النص المفهرس
صفحات 121-140
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٢١
١٢ - كتاب التجارات
على أن من التجار من يتقي الله تعالى ويبر في يمينه ويصدق في حديثه ويفي
بعهده مع غرمائه فهؤلاء يبعثون يوم القيامة أبراراً صادقين .
وفي قوله " فسمانا باسم هو أحسن منه " قال الخطابي في معالم السنن (
٥٣/٣): السمسار أعجمي وكان كثير ممن يعالج البيع والشراء فيهم عجما فتلقنوا
هذا الاسم عنهم فغيره رسول الله ﴿ إلى التجارة التي هي من الأسماء العربية وذلك
معنى قوله فسمانا باسم هو أحسن منه . اهـ
وقوله "فشبوبوه بالصدقة " أي لما كان الاشتغال بالتجارة والصفق بالأسواق
يخالطه الحلف الذي ربما غلب فيه الكذب ، وتصاحبه الغفلة ، والانشغال عن الذكر
، "لما كان الأمر كذلك أرشد النبي ◌ُ ◌ّ التجار إلى التكفير عن ذلك بالصدقة فإن
الصدقة تطفئ غضب الرب سبحانه ، وهذا من باب "وأتبع الحسنة تمحها" وليحذر
التاجر المسلم أن يقع من حلفه ولغوه ظلم للناس ، فإن وقع شيء من ذلك تعين
عليه أن يتحلل منها باستعفاء من ظلمه أو تعمد غبنه ، ورد الحق إليه ، ثم إذا بقي
شيء من الذنوب التي تقع عفواً فيستغفر الله منها ويتصدق قال تعالى {إن الحسنات
یذهبن السيئات }
(٤) باب إذا قسم للرجل رزق من باب فليلزمه
٢١٤٧ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا فَرْوَةُ أَبُو يُونُسَ عَنْ
هِلَالِ بْنِ حُبَيْرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ مَنْ
أَصَابَ مِنْ شَيْءٍ فَلْيَلْزَمْهُ .
ضعيف
٢١٤٨ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْبَى حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ الزُّبِيْرِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ
نَافِعِ قَالَ كُنْتُ أُحَهِّزُ إِلَى الشَّامِ وَإِلَى مِصْرَ فَحَهَّرْتُ إِلَى الْعِرَاقِ فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ أُمْ
الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْتُ لَهَا يَا أُمْ الْمُؤْمِنِينَ كُنْتُ أُجَهِّرُ إِلَى الشَّامِ فَحَهَّرْتُ إِلَى الْعِرَاقِ فَقَالَتْ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٢٢
١٢ - کتاب التجارات
لَا تَفْعَلْ مَا لَكَ وَلِمَنْحَرِكَ فَإِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِذَا
سَبَّبَ اللَّهُ لِأَحَدِكُمْ رِزْقًا مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَدَعْهُ حَتَّى يَتَغَيَّرَ لَهُ أَوْ يَتَتَكْرَ لَهُ .
ضعيف
الشرح : الحديثان في الباب ضعيفان ، والمعنى المتبادر منها أن من كان له
باب من أبواب الرزق في تجاره أو غيرها فلا ينبغي أن يتحول عنه إلى غيره حتى يغلق
هذا الباب دونه ، ولا أحسب أن هذا المعنى مسلّم ، فنظر التاجر في مصلحة ماله ،
وتقدير الرجل لنوع عمله وما يأتيه منه من رزق ، واختياره عملاً وتركه الآخر
راجع إلى خبرته وتقديره لما يناسب عمله وجهده وبصره بأحوال الأسواق .
والتجارة اليوم علم كبير وفن واسع ، وقرار البيع والشراء لدى التاجر
يخضع لدراسةٍ وتمحيص تقوم على جمع المعلومات وتحليلها ، وعلى ضوء ذلك يقدر
التاجر إن كان يعقد صفقته أو يدعها أو كان يستمر في هذا النوع من التجارة أو
يغيره وكذا القول في الوظائف والصنائع .
فليس هناك نصوص شرعية تلزم المسلم بأسلوب خاص ، أو ترسم له حركة
تفصيلية ، في ميدان التجارة ، اللهم إلا ما كان من الأمر بالتزام حدود الشرع
بالصدق والأمانة واجتناب ما حرم الله بيعه والله أعلم .
(٥) باب الصناعات
٢١٤٩ - حَدَّثْنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثْنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ عَنْ جَدِّه
سَعِيدٍ بْنِ أَبِي أُحَيْحَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا
بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَاعِيَ غَنَمْ قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَأَنَا كُنْتُ
أَرْعَاهَا لِأَهْلِ مَّكَّةَ بِالْقَرَارِطِ .
قَالَ سُوَيْدٌ يَعْنِي كُلّ شَاة بَقِيرَاط .
صيـ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٢٣
١٢ - كتاب التجارات
٢١٥٠ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاعِيُّ وَالْحَجَّاجُ
وَالْهَيْثَمُ بْنُ حَمِيلٍ قَالُوا حَدََّنَا حَمَّدٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ قَالَ كَانَ زَكَرِيَّ نَجَّارًا .
