النص المفهرس
صفحات 281-300
مَجُوسُ هَذِهِ الأمَّةِ)» .. فما فِقْهُ أنْ أضافَهُمْ إلى الأمَّةِ؟ وما حكمةُ أنْ لمْ يقلْ : ( مجوسٌ ) على الإِطلاقِ ؟ وحينَ أخبرَ عَنْ هذِهِ الفرقِ أنهُمْ في النارِ فهلْ أخبرَ أنهُمْ خالدونَ فيها ؟ وحينَ قالَ: (( يَمْرِقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ)» .. فقدْ قالَ متصلاً بآخرِ هذا القولِ: (( وَتَتَمَارَىُ فِي الْفُوقِ))(١) ، وما موضعُ هذا التمارِي مِنَ المثلِ الذي ضربَهُ فيهِمْ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؟ فما لي أراكَ تلاحظُ جهةً وتتركُ أخرى ، وتذكرُ شيئاً وتذهلُ عَنْ غيرِهِ ؟! عليكَ بالعدلِ .. تكنْ مِنْ أَهلِهِ، واستعمل التفطَّنَ .. تشاهدِ العجائِبَ المعجِبةَ، وتفهمْ قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا لِيَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. فَضُ [في الاعتقادِ المجرَّدِ عَنِ العلم والمعرفةِ] ولمّا كانَ الاعتقادُ المجردُ عَنِ العلمِ بصحتهِ ضعيفاً ، وتفرُّدُهُ عَنِ المعرفةِ (١) رواه البخاري ( ٥٠٥٨ )، وفي (ش، خ): (في القول ) بدل ( في الفوق ) ، وفي بقية النسخ : (في الفرق)، والمثبت من ((صحيح البخاري )) ، ويتمارى : يشك ، والفوق : موضع الوتر من السهم ، والمعنى: يشك الرامي هل في الفوق شيء من أثر الصيد أم لا؟ فكذلك قراءتهم لا تحصل لهم منها فائدة. (( عمدة القاري)) (٢٠ / ٦٢ ) . ٢٨١ .03. قريباً مِنْ واهٍ .. أُلقيَ عليهِ شبهُ القشرِ الثاني مِنَ الجوزِ؛ لأنَّ ذلكَ القشرَ يُؤْكلُ معَ ما هوَ عليهِ صُوانٌ ، وإذا انفردَ .. أمكَنَ أنْ يكونَ طعاماً للمحتاج ، وبلاغاً للجائعِ . وبالجملةِ : فهوَ لمَنْ لا شيءَ معهُ خيرٌ مِنْ فقدِهِ ، وكذلكَ اعتقادُ التوحيدِ ، وإنْ كانَ مجرَّداً عَنْ سبيلِ المعرفةِ وغيرَ منوطٍ بشيءٍ مِنَ الأدلَّةِ ضعيفاً .. فهوَ في الدنيا والآخرةِ وعندَ لقاءِ اللهِ عزَّ وجلَّ خيرٌ مِنَ التعطيلِ والكفرِ ، ومتَى ركبَ أحدٌ غيرَ هذا .. فقدْ وقعَ في أعظم الحرج والنُّكْرِ ، واللهُ أعلمُ . ٢٨٢ بيان أرباب المرتبة الثالثة وفي توحيد المقربين اعلمْ : أنَّ الكلامَ في هذا النوعِ مِنَ التوحيدِ لهُ ثلاثةُ حدودٍ : أحدُها : أنْ يتكلمَ في الأسبابِ التي توصلُ إليهِ ، والمسالكِ التي يعبرُ عليها نحوَهُ ، والأحوالِ التي يتخذُّها لحصولِهِ كما قدَّرهُ العزيزُ العليمُ ، واختارَ ذلكَ ورضيَهُ وسمّاهُ : الصراطَ المستقيمَ . X والحدُّ الثاني: أنْ يكونَ الكلامُ في عينِ ذلكَ التوحيدِ ونفسِهِ وحقيقتِهِ ، وكيفَ يُتصورُ وصولُ السالكِ إِليهِ والطالبِ لهَ قبلَ وصولِهِ إليهِ ، وانكشافِهِ لهُ بالمشاهدَةِ . والحدُّ الثالثُ : في ثمراتِ ذلكَ التوحيدِ وما يلقىُ أهلُهُ بهِ ، ويطّلِعونَ عليهِ بسببهِ ، ويُكرمونَ بهِ مِنْ أجلهِ ، ويُتحفونَ مِنْ فوائدِ المزيدِ مِنْ جهتِهِ . فأمَّا الحدُّ الأولُ: فالكلامُ عليهِ ، والبيانُ لهُ، والكشفُ لدقائقِهِ، وبذلُهُ للصغيرِ والكبيرِ .. مأمورٌ بهِ، مشدَّدٌ في أمرِهِ ، متوغَّدٌ بالنارِ على كتمِهِ ، فیهِ بُعِثَ الأنبياءُ، ومِنْ أجلِهِ أُرسِلَ الرسلُ ، وببيانِهِ للناس