النص المفهرس
صفحات 521-540
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٢١
٢٠ - كتاب الحدود
ومن السنة ما في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر أن النبي
":قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم" وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله { ﴿ قال
:" لا تقطع الید إلا في ربع دينار فصاعدا" وكان ربع الدينار يساوي ثلاثة دراهم في
زمنه 3 فالدينار من الذهب كان يعدل اثني عشر درهما من الفضة وعلى أساسه
كانوا يقدرون الديات ونصاب الزكاة وغير ذلك. وقوله محل ◌ّ" لعن الله السارق
يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل ... " استدل به الظاهرية على أن القطع يجب
في القليل والكثير وهو مذهب الخوارج ، خلافا لجمهور أهل السنة في أن القطع لا
يكون إلا لمن سرق ما يبلغ نصاب السرقة وهو ربع دينار وهو الحق لما صح عن
رسول الله وَ ل من أحاديث عن ابن عمر وغيره كما بينا آنفا.
وقد أجاب أهل العلم عما استشكله البعض من قوله {وَ ات " لعن الله السارق
يسرق البيضة فتقطع يده وكذا قوله يسرق الحبل" مع أن الأحاديث بينت ما أجمل
القرآن من أنه لا قطع إلا فيما بلغ النصاب.
فقال الخطابي فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (٨٢/١٢): وإنما وجه الحديث
وتأويله ذم السرقة وتهجين أمرها وتحذير سوء مغبتها فيما قلّ وكثر من المال ؛ كأنه
يقول إن سرقة الشيء اليسير الذي لا قيمة له كالبيضة المذرة والحبل الخلق ؛ الذي لا
قيمة له ، إذا تعاطاه فاستمرت به العادة ، لم ييأس أن يؤديه ذلك إلي سرقة ما فوقها
حتى يبلغ قدر ما تقطع فيه اليد فتقطع يده كأنه يقول فليحذر هذا الفعل وليتوقه قبل
أن تملكه العادة ويمرن عليها ليسلم من سوء مغبته ووخيم عاقبته. اهـ
وقد تضمنت الأحاديث جواز لعن أصحاب الكبائر بأنواعهم دون أعيانهم ،
كما لعن السارق ولعن آكل الربا وموكله ، ولعن شارب الخمر وعاصرها ولعن من
٠٠٠
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٢٢
٢٠ - كتاب الحدود
عمل عمل قوم لوط ونهي عن لعن عبد الله بن حمار وقد شرب الخمر، ولا تعلوض
بين الأمرين ، فإن الوصف الذي علق عليه اللعن مقتض ، وأما المعين فقد يقوم به ما
يمنع لحوق اللعن به من حسنات ماحية أو توبة ، أو مصائب مكفرة أو عفو من الله
عنه ؛ فتلعن الأنواع دون الأعيان كما يقول ابن القيم في الزاد (٥٣/٥).
اشتراط الحرز
قال الماوردي في الأحكام السلطانية (ص٢٨٢): واختلف الفقهاء في الحِرْز
، فشد عنهم داود ولم يعتبره ، وقطع كل سارق من حرز أو من غير حرز ، وذهب
جمهورهم إلى اعتبار الحرز في وجوب القطع ، وإنه لا قطع على من سرق من غير
حرز "أهـ
ويؤيده ابن القيم فيقول : وقول الجمهور أصح .
ويقول : فإنه مه أسقط القطع عن سارق الثمار من الشجرة، وأوجبه على
سارق الجرين. اهـ
وقال الشافعي في الأم (١٤٨/٦): الأحراز تختلف ، فيحرز بكل ما يكون
العامة تحرز بمثله . والحوائط "البساتين" ليست بحرز للنخل ولا للثمرة؛ لأن أكثرها
مباح يدخل من جوانبه ، فمن سرق من حائط شيئاً من ثمر معلق لم يقطع فإِذا أواه
الجرين قطع فيه وذلك أن الذي تعرفه العامة عندنا أن الجرين حرز . اهـ
تلقين السارق :
أ
وقد ضعف النقاد حديث أبي أمية المخزومي هذا وقال الحافظ في تلخيص
الحبير (٦٦/٤): رواه أبو داود في المراسيل من حديث محمد بن عبد الرحمن بن
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٢٣
٢٠ - كتاب الحدود
ثوبان بهذا نحوه ووصله الدارقطني والحاكم والبيهقي بذكر أبي هريرة فيه ورجح ابن
خزيمة وابن المديني وغير واحد إرساله .
إلى أن قال : قال الخطابي : في إسناده مقال ، قال: والحديث إذا رواه
مجهول لم يكن حجة ولم يجب الحكم به. اهـ
وقال صاحب زاد المعاد (٥٥/٥): على مسألة التعريض للسارق بعدم
الإقرار والرجوع عنه " وليس هذا حكم كل سارق، بل من السرّاق من يُقرُّ
بالعقوبة والتهديد . اهـ
وهو ما يراه الشيخ البسام في نيل المآرب (٥٧٤/٤): فيقول فإن كان
صاحب سوابق في الإجرام والسطو على بيوت الناس ومحالهم ، فهذا الواجب إراحة
المجتمع من شره أو توجد السرقات في حوزته ، فقبول رجوع هذا تعطيل حد من
حدود الله بدون أي شبهة تقضي ذلك .
