وهو مؤمن , فإذا زال رجع إليه الإيمان. ليس إذا تاب منه
ولكن إذا تأخر عن العمل به . ويؤيده أن المصرّ وإن كان إنّه مستمرا لكن ليس إله
كمن باشر الفعل كالسرقة مثلا. اهـ
وقال الكمال بن الهمام في فتح القدير (٣٦٠/٥): (ولا قطع علی خائن ولا
خائنة)، وقوله: "ولا منتهب": لأنه مجاهر بفعله لا مختفٍ فلا سرقة فلا تقطع اهد
(٤) باب سباب المسلم فسوق وقتاله كفر
٣٩٣٩ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّرِ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقِ عَنْ
ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُّهُ
كُفْرٌ .
صحيح
٣٩٤٠ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَسْدِيُّ حَدَّثَنَا أَبو
هِلَالٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ قَالَ سِبَابُ
الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَلُهُ كُفْرً.
حسن صبيع
٣٩٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنْ مُحَمَّدٍ
بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسْوقٌ
وَقِتَالُهُ كُفْرٌ .
صبيع
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٨٣
٣٦ - كتاب الفتن
(٥) باب لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض
٣٩٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَعْبَدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ قَالَا
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَرِيرٍ يُحَدِّثُ عَنْ
حَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ اسْتَنْصِتْ
النَّاسَ فَقَالَ لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفْارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ. صحيح
٣٩٤٣ - حَدَّثْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ
مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَيْحَكُمْ أَوْ
وَيْلَكُمْ لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ .
صبيع
٣٩٤٤- حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ ثُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ قَالَا حَدَّثَنَا
إِسْمَعِيلُ عَنْ قَيْسٍ عَنْ الصُّنَابِحِ الْأَحْمَسِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَا إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ وَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ فَلَا تَقَتِّلنَّ بَعْدِي . صحيح
(٦) باب المسلمون في ذمة الله عز وجل
٣٩٤٥- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارِ الْحِمْصِيُّ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ
بْنُ خَالِدِ الْوَهْبِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاحِشُونُ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَبِي
عَوْنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ حَابِسٍ الْيَمَانِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ الصَّدِّيقِ قَالَ قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِى ذِمَّةِ اللَّهِ فَلَا تُخْفِرُوا اللّهَ فِي عَهْدِهِ
فَمَنْ قَلَهُ طَلَهُ اللَّهُ حَتَّى يَكُبَّهُ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ .
صبيع
٣٩٤٦- حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّثْنَا أَشْعَثُ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ
سَعُرَةَ بْنِ حُنْدَبٍ عَنْ النَِّيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ قَالَ مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةٍ
اللَّهِ عَزَّ وَجَلُ .
صبيع
٢٨٤
٣٦- كتاب الفتن
إهداء الدیناجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٩٤٧ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارِ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةً حَدَّثَنَا
أَبُو الْمُهَزِّمِ يَزِيدُ بْنُ سُفْيَانَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَحَلّ مِنْ بَعْضٍ مَلَائِكَيْهِ .
ضعيف
الغريب :
استنصت الناس : قال النووي : معناه مرهم بالإنصات ليسمعوا هذه
الأمور المهمة والقواعد اليّ سأقررها لكم وأُحَملكموها .
الشرح : في الأحاديث بيان حرمة دم المسلم وعرضه ، وأن سباب المسلم
فسوق وخروج عن أحكام الشرع وأخلاقه وآدابه ، وفيه حث على التحلّم وحسن
الخلق ، والتجافي عن أخلاق الجاهلين ، الذين لا يعرفون عند الغضب إلا السباب
والشتم، أما المسلم فإنه يحلم على أخيه إذا أغضبه ، ويمسك نفسه عن الشتم والسب
صَلى الله
، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فعند أبي داود عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ
"من أكبر الكبائر استطالة الرجل في عرض رجل مسلم بغير حق ومن الكبائر السبّتان
بالسّة .
وفيها أن قتال المسلم لأخيه كفر ، أي أنه من شأن الكفار الذين لا يعرف
بعضهم لبعض حقاً ، أما المسلم فإنه يعرف أن الإسلام آخى بينه وبين المسلمين ،
وأوجب عليهم لبعضهم سلامة الصدر، وكف الأذى ، والنصرة، والموالاة ،
والمودة والمحبة ، وكل هذه المعاني مرتبطة بالإيمان ، شديدة الصلة به ، وأنه لا تفتقد
عند المسلم هذه المعاني إلا حين يضعف الإيمان ، عندها يمكن أن يقاتل أخاه ، لأنه
عاد كما كان قبل إيمانه، وهذا ما عناه النبي ◌ّ بقوله" لا ترجعوا بعدي كفاراً
يضرب بعضكم رقاب بعض " أي لا تقاتلوا بعضكم بعضاً، شأنكم قبل أن تدخلوا
٢٨٥
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦ - كتاب الفتن
في الإسلام . وفيها فضل صلاة الصبح في جماعة ، وفضل من يحافظ عليها ، وأن من
حافظ على صلاة الصبح في الجماعة في المسجد فهو في أمان الله وعهده .