صبيع
٢١٥١ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ حَدَّثْنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ
عَنْ عَائِشَةَ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ أَصْحَابَ الصُّوَرِ يُعَذِّبُونَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ أَحُْوا مَا خَلَقْتُمْ .
صحيع
٢١٥٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ حَدَّثْنَا عُمَرُ بْنُ هَارُونَ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ فَرْقَدِ السَّبَخِيِّ
عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَكْذَبُ النَّاسِ الصَّاغُونَ وَالصَّوَّاغُونَ .
موضوع
الغريب :
بقراريط : هو جزء الدينار أو الدرهم .
الشرح : دلت أحاديث الباب على أن ثمة أنواعاً من المكاسب ، تحل
وأخرى لا تحل ، فأشار حديث أبي هريرة الأول ، إلى أن الأنبياء عليهم السلام ،
رعوا الغنم، وأن خاتم المرسلين و ◌ّ قد رعى الغنم كذلك؛ يتكسب من عمل يده
، وعلى الرغم من عظيم منزلة الأنبياء عليهم السلام، لم يستنكفوا أن يعملوا بأيديهم
، ضاربين المثل العليا في التواضع من جهة ، وفي الترفع عن أخذ أموال الناس
والتعفف عنها من جهة أخرى .
وفي حديث أبي هريرة الثاني "كان زكريا نجارا"
يقول الإمام النووي في شرح مسلم (١٤٧/٨) : فيه جواز الصنائع وأن
النجارة لا تسقط المروءة وأنها صنعة فاضلة .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٢٤
١٢ - كتاب التجارات
وفيه فضيلة لزكريا و﴿ فانه كان صانعا يأكل من كسبه وقد ثبت قوله لل أفضل
ما أكل الرجل من كسبه وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده. أهـ
وقد أشار العلماء إلى الحكمة من إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة ، فنقل
الحافظ ابن حجر في الفتح (٤٤١/٤): أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلفونه
من القيام بأمر أمتهم ولأن في مخالطتها ما يحصِّل لهم الحلم والشفقة لأنهم إذا صُبروا
على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى ونقلها من مسرح إلى مسرح ودفع عدوهد
من سبع وغيره كالسارق ، وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها
واحتياجها إلى المعاهدة ألفوا من ذلك الصبر على الأمة وعرفوا اختلاف طباعها
وتفاوت عقولها فجبروا كسرها ورفقوا بضعيفها وأحسنوا التعاهد لها فيكون تحملهم
المشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول وهلة لما يحصل لهم من التدريج
على ذلك برعي الغنم وخصت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها ولأن تفرقها .
أكثر من تفرق الإبل والبقر لإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها في العادة المألوفة
ومع أكثرية تفرقها فهي أسرع انقيادًاً من غيرها وفي ذكر النبي ◌َ ◌ّ لذلك بعد أن
علم كونه أكرم الخلق على الله ما كان عليه من عظيم التواضع لربه والتصريح منته
عليه وعلى إخوانه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء. اهـ
وأما حديث عائشة فيشير إلى أن من يعد التصاوير لذوات الأرواح لبيعها ، إنما يبيع
ما يحرم ، فبيع التصاوير والتكسب منها لا يجوز ، وإنما يحل منها تصوير ما ليس
بحيوان ولذلك نصح ابن عباس من سأله عن ذلك فقال: صور شجراً ، أو نحو
ذلك مما لا روح فيه .
يقول النووي في شرح مسلم (٣٤١/٧) : تصوير صورة الحيوان حرام
شديد التحريم وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور فى
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٢٥
١٢ - كتاب التجارات
الأحاديث وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره فصنعته حرام بكل حال لأن فيه مضاهاة
لخلق الله تعالى وسواء ما كان في ثوب أو بساط أودرهم أو دينار أو فلس أو إناء أو
حائط أو غيرها ، وأما تصوير صورة الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه
صورة حيوان فليس بحرام ، هذا حكم نفس التصوير .
إلى أن قال رحمه الله : ولا فرق في هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له هذا
تلخيص مذهبنا في المسألة وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن
بعدهم ، وهو مذهب الثورى ومالك وأبى حنيفة وغيرهم. اهـ
(٦) باب الحکرة والجلب
٢١٥٣ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْحَهْضَمِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثْنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ
سَالِمٍ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ حُدْعَانَ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ
الْخَطَّابِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ِّ الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ. ضعوفُ
٢١٥٤ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِسْحَقَ
عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَّبِ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَضْلَةَ قَالَ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَّلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ .
صبيح
٢١٥٥- حَدَّثْنَا يَحْبَى بْنُ حَكِيمٍ حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ الْحَنَفِيُّ حَدَّثْنَا الْهَيْئَمُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنِي
أَبُو يَحْبَى الْمَكِّيُّ عَنْ فَرُّوخَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفّْانَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ صَّلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ احْتَكَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَعَامًا ضَرَّبَهُ اللَّهُ
بِالْحُدَامِ وَالْإِفْلَسِ .