ثم نقل كلاما حسناً لشيخ الإسلام ابن تيمية في هذا المعنى : يقول :
العقوبات الشرعية إنما شرعت رحمة من الله بعباده فهي صادرة عن رحمة الله بخلقه
وإرادة الإحسان إليهم ، واستيفاؤها عدل ، والعفو عنها إحسان، ولكن هذا
الإحسان لا يكون إحساناً إلا بعد العدل ، وهو ألا يحصل بالعدل ضرر ، فإن حصل
به ضرر صار ظلماً إما لنفسه وإما لغيره. اهـ
(فائدة ) ويجب على الإمام حسم السارق بعد قطع يده لئلا يتلف ، وذلك
بمعالجتها بما يوقف النَّزيف ويغلق أطراف الأوردة والشرايين .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٢٤
٢٠ - كتاب الحدود
لا قطع في ثمر ولا کثر
النهي عن القطع في التمر والكثر محمول على ما إذا كان البستان غير مجرز ،
أي ليس له سور من حجارة أو أسلاك أو نحوه ، فإن أحرز البستان قطع السارق منه
إن كان ما سرقه يبلغ النصاب كما بينت الأحاديث فإذا أخذ الثمر من غير حرز
يجب دفع قيمته عند الجمهور وقال الحنابلة يدفع ضعف قيمته .
وقال صاحب تكملة المجموع شرح المذهب (٩٧/٢٠): وتقطع اليد من
مفصل الكف لما روي عن أبى بكر نظّه عنه أنه قال : إذا سرق السارق فاقطعوا
يمينه من الكوع . اهـ
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٢٣٦/٢٤): اجمع أهل العلم على أن
الخلسه لا قطع فيها ولا في الخيانة ولا أعلم أحدا أوجب في الخلسه القطع إلا إياس
بن معاوية ، وسائر أهل العلم لا يرون فيها قطعا . اهـ
(٣٠) باب المستكره
٢٥٩٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُون الرَّقِيُّ وَأَيُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَزَّانُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ
قَالُوا حَدَّثْنَا مُعَمَّرُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَلْبَأَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَةً عَنْ عَبْدِ الْخَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ عَنْ
أَبِهِ قَالَ اسْتُكْرِهَتْ امْرَأَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ
وَأَقَامَهُ عَلَى الَّذِي أَصَابَهَا وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ جَعَلَ لَهَا مَهْرًا .
ضعيف
الشرح : دل الحديث على أن المرأة إذا استكرهها رجل فزنا بها أن الحد
يقام عليه وحده ولم يقم عليها ، وأن لها مهر مثلها .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٢٥
٢٠ - كتاب الحدود
ونقل صاحب المرقاة عن ابن الملك قوله في شرح هذا الحديث (١٥٩/٧) :
قال : قوله ولم يذكر أنه جعل لها مهراً - لا يدل هذا على عدم وجود المهر لأنه ثبت
وجوبه لها بإيجابه ◌ُّ في أحاديث أخر. اهـ
وقال الإمام الشافعي في الأم (١٥٥/٦): إذا استكره الرجل المرأة أقيم الحد
عليه ولم يقم عليها لأنها مستكرهة ولها مهر مثلها حرة كانت أو أمة فإذا كانت
الأمة نقصت الإصابة من ثمنها شيئاً قضي عليه مع المهربما نقص من ثمنها وكذلك
إن كانت حرة فجَرَحها جرحا له أرش قضي عليه بأرش الجرح مع المهر، المهر
بالوطء ، والأرش بالجناية.اهـ
(٣١) باب النهى عن إقامة الحدود في المساجد
٢٥٩٩ - حَدَّثْنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ حَدََّنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرِحٍ وَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ
حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصِ الْأَبَارُ حَمِيعًا عَنْ إِسْمَعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَلوُسٍ
عَنْ ابْنِ عَّاسِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ . حسن
٢٦٠٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةً عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَجْلَانَ أَنَّهُ
سَمِعَ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِهِ عَنْ حَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
نَّهَى عَنْ إقامة الْحَدِّ فِي الْمَسَاحِدِ. حسن
الشرح : في الحديثين النهي عن إقامة الحدود في المساجد ، صيانة لها عن
التلوث أو ما يقع عند إقامة الحدود من الجلبة والتدافع والصياح الذي يشغل المصلين
أو الذاكرين الله في المساجد ويشوشهم .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٢٦.
٢٠ - كتاب الحدود
قال الموفق بن قدامة في المغني ( ٣٣٩/١٠): ولا تقام الحدود في المساجد
وبهذا قال عكرمة والشعبي وأبو حنيفة ومالك والشافعي وإسحاق و کان ابن أبي ليلى
يرى إقامته في المسجد .