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١١٢/١): قوله: (فسوق) الفسق في
اللغة الخروج , وفي الشرع: الخروج عن طاعة الله ورسوله , وهو في عرف الشرع
أشد من العصيان, قال الله تعالى (وكرَّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان) , ففي
الحديث تعظيم حق المسلم والحكم على من سبه بغير حق بالفسق , ومقتضاه الرد
على المرجئة .
وقوله ( لا ترجعوا بعدي كفارا ) جملة ما فيه من الأقوال ثمانية : أحدها
قول الخوارج إنه على ظاهره , ثانيها هو في المستحلين , ثالثها المعنى كفارا بحرمة
الدماء وحرمة المسلمين وحقوق الدين , رابعها تفعلون فعل الكفار في قتل بعضهم
بعضاً , خامسها لابسين السلاح يقال كفر درعه إذا لبس فوقها ثوبا , سادسها
كفارا بنعمة الله , سابعها المراد الزجر عن الفعل وليس ظاهره مرادا , ثامنها لا يكفر
بعضكم بعضا كأن يقول أحد الفريقين للآخر يا كافر فيكفر أحدهما .
وقال في (٢٧/١٣): ثم وقفت على تاسع وهو أن المراد ستر الحق والكفر
لغة الستر , لأن حق المسلم على المسلم أن ينصره ويعينه, فلما قاتله كأنه غطى على
حقه الثابت له عليه . وعاشر وهو أن الفعل المذكور يفضي إلى الكفر , لأن من
اعتاد الهجوم على كبار المعاصي جره شؤم ذلك إلى أشد منها فيخشى أن لا يختم له
بخاتمة الإسلام . اهـ
وقال النووي في شرح مسلم (٣٣٣/١): قوله وَ ل: (لا ترجعوا بعدي
كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) قيل في معناه سبعة أقوال : أحدها : أن ذلك
كفر في حق المستحل بغير حق , والثاني: المراد كفر النعمة وحق الإسلام , والثالث
٠
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٨٦
٣٦ - كتاب الفتن ..
: أنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه , والرابع: أنه فعل كفعل الكفار. اهـ ورجح
رحمه الله الرابع .
ثم قال: وأما قوله وُّ: ( لا ترجعوا بعدي كفارا) فقال القاضي قال
الصبري : معناه بعد فراقي من موقفي هذا, وكان هذا يوم النحر منى في حجة
الوداع , أو یکون بعدي أي خلافي أي لا تخلفوني في أنفسكم بغير الذي أمرتكم به.
, أو يكون تحقق ◌َ ◌ّ أن هذا لا يكون في حياته فنهاهم عنه بعد مماته.
قال الخطابي في معالم السنن (٣١٦/٤): هذا يتأول على وجهين : الثاني:
لا ترجعوا بعدي فرقاً مختلفين يضرب بعضكم رقاب بعض ، فتكونوا بذلك مضاهين
للكفار ؛ فإن الكفار متعادون يضرب بعضهم رقاب بعض ، والمسلمون متآخون
يحقن بعضهم دماء بعض. اهـ
وقال الطبري في تفسيره : الله تعالى ذكره قد نهی المؤمنین بعضهم عن سباب
بعض على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام في كل حال فقال "سباب المسلم
فسوق وقتاله كفر" فإذا كان المسلم عن سب المسلم منهيا في كل حال من أحواله
مُحْرِماً كان أو غير محرم فلا وجه لأن يقال لا تسبه في حال الإحرام إذا
أحرمت. اهـ
وقال ابن عابدين في حاشيته: والفقه في ذلك أن الشتم لا يخلو إما أن يكون
بما فيه أو بما ليس فيه في وجهه أو غيبته فإن كان في غيبته فهو غيبة وإنهنا توجب
الفسق وإن كان في وجهه ففيه إساءة أدب وإنه من صنيع رعاع الناس وسوقتهم
الذين لا مروءة لهم ولا حياء فيهم وإن ذلك مما يسقط العدالة وكذا إذا كان السب
باللعنة والإبعاد كما يفعله من لا خلاق لهم من السوقة وغيرهم. أهـ أي وإن كان
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٨٧
٣٦ - كتاب الفتن
بما ليس فيه فهو كذب وحكمه ظاهر ومما يؤيد ذلك ما ورد في الحديث "سباب
المسلم فسوق وقتاله كفر"
قال ابن الأثير في النهاية : السب الشتم يقال سبه يسبه سبا وسبابا قيل هذا
محمول على من سب أو قاتل مسلما بغير تأويل وقيل إنما قال ذلك على جهة التغليظ
لا أنه يخرجه إلى الكفر والفسق .
قال : وهذا خلاف الظاهر. اهـ
وقال ابن عبد البر في التمهيد : قالوا ومعنى قوله سباب المسلم فسوق وقتاله
كفر : أنه ليس بكفر يخرج عن الملة ، وكذلك كل ما ورد من تكفير من ذكرنا ممن
يضرب بعضهم رقاب بعض ونحو ذلك وقد جاء عن ابن عباس وهو أحد الذين
روى عنهم تكفير تارك الصلاة أنه قال في حكم الحاكم الجائر كفر دون كفر .
