النص المفهرس
صفحات 1-20
.-
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد
المرسلين، وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.
وبعد :
فإن سنن الإمام أبي عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجه القزويني من أرفع
السنن شأناً، وأعظمها نفعاً، وأحسنها ترتيباً.
وقد استقر العمل عند العلماء بأنها سادس كتب الحديث الأصول الستة،
ومن المعلوم أن أول من أدخلها في عدادها الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن
طاهر المقدسي المتوفى ببغداد سنة (٥٠٧هـ)، فتتابع أكثر العلماء على ذلك في
كتبهم في الرجال والأطراف، وكان ابن طاهر قد عمل مصنفاً في الأطراف
شمل فيه كتاب ابن ماجه، ثم صنف جزءاً آخر في شروط الأئمة الستة فعده
منهم، ثم عمل الحافظ عبد الغني المقدسي المتوفى سنة (٦٠٠هـ) كتاب الكمال
في أسماء الرجال فذكره فيهم، وهذا الكتاب أصل كتب كثيرة في الرجال
جاءت بعده، كتهذيب الكمال للحافظ المزي، وتذهيب تهذيب الكمال للحافظ
الذهبي، وإكمال تهذيب الكمال للإمام مغلطاي بن قليج، وتهذيب التهذيب،
وتقريبه للحافظ ابن حجر العسقلاني، وغيرهم كثير.
وقال ابن حجر: وإنما عدل ابن طاهر ومن تبعه عن عد الموطأ إلى عد
ابن ماجه لكون زيادات الموطأ على الكتب الخمسة من الأحاديث المرفوعة
يسيرة جداً، بخلاف ابن ماجه، فإن زياداته أضعاف زيادات الموطأ، فأرادوا
بضم كتاب ابن ماجه إلى الخمسة تكثيرَ الأحاديث المرفوعة. اهـ.
وقد حظي سنن ابن ماجه بعناية العلماء على مر العصور، فتناوله بعضهم
بالشرح، وخدمه آخرون بجوانب آخرى، ما بين جمع رجاله وترتيبهم، وتمييز
أحاديثه المقبولة عن غيرها، وفصل زوائده عن بقية كتب الأصول، ولا شك أن
هذا يدل على اهتمام العلماء بهذه السنن.
ولكن ما يتعلق بشرحه فإنه لم يطبع منها إلا النزر اليسير مما لا يروي
الغُلّة، ولا يشفي العِلّة، فكان لا بد من سد هذه الثغرة، فقام أخونا الفاضل
أبو صهيب صفاء الضوي العدوي، بتأليف هذا الكتاب.
لقد اجتهد فضيلته في شرح الأحاديث، وبيان غريبها، وفوائدها،
ولطائفها، معتمداً في ذلك على أقوال الشراح القدامى والمحدثين من أئمة
الحديث والفقه، ونسب كل قول إلى قائله.
وإني أرى أن هذا الكتاب من أحسن الكتب التي تناولت شروح الحديث
من حيث جودة السبك، واستيفاء الحجة، ووضوح البيان، مع الذبّ عن دين الله
تعالى وشريعته، ببراهين تجلو الحقيقة، وتقطع دابر المشككين، كافأ الله
المؤلف على حسن صنيعه، وأجزل أجره، وأثابه إثابة المخلصين في الدنيا
والآخرة، ووفقه لتأليف كثير من الكتب النافعة للأمة في خير وعافية.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.
أخوكم
أ.د. عامر حسن صبري
أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الإمارات العربية المتحدة
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣
المقدمة
مقدمة المؤلف
أحمد الله تعالى كثيراً وأشكره ، وأستعين به وأستغفره ، وأصلي وأسلم علي
عبده ورسوله محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ، وقدوة المؤمنين المتقين إلى يوم الدين ؛
القائل : " نضّر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه فرب مبلغ أحفظ من سامع " . رواه
الترمذي وأبو داود وأحمد وابن ماجة واللفظ له .
أما بعد .
فإنه لما كانت علوم الإسلام أشرفَ العلوم ، وعلوم القرآن والسنة أشرفها
جميعاً، وذلك لأنهما أصل الدين وقوامه ، وبالمحافظة عليهما تبقى معالم الهداية ، أماناً
للعالمين ، وحجة على الناس أجمعين . فبهما يعرف المسلم الحلال من الحرام ، ويميز
الحق عن الباطل ، ومنهما يعرف ما يرضي ربه وما يسخطه من الاعتقاد والأقوال
والأعمال .
لما كان ذلك ، فقد أخلصت لربي النية والرغبة ، وسألته سبحانه أن يوفقني
لشرح ديوان من دواوين السنة الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام .
فوفق سبحانه ، وأمدني بعونه ، وصرف عني الشواغل ، وهيأ الأسباب ،
فانقطعت للعمل في الكتاب أربع سنوات ونصف السنة ، أصِلُ الليل بالنهار ، أجتني
من كتب أهل العلم أطيب ما فيها ، وإني لأرجو أن أكون أحسنتُ فهمها ، ووفقت
في التأليف بينها ، وأن أكون وضعت في كتابي من رحيق كتبهم عسلاً صافياً سائغاً
للطالبين .