ولنا ما روى حكيم بن حزام أن رسول الله و ◌َ ر هى أن يستقاد في
:
المسجد وأن تنشد فيه الأشعار ، وأن تقام فيه الحدود ، وروي عن عمر أنه أتي:
برجل فقال أخرجاه من المسجد فاضرباه ، وعن علي أنه أتي بسارق فقال يا قنبر
أخرجه من المسجد فاقطع يده ؛ ولأن المساجد لم تبن لهذا إنما بنيت للصلاة وقراءة
القرآن وذكر الله تعالى ، ولا نأمن أن يحدث من المحدود حدث فینجسه ویؤذیه وقد
أمر الله تعالى بتطهيره فقال {أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع
السجود}.اهـ
وقال الماوردي في الحاوي: (٣٥٣/١٧): لأن إقامة الحدود في المساجد
مؤذٍ للمصلين فيها ولأن المحدود ربما نجس المسجد بدمه أو حدثه . فإذا ثبت أن:
الحدود تقام في غير المساجد ، نظر في المحدود فإن كان متهافتا في ارتكاب المعاصي
أظهر حده في مجامع الناس ومحافلهم ليزداد به نكالاً وارتداعاً ، وإن كان من ذوي
الهيئات حدّ في الخلوات حفظاً لصيانته. اهـ
(٣٢) باب التعزير
٢٦٠١ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ:
يُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدٍ
اللّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ لا يُحْلَدُ
أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرِ جَلَّدَاتٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللّهِ .
صحيح
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٢٧
٢٠ - كتاب الحدود
٢٦٠٢ - حَدَّثْنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارِ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ عَيَّاشِ حَدَّثَنَا عَبَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ
يَحْبَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ لَا تُعَزِّرُوا فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ .
حسن
الغريب :
أصل التعزير كما يقول ابن الأثير في النهاية (٢٢٨/٣): المنع والرد ، فكأن
من نصرته رددت عنه أعداءه ومنعتهم من أذاه ، ولهذا قيل للتأديب الذي هو دون
الحد تعزير ، لأنه يمنع الجاني أن يعاود الذنب يقال عزّرته وعزَّرته فهو من
الأضداد.اهـ
ويعرفه ابن فرحون المالكي في تبصرة الحكام (٢٨٨/٢): بأنه تأديب استصلاح
وزجر على ذنوب لم يشرع فيها حدود ولا كفارة ، والأصل في التعزيرات ما ثبت
في سنن أبي داود أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿وّ قال: "لا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرَة أسواط إلّا
فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى ".اهـ
الشرح : دل حديث الباب على أنه لا يزاد في التعزير عن عشرة أسواط ،
وهو أحد الأقوال في مذهب أحمد وقال غيره من الأئمة : لا يبلغ به الحد ، ويجوز
الزيادة على عشرة أسواط ، واستحسنه شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى
(٤٠٥/٣٥) .
قال الموفق بن قدامة في المغني (٣٤٨/١٠): والتعزير يكون بالضرب
والحبس والتوبيخ ولا يجوز قطع شيء منه ولا جرحه ، ولا أخذ ماله لأن الشرع لم
يرد بشيء من ذلك عن أحد يقتدى به ، ولأن الواجب أدب والتأديب لا يكون
بالإتلاف .
٦
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٢٨
٢٠ - كتاب الحدود
فصل والتعزير فيما شرع فيه التعزير واجب إذا رآه الإمام وبه قال مالك
وأبو حنيفة، وقال الشافعي: ليس بواجب لأن رجلا جاء إلى النبي ◌َّ فقال إني
لقيت امرأة فأصبت منها ما دون أن أطأها ، فقال: أصليت معنا ؟ قال: نعم . فتلا
عليه {إن الحسنات يذهبن السيئات} وقال في الأنصار: "اقبلوا من محسنهم
وتجاوزوا عن مسيئهم"، وقال رجل للنبي 383 في حكم حكم به للزبير آن كان
ابن عمتك فغضب النبي ﴿ّ ولم يعزره على مقالته، وقال له رجل: إن هذه
لقسمة ما أريد بها وجه الله ، فلم يعزره .
وقال ابن قدامة ولنا أن ما كان من التعزير منصوصا عليه كوطاء جارية.
امرأته أو جارية مشتركة فيجب امتثال الأمر فيه وما لم يكن منصوصا عليه إذا رأى
الإمام المصلحة فيه أو علم أنه لا يُنْزجر إلا به وجب لأنه زاجر مشروع لحق الله
تعالى فوجب كالحد.اهـ
: :
وأشار الحافظ في الفتح (١٧٨/١٢): إلى الإجماع على أن التعزير موكول
إلى رأي الإمام فيما يرجع إلى التشديد والتخفيف . اهـ
ورجح الخطابي في معالم السنن (٣٤١/٣): السبب في اختلاف أقاويل
العلماء في مقدار التعزير إلى ما رأه من اختلاف مقادير الجنايات والإجرام فزادوا في
الأدب ونقصوا منه على حسب ذلك. اهـ
(٣٣) باب الحد كفارة
٢٦٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ وَابْنُ أَبِي عَدِيَّ عَنْ خَالِدٍ
الْحَذّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةً عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّسِهِ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٢٩
٢٠ - كتاب الحدود
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ حَدَّا فَعُجِّلَتْ لَهُ عُقُوبَتُهُ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ وَإِلَّا فَأَمْرُهُ
إِلَى اللّهِ .