قال : قال ابن عباس ليس بالكفر الذي تذهبون إليه إنه ليس بكفر ينقل عن
الملة ثم قرأ {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، واحتجوا أيضا بقول
عبد الله بن عمر لا يبلغ المرء حقيقة الكفر حتى يدعو مثنى مثنى وقالوا يحتمل قوله
ح ◌َر " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" يريد مستكمل الإيمان لأن الإيمان يزيد
بالطاعة وينقص بالمعصية وكذلك السارق وشارب الخمر ومن ذكر معهم . اهـ
(٧) باب العصبية
٣٩٤٨ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالِ الصَّوَّافُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثْنَا أَيُوبُ عَنْ
غَيْلَانَ بْنِ حَرِيرٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ رِيَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَّ مَنْ قَلَلَ
تَحْتَ رَآيَةٍ عِمِّيَّةٍ يَدْعُو إِلَى عَصَبِيَّةٍ أَوْ يَعْضَبُ لِعَصَبَّةٍ فَقِتْلَتُهُ جَاهِيَّةٌ .
صحيح
٣٩٤٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الرَّبِيعِ الْيُحْمِدِيَّ عَنْ عَبَّدِ بْنِ
كَثِيرِ الشَّامِيِّ عَنْ امْرَأَةٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهَا فُسَيْلَةٌ قَالَتْ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ سَأَلْتُ النَّبِيَّ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٨٨
٣٦- كتاب الفتن
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنَ الْعَصَبيَّةِ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَهُ قَالَ لَّا
وَلَكِنْ مِنْ الْعَصَبيَّةِ أَنْ يُعِينَ الرَّجُلُ قَوْمَهُ عَلَى الظُّلْمِ .
ضعيف
الغريب : قال ابن الأثير في النهاية (٣٠٤/٤): وفيه " من قتل تحت راية:
عمية فقتلته جاهلية " قيل: هو فعِيلة، من العماء : الضلالة ، كالقتال في العصبية
والأهواء، وحكى بعضهم فيها ضم العين. اهـ
الشرح : في هذين الحديثين أن الدعوة للعصبية ، والغضب للعصبية والقتلل
لها ، كله من أمر الجاهلية ، وأن من قاتل لأجل العصبية الجاهلية فقتل، فقتلته
جاهلية ، وموته في سبيل الشيطان .
وأنه ليس من العصبية المذمومة أن يحب الرجل قومه إذا كانوا مسلمين ،
ولكن العصبية المذمومة أن ينتصر الرجل لقومه في الباطل ، وأن يعينهم على
خصومهم وإن كان قومُه ظالمين باغين ، فهو إن قاتل مع علمه ببغي قومه وظلمهم
كان قتاله لأجل الهوى والعصبية القومية الجاهلية ، وكانت رايته راية عمية شيطانية.
قال الله تعالى { الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل
الطاغوت } .
قال الحافظ في الفتح (٣٤/١٣): عند شرحه الحديث " إذا تواجه المسلمان
بسيفيهما": واحتج به من لم ير القتال في الفتنة ، وهم كل من ترك القتال مع علي
في حروبه ؛ كسعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن عمر ، ومحمد بن مسلمة؛ وأبي
بكرة ، وغيرهم ، وقالوا: يجب الكف حتى لو أراد أحد قتله لم يدفعه عن نفسه ،
ومنهم من قال لا يدخل في الفتنة ، فإن أراد أحد قتله دفع عن نفسه، وذهب جمهور
الصحابة والتابعين إلى وجوب نصر الحق وقتال الباغين ، وحمل هؤلاء الأحاديث
"الواردة في ذلك على من ضعف عن القتال ، أو قصر نظره عن معرفة صاحب الحق
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٨٩
٣٦ - كتاب الفتن
، واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع
لهم من ذلك ، ولو عرف المحق منهم ، لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن
اجتهاد ، وقد عفا الله تعالى عن المخطيء في الاجتهاد بل ثبت أنه يؤجر أجرا واحدا
، وأن المصيب يؤجر أجرين
وحمل هؤلاء الوعيد المذكور في الحديث على من قاتل بغير تأويل سائغ بل
بمجرد طلب الملك.
