النص المفهرس
صفحات 21-40
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢١
١٠ - كتاب الطلاق
من أوجب السكنى دون النفقة لوجوب السكنى بظاهر قوله تعالى { أسكنوهن من
حيث سكنتم} ولعدم وجوب النفقة بحديث فاطمة مع ظاهر قول الله تعالى وإن
كن أولات حمل فأنفقوا عليهن } وأجاب هؤلاء عن حديث فاطمة في سقوط النفقة
بما قاله سعيد بن المسيب وغيره أنها كانت امرأة لسنة ، واستطالت على أحمائها ،
فأمرها بالانتقال عند ابن أم مكتوم ، وقيل لأنها خافت في ذلك المنزل بدليل ما رواه
مسلم من قولها : "أخاف أن يقتحم عليّ" ولا يمكن شيء من هذا التأويل في سقوط
نفقتها.اهـ
وذهب ابن عبد البر المالكي إلى ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة مالك والشافعي
وأحمد في أنه لا نفقة لها ، ووافق أحمد في أنه ولا سكنی .
قال رحمه الله في التمهيد (٦٠٩/١٠): أما النفقة للمبتوتة ففيه نص ثابت
عن النبي عليه السلام أنها لا نفقة لها وذلك قوله ﴿ لفاطمة بنت قيس "ليس لك
عليه نفقة" من حديث مالك وغيره فلا معنى لما خالفه وفي قول الله عز وجل {وإن
كن أولات حمل فأنفقوا عليهن} دليل على أن لا نفقة لغير حامل ، فهذا هو المعتمد
عليه في هذا الباب وهي النكتة التي عليها مداره من الكتاب والسنة .
ثم قال رحمه الله : ورووا أيضا منصوصا في حديث فاطمة أن رسول الله
وَ* قال لها لا سكنى لك ولا نفقة وممن ذهب إلى هذا جماعة من أهل العلم وبه قال
أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وداود وروي ذلك عن علي بن أبي
طالب وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس .اهـ
ورد رحمه الله على من علل أمره ﴿ لها بالانتقال إلى بيت ابن أم مكتوم
لتعتد فيه بأن ذلك كان بسبب ذرب لسانها واستطالتها على أحمائها يريدون بذلك
إثبات حقها في السكنى وأن إخراجها كان بسبب ما ذكر فقال ابن عبد البر في
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٢
٠ ١٠ - كتاب الطلاق
التمهيد (٦١٢/١٠): لو كان السكنى عليها واجبا لقصرها رسول الله منح
ومنعها من الاستطالة بلسانها بما شاء مما يردعها عن ذلك والله أعلم مع أنه - أي
ذلك الخلق - ليست منه ولا هو منها. اهـ
وكذلك دافع الشوكاني رحمه الله عنها في النيل (٣٠٤/٦) فقال: أعاذ الله
فاطمة عن ذلك الفحش الذي رماها به - یرید دعوى ابن المسيب أن سبب خروجها
كان لفحش في لسانها - فإنها من خيرة نساء الصحابة فضلا وعلما ومن المهاجرات
الأولات، ولهذا ارتضاها رسول الله و393 لحبه وابن حبه أسامة، وممن لا يحملها رقق
الدين على فحش اللسان الموجب لإخراجها من دارها ، ولو صح شيء من ذلك
لكان أحق الناس بإنكار ذلك عليها رسول الله وصلة. اهـ
(١١) باب متعة الطلاق
٢٠٣٧ - حَدَّثْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ أَبُو الْأَشْعَثِ الْعِجْلِيُّ حَدَّثْنَا عُبَيْدُ بْنُ الْقَاسِمِ حَدَّثَنَا
هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنْ عَمْرَةَ بِنْتَ الْحَوْنِ تَعَوَّذَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ
وَّ حِينَ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ لَقَدْ عُذْت بِمُعَاذْ فَطَلْقَهَا وَأَمَرَ أُسَامَةَ أَوْ أَنَّسًا فَمََّّعَهًا
بِثَلَائَةٍ أَثْوَابِ رَازِيَّةٍ .
مذكر - صحيح بلفظ " فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقين
الغريب :
ثياب رازقية : ثياب من كتان بيض طوال .
الشرح : قصة الحديث رواها البخاري في صحيحه عن عائشة وأبي أسيد
وفيها أن للمطلقة المتعة، أي يمتع المطلق مطلقته بشيء من الكسوة أو الخادم أو المال،
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٣
١٠ - كتاب الطلاق
تطبيباً لقلبها ، وذهب جمهور أهل العلم من السلف والخلف إلى أن لكل مطلقة متعة
مستدلين بعموم قول الله تعالى {وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين} .
وذهب بعض أهل العلم إلى استثناء المطلقة المفروض لها ولم يدخل بها قالوا :
لها نصف الصداق ولا متعة لها ، واستدلوا بقول الله تعالى { وإن طلقتموهن من قبل
أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } قالوا : إن الله تعالى لم يذكر
للمفروض لها التي طلقت قبل الدخول المتعة .
وكان ابن عمر يفتي بهذا وكذا سعيد بن المسيب .
