النص المفهرس
صفحات 301-320
5. المرئيُّ لا شكَّ ذو أجزاءٍ كثيرةٍ ، ثمَّ لا يراهُ الرائي معَ ذلكَ إلاَّ واحداً ، ولا يخطرُ ببالِهِ شيءٌ مِنْ أجزائِهِ مِنْ حيثُ إنَّ أجزاءَ الإنسانِ الظاهرةَ لا حراكَ لها ولا سكونَ ، ولا قبضَ ولا بسطَ ، ولا تصرُّفَ فيما يظهرُ إلاَّ بمعاني ما كانَ إنساناً مِنْ أجلِهِ وهوَ الراكبُ للجسدِ ، المستولي على سائرِ الأجزاءِ ، المصرِّفُ بقدرَةِ اللهِ تعالى للأعضاءِ ، الملقَّبُ بالروح تارةً ، والقلبِ أخرى ، وقدْ يعبرُ عنهُ بالنفسِ . فإذا رأى اليدَ مِنَ الإنسان مثلاً .. لمْ يرَها مِنْ حيثُ إنَّها لحمٌ وعصبٌ وعضلٌ وغيرُ ذلكَ مِنْ مجموع أشخاصِ الجواهرِ ، وإنَّما يراها مِنْ حيثُ ما ظهرَ عليها مِنْ آثارِ صفاتِهِ التي هيَ القدرةُ والعلمُ والإرادةُ والحياةُ . 4٫٥. ٠٨٠٠٦ ٠ والد - ماع. والصفاتُ لا تقومُ بنفسِها دونَ الموصوفِ ؛ فلهذا لمْ يشاهدْ غيرَ المعنَى الحامل للصفاتِ المشهودِ أثرُها في الأعضاءِ والجوارحِ ، فظهرَ صحَّةُ رؤيةٍ الرائي الإنسانَ واحداً وهوَ ذو أجزاءٍ كثيرةٍ . ومثلُ هذا قدْ يعترِي الداخلينَ على الملوكِ ، والمحبينَ معَ منْ قدْ شُغِفُوا بهِ مِنَ المخلوقينَ . والأمثالُ غيرُ هذا كثيرةٌ مِنْ هذا المعنى، وأرجو ألاَّ يُحتاجَ إليها معَ هذا الوضوح ، ولاَ فهمَ إِلَّ باللهِ تعالى، ولا شرحَ إلاَّ منهُ، ولا نورَ إلاَّ مِنْ عندِهِ ، ولهُ الحولُ والقوَّةُ ، وهوُ العليُّ العظيمُ . ٣٠١ فضَّك 1في معنى: إفشاء سر التربوبية كفر [ وأمَّا معنى إفشاءُ سرِّ الربوبيّةِ كفرٌ . . فيُخرَّجُ على وجهينِ : أحدُهُما : أنْ يكونَ المرادُ بهِ كفراً دونَ كفرٍ ، ويُسمَّى بذلكَ تغليظاً لِمَا أتى بهِ المُفْشِي، وتعظيماً لِمَا ارتكَبَهُ . ويُعترضُ هذا بأنْ يقالَ : لا يصحُّ أنْ يُسمَّى هذا كفراً؛ لأنَّهُ ضدُّ الكفرِ ؛ إذِ الكافرُ الذي سُمِّيَ هذا على معناهُ ساتِرٌ ، وهذا المُفشِي للسرِّ ناشرٌ ، وأينَ النشرُ مِنَ السترِ ، والإظهارُ مِنَ التغطيةِ ، والإِعلانُ مِنَ الكتم ؟ واندفاعُ هذا هيِّنٌ بأنْ يقالَ : ليسَ الكفرُ الشرعيُّ تابعاً للاشتقاقِ ، وإنَّما هوَ حكمٌ لمخالفةِ الأمرِ ، وارتكابِ النهي ، فمَنْ ردَّ إحسانَ محسنٍ ، أَوْ جحدَ نعمةً متفضِّلٍ .. فيقالُ لهُ: كافرٌ؛ لجهتينِ : إحداهما مِنْ جهةٍ الاشتقاقِ ، ويكونُ إذْ ذاكَ اسماً ينبىُ عنْ وصفٍ ، والثانيةُ : مِنْ جهةٍ الشرع ، ويكونُ إذْ ذاكَ حكماً يوجبُ عقوبةً ، والشرعُ قَدْ وردَ بشكرٍ المنعم . فافهمْ ، لا تذهبْ معَ الألفاظِ ، ولا تستزلَّكَ العباراتُ ، ولا تحجبْكَ التسمياتُ ، وتفطَّنْ لخداعِها ، واحترسْ مِنِ استدراجِها . فإذاً؛ مَنْ أظهرَ ما أُمرَ بكتمِهِ .. كانَ كمَنْ كتمَ ما أُمرَ بنشرِهِ ، وفي ٣٠٢ - مخالفةِ الأمرِ فيهما حكمٌ واحدٌ على هذا الاعتبار . ويدلُّ على ذلكَ مِنْ جهةِ الشرع قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لاَ تُحَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا لَمْ تَصِلْهُ عُقُولُهُمْ)) (١) ، وفي ارتكابِ النهي عصيانٌ، ويُسَمَّى في بابِ القياسِ على المذكورِ : كفراناً . والوجهُ الثاني : أنْ يكونَ معناهُ كفراً للسامع لا للمخبرِ ، بخلافِ الوجهِ الأولِ، ويكونُ هذا مطابقاً لحديثِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لاَ تُحَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا لَمْ تَصِلْهُ عُقُولُهُمْ، أَتْرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ؟!)). فمَنْ حدّثَ أحداً بما لمْ يصلْهُ عقلُهُ .. ربَّما سارعَ إلى التكذيبِ ، وهوَ الأكثرُ ، ومَنْ كذَّبَ بقدرةِ اللهِ تعالى أوْ بما أوجدَ بها .. فقدْ كفَرَ ولوْ لمْ يقصدِ الكفرَ . ١٠٠ فإِنَّ أَكثرَ اليهودِ والنصارى وسائرِ النِحَلِ ما قصدَتِ الكفرَ ، ولا تظنُّهُ بأنفسِها ، وهُمْ كفارٌ بلا ريبٍ ، وهذا وجهٌ واضحٌ قريبٌ . ولا تلتفِتْ إلى ما مالَ إليهِ بعضُ مَنْ لا يعرفُ وجوهَ التأويلِ ، ولا يعقلُ كلامَ أُولِي الحِكَمِ والراسخينَ في العلمِ ، حينَ ظنَّ أنَّ قائلَ ذلكَ أرادَ الكفرَ الذي هوَ نقيضُ الإِيمانِ والإسلامِ ، يتعلقُ بمخبرِهِ ويلحقُ قائلَهُ ، وهذا (١) رواه البخاري (١٢٧) موقوفاً على علي رضي الله عنه، ورواه الطبراني في (( الأوسط) (٨١٩٢)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٦٣١) مرفوعاً بنحوه. ٣٠٣ : لا يُخرَّجُ إلاَّ على مذاهبٍ أهل الأهواءِ ، الذينَ يكفِّرونَ بالمعاصِي ، وأهلُ السنَّةِ لا يرضَوْنَ بذلكَ . وكيفَ يقالُ لمَنْ آمَنَ باللهِ ورسولِهِ واليومِ الآخرِ ، وعَبَدَ اللّهَ بالقولِ الذي ينزِّهُهُ بهِ ، والعملِ الذي يقصدُ بهِ التعبُّدَ لوجهِهِ ، والفكرِ الذي يستزيدُ بهِ إيماناً ، والمعرفةِ لهُ سبحانَهُ ، ثمَّ يكرمُهُ اللهُ تعالى على ذلكَ بفوائدِ المزيدِ ، ويُنِيلُهُ ما شَرُفَ مِنَ المِنَحِ ، ويُريهِ أعلامَ الرضا ، ثمَّ يكفِّرُهُ أحدٌ بغيرٍ شرع ولا قياسِ عليهِ ، والإِيمانُ لا يخرجُ عنهُ إلَّ بنبذِهِ واطِّراحِهِ وتركِهِ ، واعتقادِ ما لا يتمُّ الإِيمانُ معَهُ ، ولا يحصلُ بمقارنتِهِ ؟! ٠مائ . مت٠ ٥٨٠٠ وليسَ في إفشاءِ الوليِّ شيءٌ ممَّا يناقضُ الإيمانَ، اللهُمَّ ؛ إلاَّ أنْ يُرِيدَ بِإِفشائِهِ وقوعَ الكفرِ مِنَ السامع لهُ، فهذا عاتٍ(١) ، متمرِّدٌ، وليسَ بوليٍّ، ومَنْ أرادَ مِنْ خلقِ اللهِ أَنْ يكفرُوا باللهِ تعالى .. فهوَ لا محالةَ كافرٌ ، وعلى هذا يُخرَّجُ قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُواْ اللَّهُ عَدُوْا بِغَيرِ عِلْمٍ﴾. ثُمَّ إِنَّهُ مَنْ سبَّ أحداً منهُمْ على معنى ما يجدُ لهُ مِنَ العداوةِ والبغضاءِ .. قيلَ لهُ : أخطأْتَ وأثمْتَ مِنْ غيرِ تكفيرٍ ، وإنْ كانَ إنَّما فعلَ ذلكَ ليسمعَ سبَّ اللهِ تعالى أوْ سبَّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. فهو كافرٌ بالإجماع . (١) في (ث، ذ، ض): (عابث) . ٣٠٤ :٥٠٠ سُؤَالُ س١ لحم [ما معنى: للإِلهِيَّةِ سرّ لوِ انكشفَ .. لبطلتِ النبوَّةُ؟] فإِنْ قيلَ : فما معنى قولِ سهلٍ رحمَهُ اللهُ تعالى الذي نُسِبَ إليهِ : ( للإِلهيةِ سرّ لوِ انكشفَ .. لبطلتِ النبؤَّةُ، وللنبوَّةِ سُّ لوِ انكشفَ .. لبطلَ العلمُ، وللعلمِ سرٌّ لوِ انكشفَ .. لبطلتِ الأحكامُ) (١). حر وجاءَ في (( الإِحياءِ )) على أثرٍ هذا القولِ: وقائلُ هذا إنْ لمْ يُرِدْ بهِ بطلانَ النبوّةِ في حقِّ الضعفاءِ .. فما