النص المفهرس

صفحات 361-380

- الشيخ الكبير ، العلامة الشهير ، بدر الدين ، حسن بن داوود الكوكني
الهندي .
- الشيخ الصالح ، العلامة الفقيه ، أحمد بن محمد بن عبد الرحيم
باجابر الحضرمي .
- الشيخ الفاضل ، شهاب الدين ، أحمد بن ربيع .
- العلامة الشهير ، أحمد بن عبد الحق السنباطي المكي المصري .
وأضاف الإمام رحمه الله قائلاً : ( وأما الذي لبسها من الملوك
والتجار ، وطوائف الناس .. فجماعة كثيرون ، وخلائق لا يحصون ) .
مؤلفاته
لقد برع الإمام عبد القادر العيدروس رحمه الله تعالى في علوم عدة ،
وفنون شتَّى ، مما دفعه للتأليف والتصنيف ، فأبرز لنا كتباً عديدة ،
ومصنفات مفيدة، وقد قال في (( النور السافر)) ( ص ٤٤٧): (وألفتُ
جملة من الكتب المقبولة التي لم أُسبق إلى مثلها ، ووقع الإجماع على
فضلها ، فلا يكاد يمتري في ذلك إلا عدوٌّ أو حاسد ) ، ثم عدّد منها جملة
نذكر منها :
- الفتوحات القدوسية في الخرقة العيدروسية .
- الحدائق الخضرة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
٣٦١
١

العشرة ، وهو أول مؤلفاته ، ألّفه وهو دون العشرين من عمره المبارك .
- إتحاف الحضرة العزيزة بعيون السير الوجيزة .
- المنتخب المصطفى من أخبار مولد المصطفى .
- المنهاج إلى معرفة المعراج .
- الأنموذج اللطيف في أهل بدر الشريف .
- أسباب النجاة والنجاح في أذكار المساء والصباح .
- الدر الثمين في بيان المهم من علم الدين .
- الحواشي الرشيقة على العروة الوثيقة .
- منح الباري بختم صحيح البخاري .
- تعريف الأحياء بفضائل الإحياء ، وهو كتابنا هذا .
- عقد اللآل بفضائل الآل .
- خدمة السادة آل باعلوي باختصار العقد النبوي .
- بغية المستفيد في شرح تحفة المريد .
- النفحة العنبرية في شرح البيتين العدنية .
- غاية القُرَب في شرح نهاية الطلب .
- صدق الوفاء بحق الإخاء .
- النور السافر عن أخبار القرن العاشر .
٣٦٢

- الروض الأريض والفيض المستفيض ، وهو ديوان شعر جمعه بعض
أصحابه .
وغيرها من الكتب المفيدة ، والتصانيف النافعة بإذن الله تعالى .
ثناء العلماء عليه
ذكر الإمام عبد القادر العيدروس رحمه الله تعالى في أثناء ترجمته نفسَه
في (( النور السافر)» ( ص ٤٥١): أن الفقيه المحقق العلامة ، جمال
الدين ، محمد بن عبد المولى القرطبي المغربي قدم اليمن ، واجتمع بالفقيه
عبد الملك بن عبد السلام دعسين ، واطلع عنده على جملة من مؤلفات
الإمام عبد القادر ، فأعجب بها جداً وقال : ( إنه ما بقي لمؤلفها في هذا
الزمان نظير ، وإني لأدعو له بطول العمر ، حتى يبدوَ منه مثل هذه الفوائد
المستجادة ؛ لينتفع بها من أراد الله هدايته من أهل السعادة ) .
وأضاف الإمام رحمه الله أن الفقيه عبد الملك بن عبد السلام دعسين
مدحه بقصيدة منها قوله :
( من الوافر )
أُوَالِي زَعْقَةً في إِثْرِ زَعْقَةٌ
إذا مثَّلْتُ شَخْصَكُمُ بِفِكْرِي
بخدِّي دَفْقَةً مِنْ بَعْدٍ دَفْقَةٌ
ويَجْرِي دمعُ مُقْلَتِيَ استباقاً
وَفِي سِنِّ الْكُهُولَةِ مَا أَحَقَّهْ
تَغَذَّى بِالمَعَارِفِ وَهْوَ طِفْلٌ
وَأَحْظَاهُمْ بِفَخْرٍ حَازَ سَبْقَهْ
سَلِيلُ الأَكْرَمِينَ وَمُنْتَقَاهُمْ
٣٦٣

