النص المفهرس

صفحات 341-360

فَضَ
[في بيان معنى: انصراف التالك النّظر بعد وصول إلى ذلك الرفيق الأعلى]
ومعنَى ( انصرافِ السالكِ الناظرِ بعدَ وصولِهِ إلى ذلكَ الرفيقِ الأعلى ) :
أَنَّهُ لَمَّا وصلَ إليهِ بالسؤالِ .. صُرِفَ إلى ما لاقَ بهِ مِنَ الأحوالِ؛ ليُحكِمَ
ما بقيَ عليهِ مِنَ الأعمالِ كما قالَ المصطفى صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ للذي سألَهُ
أنْ يعلمَهُ مِنْ غرائبِ العلمِ: «إِذْهَبْ فَأَحْكِمْ مَا هُنَالِكَ، وَكَذَلِكَ أُعَلِّمُكَ مِنْ
غَرَائِبِ الْعِلْمِ)» (١) .
وأمَّا صفةُ انصرافِهِ .. فإِنَّهُ نهضَ بالبحثِ ورجعَ بالتذكُّرِ وفوائدٍ
المزيدِ .
ووجهٌ آخرُ(٢) : إنْ لمْ يستطع المقامَ في ذلكَ الموضع بعدَ وصولِهِ إليهِ ..
فذلكَ لتعلَّقِ جزءِ المعرفةِ بالبدنِ ، ومسكنُهُ عالَمُ الملكِ ، ولمْ يفارقْهُ بعدُ
بالموتِ ، وطولُ الغيبِ عنهُ لا يمكنُ في العادةِ ، ولَوْ أمكنَ ذلكَ .. لهلكَ
الجسمُ وتفرقَتِ الأوصالُ ، واللهُ تعالى أرادَ عمارةَ الدنيا قدرَ ما سبقَ في
علمِهِ ﴿ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾.
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٤/١)، وفيها: (وبعد ذلك) بدل (وكذلك ).
(٢) كذا في (ث، ذ)، وقد سقط قوله: (آخر) من بقية النسخ، والعبارة في (ض) :
( ووجه أنه ) .
٣٤١
حز

و
ومعنىُ قولِ أبي سليمانَ الدارانيِّ رحمَهُ اللهُ: (لوْ وصلُوا ..
ما رجعُوا ) : ما رجعَ إلى حالةِ الانتقاصِ مَنْ وصلَ إلى حالةِ الإخلاصِ ،
والذي طمعَ الناظرُ في الحصولِ فيهِ بسؤالِهِ وتماديهِ إلى حالِ القربِ منْهُ ؛ إذْ
لمْ يصلحْ لذلكَ ، ولمْ يصفُ لهُ ، ولمْ يخلصْ في أعمالِهِ .
٣٤٢

فَضَك
[في بيان معنى: ليس في الإمكان أبدع من صورة هذا العالم]
ومعنَى ( أنْ ليسَ في الإِمكانِ أبدعُ مِنْ صورةِ هذا العالَمِ ، ولا أحسنُ
ترتيباً، ولا أكملُ صنعاً ، ولوْ كانَ وادَّخرَهُ معَ القدرةِ .. كانَ ذلكَ بخلاً
يناقضُ الجودَ الإلهيَّ، وإنْ لمْ يكنْ قادراً عليهِ .. كانَ ذلكَ عجزاً يناقضُ
الإِلهِيَّةَ) وكيفَ يُقضَىُ عليهِ بالعجزِ فيما لمْ يخلقْهُ اختياراً ؟
ولِمَ لَمْ يُنسبْ إليهِ ذلكَ قبلَ خلقِ العالمِ، ويقالُ : ادِّخارُ إخراجِ هذا
العالمِ مِنَ العدم إلى الوجودِ عجزٌ مثلَ ما قيلَ فيما ذكرناهُ ؟
وما الفرقُ بِينَهُما ؟
وذلكَ لأنَّ تأخيرَهُ بالعالم قبلَ خلقِهِ عَنْ أنْ يخرجَهُ مِنَ العدم إلى الوجودِ
يقعُ تحتَ الاختيارِ الممكنِ ؛ مِنْ حيثُ إنَّ للفاعلِ المختارِ أنْ يفعلَ وألاَّ
يفعلَ ، فإذا فعلَ .. فليسَ في الإِمكانِ أنْ يفعلَ إلاَّ نهايةَ ما تقتضيهِ الحكمةُ
التي عرفْنا أنَّها حكمةٌ ، ولمْ يعرِّفْنا بذلكَ إِلاَّ لنعلمَ مجاريَ أفعالِهِ ، ومصادرَ
أمورهِ ، ولنتحقَّقَ أنَّ كلَّ ما قضاهُ ويقضيهِ مِنْ خلقِهِ بعلمِهِ وإرادتِهِ وقدرتِهِ ،
وأنَّ ذلكَ على غايةِ الحكمةِ ، ونهايةِ الإتقانِ ، ومبلغ جودةِ الصنعِ ؛ ليجعلَ
كمالَ ما خلقَ دليلاً قاطعاً ، وبرهاناً ساطعاً على كمالِهِ في صفاتِ جلالِهِ
الموجبةِ لإجلالِهِ .
٣٤٣