وقد صدرت الشرح بحديث النبي صلى الله عليه وسلم " إنما الأعمال بالنيات
.. " مشيراً إلى حسن نيتي فيه، إن شاء الله ، مستناً في ذلك بتلك السنة الحسنة التي
سار عليها علماؤنا الصالحون .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤
المقدمة
ولله در الشاعر محمد أفندي المحاسني رحمه الله حين يقول :
لكل بني الدنيا مرادٌ ومقصدُ وإن مرادي صحة وفراغَ
لِأَبْلَغَ في علم الشريعة مبلغاً يكون به لي في الجِنان بلاغ
ففي مثل هذا فلينافس أولو النهى وحسبي من الدنيا الغَرور بلاغَ
فما الفوزُ إلا في نعيمٍ مؤبد به العيشُ رغْدٌ والشرابِ يَساغُ
وقد سميت الکتاب إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
منهجي في الكتاب :
- اعتمدت في شرح الأحاديث أسلوباً سهلاً ، يقرِّب منالها ، وينسِّر فهمها
، والانتفاع بها ، مبيناً ما فيها من أحكام ، واقفاً مع النص دائماً من غير جمود ولا
ظاهرية ، مستنيراً بأقوال أهل العلم من أئمتنا وفقهائهم عليهم رحمة الله تعالى من غير
تقليد ولا مذهبية ، آخذاً من أقوالهم ما أراه أبلغ في الحجة ، وأوفق للنص .
وقد نهجت في شرحي منهجاً ثابتاً واضح المعالم ، ومن أهم هذه المعالم أني
تحريت فيما نقلته من كتب الأئمة ، الدقة في التوثيق، فأنقل القول كاملاً، وأذكر
ما يستدل به وإن خالف ما أراه راجحاً ، جارياً في ذلك على مقتضى الأمانة في
البحث ، والإنصاف في المدارسة.
كما إني عزوت كل قول إلى قائله مشيراً إلى موضع ذلك من كتابه بالجزء
والصفحة ، ورحم الله علماءنا وسلفنا الصالحين حين قالوا : إن من بركة القول أن
يسند إلى قائله .
وقد كانت مصادري في هذا الشرح - بفضل الله تعالى - غزيرة نفيسة،
فمكتبتي عامرة ؛ فيها أغلب ما احتجت إليه من كتب السنة والشروح والفقه
0
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
المقدمة
والتفسير والرجال واللغة والمعاجم وغيرها ، وقد أمدني إخواني من أهل العلم -
جزاهم الله خيراً - بما احتجت إليه مما ليس عندي من الكتب .
وقد احتوى الكتاب - كما نرى _ على مئات من البحوث المتينة في سلئر
أبواب العلم ، نهلت فيها من كتب عشرات من الأئمة الأثبات ، كمالك والشافعي
وأحمد والخطابي والنووي وابن عبد البر والبغوي وابن العربي وابن رجب
والطحاوي والكرماني وابن تيمية وابن القيم وابن حجر والشوكاني والصنعاني
وغيرهم كثير من الشراح ، وابن المنذر والماوردي وابن حزم وابن قدامة الموفق
والكمال بن الهمام وابن عابدين وغيرهم كثير من الفقهاء، وبهذا أكون قد حققت
الأصالة في شرحي ، فلم أجنح إلى رأي لا يسنده الدليل ، ولا إلى زخرف من القول
لا تحمله حجة من كتاب أو سنة .
ومع ذلك فإني حرَصت على ألا أغيب عن واقع أمني ، فلم أبتعد عن أحزانها
وجراحها ، بل لا زلت في شرحي مشيراً إلى أسباب مرضها وضعفها ، مبيناً السبل
للنهوض بها ، ومعالجة مشكلاتها كما لم أتوانى عن الإشارة إلى مبادي الأمل في
صحوتها، وأمارات الخير في أبنائها ، فجمعت بذلك بين الأصالة والمعاصرة . وبين
يديك الكتاب تشهد صفحاته له أو عليه .
- كما اعتمدت في شرح الغريب على النهاية لابن الأثير ، ومشارق
الأنوار للقاضي عياض ، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي ، وغريب
الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي.
- كما استفدت من كتب التفاسير وأحكام القرآن ، فنقلت منها ما يعين
على فهم أحاديث الباب ، وتحقيق المسائل التي تتعلق بالأحكام الفقهية ،
وكان أكثر ما أعتمد عليه تفسير ابن جرير الطبري وتفسير ابن كثير
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٦
المقدمة
وتفسير القرطبي ، في الغالب ، ولم يمنع ذلك من الاستفادة أحياناً من
تفاسير أخری کزاد المسير لابن الجوزي والمنار لرشيد رضا وفي ظلال
القرآن لسيد قطب وغيرها .
- كما أني رجعت في كل فن من فنون العلم إلى مظانه ، ففي أحكام
القرآن رجعت إلى كتبه المعتبرة ككتاب الإمام الشافعي وكتاب ابن
العربي المالكي والجصاص الحنفي ، وفي الناسخ والمنسوخ أنقل من
الاعتبار للحازمي أو من ناسخ الحديث ومنسوخه لابن شاهين ، وكذا
في مختلف الحديث أرجع لكتاب ابن قتيبة وفي المشكل للطحاوي ، وفي
أسباب الترول لكتب التفسير وللسيوطي أو النيسابوري وغيرهما وكذا
في تخريج الأحاديث جعلت عمدتي تلخيص الحبير للحافظ ابن حجر؛
ونصب الراية للزيلعي.
- وأما الحكم على أحاديث ابن ماجة فقد اعتمدت فيها تخريجات المحدِّث
العلامة الشيخ ناصر الدين الألباني - لا زال جهده في خدمة السنة
مشكوراً ، وسعيه في رفع لوائها - إن شاء الله _ مبروراً ..
- ميزت زيادات أبي الحسن القطان بخط مختلف عن خط الكتاب .
- نبذة عن كتاب السنن للإمام ابن ماجة :
رتب الإمام ابن ماجة كتابه السنن أحسن ترتيب ، وجعله على أبواب الفقه
، واعتنى فيه بالتنبيه على الفوائد الفقهية ، وقد وقع ذلك عند أهل العلم موقعاً حسناً
، فأثنوا على هذا الجانب عند ابن ماجة في كتابه ، فقال عنه ابن كثير : (إنه قوي
التبويب في الفقه ).
٧
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
المقدمة
وقال القاسمي : ولعمري إن كتاب ابن ماجة من نظر فيه علم منزلة الرجل
من حسن الترتيب وغزارة الأبواب ، وقلة الأحاديث وترك التكرار ) ، وقال ابن
حجر: ( جامع جيد كثير الأبواب والغرائب ) ، وقال ابن الأثير : (وكتابه كتاب
مفيد ، قوي النفع في الفقه ) .
مكانته بين كتب السنة :
لسنن ابن ماجة مكانة مرموقة بين كتب السنة ، والمشهور أنه سادس الكتب
الستة المعروفة .
على أن هذا ليس موضع إجماع من أهل العلم ، فبينما يعده أهل المشرق
أحد الستة ، يعتبر أهل المغرب موطأ الإمام مالك بن أنس هو الأولى بهذه المرتبة من
سنن ابن ماجة .
كما اعتبر بعضهم سنن الدارمي أولى من سنن ابن ماجة بهذه المرتبة ، وقد
يكون ذلك صحيحاً من وجه كون الموطأ وسنن الدارمي أفضل من حيث صنعة
الإسناد وصحة الأحاديث ومرتبة الرجال في الأسانيد ، لكن سنن ابن ماجة قد
يفوقهما من حيث غزارة الموضوعات وتنوعها ، وحسن التبويب ، وكثرة الزوائد
على الكتب الخمسة .
وكان أول من جعل سنن ابن ماجة سادس الستة هو الحافظ محمد بن طاهر
المقدسي المتوفى (٥٠٧هـ ) .
ولأجل هذه المكانة التي تبوأها كتاب السنن لابن ماجة اعتنى أهل العلم به
بالشرح والدراسة.
- فشرح الحافظ علاء الدين مغلطاي بن قِلج قطعة منه في خمسة مجلدات ،
وسماه الإعلام بسنته عليه السلام .
: إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٨
المقدمة
: - وشرح زوائده على الخمسة ابن الملقن الشافعي (ت ٨٠٤) في ثمانية
مجلدات ، وسماه ما تمس إليه الحاجة على سنن ابن ماجة ، ضبط فيه المشكل من
الأسماء والكنى .
- وشرحه الدميري (ت ٨٠٨) في خمسة مجلدات . .
- وشرحه الشيخ أبو الحسن السندي نزيل المدينة النبوية (ت ١١٣٨) في
حاشية مختصرة ، وهي مطبوعة .
- وممن اعتنى به في هذا العصر الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله ، فقد
رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه ، وفهرس له فهرسة متقنة مفيدة ، وحقق نصوصه ،
وبذل في ضبطه وإتقانه جهداً مشكوراً ، ثم أضاف في حواشي الكتاب فوائد نافعة ؟
كتفسير لفظ في الحديث ، أو توجيه إعراب لكلمة أو تعليق مفيد على متن حديث
أو سنده .
- وممن قدم للكتاب خدمات علمية نافعة في هذا العصر الشيخ ناصر الدين
الألباني ، فقد قام بتخريج أحاديث الكتاب وجعلها في كتابين الأول صحيح ابن
ماجة ، في مجلدين ، والثاني ضعيف ابن ماجة في مجلد واحد .
وعلى ضوء تخريج الشيخ الألباني لأحاديث السنن وجدنا أن عدة الأحاديث
الصحيحة فيه ٣٥٠٣ حديثاً .
أما الأحاديث الضعيفة والمنكرة فعددها ٩٠٩ حديثاً .
وأما الموضوعة منها فبلغت ٣٩ .
وجدير بالذكر أن ابن ماجة رحمه الله لم يشترط في كتابه الصحة ولا الحسن.
، إذ يبدو أنه كان يهدف إلى جمع الأحاديث التي تنهض للاحتجاج في مسائل
·الأحكام ، فغلب ذلك عليه في تصنيفه للسنن ، فلم يعط كتابه العناية الكافية فيما
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٩
المقدمة
يتعلق بصحة الأسانيد ، ولذا انتقد العلماء كتابه في هذا الجانب ، بينما أثنوا عليه في
الجانب الآخر وهو حسن التبويب الفقهي كما بينا آنفا .
ترتيب السنن ، وعدد كتبه وأبوابه وأحاديثه :
رتب ابن ماجة كتابه على أبواب الفقه ، وصدره بمقدمة واسعة جمع فيها
جملة من الأحاديث في الحث على الاعتصام بالسنة وتعظيمها ، والتغليظ على أهل
البدع ، كما جمع فيها طائفة من الأحاديث في فضائل الصحابة رضي الله عنهم ، ثم
ذكر طرفاً من عقائد أهل البدع كالجهمية والخوارج ، ثم عقد أبواباً في فضل العلم
والعلماء ..
وعدد كتب السنن ٣٧ كتاباً ، أولها كتاب الطهارة وسننها ، وآخرها
كتاب الزهد، وعدد أبوابها (١٥١٥) باباً، وأما الأحاديث فعددها (٤٣٤١)،
أربعة آلاف وثلاثمائة وواحد وأربعون حديثاً .
منهجه في ترتيب الأحاديث :
باستقراء صنيع ابن ماجة في ترتيبه للأحاديث نجد أنه رتبها في الأبواب
حسب صحتها ، فإن كان في الباب حديث صحيح صدر به الباب ثم يتبعه بما هو
دونه في الصحة ، فإن لم يكن في الباب حديث صحيح ، بدأ بالحسن ، وإلا بدأ
بالضعيف ، إذا لم يجد غيره
ومما لوحظ من منهجه في الكتاب تعليقه على بعض الأحاديث تعليقات ذات
فوائد علمية له أو لغيره من أهل العلم ، كنقد لحديث ، أو تفسير غريب ، أو بيان
لرتبة أحد الرواة أو نحو ذلك .
ومن ذلك ما ذكره عقب روايته حديث في كتاب اللباس قال : حدثنا أبو
بكر بن أبي شيبة حدثنا الحسين بن علي عن ابن أبي رواد عن سالم عن أبيه عن النبي
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٠
المقدمة
والر "قال الإسبال في الإزار والقميص والعمامة من جر شيئا خيلاء لم ينظر الله إليه
يوم القيامة"
قال أبو بكر : ما أغربه ..
ومثال آخر قال : حدثنا محمد بن يحيى حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن
الزهري عن علي بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد قال قلت يا
رسول الله أين تنزل غدا وذلك في حجته ، قال : وهل ترك لنا عقيل مترلا ، ثم قلل
: نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة يعني المحصب حيث قاسمت قريش على الكفر
وذلك أن بني كنانة حالفت قریشا علی بني هاشم أن لا ینا کحوهم ولا یبایعوهم"
قال معمر : قال الزهري : والخيف الوادي .
:
ومثال ثالث ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا حدثنا
وكيع عن جرير بن حازم عن الزبير بن سعيد عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة
عن أبيه عن جده أنه طلق امرأته البتة فأتى رسول الله وَ﴿ فسأله فقال ما أردت بها
قال واحدة قال الله ما أردت بها إلا واحدة قال الله ما أردت بها إلا واحدة قال
فردها عليه .
قال محمد بن ماجة : سمعت أبا الحسن علي بن محمد الطنافسي يقول : ما
أشرف هذا الحديث . قال ابن ماجة : أبو عبيد تركه ناجية ، وأحمد جبن عنه .
. أما ما رواه ابن ماجة رحمه الله من أحاديث غير متصلة ، كأن تكون مرسلة
أو معلقة ، أو منقطعة ، أو كان في رواتها بعض المدلسين ، فقد كانت سبباً في نزول
مكانة الكتاب عند النقاد كما أشرنا سابقاً .
على أن بعض أهل العلم يرى أن هذا النوع من الأحاديث إنما ساقه الإِمام
ابن ماجة في معرض المتابعات والشواهد ، وذلك لما فيها من الفوائد الإسنادية أو
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١١
المقدمة
الفقهية الزائدة على ما في المتصل من الأحاديث ، فكان يرويها تتميماً للفائدة ، لا
أنها هي الأحاديث المعتمدة في الكتاب .