ضعيف
الغريب :
حكرة: قال القاضي عياض في مشارق الأنوار (١٩٤/١): نهى عن الحكرة
، هو جمع الطعام واكتنازه
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٢٦
١٢ - كتاب التجارات
وقال ابن الأثير في النهاية (٤١٧/١): فيه " من احتكر طعاما فهو كذا "
أي اشتراه وحبسه ليقلّ فیغلو
الجلب : ما يجلب للبيع من كل شيء
"لا يحتكر إلا خاطئ ، خاطئ معناه عاص آثم .
:
: الشرح : لا يجوز بحال الإضرار بالناس باحتكار السلع الضرورية ، لا سيما
الأقوات ، فإذا عمد التجار إلى أسواق المسلمين واشتروا بما في أيديهم من أموال ،
أقوات الناس ، وسلعهم الضرورية كالثياب ، وحبسوها لديهم ، ثم يخرجونها وقد
شحت من الأسواق ونفذت فيغلونها على الناس مستغلين حاجتهم الضرورية إليها ،
فإن عملهم هذا لا يجوز ، وعلى الوالي أن يتدخل ويلزمهم ببيع ما لديهم من
الأقوات والسلع الضرورية بالسعر المناسب .
قال القاضي عبد الوهاب البغدادي - من كبار المالكية - في المعونة
(١٠٣٥/٢): الحكرة إذا أضرت بأهل البلد ممنوعة في كل ما بهم حاجة إليه
وضرورة إلى شرائه وكثرته ، سواء كان طعاما أو ثيابا أو أي شيء كان من أنواع
الأموال والأصل في منعها قول الرسول مح طلال " لا يحتكر إلا خاطىء اهم
ويقول الخطابي في معالم السنن (١١٦/٣): وقد اختلف الناس في الاحتكار
، فكرهه مالك والثوري في الطعام وغيره من السلع وقال مالك يمنع من احتكار
الكتان والصوف والزيت وكل شيء أضر بالسوق إلا أنه قال ليست الفواكه من
الحكرة ..
قال أحمد بن حنبل : ليس الاحتكار إلا في الطعام خاصة لأنه قوت الناس. أهـ
ومذهب أحمد في الاحتكار كمذهب الشافعية .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٢٧
١٢ - كتاب التجارات
قال الإمام النووي في شرح مسلم (٤٩/٦): قال أصحابنا الاحتكار المحرم
هو الاحتكار في الأقوات خاصة وهو أن يشتري الطعام في وقت الغلاء للتجارة ولا
يبيعه في الحال بل يدخره ليغلوا ثمنه . اهـ
وقصر التحريم على الاحتكار خاصة هو ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله
فيقول فيما نقله عنه الشيخ البسام في نيل المآرب (٥٢/٣): ويحرم الاحتكار في قوت
الآدمي ، وهو الشراء للتجارة ، وحبسه مع حاجة الناس إليه .
ويحبر وليّ الأمر المحتكرَ أن يبيع الناس دفعاً للضرر. اهـ
ويرى الشوكاني في النيل (٢٢٢/٥): أن علة تحريم الاحتكار هي الاضرار
بالمسلمين قال : ويستوي في ذلك القوت وغيره لأنهم يتضررون بالجميع. اهـ
وما ذهب إليه مالك رحمه الله من منع الاحتكار في كل ما أضر بالسوق
مذهب قوي وهو الأرجح لموافقته لمقاصد الشريعة في نفي الضرر والضرار .
ومما يؤيد رجحان مذهب مالك أن احتكار الدواء مثلا يضر بالناس ضرراً
بالغاً ، فمنع احتكاره على مذهب مالك رحمه الله في منع كل ما يضر بالسوق
ويحرج الناس أقعد وأظهر والله أعلم .
وأما الكلام على الجلب فسيأتي بعد عشرة أبواب إن شاء الله .
(٧) باب أجر الراقي
٢١٥٦ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيْرِ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثْنَا الْأَعْمَشُ عَنْ
جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةً عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ بَعَثْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَائِينَ رَاكِبًا فِي سَرِيَّةٍ فَتَزَلْنَا بِقَوْمٍ فَسَأَلْنَاهُمْ أَنْ يَقْرُونَا فَأَبَوْا فَلُدِغَ سَيِّدُهُمْ
فَأَتَوْنَا فَقَالُوا أَفِيَكُمْ أَحَدِّ يَرْقِي مِنْ الْعَقْرَبِ فَقُلْتُ نَعَمْ أَنَا وَلَكِنْ لَا أَرْقِهِ حَتّى تُعْطُوْنَا
غَنَمَّا قَالُوا فَإِنَّا يُعْطِيكُمْ ثَائِينَ شَاةً فَقَبِلْنَاهَا فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ الْحَمْدُ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَسبَرِكَ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٢٨
١٢ - كتاب التجارات
وَقَبَضْنَا الْغَنَّمَ فَعَرَضَ فِي أَنْفُسِنَا مِنْهَا شَيْءٌ فَقُلْنَا لَا تَعْجَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَكَّرْتُ لَهُ الَّذِي صَنَعْتُ فَقَالَ أَوَ مَا عَلِمْتَ أَنَّهَا رُقْيَّةٌ اقْتَسِمُوهَا
وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا.
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرِ عَنْ ابْنِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْ أَبِّي
الْمُتَوَكُلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَِّيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
بَشَّارِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ خَدَّثْنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى بِشْرِ عَنْ أَبِ الْمُتَوَكَّلِ عَنْ أَبِسِي
سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللّهِ وَالصَّوَابُ هُوَ أَبو
الْمُتَوَكِّلِ .