قال الطبري : لو كان الواجب في كل اختلاف يقع بين المسلمين الهرب منه
بلزوم المنازل وكسر السيوف لما أقيم حد ولا أبطل باطل ولوجد أهلُ الفسوق سبيلا
إلى ارتكاب المحرمات من أخذ الأموال وسفك الدماء وسبي الحريم بأن يحاربوهم
ويكف المسلمون أيديهم عنهم بأن يقولوا هذه فتنة وقد نهينا عن القتال فيها ، وهذا
مخالف للأمر بالأخذ على أيدي السفهاء .انتهى
وقد أخرج البزار في حديث القاتل والمقتول في النار زيادة تبين المراد وهي
إذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار ويؤيده ما أخرجه مسلم بلفظ "لا
تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل فيما قتل ولا المقتول فيما
قُتل فقيل كيف يكون ذلك ؟ قال : الهرْج ، القاتل والمقتول في النار"
قال القرطبي : فبين هذا الحديث أن القتال إذا كان على جهلٍ من طلب
الدنيا أو اتباع هوى ، فهو الذي أريد بقوله القاتل والمقتول في النار . قلت : ومن ثم
كان الذين توقفوا عن القتال في الجمل وصفين أقل عددا من الذين قاتلوا وكلهم
متأول مأجور إن شاء الله بخلاف ما جاء بعدهم ممن قاتل على طلب الدنيا .
ومما يؤيد ما تقدم ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رفعه "من قاتل تحت راية
عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلته جاهلية. اهـ
٢٩٠
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦ - كتاب الفتن
وقال النووي في شرح سلم (٤٨٢/٦): قوله " ومن قاتل تحت راية
عُمِّيَّة " قالوا : هي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه , كذا قاله أحمد بن حنبل
والجمهور , قال إسحاق بن راهويه: هذا كتقاتل القوم للعصبية. قوله: وصل
( يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة ) ومعناه : إنما يقاتل عصبية
لقومه وهواه . أهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١٢/٣٥): وفى صحيح
مسلم عن أبى هريرة نظُّبه عن رسول الله (303 أنه قال "من خرج من الطاعة وفارق
الجماعة فمات مات ميتة جاهلية ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية أو يدعو
إلى عصبية أو ينصر عصبية فقتل فقتله جاهلية ، وفى لفظ "ليس من أمتي من خرج
على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشا من مؤمنها ولا يوفي لذي عهدها فليس
منى ولست منه" فالأول هو الذي يخرج عن طاعة ولي الأمر ؛ يفارق الجماعة .
والثاني هو الذي يقاتل لأجل العصبية والرياسة لا في سبيل الله ؛ كأهل الأهواء ؛ مثل
قيس ويمن .اهـ
(٨) باب السواد الأعظم
٣٩٥٠ - حَدَّثْنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا مُعَانُ بْنُ
رِفَاعَةَ السَّلَامِيُّ حَدَّثَنِي أَبُو خَلَفٍ الْأَعْمَى قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنْ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَلَةٍ فَإِذَا رَأَيْتُمْ
ضعيف جداً
اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ .
الشرح : الحديث ضعيف ، فيه أبو خلف المكفوف ، واسمه جازم بن عطاء
، متروك ؛ رموه بالكذب.
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٩١
٣٦ - كتاب الفتن
ومعناه أن الأمة لا تخلوا عن أهل الحق ، ولا يتمحض فيها الضلال ، حتى
لا يبقى من يعرف السنة من البدعة والحق من الباطل ، وهو معنى حديث جابر في
الصحيحين وغيرهما: " سمعت النبي ◌ّ يقول "لا تزال طائفة من أمني يقاتلون على
الحق ؛ ظاهرين إلى يوم القيامة . . "وعند المصنف في الباب الآتي من حديث ثوبان "
ولن تزال طائفة من أمتي على الحق منصورين ، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر
الله ، عز وجل ".
وفيه الحث على التمسك بالجماعة ، والتحذير من الفرقة والاختلاف ،
والمراد بالسواد الأعظم جماعة الحق إذا اجتمعوا على أمير من أمراء الهدى والسنة؛
والجماعة هي كل من استقام على السنة وعضّ عليها وإن كانوا قليلا، وأولهم
العلماء الصالحون الذين يعرفون السنة من البدعة ويعلمون الناس أحكام الشرع ،
وهدي النبي
صلى الله
وفي السنة للمروزي (٢٢/٢): حدثنا إسحاق أنبأ المقري ثنا داود بن أبي
الفرات حدثني أبو غالب أن أبا أمامة أخبره أن بني إسرائيل افترقت على إحدى
وسبعين فرقة هذه الأمة تزيد عليها واحدة كلها في النار إلا السواد الأعظم ؛ وهي
الجماعة قلت : قد تعلم ما في السواد الأعظم ، وذلك في خلافة عبد الملك بن مروان
، فقال : أما والله إني لكاره لأعمالهم، ولكن عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حملتم ،
والسمع والطاعة خير من الفجور والمعصية . اهـ
وترجم اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٩٦/١) :
سياق ما روي عن النبي ◌ُّ في الحث على اتباع الجماعة، والسواد الأعظم، وذم
تكلف الرأي ، والرغبة عن السنة ، والوعيد في مفارقة الجماعة . ثم روى بسنده
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٩٢
٣٦ - كتاب الفتن
حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله وَطّ" لا يجمع الله هذه الأمة على
ضلالة أبداً - قال - يد الله على الجماعة، فاتبعوا سواد الأعظم، فإنه من شذٌ شذّ
في النار".