وقال الشيخ أحمد شاكر في كتابه نظام الطلاق في الإسلام (ص/٩٧) :
والذي نرضاه ونختاره وجوبها لكل مطلقة مُطْلَقاً إلا التي سمي مهرها ولم يدخل بها ،
جمعا بين الآيات ، واستعمالا لكل آية في نصها وموضعها ، وهو مذهب الشافعي
وقول لأحمد واختاره ابن تيمية .
ثم قال رحمه الله: وهذه المتعة فيها تعويض عما فات على المطلقة من
الطمأنينة على نظام حياتها في كنف الزوج ولذلك كانت {على الموسع قدره وعلى
المقتر قدره}. اهـ
وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى من سورة البقرة {وللمطلقات
متاع بالمعروف حقا على المتقين } : استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى
وجوب المتعة لكل مطلقة سواء كانت مفوضة أو مفروضا لها ، أو مطلقة قبل
المسيس ، أو مدخولاً بها وهو قول عن الشافعي رحمه الله، وإليه ذهب سعيد بن
جبير وغيره من السلف ، واختاره ابن جرير .
ومن لم يوجبها مطلقا يخصص من هذا العموم مفهوم قوله تعالى {لا جناح
عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع
٢٤
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
: ١٠ - كتاب الطلاق
قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين } وأجاب الأولون بأن
هذا من باب ذكر بعض أفراد العموم فلا تخصيص على المشهور المنصوص. اهـ
وقال أبو جعفر الطبري في تفسيره (١٣٠/٥) : والذي هو أولى بالصواب
من القول في ذلك عندي قول من قال : لكل مطلقة متعة لأن الله تعالى ذكره قال
{وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين} فجعل الله تعالى ذكره ذلك لكل
مطلقة ولم يخصص منهن بعضا دون بعض ، فليس لأحد إحالة ظاهر تتريل عام إلى
باطن خاص إلا بحجة يجب التسليم لها. اهـ
(فائدة) قال الشيخ أحمد شاكر في نظام الطلاق في الإسلام (ص/٩٨): إذا
كانت الفرقة بسبب من جهة الزوجة كالخلع والمباراة والردة ، وطلب التطليق
للإعسار وغير ذلك - أنها إلا متعة لها. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٤٩٦/٩): وذهبت طائفة من السلف إلى
أن لكل مطلقة متعة من غير استثناء وعن الشافعي مثله وهو الراجح وكذا تجب في
كل فرقة إلا في فرقة وقعت بسبب منها. اهـ
(١٢) باب الرجل يجحد الطلاق
٢٠٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْتَى حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ أَبُو حَفْصِ التَّنِّيسِيُّ عَنْ
زُهَيْرٍ عَنْ ابْنِ حُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا ادْعَتْ الْمَرَّةُ طَاقَ زَوْجِهَا فَجَاءَتْ عَلَى ذَلِكَ بِشَاهِدٍ عَدْلِ اسْتُحْلِفَ
زَوْجُهَا فَإِنْ حَلَفَ بَطَلَتْ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ وَإِنْ نَكَلَ فَكُولُهُ بِمَنْزِلَةٍ شَاهِدٍ آخَرَ وَجَازٌ
طَلَاقُهُ .
ضعيف
۔۔
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٥
١٠- كتاب الطلاق
الشرح : إذا ادعت المرأة أن زوجها طلقها ، وجحد الزوج ذلك فالواجب
عليها أن تفر منه ما استطاعت ، وألا تمكنه من نفسها ، ولا تتزين له ، ولا تبدي له
شيئا من شعرها حتى وإن حلف الزوج ورد القاضي شهادة الشاهد الذي جاءت به.
قال ابن المنذر في الإشراف (١٧٧/١): اختلفوا في المرأة تسمع طلاقها ثم
يجحده الزوج ، فقال الحسن البصري ، والنخعي والزهري : يستحلف ثم يكون الإثم
عليه.
وقال آخرون : تفر منه ما استطاعت ، وتفتدي منه بكل ما أمكن ، روي
ذلك عن جابر بن زيد وابن سيرين ، وبه قال حماد بن أبي سليمان ، وأحمد ، وممن
رأى أن تفر منه ، الثوري ، والنعمان ، ويعقوب ، وأبو عبيد .
واختلفوا في استحلاف الرجل المدعى عليه الطلاق ، فممن روينا عنه أنه
قال يستحلف ابن عمر والحسن البصري ، والنخعي ، والزهري ، والأوزاعي
والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وبه نقول، لقول النبي ◌َّ
" البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه".
إلى أن قال : وفيه قول ثالث : وهو أن المرأة إن جاءت بشاهد ، حلف
الزوج وخلي بينه وبينها ، ولا ينبغي لها أن تتزين له ، ولا تبدي له شيئا من شعرها ،
ولا عريتها ، وهي تقدر على ذلك ، ولا يصيبها إلا وهي مكرهة ، هذا قول مالك .