فلوْ كانَ كلُّ ما خُلِقَ ناقصاً بالإِضافةِ إلى غيرِهِ ممَّا يقدرُ على خلقِهِ ولمْ
يخلقْهُ .. لكانَ يظهرُ النقصانُ المدَّعى على هذا الوجودِ مِنْ خلقِهِ ، كما
يظهرُ على ما خلقَهُ ناقصاً في أشخاصٍ معيّنةٍ ؛ ليدلَّ بها على كمالٍ ما خلقَهُ
مِنْ غيرِ ذلكَ، ويكونَ الجميعُ مِنْ بابِ الاستدلالِ على ما صنعَ مِنَ النقصانِ
قطعاً ، وما يُحملُ عليهِ مِنَ القدرةِ على أكملَ منهُ ظنّاً ؛ إذْ خلقَ للخلقِ
عقولاً ، وجعلَ لهُمْ فهوماً، وعزَّفَهُمْ ما أُكِنَّ، وكشفَ لهُمْ ما حُجِبَ
وأُجِنَّ ، فيكونُ مِنْ حيثُ عرَّفَهُمْ بكمالِهِ دلَّهُمْ على نقصِهِ ، ومِنْ حيثُ
أعلمَهُمْ بقدرتِهِ بصَّرهُمْ بعجزِهِ ، فتعالى اللهُ رُّ العالمينَ ، الملكُ الحقُّ
المبينُ .
وأيضاً : فلا يعترضُ هذا ويَستَزْرِيهِ إلَّ مَنْ لا يعرفُ مخلوقاتِهِ ، ولمْ
يصرفِ الفكرَ الصحيحَ في منشآتِهِ ومخترعاتِهِ ، ولمْ يعلمْ مقدارَ الدنيا
وترتيبَ الآخرةِ عليها ، ولا عرفَ خواصَّها ، ولا تنزَّهَ في عجائِها ،
ولا لاحظَ الملكوتَ ببصرٍ قلبِهِ ، ولا جاوزَ التخومَ إلى أسفلَ مِنْ ذلكَ بسِرِّهِ
ولُبِّهِ ، ولا فهمَ أَنَّ الجنَّة أعلَى النعيمِ ، وأنَّ النارَ أقصَى العذابِ الأليمِ ، وأنَّ
النظرَ إليهِ جلَّ جلالُهُ منتهَى الكراماتِ ، وأنَّ رضاهُ غايةُ الدرجاتِ ، وسخطَهُ
غايةُ الدركاتِ ، وأنَّ منحَ المعارفِ والعلومِ أسنَى الهباتِ .
ويرى أنَّ العالمَ بأسرِهِ أخرجَهُ مِنَ العدمِ الذي هوَ نفيٌّ محضٌ إلى الوجودِ
الذي هوَ إثباتٌ صحيحٌ ، وقدَّرَهُ منازلَ وجعلَهُ طبقاتٍ ، فمِنْ حِيٍّ وميتٍ ،
٣٤٤