ومما يلاحظ أيضاً على منهجه رحمه الله أن تراجمه في الكتاب جاءت دقيقة
واضحة موجزة ، غزيرة الفوائد ، كثيرة النفع ، فنراه يكثر من قوله : باب النهي عن
كذا ، أو باب ما جاء في كذا .
هذا ما وقفت عليه من منهج الإمام ابن ماجة رحمه الله في كتابه السنن .
- وفي النهاية لا يفوتني أن أشكر العلماء الأفاضل الذين اطلعوا على نماذج
من هذا الشرح ، وتفضلوا بتقديم ملاحظاتهم ونصائحهم العلمية القيمة
، هذا مع ما أكرمونا به من تعزيز وتشجيع وثناء ، فأسال الله العلي
القدير أن يحسن مثوبتهم .
- كما لا يفوتني أن أشكر نجلي صهيباً ( خمسة عشر عاماً) ، على
جهده الكبير في مساعدتي في صف الكتاب على الحاسوب .
"والله المسئول وهو خير مأمول أن يلهمنا محاسن ما تنطق به الألسنة
، ويجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه" ١.
هذا وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه ، وأن يتقبله منّه
وفضله ، وأن ينفع به ، كما أسأله سبحانه أن يغفر لي ولوالدي .. آمين
وصل اللهم على عبدك ورسولك محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
وكتبه
صفاء الضوي أحمد العدوي
في يوم الاثنين
١٧ من جمادى الثانية ١٤٢٠ هـ الموافق ٢٧ سبتمبر ١٩٩٩ م
١ - من مقدمة للزركشي في كتابه "المنثور في القواعد"
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٢
المقدمة
ترجمة الإمام ابن ماجة صاحب السنن
اسمه ونسبه : هو محمد بن يزيد بن ماجة القزويني . وقزوين بلده ، نسب إليها ، وهي
من بلاد خراسان ، على مقربة من الرِّيّ ( طهران ) .
مولده ونشأته : ولد ابن ماجة سنة تسع ومائتين للهجرة ، ببلدة قزوين التي ينسب إليها
، وقد خرج منها جماعة من العلماء ، إذ كانت مشتهرة بالعلم ، زاخرة بالعلماء ، فنشأ
ابن ماجة في هذا الجو العلمي الطيب ، فأخذ عن علمائها ، وروى عنهم ، ثم رحل بعد
ذلك إليه العلماء ورووا عنه .
مكانته العلمية وثناء العلماء عليه : تبوأ رحمه الله مكانة عالية عند العلماء ، فجاء
ثناؤهم عليه دالاً على رفيع منزلته عندهم ، فيقول عنه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء
(٢٧٨/١٣): قد كان ابن ماجة حافظاً ناقداً صادقاً، واسع العلم. اهـ
وقال عنه أبو يعلى الخليلي: هو ثقة كبير، متفق عليه ، محتج به ، له معرفة
بالحديث وحفظ.
وقال ابن كثير في البداية والنهاية ( ٥٦/١١ ): أبو عبد الله محمد بن يزيد بن
ماجة صاحب كتاب السنن المشهورة ، وهي دالة على عمله وعلمه ، وتبحره واطلاعه
واتباعه للسنة في الأصول والفروع .
إلى أن قال : كان عالماً بهذا الشأن ، صاحب تصانيف . أهـ
وقال ابن خلكان في وفيات الأعيان : الحافظ المشهور ، مصنف كتاب السنن في الحديث
، كان إماماً في الحديث ، عارفاً بعلومه، وجميع ما يتعلق به.اهـ رحلاته في طلب
العلم : كان ابن ماجة رحمه الله من أصحاب الهمم العالية في الطلب ، والرغبة الكبيرة في
تحصيل علو الإسناد ، فرحل إلى الأمصار المشهورة بالعلم آنذاك بعد أن فرغ مما لدى
علماء بلده قزوين من العلم ، ومن الأمصار التي طوّف بينها للطلب العراق والحجاز
ومصر والشام .
٦
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٣
المقدمة
مصنفاته : للحافظ ابن ماجة من المصنفات _ غير كتابه المشهور "السنن" -
كتاب تفسير القرآن ، ، وهو تفسير حافل كما يصفه ابن كثير في البداية والنهاية ،
وقد جمع فيه أقوال الصحابة والتابعين مسندة إليهم ، وهو ما يزال مخطوطاً .
وله أيضاً كتاب في التاريخ يقول عنه ابن كثير في البداية والنهاية (٥٦/١١)
: ولابن ماجة تفسير حافل ، وتاريخ كامل من لدن الصحابة إلى عصره . اهـ
شيوخه وتلاميذه : سمع ابن ماجة من عدد من أئمة الحديث في مختلف الأمصار ،
كان من أشهرهم : أبو بكر بن أبي شيبة ، ومحمد بن عبد الله بن نمير ، ومحمد بن
بشار بندار ، وعبد الله بن ذكوان المقرىء ، وأبو سعيد الأشج ، ومحمد بن يحيى ،
وسويد بن سعيد ، وهشام بن عمار ، وغيرهم .