صبيع
٢٦٠٤ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَمَّالُ حَدَّثْنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثْنَا يُونُسُ بْنُ
أَبِي إِسْحَقَ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ عَلِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَصَابَ فِي الدُّنْيَا ذَتْبًا فَعُوقِبَ بِهِ فَاللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ عُقُوبَتَهُ عَلَى
عَبْدِهِ وَمَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فِي الدُّنْيَا فَسَتَرَهُ اللّهُ عَلَيْهِ فَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ فِى شَيْءٍ قَدْ
عَفَا عَنْهُ .
ضعيف
الشرح : بين الحديثان أن الحد كفارة لصاحبه ، فإن لم يُقم عليه الحد ،
فأمره إلى الله أي أنه يكون تحت مشيئة الله ، وليس حتما أن صاحب الكبيرة يعذب
بها إن لم يكفرها عنه الحد ، أو يتب منها بل إن شاء الله عفا عنه وإن شاء عاقبه .
قال النووي في شرح مسلم (٢٤٠/٦): واعلم أن هذا الحديث عام
مخصوص وموضع التخصيص قوله ﴿ ومن أصاب شيئا من ذلك .. " إلى آخره،
المراد به ما سوى الشرك .
وفي هذا الحديث فوائد منها : تحريم هذه المذكورات وما في معناها ، ومنها
الدلالة لمذهب أهل الحق أن المعاصي غير الكفر لا يقطع لصاحبها بالنار إذا مات ولم
يتب منها ، بل هو بمشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه ، خلافا للخوارج
والمعتزلة ؛ فإن الخوارج يكفرون بالمعاصي والمعتزلة يقولون لا يكفر ولكن يخلد في
النار .
وقال : ومن الفوائد: أن من ارتكب ذنبا يوجب الحد فحد سقط عنه الإثم .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٣٠
٢٠ - كتاب الحدود
قال القاضي عياض : قال أكثر العلماء : الحدود كفارة ، استدلالاً بهذا
الحديث، قال: ومنهم من وقف لحديث أبي هريرة له عن النبي ﴿ قال "لا
أدري الحدود كفارة" قال ولكن حديث عبادة الذي نحن فيه أصح إسنادا ، ولا
تعارض بين الحديثين فيحتمل أن حديث أبي هريرة قبل حديث عبادة فلم يعلم ثم
علم. اهـ
أي أن حديث أبي هريرة ورد أولا قبل أن يعلمه الله ثم أعلمه بعد ذلك كما
أوضح الحافظ .
وهل تكون إقامة الحد كفارة للذنب ولم يتب المحدود أم لابد من التوبة؟
قال : الجمهور : الجد كفارة ولو لم يتب المحدود. واشترط بعض التابعين
التوبة .
وفصّل الجمهور فقالوا : من تاب مع إقامة الحد لا يبقى عليه مؤاخذة ، ومع
ذلك فلا يأمن مكر الله، لأنه لا اطلاع له هل قبلت توبته أم لا ؟ كما يقول الحلفظ
في الفتح (٦٨/١) .
ويقول الإمام الشافعي رحمه الله فيما ذكره البغوي في شرح السنة
(٣١١/١٠) : وأحب لمن أصاب ذنبا ، فستره الله علیه أن يستر على نفسه ، ويتوب
بينه وبين ربه ، وكذلك روى عن أبي بكر وعمر: أنهما أَمرا أن يستر على نفسه،
وقاله الزبير ابن العوام وابن عباس . اهـ
وعرض الحافظ ابن حجر الأقوال في ذلك في الفتح ( ٦٨/١): واختلف
فيمن أتى ما يوجب الحد فقيل يجوز أن يتوب سراً ويكفيه ذلك ، وقيل بل الأفضل
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٣١
٢٠ - كتاب الحدود
أن يأتي الإمام ويعترف به ويسأله أن يقيم عليه الحد كما وقع لماعز والغامدية وفصل
بعض العلماء بين أن يكون معلناً بالفجور فيستحب أن يعلن بتوبته وإلا فلا. اهـ
وقوله "فستره الله عليه إلى آخره" فقال الطيبي فيما نقله عنه المناوي في فيض
القدير (ح ٨٤٤٨) : قوله" فستره" مع قوله " عفا عنه " معاً عطف على الشرط ،
أي من ستر الله عليه وتاب ، فوضع غفران الله موضع التوبة استشعاراً بترجيح
جانب الغفران ، وأن الذنب مطلوب له ولذلك وضع المظهر موضع الضمير في
الجزاء ، وفيه حث على الستر والتوبة ، وأنه أولى وأحرى من الإظهار .
وقال ابن جرير : فيه أن إقامة الحد في الدنيا يكفر الذنب وإن لم يتب المحدود
، وإلا كان أهل الكبائر مخلدون في النار على خلاف ما عليه أهل الحق لأن العقوبة
الدنيوية إذا لم تكفر إلا مع التوبة كانت كذلك في الآخرة ، لا يكون العقاب لأهل
التوحيد بالنار منجياً لهم منها إن لم تسبق التوبة في الدنيا ، وكذلك يرده تصريح
النصوص لأن الموحدين غير مخلدين . اهـ
(٣٤) باب الرجل يجد مع امرأته رجلاً
٢٦٠٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةً وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمَدِينِيُّ أَبُو عُبَيْدٍ قَالَا حَدَّثْنَا عَبْدُ
الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ الدَّرَاوَرْدِيُ عَنْ سُهْلٍ بْنِ أَبِ صَالِحٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنْ
سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًّا أَيَقْتُلُهُ قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا قَالَ سَعْدٌ بَلَى وَالْذِي أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ فَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّمَ اسْمَعُوا مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ .
صحيح
٢٦٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثْنَا وَكِيعٌ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ دَلْهَمٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ
قَبِيصَةَ بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ قَالَ قِيلَ لِأَبِي ثَابِتٍ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةً حِينَ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٣٢
٠ ٢٠ - كتاب الحدود
نَزَّلَتْ آيَةُ الْحُدُودِ وَجَانَ رَجُلًا غَيُورًا أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّكَ وَجَدْتَ مَعَ امْرَأَتِكَ رَجُلْا أَيِّ
شَيْءٍ كُنْتَ تَصْنَعُ قَالَ كُنْتُ ضَارِبِّهُمَا بِالسَّيْفِ أَنْتَظِرُ حَتَّى أَجِيءَ بِأَرْبَعَةٍ إِلَى مَّدَ ذَاكَ
ہے
قَدْ قَضَى حَاجَتَهُ وَذَهَبَ أَوْ أَقُولُ رَأَيْتُ كَذَا وَكَذَا فَتَضْرِبُونِي الْحَدَّ وَلَا تَقْبُلُوا لِسى
شَهَادَةٌ أَبَدًّا قَالَ فَذُكِرَ ذَلِكُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ فَقَالَ كَفَى بِالسَّيَّفِ شَاهِدًا ثُمَّ
قَالَ لَا إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَتَابَعَ فِي ذَلِكَ السَّكْرَانُ وَالْغَيْرَانُ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِ ابْنَ مَاجَهْ سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ هَذَا حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ
الطُّنَافِسِيِّ وَفَاتَنِي مِنْهُ.
ضعيف
الشرح : دل الحديثان على أن الزنا لا يثبت إلا بإقرار الزاني على نفسه ، أو
بشهادة أربعة رجال مسلمين عدول أنهم رأوه يزني . فإن لم يثبت على هذا النحو فلا
حد ، وذلك تعظيما لحرمة دم المسلم أن يراق بدعوى لا تقوم عليها البينة .
فإذا كان القاذف بالزنا هو الزوج تلاعنا وفرق الحاكم بينهما فرقة أبدية ،
فاللعان مختص بالزوجين.
ويُسقط اللعان عنه حدَّ القذف، ويكون اللعان بحضرة الإمام أو القاضي،.
ومجمع من الناس .
وقد ثبت اللغان بالكتاب والسنة والإجماع ؛ فأما الكتاب فقول الله تعالى في
سورة النور {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة
أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين} .
وأما السنة فما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث سهل بن سعد أن
عويمر العجلاني أتى رسول الله ® فقال: يا رسول الله أرأيت رجلاً وجد مع امرأته
رجلاً ، فقتله، فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله وم آس " قد أنزل فيك وفي
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٣٣
٢٠ - كتاب الحدود
صَلى الله
صاحبتك فاذهب فأت بها " قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله ◌َار
فلما فرغ من تلاعنهما قال عويمر : كذبتُ عليها يا رسول الله إن أمسكتها ،
فطلقها ثلاثا، قبل أن يأمره رسول الله { ₪ قال ابن شهاب: فكانت سنة
المتلاعنيْن.
قال النووي في شرح مسلم (٣٨٦/٥): وجُوِّز اللعان لحفظ الأنساب،
ودفع المعرة عن الأزواج ، وأجمع العلماء على صحة اللعان في الجملة . اهـ
وحكى أيضا الحافظ ابن حجر في الفتح (٤٤٠/٩) الإجماع على مشروعية
اللعان وعلى أنه لا يجوز مع عدم التحقق ، وقال رحمه الله (١٧٤/١٢): قول
البخاري "باب من رأى مع امرأته رجلاً فقتله " كذا أطلق ولم يبين الحكم ، وقد
اختلف فيه : فقال الجمهور : عليه القوَد وقال أحمد واسحق : إن أقام بينة أنه وجده
مع امرأته هدر دمه .
وقال الشافعي : يسعه فيما بينه وبين الله قتل الرجل إن كان ثيباً ، وعلم أنه
نال منها ما يوجب الغسل ، ولكن لا يسقط عنه القود في ظاهر الحكم ، وقد أخرج
عبد الرزاق بسند صحيح إلى هانئ بن حزام "أن رجلا وجد مع امرأته رجلا
فقتلهما" ، فكتب عمر كتابا في العلانية أن يقيدوه به ، وكتاباً في السرّ أن يعطوه
الدية .
وقال ابن المنذر : جاءت الأخبار عن عمر في ذلك مختلفة وعامة أسانيدها
منقطعة وقد ثبت عن علي أنه سئل عن رجل قتل رجلا وجده مع امرأته فقال إن لم
يأت بأربعة شهداء وإلا فليعط برمته . قال الشافعي : وبهذا نأخذ ولا نعلم لعلي
مخالفا في ذلك. اهـ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٣٤
٢٠ - كتاب الحدود
ومعنى قول علي ظه: فليعط برمته " أي فليسلّم لأهل القتيل بحبله المرتبط
به ، ليقتلوه قِصاصاً .