وقال الشاطبي في الاعتصام (٢٦٠/٢): اختلف الناس في معنى الجماعة
المرادة في هذه الأحاديث على خمسة أقوال (أحدها): إنها السواد الأعظم من أهل
الإسلام وهو الذي يدل عليه كلام أبي غالب: إن السواد الأعظم هم الناجون من
الفرق ، فما كانوا عليه من أمر دينهم فهو حق ، ومن خالفهم مات ميتة الجاهلية،
سواء خالفهم في شيء من الشريعة أو في إمامهم أو سلطانهم ، فهو مخالف للحق .
(والثاني) إنها جماعة أئمة العلماء المجتهدين ، فمن خرج مما عليه علماء الأمة
مات ميتة جاهلية ، لأن جماعة العلماء ، جعلهم الله حجة على العالمين ، وهم
المعنيون بقوله عليه الصلاة والسلام "إن الله لن يجمع أمتي على ضلاله" وذلك أن
العامة عنها تأخذ دينها، وإليها تفزع من النوازل ، وهي تبع لها فمعنى قوله ﴿﴿
لن تجتمع أمتي " لن يجتمع علماء أمتي على ضلاله.
وممن قال بهذا عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه وجماعة من السلف ؛
وهم الأصوليون.
(والثالث) إن الجماعة هي الصحابة على وجه الخصوص ، فإنهم الذين أقلموا
عماد الدين وأرسوا أوتاده ،وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلاً.
(والرابع) إن الجماعة هي جماعة أهل الإسلام، إذا أجمعوا على أمر فواجب على
غيرهم من أهل الملل اتباعهم ،وهم الذين ضمن الله لنبيه عليه الصلاة والسلام أن لا
يجمعهم على ضلالة فإن وقع بينهم اختلاف فواجب تعرُّف الصواب فيما اختلفوا فيه
٢٩٣
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦ - كتاب الفتن
قال الشافعي: الجماعة لا تكون فيها غفلة عن معنى كتاب الله ولا سنة ولا قياس ،
وإنما تكون الغفلة في الفُرقة.
وكأن هذا القول يرجع إلى الثاني وهو يقتضي أيضاً ما يقتضيه ، أو يرجع
إلى القول الأول وهو الأظهر ، وفيه من المعنى ما في الأول من أنه لابد من كون
المجتهدين فيهم ، وعند ذلك لا يكون مع اجتماعهم على هذا القول بدعة أصلاً،
فهم - إذاً _ الفرقة الناجية.
الخامس : ما اختاره الطبري الإمام من أن الجماعة ، جماعة المسلمين ، إذا اجتمعوا
على أمير، فأمر عليه الصلاة والسلام بلزومه ، ونهى عن فراق الأمة. اهـ
وقال العلامة ابن القيم في إعلام الموقعين (٣٣٨/٣): واعلم أن الإجماع والحجة
والسواد الأعظم هو العالم صاحب الحق وإن كان وحده وإن خالفه أهل الأرض قال
عمرو بن ميمون الأودي : صحبت معاذا باليمن فما فارقته حتى واريته في التراب
بالشام ثم صبحت من بعده أفقه الناس عبد الله ابن مسعود فسمعته يقول عليكم
بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ثم سمعته يوما من الأيام وهو يقول سيولى عليكم
ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها فصلوا الصلاة لميقاتها فهي الفريضة وصلوا معهم
فإنها لكم نافلة ، قال قلت يا أصحاب محمد ما أدري ما تحدثون قال وما ذاك قلت
تأمرني بالجماعة وتحضني عليها ثم تقول لي صلّ الصلاة وحدك وهي الفريضة وصل
مع الجماعة وهي نافلة قال يا عمرو بن ميمون قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه
القرية أتدري ما الجماعة قلت لا قال إن جمهور الجماعة هم الذين فارقوا الجماعة ؛
الجماعة ما وافق الحق وان كنت وحدك وفي لفظ آخر فضرب على فخذي وقال
ويحك أن جمهور الناس فارقوا الجماعة ؛ وإن الجماعة ما وافق طاعة الله تعالى .
٢٩٤
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦- كتاب الفتن
وقال نعيم بن حماد : إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة
قبل أن تفسد وان كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذ ذكرهما البيهقى وغيره .