صيـ
الغريب:
يقرونا : أي يضيفونا ، من قريت الضيف ، إذا أطعمته وآويته ، وأحسنت
إليه .
الشرح : في الحديث دليل على جواز الرقية بالقرآن ، وبما صح من الرقى
المأثورة ، من الأدعية النبوية في هذا الباب ، وفيه دليل على جواز أخذ الأجرة على
ذلك ، وعلى جواز المشارطة قبل أن يرقي ، وعلى أن الرقية بفاتحة الكتاب من
أفضل الرقى وأنفعها .
وقوله " أو ما علمت أنها رقية؟" معناه: اعلم أنها رقية. وفي البخاري" ومنا
يدريك أنها رقية"، قال النووي في شرح مسلم (٤٤٥/٧) : فيه التصريح بأنها رقية
فيستحب أن يقرأ بها على اللديغ والمريض وسائر أصحاب الأسقام والعاهات. اهـ
وقوله و "اقتسموها واضربوا لي معكم سهما" قال النووي في شرح مسلم.
(٤٤٥/٧): هذا تصريح بجواز أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة والذكر وأنها حلال
لاكراهة فيها وكذا الأجرة على تعليم القرآن وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٢٩
١٢ - كتاب التجارات
وإسحاق وأبى ثور وآخرين من السلف ومن بعدهم ومنعها أبو حنيفة في تعليم
القرآن وأجازها في الرقية .اهـ
وقوله (وَ لـ " واضربوا لي معكم بسهم" أي اجعلوا لي منه نصيبا وكأنه أراد
المبالغة في تأنيسهم كما يقول الحافظ في الفتح (٤٥٧/٤) .
قال النووي رحمه الله : قاله تطبيبا لقلوبهم ومبالغة في تعريفهم أنه حلال لا
شبهة فيه وقد فعل رسول الله و 24 فى حديث العنبر وفى حديث أبي قتادة في حمار
الوحش مثله .اهـ
وقد أفاض العلامة ابن القيم في زاد المعاد (١٧٧/٤) في بيان أثر القرآن
الكريم عامة ، وسورة الفاتحة خاصة في الشفاء، وبيّن رحمه الله ما اشتملت عليه هذه
السورة من معاني التوحيد ، وما تضمنته من طلب الإعانة والهداية من الله وحده . ثم
قال رحمه الله : وحقيق بسورة هذا بعض شأنها أن يستشفى بها من الأدواء ویرقی بها
للديغ
وبالجملة فما تضمنته الفاتحة من إخلاص العبودية والثناء على الله وتفويض
الامر كله إليه والاستعانة به والتوكل عليه وسؤاله مجامع النعم كلها وهي الهداية التي
تجلب النعم وتدفع النقم من أعظم الادوية الشافية الكافية .
وقد قيل إن موضع الرقية منها {إياك نعبد وإياك نستعين} ولا ريب أن
هاتين الكلمتين من أقوى أجزاء هذا الدواء فإن فيهما من عموم التفويض والتوكل
والالتجاء والاستعانة والافتقار والطلب والجمع بين أعلى الغايات وهي عبادة الرب
وحده وأشرف الوسائل وهي الاستعانة به على عبادته ما ليس في غيرها ولقد مر بي
وقت بمكة سقمت فيه وفقدت الطبيب والدواء فكنت أتعالج بها آخذ شربة من
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٣٠
١٢ - كتاب التجارات
ماء زمزم وأقرؤها عليها مراراً ثم أشربه فوجدت بذلك البرء التام ثم صرت اعتمد
ذلك عند كثير من الأوجاع فأنتفع بها غاية الانتفاع. أهـ
(٨) باب الأجر على تعليم القرآن
٢١٥٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَعِيلَ قَالَا حَدَّثْنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ
زِيَادِ الْمَوْصِلِيُّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَِيِّ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ
عُلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّةِ الْقُرْآنَ وَالْكِتَابَةَ فَأَهْدَى إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا فَقُلْتُ
لَيْسَتْ بِمَالِ وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا.
فَقَالَ إِنْ سَرَّكَ أَنْ تُطَوَّقَ بِهَا طَوْقًا مِنْ نَارِ فَاقْبَلْهَا .
صحيع
٢١٥٨ - حَدَّثْنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلِ حَدَّثْنَا يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ حَدَّثْنَا.
خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلْمٍ عَنْ عَطِيَّةَ الْكَلَاعِيِّ عَنْ أَبِيِّ بْنِ كَعْبِ
قَالَ عَلَّمْتُ رَجُلًّا الْقُرْآنَ فَأَهْدَى إِلَيَّ قَوْسًا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنْ أَخَذْتُهَا أَخَذْتَ قَوْسًا مِنْ نَارٍ فَرَدَدُتُهَا. صحيح
الشرح : الحديثان في الباب صحيحان ، بيد أن الراجح عند جمهور أهل
العلم أخذ الأجرة على تعليم القرآن ، واحتجوا بحديث اللديغ أو السليم في
( الصحيحين وغيرهما وقول النبي ﴿ّ فيه" إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله ..