وقال ابن المنذر في الإشراف (٢٤٠/١): وإذا قال الرجل لامرأته: يا زانية
: ، لاعنَها ، رأى ذلك عليها أو لم ير، أعمى كان الزوج أو غير أعمى، وهذا قول
: الشافعي وأبي ثور ، وأبي عبيد وهذا معنى قول عطاء.
: وفيه قول ثان : وهو أن اللعان لا يكون إلا بأحد أمرين إما رؤية وإما إنكار
الحمل ، وهذا قول يحيى وأبي الزناد ومالك .
قال الله رقيق " والذين يرمون أزواجهم" فكل ما كان به الراجل رامياً
للأجنبي ، فهو بذلك رام للزوجة لأن ذكرهما في الكتاب واحد . اهـ
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (١٥٠/٢٢): في هذا الحديث من الفقه
النهي عن إقامة حد بغير سلطان وبغير شهود ، وقطع الذريعة إلى سفك دم مسلم:
بدعوى يدعيها عليه من يريد أن يبيح دمه ، ولا يعلم ذلك إلا بقوله، والله رك قد
عظّم دم المسلم ، وعظم الإِثم فيه فلا يحل إلا بما أباحه الله ، وذلك إلى السلطان دون
غيره، ويمتثل فيه ما أمره الله به في كتابه وعلى لسان رسوله ﴿ .. اهـ
(٣٥) باب من تزوج امرأة أبیه من بعده
٢٦٠٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ مُوسَى حَدَّتْنَا هُشَيْمٌ ح وَ حَدََّنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلِ
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ حَمِيعًا عَنْ أَشْعَثَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ غَازِبٍ
قَالَ مَرَّ بِي خَالِي سَمَّاهُ هُشَيْمٌ فِي حَدِيثِهِ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍوٍ وَقَدْ عَقَدَ لَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى
( اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِوَاءٌ فَقُلْتُ لَهُ أَيْنَ تُرِيدُ فَقَالَ بَعَثَنِى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ
إِلَى رَحُلٍ تَرَوْجَ امْرَأَةً أَبِهِ مِنْ بَعْدِهِ فَأَمَرَّبِي أَنْ أَضْرِبَ عْقَهُ .
ـحيم
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٣٥
٢٠ - كتاب الحدود
٢٦٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنُ أَخِي الْحُسَيْنِ الْجُعْفِيِّ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ
مَنَازِلَ التَّيْمِيُّ حَذََّنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي كَرِمَةً عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةً
عَنْ أَبِهِ قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَجُلٍ تَزَوْجَ امْرَأَةً أَبِيهِ أَنْ
أَضْرِبَ عُنُقَهُ وَأُصَفّيَ مَالَهُ .
حسن صحيح
الشرح : في الحديثين دليل على أن من تزوج امرأة أبيه ، أو أي امرأة من
محارمه فأصابها متعمداً ، عالما بالتحريم ، فقد وجب قتله ، لأن تحريم ذلك من المعلوم
في الدين ضرورة . فنكاح امرأة من المحارم زنا وإن سمي نكاحاً فعليه الحد ، وبه قللى
مالك والشافعي ، وقال : أحمد يقتل ويؤخذ ماله .
وقال أبو حنيفة : يعزر ولا يحد ، وخالفه صاحباه ؛ فقالا بالحديث ، ووافقا
الجمهور في أن عليه الحد.
قال الشوكاني في شرح المنتقى (١١٦/٧): فيه دليل على أنه يجوز للإمام أن
يأمر بقتل من خالف قطعيا من قطعيات الشريعة كهذه المسألة فإن الله تعالى يقول
{ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } ولكنه لا بد من حمل الحديث على أن
ذلك الرجل الذي أمر لل بقتله عالم بالتحريم وفعله مستحلا وذلك من موجبات
الكفر .
وفيه دليل أيضا على أنه يجوز أخذ مال من ارتكب معصية مستحلاً لها بعد
إراقة دمه . اهـ
وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية (٤٧٩/١): وعلى كل تقدير فهو حرام
في هذه الأمة مبشع غاية التبشيع ولهذا قال تعالى {إنه كان فاحشة ومقتا وساء
سبيلا} .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٣٦
٢٠ - كتاب الجدود
ثم قال : وقوله {ومقتا} أي بغضا أي هو أمر كبير في نفسه ويؤدي إلى
مقت الابن أباه بعد أن يتزوج بامرأته فإن الغالب أن من يتزوج بامرأة يبغض من
كان زوجها قبله ولهذا حرمت أمهات المؤمنين على الأمة لأنهمن أمهات لكونهن.
زوجات النبي ﴾ وهو خالأب بل حقه أعظم من حق الآباء بالإجماع، بل جبه
مقدم على حب النفوس صلوات الله وسلامه عليه ، وقال عطاء بن أبي رباح في قوله
"ومقتا" أي يمقت الله عليه، وساء سبيلا، أي وبئس طريقا لمن سلكه من النابين
فمن تعاطاه بعد هذا فقد أرتد عن دينه فيقتل ويصير ماله فيئاً لبيت المال . .