ومتحركٍ وساكنٍ ، وعالمٍ وجاهلٍ ، وشقيٍّ وسعيدٍ ، وقريبٍ وبعيدٍ ،
وصغيرٍ وكبيرٍ ، وجليلٍ وحقيرٍ ، وغنيٍّ وفقيرٍ ، ومأمورٍ وأميرٍ ، ومؤمنٍ
وكافرٍ ، وجاحدٍ وشاكرٍ ، ومِنْ ذكرٍ وأنثى ، وأرضٍ وسماءٍ ، ودنيا
وأخرى ، وغيرِ ذلكَ ممَّا لا يُحصَى .
والكلُّ قائمٌ بهِ ، وموجودٌ بقدرتِهِ ، وباقٍ بعلمِهِ ، ومُنْتَهٍ إلى أجلِهِ ،
ومصرَّفٌ بمشيئتِهِ ، ودالٌّ على بالغ حكمتِهِ ، فما أكملُ مِنْ حدثِهِ إلَّ قدمُهُ ،
ولا مِنْ تصرُّفِهِ إلَّ استبدادُهُ، ولا مِنْ ملِكِهِ إلَّ مَنْ ملَكَهُ، فيعودُ المحدَثُ
قديماً ، والمربوبُ ربّاً ، والمملوكُ مالِكاً ، ويعودُ الخالِقُ مخلوقاً ،
تعالى اللهُ عَنْ جهلِ الجاهلينَ ، وتخييلِ المعتوهينَ ، وزيغ الزائغينَ علوّاً
كبيراً .
٣٤٥
صن.

N
فَضَ
[في حكم طلب العلوم المكتونة]
وأمَّا حكمُ هذِهِ العلومِ المكنونةِ في الطلبِ وسلوكِ هذِهِ المقاماتِ ،
ورُقِيِّ(١) هذِهِ الدرجاتِ، واستفهام أمثالِ هذِهِ المخاطباتِ ، أهيَ مِنْ قبيلٍ
الواجباتِ أوِ المندوباتِ أوِ المباحاتِ ؟
فاعلمْ : أنَّ المسؤولَ عنهُ على ضربينِ :
أحدُهُما : ما هوَ في حكم المبادىءِ ، والثاني : ما هوَ في حكم
الغاياتِ .
٠ ٥٨٥
فأمَّا الذي هوَ في حكم المبادىءِ .. فطلبُهُ فرضٌ على كلِّ أحدٍ ، بقدر
بذلِ المجهودِ ، وإفراغِ الوُسعِ ، وجميع ما يقدرُ عليهِ مِنَ العنايةِ ، وذلكَ
ما تضمنتهُ أصولُ علمِ المعاملةِ ، مثلُ الإخلاصِ في التوحيدِ ، والصدقِ في
العملِ ، والالتحافِ بالخوفِ والرجاءِ ، والتزيّنِ بالصبرِ والشكرِ ؛ لأنَّ هَذِهِ
كلَّها وما يلحقُ بها مِنْ علمِ الأمرِ والنهي، قالَ اللهُ تعالى: ﴿فَأَنَّقُواْ اللّهَ مَا
اُسْتَطَعْتُمْ﴾، وقدْ سبقَ التنبيهُ عليهِ .
ـحن
ـزة
وأمَّا الذي هوَ في حكم الغاياتِ ؛ مثلُ انقلابِ الهيئاتِ ، والنظرِ بالتوفيقِ
على الموافقةِ والرضا والإيثارِ ، والتوكلِ بالتجريدِ ، وحقيقةِ علمٍ معاني
(١) في النسخ: ( ورقو) ، ولعل الصواب ما أثبت ، والله أعلم.
٣٤٦
مکرة

التوحيدِ ، ومَيْزِ معاني التفريدِ ، وأوصافِ أهلِ إثباتِ اليقينِ .. فهوَ درجاتٌ
ومقاماتٌ ، ومنازلُ ومراتبُ ، ومنحٌ يخصُّ اللهُ تعالى بها مَنْ يشاءُ مِنْ
عبادِهِ ، مِنْ غيرِ أنْ تُنالَ بطلبٍ ولا بحثٍ ولا تعليمٍ .
ولوْ كانَ ذلكَ كذلكَ .. لَمَا قِيلَ للناظرِ السالكِ حينَ أرادَ الارتقاءَ إلى
درجةٍ أعلىُ مِنْ درجتِهِ بلسانِ السؤالِ : ارجعْ ، ولا تتخطّ رقابَ الصديقينَ ،
لكنَّها مواهبُ أكرَمَ اللهُ تعالى بها أهلَ صفوةٍ ولايتِهِ ، وهيَ مواريثُ الصدقِ
في العلمِ ، وبركاتُ الإخلاصِ في العملِ .
فمَنْ لمْ يرِثْ مِنْ علمِهِ وعملِهِ المفروضِ عليهِ طلبُهُ والعملُ بهِ شيئاً مِنْ
هذِهِ المعاني .. فليسَ في شيءٍ مِنَ الحقيقةِ وإِنْ كانَ حقّاً ، غيرَ أنَّ حالَهُ
معلولٌ ؛ إمَّا مفتونٌ بدنياهُ ، أوْ محجوبٌ بهواهُ ، وربُّكَ على كلُّ شيءٍ
قديرٌ .
ـوم
٣٤٧
حـ