وخالف الأحناف فمنعوها في التعليم وأجازوها في الطب أي الرقية .
قال الحافظ في الفتح (٤٥٣/٤): واستدل به للجمهور في جواز أخذ
الأجرة على تعليم القرآن وخالف الحنفية فمنعوه في التعليم وأجازوه في الرقى
كالدواء قالوا لأن تعليم القرآن عبادة والأجر فيه على الله وهو القياس في الرقى إلا
أنهم أجازوه فيها لهذا الخبر .اهـ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٣١
١٢ - كتاب التجارات
وقال الخطابي في معالم السنن (٩٩/٣): اختلف الناس في معنى هذا
الحديث وتأويله فذهب بعضهم إلى ظاهره فرأوا أن أخذ الأجرة على تعليم القرآن
غير مباح وإليه ذهب الزهري وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه وقالت طائفة : لا
بأس به ما لم يشترط ، وهو قول الحسن البصري وابن سيرين والشعبي ، وأباح ذلك
آخرون وهو مذهب عطاء ومالك والشافعي وأبي ثور واحتجوا بحديث سهل بن
سعد "أن النبي ◌َ ◌ّ قال للرجل الذي خطب المرأة فلم يجد لها مهراً زوجتكها على
ما معك من القرآن" ، وتأولوا حديث عبادة على أنه كان تبرع به ونوى الاحتساب
فيه ولم يكن قصده وقت التعليم إلى طلب عوض ونفع، فحذره البي ﴿ إبطال
أجره وتوعده عليه .
إلى أن قال : وأهل الصفة قوم فقراء كانوا يعيشون بصدقة الناس فأخذ المال
منهم مكروه ودفعه إليهم مستحب .
وقال بعض العلماء أخذ الأجرة على تعليم القرآن له حالات فإذا كان في
المسلمين غيره ممن يقوم به حلّ له أخذ الأجرة عليه ؛ لأن فرض ذلك لا يتعين عليه
وإذا كان في حال أو في موضع لا يقوم به غيره لم تحل له الأجرة وعلى هذا يؤول
اختلاف الأخبار فيه . اهـ
ويقول ابن حزم في المحلى (١٨/٧): والإجارة جائزة على تعليم القرآن
، وعلى تعليم العلم مشاهرة وجملة ، وكل ذلك جائز وعلى الرقى وعلى نَسْخ
المصاحف ونسْخ كتب العلم ؛ لأنه لم يأت في النهي عن ذلك نص ، بل قد جاءت
الإباحة - وذكر حديث اللديغ وقول النبي ﴿ إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب
الله - ثم قال: والخبر المشهور أن رسول الله ﴿ّ زوج امرأة من رجل بما معه من
القرآن " أي ليعلمها إياه، وهو قول مالك والشافعي وأبو سليمان. اهـ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٣٢
١٢٠ - کتاب التجارات
وعند حديث " من أخذ على القرآن أجراً فذاك حظه من القرآن:" في الجامع
الصغير ، قال المناوي في شرحه في فيض القدير (حسن ٨٣٥٦) : أي لا ثواب له
على إقرائه وتعليمه ، قال ابن حجر: يعارضه وما قبله - وهو حديث عبادة في
الباب - خبر أبي سعيد في قصة اللديغ ورقيهم إياه بالفاتحة ، وكانوا امتنعوا حتى
جعلوا له جعلاً، وصوب النبي ◌َّ فعلهم، وخبر البخاري : إن أحق ما أخذثم
عليه أجراً كتاب الله ، وفيه إشعار بنسخ الحكم الأول. اهـ
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي في كتابه المعونة (١١١٦/٢): تجوز
مشارطة المعلم على تعليم الصبي القرآن على الحذاق إذا كان مقامه في التعليم غير.
معلوم. اهـ
(٩) باب النهي عن ثمن الكلب ومهر البغيّ ، وحُلْوان الكاهن ،
وعسْب الفحل
٢١٥٩ - حَدَّثْنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ عَنْ
الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ أَنْ النَِّيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
نَّهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَامِنِ .
صحيح
٢١٦٠ - حَدَّثْنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ قَالَا حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ فَضَيْلِ حَدَّثَنَا
الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ
ثَمَنِ الْكَلْبِ وَعَسْبِ الْفَجْلِ .
طبيع
٢١٦١ - حَدَّثْنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّرِ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ أَنْبَأَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الزَّبَيْرِ
عَنْ جَابِرٍ قَالَ بَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ السَّوْرِ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٣٣
١٢ - كتاب التجارات
الغريب : .
مهر البغي : الأجرة التي تُدفع للزانية لقاء الزنى .
حُلوان الكاهن : ما يعطاه على كهانته .
عشْب الفحل : ماء الفحل ؛ فرساً كان أو بعيراً أو تيساً والمراد النهي عن
أخذ الأجرة على ضرابه
السنَّوْرِ : الهرّ
الشرح : في أحاديث الباب النهي عن بعض المكاسب ، والأثمان ، كثمن
الكلب ، ومهر البغي ، وحلوان الكاهن ، وعسب الفحل ، وثمن السنور ، فلا يجوز
أخذ هذه المكاسب ،وذلك بأن الشارع وصف هذه المكاسب بأنها خبيثة .