قالَهُ ليسَ بحقِّ؛ فإِنَّ الصحيحَ لا يتناقضُ، والكاملُ مَنْ لا يطفىءُ نورُ معرفتِهِ نورَ ورعِهِ . وهذا وإنْ لمْ يكنْ مِنَ الأسئلةِ المرسومةِ .. فهوَ متعلقٌ منها بما فُرِغَ مِنَ الكلام فيهِ آنفاً وناظرٌ إليهِ ؛ إذْ ما أدى إفشاؤُهُ إلى بطلانِ النبوَّةِ والأحكامِ والعلمِ .. فهوّ كفرٌ . والجوابُ : أنَّ الذي قالَهُ رحمَهُ اللهُ وإنْ كانَ مستعجماً في الظاهرِ .. فهوَ قريبُ المسلَكِ ، بادِي الصحّةِ للمتأمِّلِ الذي يعرفُ مصادِرَ أغراضِهِمْ : ومسالِكَ أقوالِهِمْ . وسرُّ الإلهيةِ الذي بمعرفتِهِ يستحقُّ النبوّةَ مَنْ وصلَ إليهِ اليقينُ(٢) الذي لولاءُ لمْ يكنْ نبيّاً .. لا يخلُو: (١) انظر ((قوت القلوب)) (٩٠/٢). (٢) في (ث، ذ) : ( وصل إلى الله باليقين ) . ٣٠٥ كم إمّا أنْ يكونَ انكشافُهُ مِنَّ اللهِ بما يطلعُ على القلوبِ مِنَ الأنوارِ التي كانتْ غائبةً عنها ؛ بأنْ كانتِ القلوبُ ضعيفةً طراً عليها مِنَ الدهشِ والاصطلام والحيرةِ والتّيهِ ما يبهرُ العقولَ ، ويُفْقِدُ الحسنَّ ، ويقطعُ عَنِ الدنيا وما فيها ، وذلكَ لضعفِهِ . ومَنِ انتهى إلى هذِهِ الحالةِ .. فتبطلُ النبؤَّةُ في حقِّهِ أنْ يعرفَها ، أوْ يعقلَ ما جاءَ مِنْ قِبلها؛ إذْ قَدْ شغلَهُ عنها ما هوَ أعظمُ لديهِ منها ، وربَّما كانَ ذلكَ سببَ موتِهِ لعجزِهِ عَنْ حملٍ ما يطرأُ عليهِ . كما حُكِيَ أنَّ شابّاً مِنْ سالكي طريقِ الآخرةِ عرضَ عليهِ أبو يزيدَ ولمْ يرهُ مِنْ قبلُ ، فلمَّا نظرَ إليهِ الشابُ .. ماتَ مِنْ ساعتِهِ ، فقيلَ لهُ في ذلكَ ، فقالَ: إِنَّهُ كانَ في صدرِهِ أمرٌ لمْ تتكشفْ لهُ حقيقتُهُ ، فلمَّا رآني .. انكشفَ لهُ ، وكانَ في مقام الضعفاءِ مِنَ المريدينَ ، فلمْ يطقْ حملَهُ فماتَ بهِ . وإمَّا أنْ يكونَ انكشافُهُ مِنْ عالِم بهِ على جهةِ الخبرِ عنهُ . . فتبطلُ النبوَّةُ في حقِّ المخبرِ ، حيثُ نُهِيَ عَنِ الإفشاءِ فأفشى، وأُمِرَ ألاَّ يتحدثَ فلمْ يفعلْ ، فخرجَ بهذِهِ المعصيةِ عَنْ طاعةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيها ؛ فلهذا قيلَ في ذلكَ : بطلتِ النبوّةٌ في حقِّهِ بإخبارِهِ . حن .جن e: فإِنْ قلتَ : فلِمَ لا تكفرُوهُ على هذا الوجهِ إذْ بطلتِ النبوةُ في حقِّهِ بإخبارِهِ ؟ بحر ٣٠٦ G قلنا : لمْ يبطلْ في حقُّهِ جميعُها ، وإنَّما بطلَ في حقِّهِ منها ما خالفَ الأمرَ الثابتَ مِنْ قِبلها ، ويعدُّ هذا مِنَ الكلام إغلاءً وتغليظاً لحقِّ الإِفشاءِ ، وقدْ سبقَ الكلامُ عليهِ في معنى (إفشاءِ سرِّ الربوبيّةِ كفرٌ ). وأمَّا سُّ النبوّةِ الذي أوجبَ بطلانَ العلم لمَنْ رُزقَها ، أوْ رُزِقَ معرفَتَها على الجملةِ ؛ إذِ النبوةُ لا يعرفُها بالحقيقةِ إلا نبيٌّ : فإِنِ انكشفَ ذلكَ لقلبٍ أحدٍ .. بطلَ العلمُ في حقِّهِ باعتبارِ المحبَّةِ لهُ بالأمرِ المتوجِّهِ عليهِ بطلبهِ ، والبحثِ عنهُ والتفكّرِ فيهِ ، فيكونُ كالنبيِّ إذا سُئلَ عَنْ شيءٍ أَوْ وقعَتْ لهُ واقعةٌ .. لمْ يَحْتَجْ إلى النظرِ فيها، ولا إلى البحثِ عنها ، بلْ ينتظرُ ما عُوِّدَ مِنْ كشفِ الحقائقِ بإخبارِ مَلَكِ ، أَوْ ضربٍ مثلٍ يفهمُ عنهُ، أوِ اطلاع على اللوحِ المحفوظِ ، أَوْ إلقاءٍ في رُوعِ ، فيعودُ ذلكَ أصلاً في العلمِ ، ونسخاً لهُ ، ومعنىّ يقيسُ عليهِ غيرَهُ . ١٨٠٢ X وأمَّا إنْ كانَ انكشافُهُ بخبرٍ ممَّنْ رُزِقَ علمَ ذلكَ .. كانَ بطلانُ العلم في حقِّ المخبرِ ؛ إِذْ أفشاهُ لغيرِ أهلِهِ ، وأهداهُ لمَنْ لا يستحقُّهُ . كما رُويَ أَنَّ عيسى على نبيّنا وعليهِ أفضلُ الصلاةِ والسلامِ قالَ : ( لا تعلّقُوا الدرَّ في أعناقِ الخنازيرِ)(١)، وإنَّما أرادَ ألَّ يباحَ العلمُ لغيرِ أهلِهِ . (١) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٣٥٥/٩ -٣٥٦) مرفوعاً، وروى ابن ماجه (٢٢٤) من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( طلب العلم فريضة على كل مسلم ، وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب)) . ٣٠٧ وقدْ جاءَ : ( لا تمنعُوا الحكمةَ أهلَها فتظلمُوهُمْ ، ولا تضعُوها عندَ غيرِ أهلِها فتظلمُوها) (١). وأمَّا سُّ العلم الذي يُوجبُ كشفُهُ بطلانَ الأحكام : فإِنْ كانَ كشفُهُ مِنَ اللهِ سبحانَهُ لقلوبٍ ضعيفةٍ .. بطلتِ الأحكامُ في حقٌّها ؛ لِمَا تطَّلعُ عليهِ في ذلكَ السرِّ مِنْ معرفةِ مَآلِ الأشياءِ ، وعواقبٍ الخلقِ ، وكشفِ أسرارِ العبادِ ، وما بطنَ مِنَ المقدورِ . فمنْ عرفَ نفسَهُ مثلاً أنَّهُ مِنْ أهلِ الجنَّةِ .. لمْ يصلِّ ، ولمْ يصمْ ، ولمْ يتعبْ نفسَهُ في خيرٍ . وكذلكَ لوِ انكشفَ لهُ أنَّهُ مِنْ أهلِ النارِ .. كَمُلَ انهماكُهُ ، فلا يحتاجُ إلى تعب زائدٍ ، ولا نصبٍ يكابدُهُ فلوْ عرفَ كلُّ أحدٍ عاقبتَهُ ومَآلَهُ .. بطلتِ الأحكامُ الجاريةُ عليهِ . وإنْ كانَ كشفُها مِنْ مخبرٍ .. استروحَ الضعيفُ إلى ما يسمعُ مِنْ ذلكَ ، فيتعطلُ وينخرمُ حالُهُ ، وينحلُّ قيدُهُ . وبعدَ هذا فلا يُحملُ كلامُ سهلٍ رحمهُ اللهُ إلاَّ على ما يُقدَّرُ(٢) ، لا على ما يوجدُ ، ولذلكَ جعلَهُ مقروناً بحرفِ ( لوْ) الدالِّ على امتناع الشيء لامتناع غيرِهٍ ، كما يقالُ : (١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٦٣/٦٨) من كلام سيدنا عيسى عليه السلام . (٢) في (ث ، ذ) : ( ما تعذر ). ٣٠٨ لو كانَ للإِنسانِ جناحانِ .. لطارَ . ولوْ كانَ للسماءِ درجٌ .. لصُعِدَ إليها . ولو كانَ البشرُ ملكاً .. لفقدَ الشهوةَ. فعلى هذا يخرَّجُ كلامُ سهلٍ رحمَهُ اللهُ في ظاهرِ العلمِ . ٣٠٩ ٠/٠٤ فَضَعُك [في عدم استنكار خطاب الجمادات. وأمَّا خطابُ العقلاءِ للجماداتِ .. فغيرُ مستنكَرٍ ، فقديماً ندبَ الناسُ الديارَ، وسألُوا الأطلالَ، واستخبّرُوا الآثارَ، وقدْ جاءَ في أشعارِ العربِ وکلامِها مِنْ ذلكَ کثیرٌ . وفي حديثِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( أُسْكُنْ حِراءُ؛ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيُّ أَوْ صِدْيقٌ أَوْ شَهِيدَانِ))(١) . وقالَ بعضُهُمْ : سلِ الأرضَ تخبرك عمَّنْ شقَّ أنهارَها ، وفَجَّرَ بحارَها ، وفتقَ أهواءَها(٢)، ورتقَ أجواءَها(٣) ، وأرسى جبالَها، إنْ لمْ تجبْكَ حواراً .. أجابتُكَ اعتباراً . وإِنَّما الذي يتوقفُ على الأذهانِ ، ويتحيرُ في قبولِهِ السامعونَ ، وتتعجبُ منهُ أُولو العقولِ ، هوَ كيفيَّةُ كلام الجماداتِ والحيواناتِ الصامتاتِ ، ففي هذا وقعَ الإِنكارُ ؛ واضطربَ النظَّارُ، وكذَّبَ تصحيحَ وجودِه ذوو السمعِ مِنْ أهلِ الاعتبارِ . (١) رواه مسلم (٢٤١٧) ، وفيه ( أو شهيد ) بدل ( أو شهيدان ) . (٢) فى (ث، ذ) : (وفتق أزهارها ) . (٣) في (ث، ذ) : ( ورتق أجزاءها ). ٣١٠ ولكنْ لتعلمْ أنَّ تلقي الكلام للعقلاءِ ممَّنْ لمْ يُعهَدُ فيهِ في المشهورِ يكونُ على جهاتٍ : مِنْ ذلكَ : سماعُ الكلام الذاتيِّ ، كما يُتلقَّى مِنْ أهلِ النطقِ إذا قصدُوا إلى نظمِ اللفظِ ، وذلكَ أكثرُ ما يكونُ للأنبياءِ والرسلِ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِمْ أجمعِينَ في بعضِ الأوقاتِ ؛ كحنينِ الجذع النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ (١)، وكانَ بمكَّة حَجَرٌ يسلِّمُ عليهِ في طريقِهِ قبلَ مبعثِهِ (٢). ومنها : تلقِّ الكلام في حسِّ السامعِ ، مِنْ غيرِ أنْ يكونَ لهُ وجودٌ في خارجِ الحسِّ ، ويعتري هذا في سائرِ الحواسِّ ؛ كمثْلٍ ما يسمعُ النائمُ في منامِهِ ؛ مِنْ مثالِ شخصٍ ومِنْ غیرِ مثالٍ . والمثالُ المرئيُّ للنائمِ ليسَ لهُ وجودٌ في غيرِ حاسَّةٍ بصرِهِ ؛ كالصوتِ الذي يسمعُهُ منهُ ليسَ لهُ وجودٌ في غيرِ حاسَّةِ سمعِهِ . وأمَّا ما يجدُهُ غيرُ النائمِ في اليقظةِ: فمنها خاصَّةٌ ، وعامَّةٌ . فالعامَّةُ تشهدُ بصحَّةِ الخاصَّةِ ؛ كما جاءَ في الحديثِ عَنْ قتلِ اليهودِ في آخرِ الزمانِ: ((أَنَّ الْحَجَرَ يُنَادِي الْمُسْلِمَ: يَا مُسْلِمُ؛ خَلْفِي يَهُودِيٌّ (١) كما رواه البخاري (٣٥٨٣). (٢) كما رواه مسلم ( ٢٢٧٧) . ٣١١ فَأَقْتُلْهُ))(١)، فإمَّا أنْ يخلُقَ(٢) اللهُ تعالى للحجرِ حياةً ونطقاً، ويُذهبَ عنهُ معنى الحجريَّةِ ، أَوْ يوكِّلَ بالحجرِ مَنْ يتكلَّمُ عنهُ ممَّنْ يُستَرُ عَنِ الأبصارِ في العادةِ مِنَ الملائكةِ أوِ الجنِّ ، أَوْ يكونَ كلاماً يخلقُهُ اللهُ عزَّ وجلَّ في أذنِ السامعِ ؛ ليفيدَهُ العلمَ باختفاءِ اليهوديِّ حتَّى يقتلَهُ. وكما يقالُ في العرضِ الأكبرِ إذا نُودِيَ فيهِ باسمٍ كلِّ واحدٍ على الخصوصِ ، وفي الخلائقِ مثلُ اسمِ المنادَى كثيرٌ ، وقدْ قالتِ العلماءُ رحمَهُمُ اللهُ: ( إنهُ لا يسمعُ النداءَ في ذلكَ الجمع إِلَّ مَنْ نُودِيَ) فيُحتملُ أنْ يكونَ ذلكَ النداءُ يُخلقُ للمنادَى في حاسَّةِ أذنِهِ ؛ ليتحرَّكَ إلى الحسابِ وحدَهُ دونَ مَنْ يشاركهُ في اسمِهِ ، ولا يكونُ نداءً مِنْ خارج ، والأمثلةُ كثيرةٌ في الشرع ، وفيما سمعتَ غُنْيَةٌ ومَقْنَعٌ . ومنها : تلقِّي الكلام في العقلِ ، وهوَ المستفادُ بالمعرفةِ ، المسموعُ بالقلبِ ، المفهومُ بالتقديرِ عَنِ اللفظِ المسمَّى بلسانِ الحالِ ، كما قالَ .(٣) [من الطويل] قیس وكَبَّرَ للَّحْمَنِ حِينَ رآنِي وَأَجْهَشْتُ للتَّوْبادِ حِينَ رأيتُهُ حَوَالَيْكَ فِي عَيْشٍ وخَفْضٍ زَمانٍ فَقُلْتُ لَهُ أَيْنَ الَّذِينَ عَهِدْتَّهُمْ ئن حن جن (١) رواه البخاري (٢٩٢٦)، ومسلم (٢٩٢٢) عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه . (٢) في النسخ: ( فإن لم يخلق ) ، والمثبت من هامش (ذ). (٣) هو قيس بن الملوح، والأبيات في ((ديوانه)) (ص ٢٨٣). ٣١٢ فَقَالَ مَضَوْا وَأَسْتَوْدَعُونِي بِلادَهُمْ وَمَنْ ذا الَّذِي يبقَى عَلَى الحَدَثانِ وفي أمثالِ العوامِّ : ( قالَ الحائطُ للوتدِ : لِمَ تشقُّنِي؟ فقالَ الوتدُ للحائطِ : سلْ مَنْ يدقُّنِي ) . فلوْ كانتِ العبارةُ تتأتَّى منهُما .. ما عبَّرَتْ إلَّ بما قدِ استُغِيرَ لهُما . وعلى هذا المعنى حملَ كثيرٌ مِنَ العلماءِ رحمَهُمُ اللهُ قولَهُ تعالى إخباراً عَنِ السماءِ والأرضِ: ﴿أَثْنِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهَا قَالَتَآَ أَنْنَا طَابِعِينَ﴾ وفي قولِهِ تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَلَهَا الْإِنسَنِّ إِنَّهُ كَنَ ظَلُوْمًا جَهُولًا﴾. ومنها : تلقِّي الكلام في الخيالِ ؛ مثلُ قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى عَلَيْهِ عَبَاءَ تَانٍ قَطْوَانِيََّانِ يُلَبِّي وَتُحِبُهُ الْجِبَالُ، وَللهُ تَعَالَى يَقُولُ لَهُ: لَبَّيْكَ يَا يُونُسُ))(١) . فقولُهُ: ((كأنِّي أنظرُ)) يدلُّ على أنَّهُ تخيلَ حالةً سبقَتْ لمْ يكنْ لها في الخيالِ (٢) وجودٌ ذاتيٌّ؛ لأنَّ يونسَ على نبيِّنا وعليهِ الصلاةُ والسلامُ قَدْ ماتَ ، وتلكَ الحالةُ منهُ قدْ سلفَتْ ، وفي هذا الحديثِ إخبارٌ عَنِ الوجودِ (١) رواه الديلمي في ((الفردوس بمأثور الخطاب)) ( ٤٨٤٨). (٢) في (ت، ث، ذ، ض): (في الحال) بدل ( في الخيال ). ٣١٣ ٥٠٠ ـومح. الخياليِّ في البصرِ ، والوجودِ الخياليّ في السمعِ . ومنها : تلقِّي الكلام بالشَّبَهِ ، وهوَ أنْ يسمعَ السامعُ كلاماً أوْ صوتاً مِنْ شخصٍ حاضرٍ ، فيُلقَى عليهِ شبهُ غيرِهِ ممَّا غابَ عنهُ؛ كقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في صوتٍ أبي موسى الأشعريِّ رضيَ اللهُ عنهُ إذْ سمعَهُ يترنَّمُ بالقرآنِ : (( لَقَدْ أُعْطِيَ مِزْمَاراً مِنْ مَزامِيرٍ آلِ دَاوُودَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ))(١) . ومزاميرُ آلِ داوودَ قدْ عُدِمَتْ وذهبَتْ ، وإنَّما شبَّهَ صوتَهُ بها . وكما إِذا سمعَ المريدُ صوتَ مزمارٍ ، أوْ عودٍ فجأةً على غيرِ قصدٍ .. يتخيلُ صريرَ أبوابِ الجنَّةِ ويشبَّهُها بما فجَأَ صوتُهُ مِنْ ذلكَ . فهذِهِ مراتبُ الوجودِ ، فأنتَ إذا أحسنْتَ التصرفَ بينَ إثباتِها ، ولمْ يعترِكَ غلط في بعضِها ببعضٍ .. لمْ تلتبسْ عليكَ، ولا اشتبهَتْ عليكَ ، وسمعْتَ عمَّنْ نظرَ بمشكاةِ نورِ اللهِ تعالى إلى الكاغَدِ وقَدْ رَآهُ أَسْوَذَّ وجهُهُ بالحبرِ ؛ فقالَ لهُ: ما بالُ وجهِكَ وكانَ أبيضَ مشرقاً مونقاً ، والآنَ قدْ ظهرَ عليهِ السوادُ ، فلِمَ سوَّدْتَ وجهَكَ ؟ فقالَ الكاغَدُ: ما أنصفْتَنِي في هذِهِ المطالبةِ؛ فإنِّي ما سؤَّدْتُ وجِهِي بنفسِي، ولكنْ سَلِ الحبرَ ؛ فإِنَّهُ كان مجموعاً في المحبرَةِ التي هيَ مستقرُّهُ حرة (١) رواه البخاري (٥٠٤٨)، ومسلم ( ٧٩٣) . ٣١٤ ٥- ووطنُهُ، فسافرَ عَنِ الوطنِ، ونزلَ بساحةِ وجهِي ظلماً وعدواناً، فقالَ: صدقْتَ. ثمَّ أنتَ إذا سمعْتَ أمثالَ هذِهِ المراجعاتِ .. أَعْملِ الفكرَ، وجدِّدٍ النظرَ ، وحُلَّ الكلامَ إلى جملةِ أجزائِهِ التي انتظمَ منها جملةُ ما بلغكَ . ـين فَسَلْ عَنْ معنَى الناظرٍ ، ومعنَى المشكاةِ ، ومعنَى نورِ اللهِ سبحانَهُ ، وما سببُ أنْ لمْ يعرفِ الناظرُ الكتابةَ والمكتوبَ ، وبأيِّ لسانٍ خاطبَ الكاغَدَ ، وكيفَ خاطبَهُ الكاغَدُ وهوَ ليسَ مِنْ أهلِ النطقِ ، وفيماذا صدَّقَ الناظرُ الكاغَدَ ، ولمَ صدَّقَهُ بمجرَّدِ قولِهِ دونَ دليلٍ ولا شاهِدٍ ؟ فسيبدُو لكَ ههنا أنَّ الناظرَ هوَ ناظرُ القلبِ، فيما أوردَهُ عليهِ الحسُّ ، والمشكاةُ استعارةٌ نُقِلَتْ مِنْ مشكاةِ الزجاجةِ التي أَعدَّتْ لسراج النارِ إِلى حيٍِّ المعرفةِ الملقَّبِ بسرِّ القلبِ ، تشبيهاً بها ؛ لأنها مسرجةُ الربِّ سبحانَهُ وتعالى يشعلُها بنورِهِ . ونورُهُ المذكورُ هلهنا عبارةٌ عَنْ صفاءِ الباطنِ ، واشتعالِ السرِّ بطلوع نيِّراتِ كواكبِ المعارفِ المُذْهِبَةِ - بإذنِ اللهِ تعالى - ظُلَمَ جهالاتِ القلوبِ ، ووجهُ إضافتِهِ إلى اللهِ تعالى على سبيلِ الإشارةِ بالذكرِ لأجلِ التخصيصِ بالشرفِ . والكاغَدُ والحبرُ كنايةٌ عنْ أنفسِهِما لا عَنْ غيرِهِما، وجعلَهُما اللهُ عزَّ وجلَّ مبدأَ طريقِهِ ، وأولَ سلوكِهِ ؛ إذْ هما في عالَمِ الملكِ والشهادةِ الذي هوَ محلٌّ جملةِ الناظرِ في حالِ نظرِهِ . ٣١٥ ـجيوه وأمَّا سببُ أنْ لَمْ يعرفِ الكتابةَ والمكتوبَ .. فلأجلِ أنَّهُ كانَ أميّاً لا يقرأُ الكتابَ الصناعيَّ، وإنَّما يرومُ معرفةَ قراءةِ الخطّ الإلهيِّ، الذي هوَ أبينُ وأدلُّ على ما يُفْهَمُ منهُ . وأمَّا مخاطبةُ الناظرِ للكاغَدِ وهوَ جمادٌ .. فقدْ سبقَ الكلامُ على مثلِهِ . و[أما](١) مراجعةُ الكاغَدِ لهُ .. فعلى قدرِ حالِ الناظرِ لهُ : إنْ كانَ مراداً .. فيتلقَّى الكلامَ في الحسِّّ بما ينبتُهُ عَنِ المطلوبِ مِنَ الحقِّ ، وهوَ مِنْ بابِ الإلقاءِ في الرُّوع ، فيودِعُهُ الحسَّ المشترَكَ المحفوظَ فيهِ على الإنسانِ صورُ الأشياءِ المحسوسةِ . وإنْ كانَ مريداً .. فيتلقَّه بلسانِ الحالِ المسموع بسمع القلبِ بواسطةِ المعرفةِ والعقلِ . وتصديقُ الناظرِ للكاغَدِ في عذرِهِ وإِحالتُهُ على الحبرِ لمْ يكنْ بمجرَّدٍ قولِهِ ، بلْ بشهادَةِ أُولي الرضا والعدلِ ، وهوَ البحثُ والتجربةُ، وشهادةٌ النفسِ ، وهذا سبيلكَ إلى اليدِ ، وهوَ آخرُ ما سألَ عنهُ مِنْ أجزاءٍ عالَم الملكِ . وأمَّا ما يسمعُهُ في حدِّ عالَم الجبروتِ ، وذلكَ مِنَ القدرةِ المحدثةِ إِلى العقلِ والعلمِ الموجودينِ في الإِنسانِ .. فمستقرُّهُ في القوَّةِ الوهميّةِ المدرِكَةِ جميعَ ما لا يستدعي وجودُهُ جسماً ، ولكنْ قدْ يعرضُ لهُ أنْ يكونَ في (١) ما بين معقوفين زيادة يقتضيها السياق، والله أعلم. ٣١٦ جسم ، كما تُدركُ السخلةُ عداوةَ الذئب وعطفَ أمِّها ، فتتبعُ العطفَ ، وتنفرُ مِنَ العداوةِ . وأمَّا ما يسمعُهُ في حدِّ عالم الملكوتِ ، وذلكَ مِنَ القلمِ الإلهيِّ إلى ما وراءَ ذلكَ ممَّا هوَ داخلٌ فيهِ ومعدودٌ منهُ .. فبسرِ القلبِ الذي يأخذُ بهِ عَنِ الملائكةِ، ويسمعُ بهِ ما بَعُدَ مكانُهُ ودقَّ معناهُ ، وعزبَ عَنِ القلوبِ(١) مِنْ جهةِ الفكرِ تصوّرُهُ . فأمَّا أيُّ شيءٍ حقائقُ هذهِ المذكوراتِ ؟ وما كُنْهُ كلِّ واحدٍ منها على نحوٍ معرفتِكَ لأجزاءِ عالمِ الملكِ والشهادةِ ؟ يـ حن فذلكَ مِنْ علم لا يُنتفَعُ بسماعِهِ معَ عدم المشاهدَةِ . واللهُ قدْ عرفكَ بأسمائِها ، فإِنْ كنتَ مؤمِناً .. فصدِّقْ بوجودِها على الجملةِ ؛ لِعِلْمِكَ أنكَ لا تُخْبَرُ بتسمِياتٍ ليسَ لها مسمَّيَاتٌ، إِلى أنْ يُلحقَكَ اللهُ بِأُولي المشاهداتِ ، ويخصَّكَ بخالصِ الكراماتِ ، ومَنْ كفرَ .. فإِنَّ اللهَ غنيٌّ حميدٌ . 95 .جونيو جد وواحد" .. (١) في (ث، ذ) : ( عن العقول ). ٣١٧ فَضَ [في بيان الفرق بين القلم المحسوس الظلم الإلبيّ] والفرقُ بينَ القلمِ المحسوسِ في عالمِ الملكِ وبينَ القلمِ الإلهيِّ في عالمٍ الملكوت : أنَّ القلمَ المحسوسَ كما عقلتَهُ(١) مجسماً، بطيءَ الحركةِ بالفعلِ ، سريعَ الانتقالِ بالهلاكِ ، مخلَّفاً عَنْ مثلِهِ في الظاهرِ ، مجعولاً تحتَ قهرٍ سلطان الآدميِّ الضعيفِ الجاهلِ في أكثرِ أوقاتِهِ ، مصرَّفاً بينَ أحوالٍ متنافيةٍ ؛ كالعلمِ والجهلِ ، والعدلِ والظلمِ ، والظنِّ والشكِّ، والصدقِ والإِفِكِ . والقلمُ الإلهيُّ عبارةٌ عنْ خلقٍ مِنْ خلقِ اللهِ تعالى في عالمِ الملكوتِ ، مختصِّ بخلافِ خصائصِ الجواهرِ الحسيَّةِ الكائنةِ في عالمِ الملكِ ، بريء مِنْ أوصافِ ما سُمِّيَ بهِ القلمُ المحسوسُ كلُّها ، مصرفٍ بيمينِ الخالقِ بحكمٍ إرادتِهِ على ما سبقَ بهِ علمُهُ في أزلِ الأزلِ ، وإنَّما سُمِّيَ بهذا الاسمِ لأجلٍ شبهِهِ بعملٍ ما سُمِّيَ بهِ ، غيرَ أنَّهُ لا يكتبُ إلَّ حقّاً بحقٍّ . (١) قوله : ( كما عقلته ) خبر ( أنَّ ) أي : كائن بالحال المعقولة لك سابقاً من نعته وعادته . اهـ هامش ( ث ، ذ) . ٣١٨ والفرقُ بينَ يمينِ الآدميِّ ويمينِ اللهِ عزَّ وجلَّ : أنَّ يمينَ الآدميِّ كما علمْتَ مركبةٌ مِنْ عصبِ استعصَى بقاؤُها ، وعضلٍ تعضُلُ أدواؤُها ، وعظام يعظُمُ بلاؤُها ، ولحمٍ ممتدٍّ ، وجلدٍ غيرِ ذي جَلَدٍ ، موصولةٌ بمثلِها في الضعفِ والانفصالِ ، ملقَّةٌ باليدٍ ، وهيَ عاجزةٌ على كلِّ حالٍ . ٠ ويمينُ اللهِ تعالى هيَ عندَ بعضٍ أهلِ التأويلِ : عبارةٌ عَنْ قدرتِهِ . ميد وعندَ بعضِهِمْ : عبارةٌ عَنْ صفةٍ للهِ تعالى غيرِ القدرةِ ، وليسَتْ بجارحةٍ ولا جسم . وعندَ آخرينَ : عبارةٌ عَنْ خلقِ للهِ تعالى هيَ واسطةٌ بينَ القلمِ الإلهيِّ الناقشِ للعلوم المحدَثَّةِ وغيرِها ، وبينَ قدرتِهِ التي هيَ صفةٌ لَهُ، صرفَ بها اليمينَ الكاتبةَ بالقلمِ المذكورِ بالخطَّ الإِلهيِّ المبثوثِ على صفحاتٍ المخلوقاتِ الذي ليسَ بعربيٍّ ولا عجميٌّ، يقرؤُهُ الأميونَ إذا شُرِحَتْ لهُ صدورُهُمْ، ويستعجِمُ على القارئينَ إذا كانُوا عبيدَ شهواتِهِمْ ، ولمْ تشاركْ يمينُ اللهِ يمينَ الآدميِّ إلَّ في بعضِ الاسمِ ؛ لأجلِ الشبهِ اللطيفِ الذي بينهُما في الفعلِ ، وتقريباً إلى كلِّ ناقصِ الفهمِ ، عساهُ يعقلُ ما أَنزِلَ على رسلِ اللهِ تعالى مِنَ الذكرِ . تر ٣١٩ كن فَضَ [في بيان حدّ عالم الملك والملكوت والجبروت] وحُّ عالم الملكِ : ما ظهرَ للحواسِّ ، ويكونُ بقدرةِ اللهِ تعالى بعضُهُ مِنْ بعضٍ ، وصحبهُ التغييرُ . وحدُّ عالم الملكوتِ : ما أوجدَهُ اللهُ سبحانَهُ بالأمرِ الأزليِّ بلا تدريجٍ ، وبقيَ على حالةٍ واحدةٍ مِنْ غيرِ زيادةٍ فيهِ ولا نقصانٍ منهُ . وحدُّ عالم الجبروتِ : هوَ ما بينَ العالمينِ ممّا أشبهَ أنْ يكونَ في الظاهرِ منْ عالمِ الملكِ ، فَجُبِرَ بالقدرةِ الأزليةِ بما هوَ مِنْ عالمٍ الملكوتِ . ـكن ٣٢٠