ثم قال ابن المنذر في باب يليه : أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على
أن الرجل إذا طلق زوجته ثلاثا وقد غشيها بعد طلاقه ، وقد ثبتت البينة أنه طلقها ،
وهو يجحد ذلك ، أن التفريق بينهما يجب ، ولا حد على الرجل . كذلك قال
الشعبي ، ومالك ، وأهل الحجاز ، والأوزاعي ، والثوري ، وربيعة والشافعي ، وأبو
ثور وبه نقول .اهـ
٢٦
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٠ - كتاب الطلاق
وقال ابن قدامة في المغني (٤٣٩/٨): إذا ادعت المرأة أن زوجها طلقها
فأنكرها فالقول قوله ؛ لأن الأصل بقاء النكاح ، وعدم الطلاق إلا أن يكون لها
بما ادعته بينة ولا يقبل فيه إلا عدلان .
إلى أن قال : فإذا طلق ثلاثاً وسمعت ذلك وأنكر ، أو ثبت ذلك عندها بقول عدلين
، لم يحل لها تمكينه من نفسها وعليها أن تفر منه ما استطاعت وتمتنع منه إذا أرادهد،
وتفتدي منه إن قدرت ، قال أحمد : لا يسعها أن تقيم معه وقال أيضا تفتدي منه بما
تقدر عليه ، فإن أجبرت على ذلك فلا تزين له ولا تقربه ، وتهرب إن قدرت ، وإن
شهد عندها عدلان غير متهمين فلا تقيم معه وهذا قول أكثر أهل العلم. اهـ
(١٣) باب من طلق أو نكح أو راجَع لاعبا
٢٠٣٩ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُمَّارِ حَدَّثْنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
حَبِيبٍ بْنِ أَرْدَكَ حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَللَ
قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزَّلُهُنَّ حِدُّ النِّكَاحُ وَالطَّاقُ
وَالرَّجْعَةُ .
حسن
الشرح : لا خلاف بين أهل العلم في أن الطلاق الصريح من الهازل يقع ،
سواء قصد الطلاق أم قصد المزاح واللعب .
قال ابن المنذر في الإشراف (١٧٣/١): أجمع كل من نحفظ عنه من أهل
العلم على أن جد الطلاق وهزله سواء ، روي هذا عن عمر بن الخطاب ، وابن
مسعود وممن قال : لا لعب في الطلاق ، وأن من طلق لاعبا فقد جاز عليه ، عظاء
بن أبي رباح ، وعبيدة السلماني ، وهذا على مذهب الشافعي ، وبه قال أبو عبيد ،
وذكر أنه قول الثوري ، واحتج بقوله تعالى {ولا تتخذوا آيات الله هزوا }
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٧
١٠ - كتاب الطلاق
قال أبو بكر بن المنذر: وقد روينا عن النبي ◌َّ أنه قال، فذكر حديث
الباب. اهـ
وبين العلامة ابن القيم في الزاد (٢٠٤/٥): أن المكلف إذا هزل بالطلاق أو
النكاح أو الرجعة لزمه ما هزل به فدل ذلك على أن كلام الهازل معتبر ، وإن لم
يعتبر كلام النائم والناسي وزائل العقل والمكره والفرق بينهما أن الهازل قاصد للفظ
غير مريد لحكمه ، وذلك ليس إليه ، فإنما إلى المكلف الأسباب ، وأما ترتب مسبباتها
وأحكامها فهو إلى الشارع ، قصده المكلف أو لم يقصده ، والعبرة بقصده السبب
اختيارا في حال عقله وتكليفه فإذا قصده رتب الشارع عليه حكمه جدّ به أو
هزل.اهـ
قال الخطابي في معالم السنن (٢٤٣/٣): اتفق عامة أهل العلم على أن
صريح لفظ الطلاق إذا جرى على لسان البالغ العاقل فإنه مؤاخذ به ولا ينفعه أن
يقول كنت لاعبا أو هازلا أو لم أنوه طلاقا ، أو ما أشبه ذلك من الأمور ، واحتج
بعض العلماء في ذلك بقول الله سبحانه وتعالى {ولا تتخذوا آيات الله هزوا} وقال
: لو أطلق للناس ذلك لتعطلت الأحكام ، ولم يؤمن مطلق أو ناكح أو معتق أن
يقول كنت في قولي هازلا ، فيكون في ذلك إبطال حكم الله تعالى ، وذلك غير
جائز فكل من تكلم بشيء مما جاء ذكره في هذا الحديث لزمه حكمه ، ولم يقبل منه
أن يدعي خلافه ، وذلك تأكيد لأمر الفروج واحتياط له. اهـ
وقال الخرقي في مختصره ( المغني (٢٧٩/٨): إذا أتى بصريح الطلاق لزمه
نواه أو لم ينوه . اهـ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٨
١٠ - كتاب الطلاق
(١٤) باب من طلق في نفسه ولم يتكلم به
٢٠٤٠ - حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ح و
حَدَّثْنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةً حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ جَمِيعًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ
قَتَادَةً عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ لَ﴿ إِنَّ اللَّهُ تَجَاوَزَ
لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَّهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلِّمْ بِهِ .