لَقَدْ وَرِثَ الْوِلاَيَةَ عَنْ أَبِيهِ بِتَعْصِيبٍ وَفَرْضٍ إِسْتَحَقَّهْ
وقال عنه الحبيب محمد بن أبي بكر الشلي باعلوي في ترجمته في
((المشرع الروي)) (١٤٧/٢): ( عبد القادر بن شيخ بن عبد الله بن
شيخ بن عبد الله العيدروس رضي الله عنهم ، أحد العلماء الأكابر ،
والأعيان أولي البصائر ، الذين أخذوا المجد كابراً عن كابر ، حامل راية
المفاخر ، البحر الذي ليس للبحر ما عنده من الجواهر ، والروض الذي
تعجز الرياض أن تحاكي ما لديه من الأزاهر ، المرتقي من منازل المجد
ذروتها وأعلاها ، والمستقي من بحار الولاية أمرأها وأهنأها وأغلاها ) .
ولا يفوتنا أن نذكر مدح الإمام القطب عبد الله الحداد رحمه الله تعالى له
في قصيدته العينية المشهورة :
وَتَهُدٍ تَرْتَجُ مِنْهُ أَضالِعِي
يا سائِلِي عَنْ عَبْرَتِي وَمَدامِعِي
فقد جاء في (( ديوانه)) (ص ١٨٦) في معرض مدحه للأئمة الكبار وأهل
العلم الأخيار قوله مادحاً للحبيب عبد القادر وأبيه رحمهما الله تعالى :
وَالشَّيْخِ شَيْخِ ذِي أَلْمَحَلِّ الأَرْفَعِ
اُلْحَبْرِ عَبْدِ الْقَادِرِ الْمُتَضَلِّعِ
وَسَلِيلِهِ ذَاكَ العَفِيفِ وَصِنْوِهِ
وفاته
بعد حياة حافلة بالعلم والعمل ، والنفع لخلق الله جل في علاه ، لبَّى
٣٦٤

الإمام رحمه الله نداء خالقه ومولاه ، وانتقل إلى جواره الكريم في مسقط
رأسه ( أحمد أباد ) .
وقد اختلف المترجمون له في سنة وفاته ، وقد ذكر أكثرهم أنه توفي في
(١٠٣٨ هـ)، في حين ذهب بعضهم إلى أنه توفي سنة ( ١٠٤٨هـ)،
وهذا قول الشلي في ((المشرع الروي)) (٢/ ١٥٢).
وجاء في (( النور السافر)) ( ص ٤٤٤) حاشية تقول : ( في حاشية
( ط)) : (( وقد وُجد بهامش الأصل ما نصه : توفي سيدنا وشيخنا القطب
محيي الدين ، عبد القادر العيدروس ، مصنف هذا الكتاب عاشر محرم سنة
سبع وثلاثين بعد الألف بأحمد أباد من أرض الهند ، ودفن بجنب والده في
القبة المنورة ، نفع الله بهما )) ) .
رحم الله الإمام العلامة عبد القادر رحمةٌ واسعة ، وأسكنه فسيح جناته
وجمعنا وإياه في مستقر رحمته ؛ إنه خالقنا ومولانا ، وهو على كل شيء
قدير .
والحمد شدرب العالمين
٣٦٥