وقد روى عنه عدد كبير من رواة الحديث ، منهم : سليمان بن یزید ، وابن
سيبويه ، ومحمد بن عيسى الصفار ، وإسحاق بن محمد ، وعلي بن إبراهيم بن سلمة
القطان ، وهو المشهور بأبي الحسن القطان ؛ راوي السنن ، وصاحب الزيادات
علیھا.
يقول الدكتور مسفر بن غرم الله الدميني في رسالته عن زيادات القطان
ويبدو أن الروايات غير رواية أبي الحسن قد انقطعت ، فلم يبق منها سوى رواية أبي
الحسن القطان هذه ، وهي التي اعتمدها الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي عند طبعه
وترقيمه للكتاب ، واعتمدها الدكتور محمد مصطفى الأعظمي عند طبعه وفهرسته
أيضاً للسنن .
وفاته : توفي الإمام ابن ماجه رحمه الله في رمضان سنة ثلاث وسبعين
ومائتين عن أربع وستين سنة على ما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٥٦/١١).
و كانت وفاته بقزوین ودفن بها .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٤
. المقدمة
المقدمة.
(١) باب اتباع سنة رسول الله وكا
: ١ - حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ مَا أَمَرَّتُكُمْ بِهِ فَخُذُوهُ وَمَا
نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا .
صبيع
٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ أَثْبَأَنَا جَرِيرٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي.
هُرَيْرَةً قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ
كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرَّتُكُمْ بِشَيْءٍ فَخُذُوا مِنْهُ مَا
اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا .
٣ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهِ
وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهُ .
صبيع
٤ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيْرِ حدثنا زَكَرِيًّا بْنُ عَدِي عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلْمَ حَدِيثًا لَمْ يَعْدُهُ وَلَمْ يُقَصِّرْ دُونَهُ .
صبيع
:٥ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّرِ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثَنَا مُحُمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سُمَيْعٍ حَدَّثْنَا إِبْرَاهِيمُ
بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَفْطَسُ عَنْ الْوَلِيِّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُرَشِيِّ عَنْ حُبْرِ بْنٍ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيّ
الدَّرْدَاءِ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْفَقْزَ وَنَتَخَوَّقُهُ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٥
المقدمة
فَقَالَ أَلْفَقْرَ تَخَافُونَ وَالْذِي نَفْسِي بَيَدِه لَتُصَبَّنَّ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا صِبّ حَتَّى لَا يُزِيغَ قَلْبَ
أَحَدِكُمْ إِزَاغَةٌ إِلَّا هِيَهْ وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى مِثْلِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ صَدَقَ وَاللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَنَا وَاللَّهِ عَلَى مِثْلِ
الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا وَنَّهَارُهَا سَوَاءٌ .
حسن
٦- حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَعْفَرِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ
عَنْ أَبِهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَرَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ لَا
يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ .
صبيع
٧ - حَدَّثْنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثْنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارِ قَالَ حَدَّتَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةً قَالَ
حَدَّثَنَا أَبُو عَلْقَمَةَ نَصْرُ بْنُ عَلْقَمَةَ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ الْأَسْوَدِ وَكَثِرِ بْنِ مُرَّةَ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةً أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ قَالَ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى قَوَّامَةً عَلَى
أَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهَا مَنْ خَالَفَهَا .
حسن صحيح
٨ - حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارِ حَدَّثْنَا الْجَرَّاحُ بْنُ مَلِيحٍ حَدَّثَنَا بَكْرُ
بْنُ زُرْعَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عِنَبَةَ الْخَوْلَانِيَّ وَكَانَ قَدْ صَلَّى الْقِبْلَتَيْنِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَى
اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا يَزَالُ اللَّهُ يَغْرِسُ
فِي هَذَا الدِّينِ غَرْسًا يَسْتَعْمِلُهُمْ فِى طَاعَتِهِ . حسـ
٩- حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ حَدَّثْنَا الْقَاسِمُ بْنُ نَافِعِ حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ
أَرْطَاةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهِ قَالَ قَامَ مُعَاوِيَّهُ خَطِبًا فَقَالَ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ أَيْنَ
عُلَمَاؤُ كُمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ مَّ يَقُولُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إلَّا وَطَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي
ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ لَا يُبَلُونَ مَنْ حَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ نَصَرَهُمْ .
صحيع
١٠ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارِ حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِير عَنْ قَلِدَةَ
عَنْ أَبِي فِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ رَّسُولَ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٦
المقدمة
قَالَ لا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ مَنْصُورِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ
أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلٌّ .
صحيح
١١ - حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثْنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ قَالَ سَمِعْتُ مُحَالِدًا
يَذْكُرُ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كُنَّا عِنْدَ النَِّيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ
فَخَطْ خَطْا وَخَطْ خَطَّيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَخَطْ خَطّيْنِ عَنْ يَسَارِهِ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ فِي الْخَطّ
الْأَوْسَطِ فَقَالَ هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ وَأَنْ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا
تَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ . صحيـ
الشرح : دلت الأحاديث في الباب على وجوب اتباع سنة النبي
والعمل بما دلت عليه، فإذا أمر رسول الله ﴿ بأمر، أو نهى عن شيء وجب على
كل مسلم امتثال أمره ﴿، واجتناب ما نهى عنه.
كما دلت على أن طاعة الرسول 23 من طاعة الله، وعصيان الرسول *
ومخالفة أمره عصيان الله تعالى. وكان أصحاب رسول الله ﴿، أشد الناس اتباعاً
لسنة سيد المرسلين ، ولهذا كانوا أفضلَ المسلمين ، وأبرَّهم قلوباً، وأحرصهم على
الخير، وقد أورد المصنف رحمه الله حديث ابن عمر له أنه كان إذا سمع حديثاً !
يعْده ولم يُقصِّر دونه ، أي أنه كان يعمل به عملاً قصداً؛ لا يغلو ولا يحفو .
وهكذا ينبغي أن يكون المسلم ، محباً للسنة ، معظماً لها ، عاملاً بها ، من غير إفراط
ولا تفريط ، فالسنة واضحة كالشمس في رابعة النهار ، لا عذر لأحد في الزيغ
عنها.
ورغم وضوح السنة ، نجد كثيراً من الناس ، تنكبوا طريقها ، وحادوا عن
سبيلها، متبعين الأهواء والبدع، على أن طائفة من أمة محمد عليه لا تزال قوّامة
١٧
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
المقدمة
على أمر الله ، متمسكة بالسنة ، ناصرة لها ، ماضية برايتها ، منصورة بنصر الله لها ،
لا يضرها في دينها معانّدة أعداء السنة ، وأهل الأهواء والمبتدعة ، وذلك حتى تقوم
الساعة .
وقوله ﴿ في حديث أبي عنبة الخولاني " لا يزال الله يغرس في هذا الدين
غرساً يستعملهم في طاعته " معناه أن قدر الله ماض في إبقاء عصابة مؤمنة مهتدية
تنافح عن الدين وتظهر أحكامه ، وتشيع هديه ، وتصبر على ما يصيبها بسبب
تمسكها بالحق ، ودعوتها إلى الخير . وما الصحوة الإسلامية الممتدة في أرجاء العالم
اليوم إلا صورة واضحة لهذا الغرس الرباني الطيب ، وما منافحتهم عن الدين ،
وثباتهم على الحق رغم ما يتعرضون له من ظلم واضطهاد على أيدي الطغاة إلا نفاذاً
لقدر الله تعالى وإرادته في أن يهدي بعض عباده ويوفقهم للخير ويستعملهم في طاعته
، نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم .
قال النووي في شرح مسلم (١١٢/٥) قوله ﴿: (ذروني ما تركتكم)
دليل على أن الأصل عدم الوجوب , وأنه لا حكم قبل ورود الشرع، وهذا هو
الصحيح عند محققي الأصوليين لقوله تعالى: { وما كنا معذبين حتى نبعث
رسولا}.
قوله محلّ : (فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ) هذا من قواعد
الإسلام المهمة , ومن جوامع الكلم التي أعطيها ◌َللّه, ويدخل فيه ما لا يحصى من
الأحكام كالصلاة بأنواعها , فإذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى
بالباقي .
إلى أن قال : وأشباه هذا غير منحصرة , وهي مشهورة في كتب الفقه,
والمقصود التنبيه على أصل ذلك , وهذا الحديث موافق لقول الله تعالى: { فاتقوا الله
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٨
...