صحيح
الشرح : في حديث الباب أن من خصائص الأمة المحمدية العفو عن حديث
النفس ، وأن العبد لا يؤاخذ على الهم بالمعصية ، وإنما يؤاخذ على ما يعمل به من
ذنوب الجوارح ، وما يتكلم به من ذنوب اللسان، وأفادت ترجمة الباب مع عموم
الحديث أن الرجل إذا نوى الطلاق في نفسه ولم يتكلم به فإن الطلاق لا يقع
قال الخطابي في معالم السنن (٢٤٨/٣): في هذا الحديث من الفقه أن:
حديث النفس ، وما يوسوس به قلب الإنسان ،لا حكم له في شيء من أمور الدين
وفيه أنه إذا طلق امرأته بقلبه ولم يتكلم به بلسانه فإن الطلاق غير واقع، وبه قال
عطاء بن رباح وسعيد بن جبير والشعبي وقتادة والثوري وأصحاب الرأي ، وهو
قول الشافعي وأحمد وإسحاق. اهـ
وقال الزهري : إذا عزم على ذلك وقع الطلاق لفظ به أو لم يلفظ ، وبه
قال مالك والحديث حجة عليه . اهـ
والحديث رواه الشيخان وأصحاب السنة وغيرهم وقال البخاري : قال قتادة
: إذا طلق في نفسه فليس بشيء ".
قال الحافظ في الفتح (٣٩٤/٩): وصله عبد الرزاق عن معمر عن قتادة
والحسن قالا : من طلق سرا في نفسه فليس طلاقه ذلك بشيء ، وهذا قول الجمهور
وخالفهم ابن سيرين وابن شهاب فقالا : تطلق وهي رواية عن مالك. اهـ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٩
١٠ - كتاب الطلاق
ورجح ابن القيم في الزاد (٢٠٣/٥) أن ما لم ينطق به اللسان من طلاق أو
عتاق أو يمين أو نذر ونحو ذلك ، عفو غير لازم بالنية والقصد . قال : وهذا قول
الجمهور اهـ
(١٥) باب طلاق المعتوه والصغير والنائم
٢٠٤١ - حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ح و حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْتَى قَالَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ
بْنُ سَلَمَةَ عَنْ حَمَّادِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ رُفِعَ الْقَلَّمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ وَعَنْ
الْمَحْتُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ .
قَالَ أَبُو بَكْرِ فِي حَدِيثِهِ ( وَعَنْ الْمُبْتَلَى حَتّى يَبْرَأَ ).
صبيع
٢٠٤٢ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَنْبَأَنَا الْقَاسِمُ
بْنُ يَزِيدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يُرْفَعُ الْقَلَمُ
عَنْ الصَّغِيرِ وَعَنْ الْمَحْنُونِ وَعَنْ النَّائِمِ .
صحيح
الشرح : لا خلاف بين أهل العلم أن طلاق المجنون لا يقع ، وكذا الصغير
والنائم ، وذلك أن هؤلاء الثلاثة لا يتعلق بهم تكليف .
قال ابن المنذر في الإشراف (١٦٩/١): أجمع من أحفظ عنه من علماء
الأمصار على أن المجنون لا يجوز طلاقه ، كذلك قال عثمان بن عفان . وقال علي
بن أبي طالب : كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه .
وممن قال إن طلاق المجنون لا يجوز : سعيد بن المسيب ، وجابر بن زيد ،
والحسن البصري ، والشعبي ، والنخعي ، ومالك ، والثوري ، والشافعي ، وأبو ثور
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٠
١٠ - كتاب الطلاق
، وأصحاب الرأي وكذلك نقول، وقد ثبت أن رسول الله مَّ قال - فذكر
حديث الباب .