تعريف الأحياء بفضائل الإحياء
٣٦٧

بِسِْاللهِ الرَّمِ الرَّحَيَّةِ
[خُطْبَةُ المؤَلَّف]
الحمد لله الذي وفق لنشر المحاسن وطيها في كتاب ، وجعل ذلك قرة
لأعين الأحباب ، وذخيرة ليوم المآب .
والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أحيا بإحياء شريعته وطريقته
قلوب ذوي الألباب ، وعلى آله الطيبين الطاهرين وجميع الأصحاب ،
ما أشرقت شمس (( الإِحياء)) للقلوب ، وتوجهت همة روحانية مصنفه الولي
الموهوب ، إلى إسعاف ملازمي مطالعته ومحبيه بالمطلوب .
وبعد:
فإِن الكتاب العظيم الشأن، المسمى بـ((إِحياء علوم الدين))، المشهور
بالجمع والبركة والتفع بين العلماء العاملين ، وأهل طريق الله السالكين ،
والمشايخ العارفين ، المنسوب إلى الإِمام أبي حامد محمد الغزالي رضي الله
عنه ، عالم العلماء ، وارث الأنبياء ، حجة الإسلام ، حسنة الدهور
والأعوام ، تاج المجتهدين ، سراج المتهجدين ، مقتدى الأئمة ، مبيِّن
الحل والحرمة ، زين الملة والدين ، الذي باهى به سيد المرسلين صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ وعلى جميع الأنبياء(١) ، ورضي الله عن الغزالي وعن سائر
تفاقية
(١) مرآة الجنان ( ٣٢٩/٣)، وطبقات الشافعية الكبرى (٢٥٧/٦).
٣٦٩

العلماء المجتهدين .. لما كان عظيم الوقع ، كثير النفع ، جليل المقدار ،
ليس له نظير في بابه ، ولم ينسج على منواله ، ولا سمحت قريحة بمثاله ،
مشتملاً على الشريعة والطريقة والحقيقة ، كاشفاً عن الغوامض الخفية ،
مبيناً للأسرار الدقيقة .. رأيت أن أضع رسالة تكون کالعنوان والدلالة على
صُبابةِ صبابةٍ من فضله وشرفه ، ورشحة من فضل جامعه ومصنفه ، ورَّبتها
على مقدمة ، ومقصد ، وخاتمة .
فالمقدمة : في عنوان الكتاب .
والمقصد : في فضائله ، وبعض المدائح والثناء من الأكابر عليه ،
والجواب عما استشكل منه وطعن بسببه فيه .
والخاتمة : في ترجمة المصنف رضي الله عنه ، وسبب رجوعه إلى هذه
الطريقة .
٥
٣٧٠

المقدمة
سيفي عنوان الكتاب
اعلم : أن علوم المعاملة التي يتقرب بها إلى الله تعالى تنقسم إلى :
ظاهرة ، وباطنة .
والظاهرة قسمان :
معاملة بين العبد وبين الله تعالى
ومعاملة بين العبد وبين الخلق .
والباطنة أيضاً قسمان :
ما يجب تزكية القلب عنه من الصفات المذمومة .
وما يجب تحلية القلب به من الصفات المحمودة .
وقد بنى الإمام الغزالي رحمه الله كتابه (( إحياء علوم الدين)) على هذه
الأربعة الأقسام ، فقال في خطبته :
٣٧١

ولقد أسسته على أربعة أرباع : ربع العبادات ، وربع العادات ، وربع
المهلكات ، وربع المنجيات .
فأما ربع العبادات : فيشتمل على عشرة كتب :
كتاب العلم ، وكتاب قواعد العقائد ، وكتاب أسرار الطهارة ، وكتاب
أسرار الصلاة ، وكتاب أسرار الزكاة ، وكتاب أسرار الصيام ، وكتاب أسرار
الحج ، وكتاب آداب تلاوة القرآن ، وكتاب الأذكار والدعوات ، وكتاب
ترتيب الأوراد في الأوقات .
وأما ربع العادات : فيشتمل على عشرة كتب :
كتاب آداب الأكل ، وكتاب آداب النكاح ، وكتاب آداب الكسب ،
وكتاب الحلال والحرام ، وكتاب آداب الصحبة ، وكتاب العزلة ، وكتاب
آداب السفر، وكتاب آداب السماع والوجد ، وكتاب الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر ، وكتاب أخلاق النبوة .
وأما ربع المهلكات : فيشتمل على عشرة كتب :
كتاب شرح عجائب القلب ، وكتاب رياضة النفس ، وكتاب آفة
الشهوتين : البطن والفرج ، وكتاب آفة اللسان ، وكتاب آفة الغضب والحقد
والحسد ، وكتاب ذم الدنيا ، وكتاب ذم المال والبخل ، وكتاب ذم الجاه
والرياء ، وكتاب ذم الكبر والعجب ، وكتاب ذم الغرور .
٣٧٢