G
فَضَ
[في بيان ذِكْرِ هذِهِ العلومِ بالإشارةِ دونَ العبارةِ]
وأمَّا لِمَ ذُكِرَتْ هذهِ العلومُ بالإشاراتِ دونَ العباراتِ ، وبالرموزِ دونَ
التصريحاتِ ، وبالمتشابهِ مِنَ الألفاظِ دونَ المحكماتِ وإنْ كانَ قدْ سبقَ هذا
مِنَ الشارع فيما لهُ أنْ يمتحنَ بهِ مَنَ كلّفَ ، ويبلوَ مَنْ تعبَّدَ ، وليكونَ للعلمِ
رجالٌ مخصوصونَ ، فما بالُ مَنْ لمْ يُجعَلْ شارعاً ، ولمْ يُبعَثْ لغيرِهِ مكلِّفاً ؟
فالجوابُ عنْ ذلكَ :
أنَّ العالمَ هوَ وارتُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وإِنَّما ورثَ العلمَ ليعملَ
بهِ كعملِهِ ، ويحلَّ فيهِ كمحلِّهِ ، والنبيُّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ ما ينطقُ عَنِ
الهوىُ ، إنْ هوَ إلاَّ وحيٌّ يُوحَى، علَّمَهُ شديدُ القوى، ذو مِرَّةٍ فاستوىُ ،
وحكمُ الوارثِ فيما ورثَ حكمُ الموروثِ فيما وُرِثَ عنهُ ، فما عرفَ فيهِ
الحكمَ مِنْ فعلِ الموروثِ عنهُ أوْ قولِهِ .. امتثلَهُ، وما لمْ يصلُ إليهِ منهُ
شيءٌ .. كانَ لهُ اجتهادُهُ، فإِنْ أخطأً .. كانَ لهُ أجرٌّ، وإِنْ أصابَ .. كانَ لهُ
أجرانِ .
مصر
ثمَّ إنَّ الوارثَ رأى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ صرحَ بعلوم المعاملاتِ ،
وأشارَ بما وراءَها بما لا يفهمُهُ إلَّ أربابُ التخصيصاتِ ، كما قالَ عزَّ وجلَّ :
﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِمُونَ﴾ فلمْ يكنْ للعالمِ الوارثِ تعدٍّ عنْ حكم
ـحر
٣٤٨

الموروثِ عنهُ، كما حُكيَ عنْ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: ( وعيتُ عَنْ
رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وعاءَيْنِ: فأحدُهُما: الذي بثَثْتُهُ فيكُمْ، وأمَّا
الثاني .. فلوْ بَثْتُهُ .. جرَرْتُمُ السكِّينَ على هذا البلعوم)(١)، وأشارَ إلى
حلْقِهِ .
وبعدَ هذا، ففي القدوةِ بصاحبِ الشرع صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِ
النجاةُ ، وفي اتّباعِهِ الفوزُ بحبِّ اللهِ ، ويدُ اللهِ معَ الجماعَةِ ، وفوقَ كلِّ ذي
علمٍ عليمٌ .
وقدْ أفدناكَ بحولِ اللهِ وقوَّتِهِ مِنْ طرائِفِ ما عندَنا ، وأهدَيْنا إِليكَ مِنْ
غرائبٍ ما لدَيْنا، وإلى اللهِ يُردُّ العلمُ فيما دقَّ وجلَّ، وكثرَ وقلَّ، وعظمَ
وصغرَ ، وظهرَ واستترَ .
وإنَّما ينطقُ الإنسانُ بما أنطقَهُ اللهُ تعالى بهِ ، وهوَ مستعمَلٌ بما استعملَهُ
فيهِ ؛ إذْ كلٌّ ميسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لهُ .
فاستنزلْ ما عندَ ربِّكَ وخالقِكَ مِنْ خيرٍ ، واستجلِبْ ما تؤملُهُ منهُ مِنْ هدايةٍ
وبرِّ بقراءةِ السبع المثاني والقرآنِ العظيمِ ، التي أمرتَ بقراءَتِها في كلِّ صلاةٍ ،
ووَّدَ عليكَ أنْ تعيدَها في كلِّ ركعةٍ ، وأخبركَ الصادقُ المصدوقُ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ بأنْ ليسَ في التوراةِ ، ولا في الإنجيلِ ، ولا في الفرقانِ مثلُها (٢).
(١) رواه البخاري (١٢٠)، وفيه: ( فلو بثئته .. قطع هذا البلعوم).
(٢) رواه الترمذي ( ٣١٢٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله =
EXAM
٣٤٩
ـدن