وقال بعض أئمة الحديث - وقد ذكر له السواد الأعظم - فقال: أتدري
ما السواد الأعظم ؟ هو محمد بن أسلم الطوسي وأصحابه ، فمسخ المختلفون الذين
جعلوا السواد الأعظم والججة والجماعة هم الجمهور وجعلوهم عيارا على السنة
وجعلوا السنة بدعة والمعروف منكرا لقلة أهله وتفردهم في الإعصار والأمصار وقالوا
من شدّ شذّ الله به في النار وما عرف المختلفون أن الشاذ ما خالف الحق وإن كان
الناس كلهم عليه إلا واحدا منهم . فهم الشاذون وقد شذ الناس كلهم زمن أحمد بن
حنبل إلا نفراً يسيراً ، فكانوا هم الجماعة ، وكانت القضاة حينئذ والمفتون والخليفة
وأتباعه كلهم هم الشاذون وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة ولما لم يتحمل هذا
عقول الناس قالوا للخليفة : يا أمير المؤمنين أتكون أنت وقضاتك وولاتك والفقهاء
والمفتون كلهم على الباطل وأحمد وحده هو على الحق ؟ فلم يتسع علمه لذلك
فأخذه بالسياط والعقوبة بعد الحبس الطويل فلا إله إلا الله ما أشبه الليلة بالبارحة
وهي السبيل المهيع لأهل السنة والجماعة حتى يلقوا ربهم مضى عليها سلفهم
وينتظرها خلفهم {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى
نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اهـ
(٩) باب ما يكون من الفتن
٣٩٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيْرٍ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً
عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ رَجَاءِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُعَاذِ بْنٍ حَبَلٍ
قَالَ صَّلَّى رَسُولُ اللَّهِ صِّلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا صَلَاةٌ فَأَطَالَ فِيهَا فَلَمَّا أنْصَرَّفَ قُلْنَا
أَوْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَطَلْتَ الْيَوْمَ الصَّلَاةَ قَالَ إِّي صَلَّيْتُ صَلَاةَ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ سَأَلْتُ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٩٥
٣٦ - كتاب الفتن
اللَّهَ عَزَّ وَجَلْ لِأُمَّتِي ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَرَدْ عَلَيَّ وَاحِدَةٌ سَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ
عَدُوا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَعْطَانِهَا وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَهُمْ غَرَفًا فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ
بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَرَدْهَا عَلَيَّ . صحيح
٣٩٥٢ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارِ حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَأُبُورَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ
بَشِيرِ عَنْ قَتَادَةً أَنَّهُ حَدَّثَّهُمْ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ الْحَرْمِيِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ
الرَّحَبِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلْمَ قَالَ زُوِيَتْ لِي الْأَرْضُ حَتَّى رَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ
الْأَصْفَرَ أَوْ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ يَعْنِي الذّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَقِيلَ لِي إِنْ مُلْكَكَ إِلَى حَيْثُ زُويَ
لَكَ وَإِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ عَّ وَجَلْ ثَلَاثًا أَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَى أُمَّتِي جُوعًا فَيُهْلِكُهُمْ بِهِ عَامَّةٌ
وَأَنْ لَا يَلْبِسَهُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ وَإِنَُّ قِيلَ لِي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءٌ فَلَا مَرَدّ
لَهُ وَإِّي لَنْ أُسَلِّطَ عَلَى أُمَّتِكَ جُوعًا فَيُّهْلِكَهُمْ فِيهِ وَلَنْ أَجْمَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا
حَتَّى يُغْنِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَإِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي فَلَنْ يُرْفَعَ
عَنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِنْ مِمَّا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي أَئِمَّةً مُضِّينَ وَسَتَعْبُدُ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي
الْأَوْثَانَ وَسَتَلْحَقُ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ وَإِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ دَخَّالِينَ كَذَّبِينَ
قَرِيبًا مِنْ ثَلَائِينَ كُلُّهُمْ يَرْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَلَنْ تَزَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَِّي عَلَى الْحَقِّ مَنْصُورِينَ لَا
يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلٌ .
صبيع
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ لَمَّ فَرَغَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ مَا أَهْوَلَهُ.
٣٩٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةً
عَنْ زَيْتَبَ ابْنَةٍ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ حَبِبَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِئْتِ جَحْشٍ أَنَّهَا قَالَتْ
اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ لَّ مِنْ نَوْمِهِ وَهُوَ مُحْمَرٍّ وَجْهُهُ وَهُوَ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّهُ وَيْلٌ
٣٦ - كتاب الفتن
٢٩٦
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
لِلْعَرَبِ مِنْ شَرِّ قَدْ اقْتُرَبَ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمٍ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَعَقَدَ بِيَدَيْهِ عَشَرَةُ
قَالَتْ زَيْتَبُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَهْلِكُ وَفِيْنَا الصَّالِحُونَ قَالَ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ صميم
٣٩٥٤ - حَدَّثَنَا رَاشِدُ بْنُ سَعِيدِ الرَّمْلِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ
بْنِ أَبِي السَّائِبِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيْدَ عَنْ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَتَكُونُ فِتَنْ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُّمْسِي
ضعيف جداً
كَافِرًا إِلَّا مَنْ أَحْيَاهُ اللَّهُ بِالْعِلْمِ .