وأما ربع المنجيات : فيشتمل على عشرة كتب :
كتاب التوبة ، وكتاب الصبر والشكر ، وكتاب الخوف والرجاء ، وكتاب
الفقر والزهد ، وكتاب التوحيد والتوكل ، وكتاب المحبة والشوق والرضا ،
وكتاب النية والصدق والإِخلاص ، وكتاب المراقبة والمحاسبة ، وكتاب
التفكر ، وكتاب ذكر الموت .
ثم قال رحمه الله تعالى :
فأما ربع العبادات .. فأذكر فيه من خفايا آدابها ، ودقائق سننها ، وأسرار
معانيها ما يضطر العالم العامل إليها ، بل لا يكون من علماء الآخرة من لم
يطلع عليها ، وأكثر ذلك مما أهمل في الفقهيات .
وأما ربع العادات .. فأذكر فيه أسرار المعاملات الجارية بين الخلق ،
ودقائق سنتها ، وخفايا الورع في مجاريها ، وهي مما لا يستغني المتدين
عنها .
وأما ربع المهلكات .. فأذكر فيه كل خلق مذموم ورد القرآن بإِماطته ،
وتزكية النفس عنه ، وتطهير القلب منه ، وأذكر في كل واحد من تلك
الأخلاق حده وحقيقته ، ثم سببه الذي منه يتولد ، ثم الآفات التي عليها
يترتب ، ثم العلامات التي بها يتعرف ، ثم طرق المعالجة التي منها
يتخلص ، كل ذلك مقروناً بشواهد من الآيات والأخبار والآثار .
٣٧٣

وأما ربع المنجيات .. فأذكر فيه كل خلق محمود ، وخصلة مرغوب فيها
من خصال المقربين والصديقين ، التي يتقرب بها العبد من رب العالمين ،
وأذكر في كل خصلة حدها وحقيقتها ، وسببها الذي به تجتلب ، وثمرتها
التي منها تستفاد ، وعلامتها التي بها تعرف ، وفضيلتها التي لأجلها فيها
يرغب ، مع ما ورد فيها من شواهد الشرع والعقل .
٣٧٤

المقصد
في فضل الكتاب المشار إليه، وبعض المدائح والثناء من الكابه عليه
والجواب فى استشكل من وطعن سببن فيه
اعلم: أن فضائل (( الإِحياء)) لا تحصى ، بل كل فضيلة له باعتبار
تحقيقاتها لا تستقصى ، جمع الناس مناقبه فقصَّروا وما قصروا ، وغاب
عنهم أكثر مما أبصروا ، وعزَّ من أفردها فيما علمت بتأليف ، وهي جديرة
بالتصنيف .
غاص مؤلفه رضي الله عنه في بحار الحقائق ، واستخراج جواهر
المعاني ، ثم لم يرض إلا بكبارها ، وجال في بساتين العلوم ، فاجتنى
ثمارها ، بعد أن اقتطف من أزهارها .
وسما إلى سماء المعاني فلم يصطفٍ من كواكبها إلا السيارة ، وجليت
عليه عرائس المعاني ، فلم ترق في عينه منهن إلا بادية النضارة .
جمع رضي الله عنه فأوعى ، وسعى في إحياء علوم الدين ، فشكر الله له
ذلك المسعى ، فللّه دره من عالم محقق مجيد ، وإمام جامع لشتات
الفضائل محرر فريد .
لقد أبدع فيما أودع كتابه من الفوائد الشوارد ، وقد أغرب فيما أعرب فيه
من الأمثلة والشواهد ، وقد أجاد فيما أفاد فيه وأملى .
٣٧٥