وقال : وأجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا طلق في
حال نومه أن لا طلاق له ، روينا ذلك عن الشعبي والنخعي وأبي قلابة ، والزهري
.اهـ
وقال الصنعاني في سبل السلام (ص/١٠٩٧) : رفع القلم أي ليس يجري
أصالة لا أنه رفع بعد وضع، والمراد برفع القلم عدم المؤاخذة ، لا قلم الثواب ، فلا
ينافيه صحة إسلام الصبي المميز، وأما المجنون فالمراد به زائل العقل؛ فيدخل فيه
السكران والطفل كما يدخل المجنون. اهـ
وقال ابن عبد البر في الاستذكار المسألة (٣٦٣٧٢) وقال عثمان البتيّ
:السكران بمنزلة المجنون، لا يجوز طلاقه، ولا عتقه، ولا بيعه، ولا نكاحه، ولا
يُحَدّ في قذف ولا زنا ، ولا سرقة. اهـ
وكون السكران كالمجنون في إسقاط اعتبار أقواله وأفعاله في الطلاق وغيره ،
هو ما ذهب إليه الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى
(١٠٢/٣٣): وقال رحمه الله: ومن تأمل أصول الشريعة ومقاصدها تبين له أن هذا
القول هو الصواب. اهـ
وحديث علي في الباب علقه البخاري في صحيحيه ، وقال الحافظ في الفتح
(٣٩٣/٩): وصله البغوي في الجمعديات عن علي بن الجعد عن شعبة عن الأعمش
عن أبي ظبيان عن ابن عباس أن عمر أتى بمجنونة قد زنت وهي حبلى ، فأراد أن
يرجمها ، فقال له علي : أما بلغك أن القلم قد وضع عن ثلاثة .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣١
١٠ - كتاب الطلاق
إلى أن قال : وأخذ بمقتضى هذا الحديث الجمهور لكن اختلفوا في إيقاع
طلاق الصبي ، فعن ابن المسيب والحسن : يلزمه إذا عقل وميز ، وحده عند أحمد أن
يطيق الصيام ، ويحصي الصلاة ، وعن عطاء إذا بلغ اثنتي عشرة سنة ، وعن مالك
رواية إذا ناهز الاحتلام.اهـ
وقال البغوي في شرح السنة (٢٢٠/٩): واتفق أهل العلم على أن طلاق
الصبي والمجنون لا يقع. اهـ
(١٦) باب طلاق المكره والناسي
٢٠٤٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ حَدَّثَنَا أَيُوبُ بْنُ سُوَيْدٍ حَدَّثَنَا
أَبُو بَكْرِ الْهُذَلِيُّ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبِ عَنْ أَبِي ذَرِّ الْغِفَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ
إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ .
صحيح
٢٠٤٤ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ قَتَادَةً عَنْ زُرَارَةً
بْنِ أَوْفَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ إِنَّاللَّهَ تَحَاوَزَ لِأُمَِّي عَمَّا تُوَسْوِسُ
بِهِ صُدُورُهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَتَكَلِّمْ بِهِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ .
صحيح
٢٠٤٥ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفِى الْحِمْصِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ
عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي
الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ .
صحيح
٢٠٤٦- حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثُمَيْرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَقَ
عَنْ ثَوْرِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةً قَالَتْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ وَ﴿ّ قَالَ لَا طَلَّاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ .
حسن
الشرح : سبق شرح حديث " إن الله تجاوز لأمني ... قبل بابين .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٢
١٠ - كتاب الطلاق
وأما حديث عائشة " لا طلاق ولا عتاق في إغلاق ":
فمعنى إغلاق ، وغلاق قال أبو داود : أظنه الغضب ، وترجم للباب بقوله "
الطلاق على غلط " وفي بعض النسخ " الطلاق على إغلاق "
وقال الحافظ في الفتح (٣٨٩/٩): وقوله الإغلاق الإكراه على المشهور قيل
له ذلك لأن المكره يتغلق عليه أمره ويتضيق عليه تصرفه ، وقيل هو العمل في الغضب
وبالأول جزم أبو عبيد وجماعة ، وإلى الثاني أشار أبو داود.اهـ
وقال الخطابي في معالم السنن (٢٤٢/٣): معنى الإغلاق : الإكراه ، وكان
عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم لا
يرون طلاق المكره طلاقا .
وهو قول شريح وإعطاء وطاووس وجابر بن زيد والحسن وعمر بن عبد
العزيز والقاسم وسالم ، وإليه ذهب مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد بن
حنبل واسحق بن راهوية ، وكان الشعبي والنخعي والزهري وقتادة يرون طلاق
المكره جائزا ، وإليه ذهب أصحاب الرأي .
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله في الزاد (٢١٤/٥): وأما طلاق الإغلاق
فقد قال الإمام أحمد في رواية حنبل : وحديث عائشة رضي الله عنها سمعت النبي
صلى الله
وَّ يقول "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" يعني الغضب ، هذا نص أحمد حكاه عنه
الخلال وأبو بكر في الشافي وزاد المسافر فهذا تفسير أحمد
وقال أبو داود في سننه أظنه الغضب وترجم عليه باب الطلاق على غلط
وفسره أبو عبيد وغيره بأنه الإكراه ، وفسره غيرهما بالجنون ، وقيل هو نهي عن
إيقاع الطلقات الثلاث دفعة واحدة ، فيغلق عليه الطلاق حتى لا يبقى منه شيء
كغلق الرهن حكاه أبو عبيد الهروي .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٣
١٠ - كتاب الطلاق
قال شيخنا - يعني شيخ الإسلام ابن تيمية - وحقيقة الإغلاق أن يغلق
على الرجل قلبه ، فلا يقصد الكلام أو لا يعلم به كأنه انغلق عليه قصده وإرادته ،
قلت : قال أبو العباس المبرد: الغلق ضيق الصدر وقلة الصبر بحيث لا يجد مَخْلصا.
قال شيخنا : ويدخل في ذلك طلاق المكره والمجنون ومن زال عقله بسكر أو غضب
وكل من لا قصد له ولا معرفة له بما قال
والغضب على ثلاثة أقسام :
أحدها : ما يزيل العقل فلا يشعر صاحبه بما قال ، وهذا لا يقع طلاقه بلا نزاع .
الثاني : ما يكون في مباديه ، بحيث لا يمنع صاحبه من تصور ما يقول وقصده فهذا
يقع طلاقه .