ثمن الكلب :
فلا يجوز بيع الكلب لنهي الرسول وَلّ عن ثمنه، فبيعه باطل، وثمنه
حرام ، وإليه ذهب الشافعي وأحمد .
قال الشافعي في الأم (١١/٣): لا يحل للكلب ثمن بحال ، وإذا لم يحل ثمنه
لم يحل أن يتخذه إلا صاحب صيد أو حرث أو ماشية وإلا لم يحل له أن يتخذه ولم
يكن له إن قتله أخذ ثمنه . اهـ
وأنكر رحمه الله تجويز بيعه وشرائه وأن يجعل على من قتله ثمنه ، وقال لمن أجاز ذلك
: "أفيجوز أن يكون رسول الله و ﴿ يحرم ثمن الكلب وتجعل له ثمنا حيا أو ميتا؟ أو
يجوز أن يأمر رسول الله وَلّ بقتل الكلاب ولها أثمان يغرمها قاتلها ؟!
قال الماوردي في الحاوي (٤٦٠/٦): بيع الكلاب باطل ، وثمنه حرام ، ولا قيمة
على متلفه بحال ، سواء كان منتفعاً به أو غير منتفع به . اهـ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٣٤
١٢ - كتاب التجارات
وقال أحمد فيما حكاه عنه ابن عبد البر في الاستذكار (١٢٤/٢٠): بيع
الكلاب باطل، وإن كان مُعَلماً، ومن قتله وهو معلم فقد أساء ولا غرم عليه. أهـ
وأكده المرداوي في الإنصاف (٢٨٠/٤): فقال: قوله" ولا يجوز بيع
: الكلب " هذا المذهب مطلقاً، وعليه الأصحاب ، وقطعوا به. اهـ
وقال شمس الدين بن قدامة في الشرح الكبير (١٣/٤): عند شرح قبول
الخرقي " ولا يجوز بيع الكلب؛ أي كلب كان لا نعلم فيه خلافا في المذهب: " لا
يحل قتل الكلب المعلم لأنه محل منتفع به مباح اقتناؤه فحرم إتلافه كالشاة ولا نعلم
في هذا خلافا ولا غرم على قاتله وهذا مذهب الشافعي.
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (١١٦/٢٠) قال مالك: أكره ثمن الكليب
الضاري - أي المعلم - وغير الضاري، لنهي رسول الله مَ ل عن ثمن الكلب.
وقال ابن عبد البر : ولا خلاف عنه - يعني مالكا - أن من قتل كلب صيد أو
ماشية أو زرع فعليه القيمة اهـ
ویری ابن القيم في الزاد (٧٦٧/٥): أن تحريم بيع الكلب يتناول كل كلب
؛ صغيراً كان أو كبيراً، للصيد أو للماشية أو للحرث وهذا مذهب فقهاء أهل
الحديث قاطبة والتراع في ذلك معروف عن أصحاب مالك وأبي حنيفة ؛ فحوّز
أصحاب أبي حنيفة بيع الكلاب وأكل أثمانها. اهـ
وقال أبو جعفر الطحاوي في شرح معاني الآثار (٥٦/٤): فلما ثبتت الإباحة بعد
النهي وأباح الله وّ في كتابه ما أباح بقوله {وما علمتم من الجوارح مكلبين}
اعتبرنا حكم ما ينتفع به هل يجوز بيعه ويحل ثمنه أم لا قرأينا الحمار الأهلي قد نهى
عن أکله وأبیح کسبه والانتفاع به فکان بيعه إذ کان هذا حکمه حلالا ومنه حلال
، وكان يجئ في النظر أيضا أن يكون كذلك الكلاب لما أبيح الانتفاع بها حل بيعها
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٣٥
١٢ - كتاب التجارات
وأكل ثمنها ، ويكون ما روى في حرمة أثمانها كان وقت حرمة الانتفاع بها وما روى
في إباحة الانتفاع بها دليل على حل أثمانها ، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد
رحمة الله عليهم أجمعين. اهـ
مهر البغي :
ومن المكاسب المحرمة كذلك مهر البغي ، والبغي الزانية ، والمراد بمهر البغي
هو ما تتعاطاه الزانية على الزنى ، فهو كسب خبيث لا يحل بلا خلاف .
قال العلامة ابن القيم في الهدى (٧٧٤/٥) : مهر البغي ؛ وهو ما تأخذه
الزانية في مقابلة الزنى بها، فحكم رسول الله و أن ذلك خبيث على أي وجه
كان؛ حرة كانت أو أمة زاهـ
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (١١٦/٢٠): لا خلاف بين علماء المسلمين في أن
مهر البغي حرام . اهـ
ونقل البغوي في شرح السنة (٢٣/٨) عن الأزهري قوله" ويحتمل أن يكون
نهي عن كسب المرأة المغنية ، يقال غناء رميز وهو الإيماء بالشفتين والعينين ،
والزواني يفعلن ذلك. اهـ
وفي قول الأزهري هذا إشارة إلا أن المغنيات هن الزواني أو الزواني يكن مغنيات وأن
أجرهن حرام ، ولهذا قال النووي في شرح مسلم (٤٩٩/٥): وكذلك أجمعوا على
تحريم أجرة المغنية للغناء.اهـ
حلوان الكاهن :
هو ما يأخذه الكاهن على كهانته ، وفعل الكهانة - كما يقول البغوي في
شرح السنة (٢٣/٨) - باطل لا يجوز أخذ الأجرة عليها. اهـ
وحكى الإجماع على ذلك.