بيد أنه في العلوم صاحب القدح المعلّى ؛ إذ كان رضي الله عنه
من أسرار العلوم بمحل لا يدرك ، وأين مثله وأصله أصله ، وفصله
فصله ؟!
[من الكامل]
هيهاتَ لا يأتي الزَّمانُ بمثلِهِ إِنَّ الزَّمَانَ بمثلِهِ لشحيحٌ(١)
وما عسيت أن أقول فيمن جمع أطراف المحاسن ، ونظم أشتات
الفضائل ، وأخذ برقاب المحامد ، واستولى على غايات المناقب ؟!
®G
فشجرته في فوارة العلم والعمل ، والعلا والفهم والذكاء .. أصلها ثابت
وفرعها في السماء .
مع كونه رضي الله عنه ذا الصدر الرحيب ، والقريحة الثاقبة ، والدراية
الصائبة ، والنفس السامية ، والهمة العالية .
ذكر الشيخ عبد الله بن أسعد اليافعي رحمة الله عليه : أن الفقيه العلامة
قطب اليمن إسماعيل بن محمد الحضرمي ثم اليمني سُئل عن تصانيف
الغزالي ؟ فقال من جملة جوابه :
محمد بن عبد الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ سید الأنبياء ، ومحمد بن إدريس
الشافعي سيد الأئمة ، ومحمد بن محمد بن محمد الغزالي سيد
المصنفين (٢).
(١) البيت لأبي تمام في ((ديوانه)) (١٠٢/٤)، وفيه: ( لبخيلٌ ).
(٢) مرآة الجنان (١٩٠/٣).
٣٧٦

وذكر اليافعي أيضاً : أن الشيخ الإمام الكبير أبا الحسن علي بن حرزهم
الفقيه المشهور المغربي كان قد بالغ في الإنكار على كتاب (( إحياء علوم
الدين ))، وكان مطاعاً ، مسموع الكلمة ، فأمر بجمع ما ظفر به من نسخ
(«الإِحياء)) وهم بإِحراقها في الجامع يوم الجمعة، فرأى ليلة تلك الجمعة
كأنه دخل الجامع ؛ فإذا هو بالنبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيه ، ومعه أبو بكر
وعمر رضي الله عنهما، والإِمام الغزالي قائم بين يدي النبي صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ .
فلما أقبل ابن حرزهم .. قال الغزالي : هذا خصمي يا رسول الله ، فإن
كان الأمر كما زعم .. تبت إلى الله ، وإن كان شيئاً حصل لي من بركتك
واتباع سنتك .. فخذ لي حقي من خصمي .
ثم ناول النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كتاب ((الإحياء))، فتصفحه النبي
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ورقة ورقة، من أوله إلى آخره، ثم قال: ((والله؛ إن
هذا لشيء حسن)) .
ثم ناوله الصدِّيق رضي الله عنه ، فنظر فيه فاستجاده ، ثم قال : ( نعم ،
والذي بعثك بالحق ؛ إنه لشيء حسن ) .
ثم ناوله الفاروق عمر رضي الله عنه ، فنظر فيه وأثنى عليه كما قال
الصدِّيق .
فأمر النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بتجريد الفقيه عليّ بن حرزهم عن
٣٧٧

القميص ، وأن يضرب ويُحدَّ حدَّ المفتري ، فجُرِّد وضرب ، فلما ضرب
خمسة أسواط .. تشفع فيه الصدِّيق رضي الله عنه ، وقال : يا رسول الله ؛
لعله ظن أنه خلاف سنتك فأخطأ في ظنه .
فرضي الإِمام الغزالي وقبل شفاعة الصدِّيق .
ثم استيقظ ابن حرزهم وأثر السياط في ظهره ، وأعلم أصحابه ، وتاب
إلى الله عن إنكاره على الإِمام الغزالي واستغفر .
ولكنه بقي مدة طويلة متألماً من أثر السياط ، وهو يتضرع إلى الله
تعالى، ويتشفع برسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، إلى أن رأى النبي
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ دخل عليه ومسح بيده الكريمة على ظهره ، فعوفي
وشفي بإذن الله .
ثم لازم مطالعة (( إحياء علوم الدين))، ففتح الله عليه فيه ، ونال
المعرفة بالله ، وصار من أكابر المشايخ ، أهل العلم الباطن والظاهر ،
رحمه الله(١) .
قال اليافعي : روينا ذلك بالأسانيد الصحيحة ، فأخبرني بذلك ولي الله
عن ولي الله عن ولي الله عن ولي الله الشيخ الكبير القطب شهاب الدين
أحمد بن الميلق الشاذلي ، عن شيخه الشيخ الكبير العارف بالله ياقوت
(١) مرآة الجنان ( ٣٣٢/٣ - ٣٣٣).
٣٧٨
@