المقدمة
ما استطعتم) وأما قوله تعالى: { اتقوا الله حق تقاته} ففيها مذهبان أحدهما: أنهد
منسوخة بقوله تعالى : { فاتقوا الله ما استطعتم } والثاني وهو الصحيح أو الصواب
وبه جزم المحققون أنها ليست منسوخة , بل قوله تعالى: { فاتقوا الله ما استطعتم }
مفسرة لها ومبينة للمراد بها, قالوا: {وحق تقاته } هو امتثال أمره واجتناب نهيه
ولم يأمر سبحانه وتعالى إلا بالمستطاع , قال الله تعالى: { لا يكلف الله نفسا إلا
وسعها}. وقال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج } والله أعلم. وأما
قوله : (وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) فهو على إطلاقه, فإن وجد عذر
يبيحه كأكل الميتة عند الضرورة , أو شرب الخمر عند الإكراه , أو التلفظ بكلمة
الكفر إذا أكره , ونحو ذلك , فهذا ليس منهيا عنه في هذا الحال. والله أعلم. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١١٢/١٣): قوله " من أطاعني فقد أطاع
الله " هذه الجملة منتزعة من قوله تعالى { من يطع الرسول فقد أطاع الله } أي لأبي
لا آمر إلا بما أمر الله به , فمن فعل ما آمره به فإنما أطاع من أمرني أن آمره ,
ويحتمل أن يكون المعنى لأن الله أمر بطاعتي فمن أطاعني فقد أطاع أمر الله له يطاعتي
, وفي المعصية كذلك. والطاعة هي الإتيان بالمأمور به والانتهاء عن المنهي عنه ,
والعصيان بخلافه . اهـ
وقال النووي في شرح مسلم (٧٧/٧): المراد بقوله ◌ُّ: (حتى يأتي أمر
الله ) من الريح التي تأتي فتأخذ روح كل مؤمن ومؤمنة . وأن المراد برواية من روى:
"حتى تقوم الساعة" أي: تقرب الساعة , وهو خروج الريح. وأما هذه الطائفة
فقال البخاري : هم أهل العلم , وقال أحمد بن حنبل : إن لم يكونوا أهل الحديث
فلا أدري من هم ؟ قال القاضي عياض : إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة , ومن
يعتقد مذهب أهل الحديث , قلت : ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
١٩
المقدمة
المؤمنين ؛ منهم شجعان مقاتلون ، ومنهم فقهاء ، ومنهم محدثون ، ومنهم زهاد
وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر ، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير , ولا يلزم
أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض .
وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة ; فإن هذا الوصف ما زال بحمد الله تعالى
من زمن النبي﴾﴿ٌ إلى الآن , ولا يزال حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث. وفيه
دليل لكون الإجماع حجة , وهو اصح ما استدل به له من الحدیث , وأما حديث "
لا تجتمع أمتي على ضلالة " فضعيف. والله أعلم. اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الأصفهانية (١٦٦/٢): ومعلوم أن
كل من سلك إلى الله جل وعز علماً وعملاً بطريق ليست مشروعة موافقة للكتاب
والسنة وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها ، فلابد أن يقع في بدعة قولية أو عملية
فإن السائر إذا سار على غير الطريق المهيع فلابد أن يسلك بيئات الطريق وإن كان
ما يفعله الرجل من ذلك قد یکون مجتهدا فيه مخطئا مغفورا له خطؤه وقد یکون ذنبا
وقد يكون فسقا وقد يكون كفرا بخلاف الطريقة المشروعة في العلم والعمل فإنها
أقوم الطرق ليس فيها وج كما قال تعالى {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}
وقال عبد الله بن مسعود: خط رسول الله ﴿ ﴿ خطا وخط خطوطا عن يمينه
وشماله ثم قال هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ
{وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} وقال
الزهري كان من مضى من علمائنا يقولون : الاعتصام بالسنة نجاة ولهذا قيل مثل
السنة مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق. اهـ
وقال ابن أبي العز رحمه الله في شرح الطحاوية (ص٥٩٤) وهو يتكلم عن
الفرق الضالة : وسبب ضلال هذه الفرق وأمثالهم عدولهم عن الصراط المستقيم
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٠
المقدمة
الذي أمرنا الله باتباعه فقال تعالى {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا
السبل فتفرق بكم عن سبيله} وقال تعالى {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة
أنا ومن اتبعني} فوحَّد لفظ صراطه وسبيله وجمع السبل المخالفة له ، وقال ابن
مسعود نظافته خط لنا رسول الله : * خطاً وقال هذا سبيل الله ثم خط خطوطاً عن
يمينه وعن يساره وقال هذه سبل على كل سبيل شيطان يدعو إليه ثم قرأ {وأن هذا
صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به
لعلكم تتقون} ومن هنا يعلم أن اضطرار العبد إلى سؤال هداية الصراط المستقيم
فوق كل ضرورة وهذا شرع الله تعالى في الصلاة قراءة أم القرآن في كل ركعة إما
فرضا أو إيجابا على حسب اختلاف العلماء في ذلك لاحتياج العبد إلى هذا الدعاء
العظيم القدر المشتمل على أشرف المطالب وأجلُها. اهـ
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في بدائع الفوائد (٢٧٦/٢): وأما المسألة
العشرون وهي ما هو الصراط المستقيم فنذكر فيه قولاً وجيزاً ، فإن الناس قد تنوعت
عباراتهم فيه ، وترجمتهم عنه بحسب صفاته ومتعلقاته ، وحقيقته شيء واحد وهو
طريق الله الذي نصه لعباده على ألسن رسله وجعله موصلا لعباده إليه ولا طريق لهمٍ
إليه سواه بل الطرق كلها مسدودة إلا هذا وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسوله
بالطاعة فلا يشرك به أحدا في عبوديته ولا يشرك برسوله أحدا في طاعته فيجرد
التوحيد ويجرد متابعة الرسول .
وهذا معنى قول بعض العارفين إن السعادة والفلاح كله مجموع في شيئين
صدق محبته وحسن معاملته وهذا كله مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا
رسول الله فأي شيء فسر به الصراط فهو داخل في هذين الأصلين ونكتة ذلك