وفي هذا تنبيهٌ - بلْ تصريحٌ - بأنْ تكثرَ منها لِمَا تضمنتْهُ مِنَ الفوائدِ ،
وخُصَّتْ بِهِ مِنَ الذخائرِ والفرائِدِ، ممَّا لَوْ سُطِرَ .. لكانَ فيهِ أوقارُ الجِمالِ(١).
فافهَمْ وانتبِهْ واعقِلْ ما خُلِقْتَ لهُ ، واعرفْ قدرَ ما أُعدَّ لكَ .
واللهُ تعالى حسبُ مَنْ أرادهُ ، وهادي مَنْ جاهدَ في سبيلِهِ ، وكافي مَنْ
توكَّلَ عليهِ ، وهوَ الغنيُّ الكريمُ .
وحينئذٍ قدِ انتهَى الجوابُ عمَّا سألتَ عنْهُ، وفرغْنا منهُ بحسبِ الوُسعِ
والطاقةِ مِنَ الكلامِ .
فنسألُ اللهَ تعالى المباعدَ بينَ جِبِلاَتِ قلوبِ البشرِ : أنْ يصرفَ عنَّا حجبَ
الكدوراتِ والأهواءِ ، ومواريثَ الغيِّ والزيغِ والضررِ ، فِيَدِهِ مجارِي
المقدوراتِ والقدرِ ، وهوّ إِلهُ مَنْ ظَهَرَ وغيَرَ ، وإليهِ مرجعُ مَنْ آمَنَ وكفرَ ،
ومُجازِي الخلائقِ بنعيمٍ أوْ سقَرَ .
والصلاةُ على سيِّدِنا محمَّدٍ أفضلِ الخلقِ سيِّدِ البشرِ ، وعلى آلهِ الساداتِ
الغُررِ ، وسلَّمَ تسليماً .
آخر : الإملاء على مشكل الإحياء.
عليه وسلم : (( ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن ، وهي السبع
=
المثاني ، وهي مقسومة بيني وبين عبدي ، ولعبدي ما سأل )).
(١) أوقار : جمع وقر ، وهو : الحمل الثقيل .
٣٥٠

خاتمة الشخة (د)
نجز كتاب (( الإملاء في مشكلات الإحياء )) ثالث عشر من شهر مولد
ثاني ، سنة ألف ومئة وواحد وثمانين ، على يد الفقير إلى رحمة ربه
القدير ، أحمد بن علي بامزروع اليمني التريمي وطناً ، الشافعي مذهباً ،
عفا الله عنه ، وغفر له ولوالديه ولجميع المسلمين ، ولمن قال : آمين ،
والحمد لله رب العالمين .
خاتمة الشّخة (ش)
آخر (( الإملاء على مشكل الإحياء))، والحمد لله رب العالمين ،
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
كتبه العبد المذنب السيد عثمان ، الملقب بعوفي ، من تلاميذ الحافظ
أحمد الحلمي ، غفر الله ذنوبه ولوالديهما الأمين المعين .
خاتمة الشخة (ت)
والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الخلق وسيد البشر ، وعلى آله
وصحبه أولي العزم والظفر ، وعلى عترته الطاهرين خير العتر ، وسلَّم
تسليماً كثيراً ، دائماً أبداً مؤبداً ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، ولا حول
٣٥١