الشاذلي ، عن شيخه الشيخ الكبير العارف بالله أبي العباس المرسي ، عن
شيخه الشيخ الكبير شيخ الشيوخ أبي الحسن الشاذلي ، قدس الله أرواحهم ،
وكان معاصراً لابن حرزهم(١).
قال : قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي : ولقد مات أبو الحسن بن
حرزهم رحمه الله يوم مات وأثر السياط ظاهر على ظهره (٢).
وقال الحافظ ابن عساكر رحمه الله - وكان أدرك الإمام الغزالي واجتمع
به - قال :
سمعت الإمام الفقيه الصوفي سعد بن علي بن أبي هريرة الأسفرايني
يقول : سمعت الشيخ الإمام الأوحد زين القراء جمال الحرم أبا الفتح
الساوي بمكة المشرفة يقول :
دخلت المسجد الحرام يوماً ، فطرأ علي حال وأخذني عن نفسي ، فلم
أقدر أن أقف ولا أجلس لشدة ما بي ، فوقعت على جنبي الأيمن ، تجاه
الكعبة المعظمة وأنا على طهارة ، وكنت أطرد عن نفسي النوم ، فأخذتني
سِنة بين النوم واليقظة ، فرأيت النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في أكمل صورة ،
وأحسن زي من القميص والعمامة ، ورأيت الأئمة - الشافعي ، ومالكاً ،
(١) مرآة الجنان (٣٢٩/٣ - ٣٣٠).
(٢) مرآة الجنان (٣٣١/٣).
٣٧٩

وأبا حنيفة ، وأحمد ، رحمهم الله - يعرضون عليه مذاهبهم واحداً بعد
واحد ، وهو صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقررهم عليها .
ثم جاء شخص من رؤساء المبتدعة ليدخل الحلقة ، فأمر النبي صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ بطرده وإهانته ، فتقدمت أنا وقلت : يا رسول الله ؛ هذا الكتاب
- أعني ((إحياء علوم الدين)) - معتقدي ومعتقد أهل السنة والجماعة ، فلو
أذنت لي حتى أقرأه عليك ، [فأذن لي ، فقرأت عليه] من ( كتاب قواعد
العقائد ) : بسم الله الرحمن الرحيم ، كتاب قواعد العقائد ، وفيه أربعة
فصول : الفصل الأول في ترجمة عقيدة أهل السنة ... حتى انتهيت إلى قول
الغزالي : ( وأنه تعالى بعث النبي الأمي القرشي محمداً صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
إلى كافة العرب والعجم، والجن والإِنس ) فرأيت البشاشة في وجهه
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .
ثم التفت وقال: (( أين الغزالي؟)) وإذا بالغزالي واقف بين يديه فقال :
هأنذا يا رسول الله، وتقدم وسلم، فردَّ عليه السلامَ عليه الصلاة
والسلام ، وناوله يده الكريمة فأكب عليها الغزالي يقبلها ويتبرك بها .
وما رأيت النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أشد سروراً بقراءة أحد عليه مثل
ما كان بقراءتي عليه (( الإِحياء))، ثم انتبهت والدمع يجري من عيني من أثر
تلك الأحوال والكرامات(١).
(١) مرآة الجنان ( ١٨٧/٣ -١٨٩).
٣٨٠