:
١٣٦
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٢ - كتاب التجارات
قال ابن دقيق العيد في العمدة (٦٢/٤): وأما الكهانة فبطلانها وأخذ
العوض عنها من باب أخذا المال بالباطل ، ومعناها كل ما يمنع منه الشرع من الرجم
: بالغيب. اهـ
عسب الفحل :
من المكاسب المنهي عنها أجرة إنزاء الفحل ، وعلة النهل الغرر بمعنى أن ماء
ضراب الفحل غير مَتَقَوَّم ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه ، كما يقول الشهـ كاني
في النيل (١٤٧/٣) .
وقال الخطابي في معالم السنن (١٠٥/٣): وفيه غرر، لأن الفحل قد
يضرب وقد لا يضرب ، وقد تلقح الأنثى وقد لا تلقح ، فهو أمر مظنون ، والغرر ..
فيه موجود وقد اختلف في ذلك أهل العلم فروي عن جماعة من الصحابة تحريمه وهو
قول أكثر الفقهاء .
وقال مالك : لا بأس إذا استأجروه يترونه مدة معلومة ، وإنما يبطل إذا
اشترطوا أن يتروه حتى تعلق الرمْكة .
قال الخطابي : وهذا كله فاسد لمنع السنة منه ، وإنما هو من باب المعروف ،
فعلى الناس أن لا يتمانعوا منه. فأما أخذ الأجرة عليه فمحرم، وفيه قبح ، وترك
مروءة. أهـ .
وقال ابن المنذر في الإشراف (١٣٢/٢): لا يجوز ذلك لدلالة السنة عليه، ولأنه من
جهة النظر لا يوقف له على حد اهـ
وأما تحريم السنور فقد دل عليه حديث جابر وكان رُته يفتي بموجبه . قال
في زاد المعاد (٧٧٣/٥): وهو الصواب لصحة الحديث بذلك، وعدم ما يعارضه ،
فوجب القول به .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
صـ
١٣٧
١٢ - كتاب التجارات
قال البيهقي : ومن العلماء من حمل الحديث على أن ذلك حين كان محكوما
بنجاستها ، فلما قال النبي ◌َُّ " الهرة ليست بنجس" صار ذلك منسوخاً في البيع،
ومنهم من حمله على النسور إذا توحش ، ومتابعة ظاهر السنة أولى. اهـ
(١٠) باب كسب الحجام
٢١٦٢ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِ عُمَرَ الْعَدَنِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ
أَبِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنْ النَِّيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَحَمَ وَأَعْطَاهُ أَجْرَهُ .
تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ أَبِي عُمَرَ وَحْدَهُ . قَالَهُ ابْنِ مَاجَةً .
صبيع
٢١٦٣- حَدَّثْنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيِّ أَبُو حَفْصِ الصَّيْرَفِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حِ وَ حَدَّثْنَا
مُحَمَّدُ بْنُ عُبَادَةَ الْوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَا حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى
عَنْ أَبِي حَمِيلَةَ عَنْ عَلِيِّ قَالَ احْتَحَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ وَأَمَرَنِي
فَأَعْطَيْتُ الْحَجَّمَ أَجْرَهُ .
صبيع
٢١٦٤ - حَدَّثْنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانِ الْوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ
عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ الشَِّيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ احْتُحَمَ وَأَعْطَى
الْحَجَّامَ أَجْرَهُ .
صبيع
٢١٦٥ - حَدَّثْنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثْنَا يَحْتَى بْنُ حَمْرَةَ حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ
عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو
قَالَ نَّهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ .
صبيع
٢١٦٦ - حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدَّثَنَا شَّبَابَهُ بْنُ سَوَّارٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ
الزُّهْرِيِّ عَنْ حَرَامِ بْنِ مُخَيِّصَةَ عَنْ أَبِهِ أَنَّهُ سَأَلَ النَِّيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ عَنْ
كَسْبِ الْحَجَّامِ فَهَاهُ عَنْهُ فَذَكَرَ لَهُ الْحَاجَةَ فَقَالَ اعْلِفْهُ نَوَاضِحَكَ .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٣٨
١٢ - كتاب التحارات
الغريب :
الحجامة : إخراج الدم بتشريط الجلد ثم مصه ، وذلك على سبيل التداوي .
الشرح : ومن المكاسب الدنيئة التي ينبغي للمسلم الترفع عنها وعدم تعاطيها
: الحجامة ، فهي مهنة حقيرة وكسبها خبيث. وقد صح عن النبي ◌َّ انه احتجم
وأعطى الحجام أجره، وصح أنه ﴿ أشار بالتنُّّه عن مثل هذه المكاسب ونصح من
تعاطى الأجر على الحجامة أن يعلفة ناضحه وهو بعيره الذي يسقي عليه أو يطعمه
لرقيقه .