الثالث : أن يستحكم ويشتد به ، فلا يزيل عقله بالكلية ، ولكن يحول بينه وبين
نيته ، بحيث يندم على ما فرط منه إذا زال ، فهذا محل نظر ، وعدم الوقوع في هذه
الحالة قوي متجه . اهـ
(١٧) باب لا طلاق قبل النكاح
٢٠٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبِ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَنْبَأَنَا عَامِرٌ الْأَحْوَلُ حِ وَ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبِ
حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَعِيلَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ حَمِيعًا عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ
عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَدِّه أَنْ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ لَا طَلَاقَ فِيمَا لَا تَمْلِكُ. حسن صحيح
٢٠٤٨ - حَدَّثْنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ حَدَّثْنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ حَدَّثْنَا
هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةً عَنْ النَِّّع﴿ قَالَ لَا
طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ وَلَا عِثْقَ قَبْلَ مِلْكٍ .
حسن عبيد
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٤٠
١٠- كتاب الطلاق
٢٠٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْنَى حَدَّثْنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ عَنْ جُوَيْبرِ عَنْ
الضَّحَّاكِ عَنْ الََّّالِ بْنِ سَيْرَةً عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَِّيِّ صَلَّىُّ
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا طَلَاقُ قَبْلَ النِّكَاحِ .
الشرح : حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رواه الترمذي بسياق
: أتم ، وقال : وفي الباب عن علي ومعاذ بن جبل وجابر وابن عباس وعائشة ، وقال :
حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن صحيح ، وهو أحسن شيء روي في هذا
: الباب، وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﴿ّ وغيرهم روي ذلك عن
علي بن أبي طالب ، وابن عباس وجابر بن عبد الله وسعيد بن المسيب والحسن
وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين وشريح وجابر بن زيد وغير واحد من فقهاء
التابعين ، وبه يقول الشافعي ، وروي عن ابن مسعود أنه قال في المنصوبة أنها
تطلق. اهـ
قال المزني في مختصره : قال الشافعي رحمه الله : ولو قال : كل امرأة أتزوجها
طالق ، أو امرأة بعينها ، لم يلزمه شيء لأن الكلام الذي له الحكم كان وهو غير
مالك فبطل. اهـ
وشرحه الماوردي في الحاوي (٢٨٠/١٢): فقال: اختلف الفقهاء في عقد
الطلاق قبل النكاح ، هل يصح أم لا ؟ على ثلاثة مذاهب :
أحدها: وهو مذهب الشافعي ، أنه لا يصح عقد الطلاق قبل النكاح ، لا في العموم
، ولا في الخصوص ، ولا في الأعيان .
فالعموم أن يقول : كل امرأة أتزوجها فهي طالق .
والخصوص أن يقول : كل امرأة أتزوجها من بني تميم أو من أهل البصرة فهي طلق
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٥
١٠ - كتاب الطلاق
والأعيان أن يقول لامرأة بعينها : إن تزوجتك فأنت طالق فلا يلزمه إذا تزوج في
هذه الأحوال .
والمذهب الثاني: وهو قول أبي حنيفة : إن الطلاق ينعقد قبل النكاح في العموم
والخصوص والأعيان .
والمذهب الثالث : وهو قول مالك : إن الطلاق ينعقد قبل النكاح في الخصوص
والأعيان ولا ينعقد في العموم. اهـ
وقال الخطابي في معالم السنن (٢٤١/٣): وقال أحمد بن حنبل وأبو عبيد :
إن كان نكح لم يؤمر بالفراق ، وإن لم يكن نكح لم يؤمر بالتزويج ، وقد روى نحوا
من هذا عن الأوزاعي .
قال : وأسعد الناس بهذا الحديث من قال بظاهره - يعني الشافعية - وأجراه
على عمومه ، إذ لا حجة مع من فرق بين حال وحال ، والحديث حديث
حسن.اهـ
وقال أبو عيسى الترمذي : سألت محمد بن إسماعيل - أي البخاري - فقلت
: أي شيء أصح في الطلاق قبل النكاح ؟ فقال : حديث عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده ، وسئل ابن عباس عن هذا فقرأ {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات
ثم طلقتموهن} الآية.اهـ
(١٨) باب ما يقع به الطلاق من الكلام
٢٠٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا
الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ سَأَلْتُ الزُّهْرِيْ أَيُّ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ
فَقَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةً أَنَّ ابْنَةَ الْحَوْنِ لَمَّ دَخَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
: إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٠٠ - كتاب الطلاق
٣٦
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَنَا مِنْهَا قَالَتْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ
عُذْتِ بِعَظِيمِ الْحَقِي بِأَهْلِكٍ .
صبيع
الشرح : الألفاظ التي ورد بها الطلاق في كتاب الله تعالى ثلاثة وهي - كما
يقول الإمام الشافعي : الطلاق والفراق ، والسراح .