٣٩٥٥ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيْرِ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَأَبِي عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ
شَقِيقِ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ أَيْكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتْنَةِ قَالَ حُذَيْفَةُ فَقُلْتُ أَنَا قَالَ إِنَّكَ لَجَرِيءٌ قَالَ كَيْفَ قَالَ
سَمِعْتُهُ يَقُولُ فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ
وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُّ عَنْ الْمُنْكَرِ فَقَالَ عُمَرُ لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ إِنَّمَا أُرِيدُ الَّتِى تَمُوُجُ
كَمَوْجِ الْبَحْرِ فَقَالَ مَا لَكَ وَلَهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا قَالَ
فَيُكْسَرُ الْبَابُ أَوْ يُفْتَحُ قَالَ لَا بَلْ يُكْسَرُ قَالَ ذَاكَ أَحْدَرُ أَنْ لَا يُعْلَقَ قُلْنَا لِحُذَيْفَةً أَكَبِلِنَ
عُمَرُ يَعْلَمُ مَنْ الْبَابُ قَالَ نَعَمْ كَمَا يَعْلَمُ أَنْ دُونَ غَدِ اللَّيْلَةَ إِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ
بالْأَغَالِيطِ.
فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ مَنْ الْبَابُ فَقُلْنَا لِمَسْرُوق سَلْهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ عُمَرُ.
صبيع
٣٩٥٦ - حَدَثْنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَّةَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُحَارِبِىُّ وَوَكِيَعْ عَنْ
الْأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ قَالَ انْتَهَيْتُ إِلَى عَبْدٍ
اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَالنَّاسُ مُحْتَمِعُونَ عَلَيْهِ فَسَمِعْتُهُ
يَقُولُ بَيْنَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ إِذْ نَزَّلَ مَنْزِلًّا فَمِنَّا مَنْنْ
يَضْرِبُ خِيَاءَهُ وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي حَشَرِهِ إِذْ نَادَى مُنَادِهِ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٩٧
٣٦ - كتاب الفتن
فَاجْتَمَعْنَا فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَبْنَا فَقَالَ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيُّ قَبْلِي إِلَّا
كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلْ أُمَّتَهُ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ خَيْرًا لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ مَا يَعْلَمُهُ شَرًّا لَهُمْ وَإِنَّ
أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَتْ عَافِيَّتُهَا فِي أَوْلِهَا وَإِنْ آخِرَهُمْ يُصِيبُهُمْ بَلَاءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا ثُمَّ
تَجِيءُ فِتَنْ يُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ مُهْلِكَتِي ثُمَّ تَنْكَشِفُ ثُمَّ تَجِيءُ فِتْنَةٌ
فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ مُهْلِكَتِي ثُمَّ تَنْكَشِفُ فَمَنْ سَرَّهُ أَنْ يُرَحْرَحُ عَنْ النَّارِ وَيُدْخَلَ
الْحَنَّةَ فَلْتُدْرِكْهُ مَوْتَتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ
يَأْتُوا إِلَيْهِ وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةً يَمِينِهِ وَثَمَرَةً قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنْ حَلَ
آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ قَالَ فَأَدْخَلْتُ رَأْسِي مِنْ بَيْنِ النَّاسِ فَقُلْتُ أَنْشُدُكَ اللَّهَ
أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَأَشَارَ بِيَّدِهِ إِلَى أُذُنَيْهِ فَقَالَ
سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي .
صبيع
الغريب :
بأسهم : محاربتهم
حتى يأتي أمر الله : أي الريح الذي يقبض عنده نفس كل مؤمن ، وذلك
قرب قيام الساعة.
وعقد بيده عشرة : أي ليريهم مقدار ذلك الموضع المفتوح .
خِباء : الخباء بيت من صوف أو وبر ، لا من الشعر .
( يرفق ) أي يصير بعضها رقيقا , أي : خفيفا لعظم ما بعده,
ومنا من هو في جَشَره : وهي الدواب التي ترعى وتبيت مكانها
: قوله : ( ومنا من ينتضل) هو من المناضلة , وهي المراماة بالنشاب .
الشرح: في حديث معاذ بيان ما كان عليه وَلّ من الشفقة على أمته،
وشدة اهتمامه بأمر المسلمين، ومداومته وظهر على الضراعة لربه والدعاء بالعافية
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٩٨
٣٦ - كتاب الفتن:
لأمته من كل شر ، وفيه أن اقتتال المسلمين فيما بينهم من البلاء العظيم ، والشر.
الکبیر ...
ظهور الشرك في هذه الأمة :
: وهو من الفتن التي وقعت ، ومن علامات الساعة التي ظهرت ، فقد الحق
فئام من المسلمين بالمشركين ، فأحبوهم ، واتبعوهم ، ولا يزالون ينادون الأمة.
المسلمة أن تحذو حذوهم، ومن هؤلاء : العلمانيون الذين ينادون بإبعاد الدين عن
الحياة، وحصره في المسجد لمن أراد أن يصلي، أما أن يكون الحكم والتشريع الله.
والتحليل والتحريم له سبحانه ، فلا عندهم ، وقد كثروا في هذا الزمان وتمكنوا ؛
وأصبح منهم الملوك والرؤساء ورؤساء الصحف وأساتذة في الجامعات ، وغير ذلك
من ميادين التأثير في المجتمع، فراحوا يضيقون على المسلمين ، ويبعدون الصالحين
منهم عن مناصب التوجيه والدعوة والتعليم ، ويختارون لهذه المناصب أناساً لا
يخافون الله ، فعم بذلك الفساد ، والله المستعان.