ثم قال رحمه الله : وقد أجمع العلماء على تحريم من وطأها الأب بتزويج أو
ملك أو شبهة واختلفوا فيمن باشرها بشهوة دون الجماع أو نظر إلى ما لا يحل له
النظر إليه منها لو كانت أجنبية فعن الإمام أحمد رحمه الله أنها تحرم أيضاً بذلك . اهـ
(٣٦) باب من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه
٢٦٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرِ بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الضَّيْفِ حَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ يْنُ
عُثْمَانَ بْنِ خُثٍْ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ حُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَّلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مَنْ انْتَسَبَ إِلَى غَيْرٍ أَبِيهِ أَوْ تَوَلِى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ
أَجْمَعِينَ .
٢٦١٠ - حَدَّثْنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثْنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمِ الْأَحْوَلِ عَنْ أَنِي عُثْمَانَ
النَّهْدِيِّ قَالَ سَمِعْتُ سَعْدًا وَأَبَا بَكْرَةَ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَوَعَنِى
قَلْبِ مُحَمَّدًا صَلَى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ يَقُولُ مَنْ ادْعَى إِلَى غَيْرِ أَبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِهِ
فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ .
صحیع
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٣٧
٢٠ - كتاب الحدود
٢٦١١ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصََّّاحِ أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدٍ
اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَّلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ ادْعَى إِلَى غَيْرِ أَبِهِ لَمْ
يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسٍ مِائَةٍ عَامٍ .
ضعيف
الغريب :
لم يرح رائحة الجنة : أي لم يشم ريحها كناية عن الحرمان منها وعدم
دخولها .
الشرح : في الأحاديث من الفقه النهي عن أن ينتسب الرجل إلى غير أبيه ،
وأن ذلك حرام ، فمن فعله فقد أتى بابا من الكبائر ، حيث ورد الوعيد فيه بالكفر
كما في حديث أبي هريرة عند البخاري " أن النبي ◌َ﴿ّ قال: لا ترغبوا عن آبائكم
، فمن رغب عن أبيه فهو كافر " .
وفي تفسير قوله تعالى من سورة الأحزاب {ادعوهم لآبائهم} قال العماد
ابن كثير رحمه الله (٤٧٦/٣): وفي القرآن المنسوخ " فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن
آبائكم "
وقد عدّه الذهبي رحمه الله من الكبائر في كتابه الموسوم بذلك (ص٢٢٤) .
ونقل الحافظ ابن حجر في الفتح ( ٥٥/١٢) عن بعض الشراح قوله : سبب
إطلاق الكفر هنا أنه كذب على الله ، كأنه يقول : خلقني من ماء فلان ، وليس
كذلك لأنه إنما خلقه من غيره. اهـ
وتبعه المناوي في فيض القدير ( ح .٨٣٧١،٨٣٧): فقال: إن الداعي إلى
غير أبيه كأنه يعترض على حكمة الله وقدره . وقال : فمن رغب عن أبيه والتحق
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٣٨
٢٠ - كتاب الحدود
بغيره تركا للأدنى ورغبة في الأعلى أو خوفا من الإقرار بنسبة أو تقربا لغيره بالانتماء
أو غير ذلك من الأعراض أو " انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنه الله" .
والمنتمي لغير المعتق قد كفر النعمة واستن العقوق ، وهذا الوعيد الشديد
يفيد أن كلاً منها كبيرة. اهـ
(٣٧) باب من نفى رجلا من قبيلة
٢٦١٢ - حَدَّثْنَا أَبُو بَكْر بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ حَدَّثْنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةً
ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْتَى حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ح و حَدَّثََّ هَارُونُ بْنُ حَيَّانَ
أَثْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَقِيلِ بْنِ طَلْحَةَ السُّنْلَمِيِّ
عَنْ مُسْلِمٍ بْنِ هَيْضَمٍ عَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فِى وَفْدِ كِئْدَةَ وَلَا يَرَوْنِي إِلَّا أَفْضَلَهُمْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْتُمْ مِنَّا فَقَالَ نَحْنُ بَنُوَ
النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةً لَا نَقْفُو أُمَّنَا وَلَّا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينًا .
قَالَ فَكَانَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسَ يَقُولُ لَا أُوتِي بِرَجُلٍ نَفَى رَجُلًّا مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ النَّصْرِ بْنِ
كِنَانَةَ إلَّا جَلَدْتُهُ الْحَدَّ .