فلفظ الطلاق ومشتقاته خاص بالمعنى المقصود لا يشاركه فيه غيره فيقع به
الطلاق بلا خلاف ، ولا يفتقر عند القاضي إلى نية لوقوعه .
وأما الفراق والسراح فلفظان يدل كل منهما على معنى الطلاق كما يدل
على معنى آخر فاحتاج إلى نية ليعتبر .
فلو قال رجل لامرأته : أنت طالق ، وقع الطلاق عند القاضي دون الحاجة
إلى الرجوع إلى نيته .
أما لفظي الفراق والسراح فيحتاجان إلى النية لإيقاع الطلاق بأي منهما ؟
وذلك لاشتراك معنى الطلاق وغيره فيه .
واختلف أهل العلم فيما دون ذلك من الألفاظ التي يراد بها الطلاق ، هل
تحتاج إلى نية لإيقاع الطلاق بها أم أن الطلاق لا يقع بها نوى أو لم ينو .
من هذه الألفاظ : اللفظ الذي في حديث الباب وهو " الحقي بأهلك".
وهذا اللفظ من كايات الطلاق وللعلماء في إيقاع الطلاق بالكنايات أقوال
وتفصيل .
الراجح منها - والله أعلم - أن هذه الكنايات لا يقع بها الطلاق فإن لم يكن ينو
الطلاق فلا اعتبار لهذا القول بل يعتبر من العفو .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٧
١٠ - كتاب الطلاق
قال أبو عمر بن عبد البر في الاستذكار (٥١/١٧) أصل هذا الباب في كل
كناية عن الطلاق ما روي عن النبي ◌َّ أنه قال للتيّ تزوجها فقالت أعوذ بالله
منك : قد عذت بمعاذ ، الحقي بأهلك ، فكان ذلك طلاقا.
وقال: وقال كعب بن مالك لامرأته حين أمره رسول الله مث باعتزالها :
الحقي بأهلك ، فلم يكن ذلك طلاقا ، فدل بما وصفناه من هذين الخبرين على أن
هذه اللفظة مفتقرة إلى النية ، وإنما لا يقضى فيها إلا بما ينوي اللافظ بها ، فكذلك
سائر الكنايات المحتملات للفراق وغيره. اهـ
وقال ابن حزم في المحلى (المسألة رقم ١٩٥٢) : لا يقع طلاق إلا بلفظ من
أحد ثلاثة ألفاظ ، إما الطلاق ، وإما السراح وإما الفراق .
وقال : وأما ما عدا هذه الألفاظ فلا يقع بها الطلاق البتة - نوى بها طلاقا أو
لم ينو - لا في فتيا ولا في قضاء. اهـ
ويقول ابن القيم في الزاد (٣٢٠/٥): والله سبحانه ذكر الطلاق ولم يعين له
لفظا فعلم أنه رد الناس إلى ما يتعارفونه طلاقا ، فأي لفظ جرى عرفهم به وقع به
الطلاق مع النية .
والألفاظ لا تراد لعينها بل للدلالة على مقاصد لافظها فإذا تكلم بلفظ دال
على معنى وقصد به ذلك المعنى ترتب عليه حكمه ولهذا يقع الطلاق من العجمي
والتركي والهندي بألسنتهم بل لو طلق أحدهم بصريح الطلاق بالعربية ولم يفهم
معناه لم يقع به شيء قطعا ، فإنه تكلم بما لا يفهم معناه ولا قصده ، وقد دل
حديث كعب بن مالك على أن الطلاق لا يقع بهذا اللفظ وأمثاله إلا بالنية .اهـ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٠٣٨
١٠ - كتاب الطلاق
(١٩) باب طلاق البَّة
٢٠٥١ - حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ خْرِيِرِ بْنٍ
حَازِمٍ عَنْ الزَُّيْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةً عَنْ أَبِيْهِ عَنْ حَدِّهِ
أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَّةَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﴿ فَسَأَلَهُ فَقَالَ مَا أَرَدْتَ بِهَا قَالَ وَاحِدَةً قَالَلَ
اللّهِ مَا أَرَدْتَ بِهَا إِلَّا وَاحِدَةً قَالَ آللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِهَا إِلَّا وَاحِدَةً قَالَ فَرَدْهَا عَلَيْهِ .
قَالَ مُحَمَّد بْن مَاجَةَ سَمِعْتِ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ الطّنَافِسِيَّ يَقُولُ مَا أَشْرَفَ
هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ ابْنِ مَاجَةَ أَبُو عُبَيْدٍ تَرَكَهُ نَاحِيَّةُ وَأَحْمَدُ حُبُنَ عَنْهُ .
ضعيف
الشرح : اختلف أهل العلم في معنى هذا الحديث ، فذهب جماعة منهم إلى
أنه لو قال رجل لامرأته : أنت طالق البتة ، أنها طلقة واحدة ، وأنه يملك الرجعة ،
وقال الشافعي رحمه الله : إن أراد واحدة فواحدة ، وإن أراد ثلاثا فثلاث .
وقالت طائفة : البتة يكون ثلاثا ، وبه يقول مالك .