· ومن مظاهر الشرك الذي وقع في الأمة أيضاً عبادة القبور ؛ ببناء المشاهد
عليها ، وقصدها للدعاء ، والرغبة ، وطلب الحاجات ، والتعظيم والتقبيل والتبرك،
والذبح لها وعندها ، وتقديم النذور ، وإقامة الأعياد والحفلات لها في كل عام ، حتى
فتن بها الجهال ، فأصبحوا لا يدعون في كرباتهم سواها ، ولا يقصدون في حوائجهم
غيرها ، والله المستعان .
ومن أوضح وأخطر مظاهر الشرك في زماننا اتخاذ الناس الطواغيتَ أنداداً لله
تعالى ، يشرعون لهم من عند أنفسهم شرعاً ، ويلزمون الناس بالتحاكم إليه ،
والانصراف عن شرع الله تعالى، وعموا وصموا عن قوله عز وجل في شأن الكفار
من اليهود والنصارى {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله } أي جعلوهم
٢٩٩
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٦- كتاب الفتن
آلهة يُشَرِّعون لهم ، ويحلون ويحرمون ، يحدث ذلك الآن في العديد من ديار
المسلمين.
ولما قام بعض العلماء بالإنكار عليهم ، ومطالبتهم بتحكيم شرع الله ، ونبذ
ما سواه، آذوهم أشد الأذى ؛ بالقتل والسجن والتشريد ،يفعلون كل ذلك
ويزعمون أنهم مسلمون! ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
ظهور مدعي النبوة :
ومما وقع من الفتن ، خروج الكذابين الذين ادعوا النبوة ، فقد خرج بعضهم
في زمن النبي ◌ّ وبعضهم في زمن الصحابة رضي الله عنهم ، ثم لا يزالون يخرجون
على مرّ العصور ، وممن ظهر بالكذب فادعى النبوة واشتهر ، مسيلمة الكذاب ، فقد
كثر أتباعه، وقويت شوكته وعظمت به الفتنة، فقام إليه أصحاب رسول الله وحَ آت
في عهد الصديق رضيته ؛ فقتلوه ، وقضوا على شرّه ، وذلك في معركة اليمامة
المشهورة .
ومنهم الأسود العنسي الذي ظهر في اليمن، وادعى النبوة أيضاً ، فقتله
الصحابة قبل وفاة النبي نْچ
صلاحته
وظهرت كذلك سجاح ؛ امرأة من اليمن ، ادعت النبوة ، وتزوجها مسيلمة
الكذاب، فلما قتل ، تابت ، ورجعت إلى الإسلام . وهي واحدة من أربع نسوة
ادعين النبوة، فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن حذيفة رضيُ عنه أن النبي ◌ُّ قلل
: " في أمتي كذابون ودجالون سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة ، وإني خاتم النبيبين
لا في بعدي "
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٠٠
٣٦ - كتاب الفتن
وادعى النبوة كذلك طليحة بن خويلد الأسدي ، ثم تاب ورجع إلى
الإِسلام ، وقد قيل إنه حسُن إسلامه .
ثم ظهر المختار بن عبيد الله الثقفي الكذاب ، في خلافة عبد الله بن الزبير،
فأظهر المحبة لأهل البيت ، وطالب بدم الحسين ، فالتف الناس حوله ، وكثر أتباعه ،
ثم أغواه الشيطان ، فزعم أنه يوحى إليه ، فسيّر ابن الزبير إليه أخاه مصعباً على رأس
جيش ، فقاتله وانتصر عليه، وأخذه فقتله ، وأطفأ الله فتنته والحمد لله ..
كما خرج الحارث الكذاب في خلافة عبد الملك بن مروان فكان مصيره
كمصير أصحابه من الكذابين ، وفي العهد العباسي خرج أيضاً جماعة منهم .
وفي العصر الحديث ظهر في الهند دجال كذاب ادعى النبوة وهو ميرزا أحمد
القادياني ؛ صنيعة الإنجليز ، فقد طلبوا منه أن يعلن نسخ الجهاد ، فوافقهم على ذلك
، وادعى أنه المسيح المنتظر، وأنكر أن يكون عيسى عليه السلام حياً في السماء،
إلى غير ذلك من الأباطيل ، واتبعه على ذلك جماهير غفيرة من الجهال ، ورد عليه
أهل العلم في الهند وغيرها وبينوا أنه دجال من الدجاجلة .
ولا ينقطع خروج هؤلاء الكذابين حتى يخرج آخرهم الأعور الدجال ، ففي
الحديث الطويل الذي رواه سمرة بن جندب ، في مسند أحمد وفيه أن رسول الله
وَ الّ قال:" .. وإنه - والله - لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذاباً، آخرهم
الأعور الكذاب" .
وقال الحافظ في الفتح (١١/١٣): قوله (باب قول النبي ◌ُّ "ويل
للعرب من شر قد اقترب". إنما خص العرب بالذكر لأنهم أول من دخل في الإسلام
, وللإنذار بأن الفتن إذا وقعت كان الهلاك أسرع إليهم. اهـ