ولا قوة لنا إلاّ به ، ونسأله الصفح الجميل ، والحمد لله وحده ، وصلّى الله
على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً ، وكان الفراغ منه نهار
الجمعة المباركة ، ثالث عشر من ربيع الأول ، من شهور سنة ست وتسعين
وثمان مئة باسم الفقير إلى الله تعالى سبحانه ، الآمل فضله وإحسانه ،
أبي العباس أحمد بن إسماعيل بن محمد بن الدعيم ، غفر الله له ولوالديه
ولجميع المسلمين ، والحمد لله وحده .
خاتمة الشَّخة (ك)
والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل الخلق ، سيد البشر ، وسلم
تسليماً ، وعلى آله وصحبه أولي العزم والظفر ، وعترته الطاهرين ، وسلم
تسليماً كثيراً ، آمين .
وكان الفراغ من هذا الكتاب ضحى يوم الجمعة ، الموافق (٢)
جمادى أول ، سنة ( ١٣٠١ ) من الهجرة النبوية ، على صاحبها أفضل
الصلاة والسلام .
خاتمة الشخة (ذ)
تم الكتاب بعون الملك الوهاب وحسن توفيقه ، ونسأله الهداية إلى
طريقه ، في نهار الخميس ، الخامس وعشرين من شهر صفر الخير ، من
حن
٣٥٢

شهور سنة إحدى وتسع مئة ، على يد العبد الفقير إلى الله تعالى أحمد بن
شيخ بن أبي بكر ، سامحهم الله وعفا عنهم بمنه وكرمه ، والحمد لله
وحده ، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد وآله وصحبه
الطيبين الطاهرين ، كلما ذكره الذاكرون ، وغفل عن ذكره الغافلون .
طالع هذا الكتاب ، ورأى ما فيه من اللباب الفقير إلى ربه الرحمن
محمد بن أحمد زهران الأجهوري الشافعي الأزهري غفر الله .
فاتحة النسخة (ض)
نجز (( الإملاء على الإحياء )) بحمد الله وحسن توفيقه ، عشية الثلاثاء ،
سابع عشر من صفر ، سنة ست وأربعين وست مئة ، وصلى الله على سيدنا
محمد وآله وصحبه وسلم كثيراً ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
٣٥٣

معيار
تَجَرُّفُ الأَخَاءِ لفَضَائِ الأَحَيَّاءِ
للإمام العيد روس
رَحِمَهُ الله تعَالى
٣٥٥

ترحمَة
الإمام العلامة الكبير، العلم الشهير، شمس التّموس
محي الدّين، أبي بكر
عبدالقادر بن شخ بن عبد الشهد العيد روس
رَحِمَهُ اللّه تَعَالى
(٩٧٨ - ١٠٣٨ هـ ) (١)
اسمه و نسبه
هو الإمام العلامة ، أحد العلماء الأكابر ، والأعيان أولي البصائر ،
محيي الدين ، أبو بكر ، عبد القادر بن شيخ بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله
العيدروس باعلوي ، الحسيني ، الشافعي ، الحضرمي الأصل ، الهندي
المولد .
مولده ونشأته
ولد الإمام عبد القادر العيدروس في العشرين من شهر ربيع الأول ، سنة
(١) مصادر ترجمته: ((خلاصة الأثر)) (٤٤٠/٢)، و((ملحق البدر الطالع))
(١٢٣/٢)، و((النور السافر)) (ص ٤٤٤)، و((المشرع الروي)) (١٤٧/٢)،
و((هدية العارفين)) (٦٠٠/١)، و((الأعلام)) (٣٩/٤)، و(( تاريخ الأدب العربي))
(٢٥٩/٩)، و((معجم المؤلفين)) (١٨٨/٢)، و((إتحاف القاري)) (ص ١٦٥)،
و(( جهود فقهاء حضرموت في خدمة المذهب الشافعي)) (٦٠٨/١ -٦١٠).
٣٥٧