وذهب أصحاب الرأي إلى أنه واحدة بائنة إن لم یکن له نية ، وإن نوی فهو
ثلاثا ، وإن نوى اثنتين لم يكن إلا واحدة .
وقال أحمد : أخشى أن يكون ثلاثا ، ولا أجتريء أن أفتيّ به .
وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٢٢/١٧) : مالك عن ابن شهاب ، أن
مروان بن الحكم كان يقضي في الذي يطلق امرأته البتة أنه ثلاث تطليقات
قال مالك : وهذا أحب ما سمعت إلي في ذلك .
قال ابن عبد البر: استحباب مالك في هذا الباب هو مذهبه الذي عليه
أصحابه فيمن حلف بطلاق امرأته البتة أنها ثلاث ، لا تحل له إلا بعد زواج. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير (٢١٣/٣): حديث : أن ركانة
بن يزيد .. وذكر حديث الباب : الشافعي وأبو داود والترمذي وابن ماجة واختلفوا
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٩
١٠- كتاب الطلاق
هل هو من مسند ركانة أو مرسل عنه ، وصححه أبو داود وابن حبان والحاكم ،
وأعله البخاري بالاضطراب ، وقال ابن عبد البر في التمهيد ضعفوه وفي الباب عن
ابن عباس رواه أحمد والحاكم وهو معلول. اهـ
وقال ابن القيم في الزاد (٢٥٥/٥): وقد حكى الخطابي أن الإمام أحمد كان
يضعف طرق هذا الحديث كلها .
أحلفه أنه أراد بالبتة واحدة ،
قال : ووجه الاستدلال بالحديث أنه
فدل على أنه لو أراد بها أكثر لوقع ما أراده ولو لم يفترق الحال لم يحلفه . اهـ
وحديث ركانة رواه الشافعي في الأم (١٣٧/٥): وقال ابن عبد البر في
الاستذكار: رواية الشافعي لحديث ركانة عن عمه أتم ، وقد زاد زيادة لا تردها
الأصول ، فوجب قبولها لثقة ناقلها. اهـ
(٢٠) باب الرجل يخيِّر امرأته
٢٠٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْيَةَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ
مَسْرُوقِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ خَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَرْنَاهُ فَلَمْ نَرَهُ
شَيْئًا .
صبيع
٢٠٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْتَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ أَنْبَأَنًا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَّا نَزَّلَتْ {وَإِنْ كُثْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا عَائِشَةُ إِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْحَلِي فِيهِ
حَتّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ قَالَتْ قَدْ عَلِمَ وَاللَّهِ أَنْ أَبَوَيْ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِ بِفِرَاقِهِ قَالَتْ
فَقَرَأْ عَلَيَّ { يَا أَيُّهَا النَِّيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُثُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِيَتَهَا } الْآيَاتِ
فَقُلْتُ فِي هَذَا أَسْتَأُمِرُ أَبَوَيْ ؟! قَدْ اخْتَرْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ .
صحيع
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٠
١٠ - كتاب الطلاق
الشرح : معنى حديث عائشة أن رسول الله ◌ُ ﴿ خير نساءه - لما طلب منه
مزيدا من النفقة مما ليس عنده - خيرهن بين البقاء في عصمته و راضيات بقلة
العيش مؤثرات ما عند الله تعالى من نعيم الآخرة مما أعد الله تعالى لنبيه صل وعباده
الصالحين ، وبين فراقه ليطلبن زينة الحياة الدنيا وملذاتها ، مؤثرات للدنيا الفانية على
الآخرة الباقية ، فوفقهن الله تعالى إلى اختيار الله ورسوله والدار الآخرة .
قال ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى " من سورة الأحزاب" {يا أيها
النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسر حكن
سراحا جميلا}: هذا أمر من الله تبارك وتعالى لرسوله ﴿ بأن يخير نساءه بين أن
يفارقهن فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا وزينتها وبين الصبر على
ما عنده من ضيق الحال ولهن عند الله تعالى في ذلك الثواب الجزيل ، فاخترن رضِيَ
الله عنهن وأرضاهن الله ورسوله والدار الآخرة، فجمع الله تعالى لهن بعد ذلك بين
خير الدنيا وسعادة الآخرة. اهـ.
ومسألة الباب أن من خيّر زوجته فاختارته ، أنه لا يقع عليه بذلك التخيير
طلاق لقول عائشة رضي الله عنها في حديث الباب وهو في الصحيحين وغيرهما "
فلم يعدّ ذلك علينا شيئا ، وفي رواية مسلم " فاخترناه فلم يعده طلاقا " وبه يقول
عامة الصحابة والتابعين ، والأئمة الأربعة وغيرهم . :
قال الإمام النووي في شرح مسلم (٣٣٩/٥): في هذه الأحاديث دلالة
لمذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وجماهير العلماء أن من خير زوجته
فاختارته لم يكن ذلك طلاقا ولا يقع به فرقة .اهـ.
وهو ما قرره من قبله البغوي في شرح السنة (٢١٧/٩).
وقبلهما ابن المنذر في الإشراف (١٥٧/١) .