يقول ابن القيم في الزاد (٧٩٠/٥) : فأشكل الجمع بين هذين على كثير من
الفقهاء وظنوا أن النهي عن كسبه منسوخ بإعطائه أجره ، وممن سلك هذا المسلك
الطحاوي .
قال ابن القيم : وهي دعوى مردودة . اهـ
وذهب الجمهور إلى أنه حلال كما يقول الحافظ في الفتح (٤٥٩/٤) :
واحتجوا بهذا الحديث وقالوا: هو كسب فيه دناءة وليس بمحرم فحملوا الزخر عنه
على التتريه .
قال : وذهب أحمد وجماعة إلى الفرق بين الحر والعيد فكرهوا للحر
الاحتراف بالحجامة ، ويحرم عليه الإنفاق على نفسه منها ويجوز له الإتفاق على
الرقيق والدواب منها وأباحوها للعبد مطلقا. اهـ
وكان أحمد يعطي الحجام ويقول فيما نقله عنه ابن المنذر في الإشراف
(١٣٣/٢): نحن نعطيه كما أعطى رسول الله وَ لّ اهـ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٣٩
١٢ - كتاب التجارات
وبعض هذا العرض لأنواع من المكاسب الدنيئة كالحجامة والمكاسب المحرمة
كثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن ، وعسب الفحل ، يحسن أن أنقل كلاما
بديعا للعلامة ابن القيم عن أطيب المكاسب وأحلاها
قال رحمه الله في الزاد (٧٩٢/٥) : قيل هذا فيه ثلاثة أقوال للفقهاء : أحدها
: أنه كسب التجارة . والثاني : أنه عمل اليد في غير الصنائع الدنيئة كالحجامة
ونحوها .
والثالث : أنه الزراعة ، ولكل قول من هذه وجه من الترجيح أثراً ونظراً .
والراجح أن أحلها الكسب الذي جعل منه رزق رسول الله م / وهو
كسب الغانمين وما أبيح لهم على لسان الشارع وهذا الكسب قد جاء في القرآن
مدحه أكثر من غيره وأثني على أهله ما لم يثن على غيرهم ولهذا اختاره الله لخير
خلقه وخاتم أنبيائه ورسله ، حيث يقول : "بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى
يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على
من خالف أمري" وهو الرزق المأخوذ بعزة وشرف وقهر لأعداء الله وجعل أحب
شيء إلى الله فلا يقاومه كسب غيره. اهـ
(١١) باب ما لا يحل بيعه
٢١٦٧ - حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادِ الْمِصْرِيُّ أَثْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبي
حَبِيبِ أَنَّهُ قَالَ قَالَ عَطَّاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحِ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ
وَالْمَيْنَةِ وَالْخِيْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ فَقِيلَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْنَةِ فَإِنَّهُ
يُدْهَنُ بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْخُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ قَالَ لَا هُنَّ حَرَامٌ ثُمَّ قَالَ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٤٠
١٢ - کتاب التجارات
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ الشُّسْحُومَ
فَأَجْمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَّمَنَهُ .
صبيع
٢١٦٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْبَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ حَدَّثْنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم
حَدَّثْنَا أَبُو جَعْفَرِ الرَّازِيُّ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي الْمُهَلْبِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ الْإِفْرِيقِيِّ عَنْ أَبي
أُمَامَةَ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْمُغَنَّاتِ وَعَنْ شِرَائِهِنَّ وَعَنْ
كَسْبِهِنَّ وَعَنْ أَكْلِ أَثْمَانِهِنَّ .
حسن
الشرح : لا خلاف بين أهل العلم في تحريم بيع ما ذكر في حديث جابر ،
فالخمر والميتة ، والخترير ، والأصنام يحرم بيعها ، والعلة في تحريمها قد تكون نجاستها
وقد تكون العلة ذات النهي عنها وقد حكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على
تحريمها منهم ابن المنذر في كتابه الإجماع (ص ١١٤): قال : وأجمعوا على تجريم بيع
الميتة ، وعلى أن بيع الخمر غير جائز وعلى تحريم ما حرم الله من الميتة والدم والخترير
وعلى أن بيع الخترير وشرائه حرام. اهـ
وقال شمس الدين ابن قدامة في الشرح الكبير (٤١/٤): "ولا يجوز بيع
الخمر ولا التوكل في بيعه ولا شرائه " ثم ذكر ما حكاه ابن المنذر في الإجماع،
وكذلك حديث جابر في الباب وقال : ولأن الخمر نجسة محرمة ، فحرم بيعها ،
والتوكيل فيه ، كالميتة والخترير .. اهـ
وقوله " لا هن حرام " ظاهر في عودة الضمير على الأفعال التي ينتفع فيها
بشحوم الميتة " وفي البخاري هو حرام وقال الحافظ في الفتح (٤٢٥/٤): قوله
"فقال: لا هو حرام" أي البيع هكذا فسره بعض العلماء كالشافعي ومن اتبعه ومنهم
من حمل قوله وهو حرام على الانتفاع فقال يحرم الانتفاع بها وهو قول أكثر العلماء
فلا ينتفع من الميتة أصلا عندهم إلا ما خص بالدليل وهو الجلد المدبوغ . اهـ