ثمان وسبعين وتسع مئة للهجرة النبوية ، في مدينة أحمد أباد في الهند .
وقد حدثنا الإمام العلامة عن نفسه في (( نوره السافر)) ( ص ٤٤٥)
حيث قال : ( كان والدي رحمه الله رأى في المنام قبل ولادتي بنحو نصف
شهر جماعةٌ من أولياء الله تعالى ، منهم : الشيخ عبد القادر الجيلاني
رضي الله عنه ، والشيخ أبو بكر العيدروس رضي الله عنه وغيرهما ، وكان
الشيخ عبد القادر يريد حاجةً من الوالد ، فذلك هو الذي حمله على تسميتي
بهذا الاسم ، وكتَّاني أيضاً أبا بكر ، ولقَّبني محيي الدين ، وتقرر عنده أنه
سيكون لي شأن ) .
ثم يتابع الإمام حديثه عن نفسه قائلاً : (وكانت أمِّ أمَّ ولدٍ هنديّةً ...
وكانت من الصالحات ، على جانب عظيم من التواضع ، وسلامة الصدر ،
وحسن الأخلاق ، وكثرة الإنفاق ، توفيت ضحى يوم الجمعة لعشرين خلت
من شهر رمضان ، سنة عشر بعد الألف ، وكان آخر كلامها لا إلله
إلا الله ) .
ـتر
ويمضي الإمام في حديثه عن نشأته فيقول : ( قرأت القرآن العظيم حتى
ختمته على يد بعض أولياء الله تعالى ، وذلك في حياة الوالد تغشّاه الله
بالرحمة ، واشتغلت بعد قراءة القرآن بتحصيل طرف من العلم ، وقرأت عدةٌ
من المتون على جماعة من العلماء الأعلام ، وتصدَّيت لنشر العلم ،
ومزاحمة أهله ، وذلك بكرم الله وفضله ، والأخذ عن العلماء والاستفادة
منهم ، ومعرفة فضلهم وتعظيمهم ) .
٣٥٨

٢٦٠٠
طلبه للعلم
لا يمكن أن يميز المطالع لترجمة الإمام عبد القادر العيدروس رحمه الله
مرحلةً واضحةً لطلب العلم في حياته ؛ لأنه نشأ في بيت علم وفضل ،
وتقوىّ وصلاح ، فقد نشأ إذاً طالبَ علم كما عرفنا ذلك من خلال حديثه عن
نفسه فيما تقدم .
والذي يمكننا إضافته هنا هو قوله في (( النور السافر)) ( ص ٤٤٦ ) :
( ... وشاركت في كثير من الفنون ، وتفرغت لتحصيل العلوم النافعة
لوجه الله تعالى ، وعملت الهمة في اقتناء الكتب المفيدة ، وبالغت في طلبها
من أقطار البلاد البعيدة ، مع ما صار إليَّ من كتب الوالد رحمه الله ، فاجتمع
عندي منها جملة عديدة ) .
شيوخه
أفادنا الإمام عبد القادر العيدروس رحمه الله أنه تلقى العلم على جماعة
من العلماء الأعلام ، وقد نقل العلامة الشلي رحمه الله في (( المشرع
الروي)) (١٥٢/٢) عن ((الزهر الباسم)) للإمام عبد القادر نفسه طائفةٌ من
حديثه عن مشايخه الذين تتلمذ عليهم ، وكرع من معينهم ، وهم :
- شيخ الإسلام ، وغوث الأولياء الكرام ، الرباني المربي ، شيخ بن
٣٥٩
0

عبد الله بن شيخ بن عبد الله العيدروس (ت٩٩٢هـ ) ، وهو والد الإمام عبد
القادر رحمهما الله تعالى .
- أخوه السيد العلامة عبد الله بن شيخ ( ت١٠١٩ هـ) .
- السيد العالم ، والفاضل المتصوف ، والنسيب الشريف ، حاتم بن
أحمد بن موسى الأهدل الحسيني اليمني (ت ١٠١٣ هـ).
- الشيخ الإمام ، درويش حسين الكشميري .
- الشيخ الإمام ، موسى بن جعفر الكشميري .
- الشيخ الإمام ، محمد بن الشيخ حسن الجشتي .
تلاميذه
لم نستطع الوقوف إلا على أسماء بعض الذين أخذوا عن الإمام عبد
القادر العيدروس رحمه الله تعالى ، وذلك عندما أخبرنا هو عن ذلك ، فقال
في ((النور السافر)) ( ص ٤٤٧): (وأخذ عني غير واحد من الأعلام ،
وانتفع بي عدة من الأنام ) .
غير أنه لم يذكر ما قرؤوه عليه ، ولا ما أخذوه عنه ، في حين صرح بأنه
ألبس جماعةً من الأعيان خرقة التصوف ، وعدَّد منهم :
- السيد الجليل العلامة ، جمال الدين ، محمد بن يحيى الشامي
المكي .
٣٦٠