حسن
الغريب: لا نقفو أمنا : قال ابن الأثير في النهاية (٩٥/٤) أي لا نتهمها ولا
نقذفها يقال : قفا فلان فلاناً إذا قذفه بما ليس فيه ، وقيل : معناه لا نترك النسب
إلى الآباء وننتسب إلى الأمهات: اهـ
(٣٨) باب المختَّثين
٢٦١٣- حَدَّثْنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ الْحُرْجَانِيُّ أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ أَخْبَرَنِي يَحْبَى بْنُ
الْعَلَاءِ أَنَّهُ سَمِعَ بِشْرَ بْنَ نُمَيْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ مَكْحُولًا يَقُولُ إِنَهُ سَمِعَ تَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ أَنْهُ
سَمِعَ صَفْوَانَ بْنَ أُمَّةَ قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ عَمْرُو بْنُ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٣٩
٢٠ - كتاب الحدود
مُرَّةً فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيَّ الشِّقْوَةَ فَمَا أُرَانِي أُرْزَقُ إِلَّا مِنْ دُفِّي
بَكَفِّي فَأُذَنْ لِي فِي الْغِنَاءِ فِي غَيْرِ فَاحِشَةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا
آذَنُ لَكَ وَلَا كَرَامَةَ وَلَا نُعْمَةَ عَيْنِ كَذَبْتَ أَيْ عَدُوْ اللَّهِ لَقَدْ رَزَقَكَ اللّهُ طَيِّبًا حَلَالًا
فَاخْتَرْتَ مَا حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْكَ مِنْ رِزْقِهِ مَكَانَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلِّ لَكَ مِنْ حَدَالِهِ وَلَوْ
كُنْتُ تَقَدَّمْتُ إِلَيْكَ لَفَعَلْتُ بِكَ وَفَعَلْتُ قُمْ عَنِّي وَتُبْ إِلَى اللَّهِ أَمَا إِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ بَعْدَ
التَّقْدِمَةِ إِلَيْكَ ضَرَبْتُكَ ضَرْبًا وَجِيعًا وَحَلَقْتُ رَأْسَكَ مُثْلَةً وَنَفَيْتُكَ مِنْ أَهْلِكَ وَأَحْلَلْتُ
سَلَبَكَ نُهْبَةُ لِفِتْيَانِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقَامَ عَمْرٌو وَبِهِ مِنْ الشَّرِّ وَالْخِزْيِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللّهُ
فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ هَؤُلَاءِ الْعُصَاةُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ بِغَيْرِ تَوْبَةٍ
حَشَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا كَانَ فِي الدُّنْيَا مُخَتًَّا عُرْيَانًا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ النَّلسِ
بِهُدْبَةٍ كُلُّمَا قَامَ صُرِعَ .
موضوع
٢٦١٤ - حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِهِ عَنْ
زَيْتَبَ بِنْتِ أُمَّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ لَ﴿ْ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَمِعَ مُحَتَّنًا وَهُوَ يَقُولُ
لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَّةَ إِنْ يَعْتَحْ اللَّهُ الطَّائِفَ غَدًّا ◌َلْتُكَ عَلَى امْرَأَةٍ تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ
بِثَمَانٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ. صحيح
الشرح : حديث صفوان بشأن المغني موضوع ، على أن بعض ما جاء فيه
من المعاني قد دل الشرع بحملته على صحته ، فمنها : أن من اتخذ الغناء وضرب
الدف مهنة ، يتعيش منها فقد اختار لنفسه عملا دنيئا وكسباً غير طيب ، وإن مثل
هذا العمل لا يجلب لصاحبه الاحترام في المجتمع المسلم ، كما لا يحقق لأبنائه شعوراً
بالكرامة والتقدير ، هذا إذا لم يكن في غنائه فحش أو تشبيب بالنساء أو دعوة
للفجور وإثارة للشهوات ، كما هو حال غالب الغناء في زماننا .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٤٠
٢٠ - كتاب الحدود
فإن من كان هذا حاله من المغنيين ، يستحق ما ذكر في الحديث أنه لا
كرامة له ولا نعمة عين، وأنه كاذب في دعواه أنه لا يرزق إلا من هذا العمل
الوضيع ، فإن رزق الله الطيب الحلال يفيض إلى العباد ، وأسبابه الشرعية كثيرة
متنوعة.
وفيه أن هؤلاء المغنيين الذين يفسدون أخلاق الناس ويشيعون الفاحشة في
الذين آمنوا، يستحقون الإزدراء والنكال من الحاكم المسلم الذي يقوم بحق الله،
ويستشعر المسؤولية عن رغيته ، ويخشى أن يلقى الله وهو خائن للأمانة مضيع للرعية
، فعلى الحاكم المسلم ، أن يمنع هؤلاء المغنيين والمخنثين من الغناء في مجتمعات الناس
، وأن يطهر المجتمع من مفاسدهم .
ولا شك أن المفسدة بهذا الصنف من الغناء تكون أعظم قبحاً وأشد إنما
وأكثر إفساداً إذا كانت من النساء في مجامع الرجال .
ولقد ابتلي المسلمون في زماننا بحكام معظمهم لا يخافون الله ، فقربوا هؤلاء
المخنثين من المغنين ، وأغدقوا عليهم العطاء، وفتحوا لهم وسائل الإعلام، حتى
غدَوْا طبقة وجيهة في المجتمع ؛ يعيشون في بيوت كالقصور ، ويركبون أفخم.
المرا کب ، وأصبحوا فتنة للناس ، حتى ليتمنی کثیر من الجهال أن يكون له ولد أو
فتاة يحسن هذا النوع من الغناء ، ليعيشوا من كسبه الخبيث عيشاً رغداً !
وحديث أم سلمة رواه البخاري ومسلم وغيرهما وفيه أن المخنث المشار إليه
كان من النوع الذي يشبه النساء في حركاته وكلامه وغير ذلك ، ويقول الحافظ ابن
حجر في الفتح (٣٣٤/٩) : فإن كان - أي هذا الشبه - من أصل الخلقة لم يكن