كافَّةً نزلَتْ مِنْ ٢٨٣ عندِ اللهِ عزَّ وجلَّ على أمناءِ وحيهِ الصحفُ والكتبُ ، ولتقعَ الثقةُ في القلوبِ بتحقيقِهِ وتصديقِهِ أَيِّدَتِ الرسلُ بالمعجزاتِ ، والأولياءُ بالكراماتِ ؛ لئلاً يكونَ للناسِ على اللهِ حجةٌ بعدَ الرسلِ . وعليهِ أخذَ اللهُ الميثاقَ على الذينَ أُوتُوا الكتابَ ليبينُنَّهُ للناس ولا يكتمونَهُ، وفيهِ أنزلَ اللهُ تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكٌ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾. وإياهُ عنى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بقولِهِ: (( مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمِ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ .. أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامِ مِنْ نَارٍ))(١) . وجميعُ ذلكَ محصورٌ في اثنتينِ : العلمِ بالعبرةِ ، والعملِ بالسنةِ . وهما مبنيانِ على اثنتينِ : الحرصِ الشديدِ ، والنية الخالصةِ . والشرطُ في تحصيلِهِما اثنانِ : نظافةُ الباطنِ ، وسلامةُ الجوارح . ويُسمَّى جميعُ ذلكَ بعلمِ المعاملَةِ . وأمَّا الحدُّ الثاني : فالكلامُ فيهِ أكثرُ ما يكونُ على طريقةِ ضربِ الأمثالِ ؛ تشبيهاً بالرمزِ تارةٌ ، وتارةً بالتصريح ، ولكنْ على الجملةِ بما يناسبُ علومَ الظواهرِ . (١) رواه أبو داوود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩)، وابن ماجه ( ٢٦٦). ٢٨٤ ولكنْ يَشْرُفُ بذلكَ اللبيبُ الحاذقُ على بعضِ المرادِ ، ويفهمُ منهُ كثيراً مِنَ المقصودِ ، وينكشفُ لهُ جُلُّ ما يُشارُ إليهِ إذا كانَ سالماً مِنْ شركِ التعصُّبٍ ، بعيداً مِنْ هوَّةِ الهوى ، نظيفاً مِنْ دنسِ التقليدِ . وأمَّا الحدُّ الثالثُ: فلا سبيلَ إلى ذكرِ شيءٍ منهُ إلاَّ معَ أهلِهِ بعدَ علمِهِمْ بهِ على سبيلِ التذكارِ ، لاَ على سبيلِ التعليمِ . فضَّك [في بيانِ علَّةِ أحكام حدودٍ توحيدِ المقربينَ] إنَّما كانتْ أحكامُ هذِهِ الحدودِ الثلاثةِ على ما وصَفْنا ؛ لأنَّ الحدَّ الأوّلَ فيهِ محضُ النصح للخلقِ ، والاستنقاذُ لهُمْ مِنْ غمراتِ الجهلِ ، والتنكيبُ بِهِمْ عَنْ مهاوِي العطبِ ، وقودُهُمْ إلى معرفةِ هذا المقام وما وراءَهُ ممَّا هوَ أعلى منهُ ممَّا لَهُمْ فيهِ الملكُ الأكبرُ وفوزُ الأبدِ ، وقَدْ بُيِّنَ لهُمْ غايةَ البيانِ ، وأُقِيمَ عليهِ واضحُ البرهانِ ، وهوَ مبدأُ الطريقِ ، وأولُ سبيلِ السعادةِ . فمنْ عجزَ عَنْ ذلكَ .. كانَ عَنْ غيرِهِ أعجزَ ، ومَنْ سلكَهُ على استقامةٍ .. فالغالبُ عليهِ الوصولُ ، فإِنَّ اللهَ لا يضيعُ أجرَ مَنْ أحسنَ عملاً، ومَنْ وصلَ .. شاهدَ، ومَنْ شاهدَ .. علمَ، وذلكَ غايةُ المطلوبِ ، ونهايةُ المرغوبِ والمحبوب . ٢٨٥ ومَنْ قعدَ .. حُرِمَ الوصولَ وما بعدَهُ، ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًّاً عَظِيمًا﴾ . ومَنْ غابَ .. لمْ تنفعْهُ الأخبارُ، ولمْ يفدْهُ كثيرٌ مِنَ الأحاديثِ . ٧٠٠٠ وأيضاً : فإنَّ الإخبارَ بما وراءَ الحدِّ الأولِ والثاني على جهةِ كشفِهِ للخلقِ كافَّةٌ لوْ أمكنَ بما عُهِدَ مِنَ الكلامِ ، وجرىُ بينَ الناسِ مِنْ عرفِ التخاطبِ .. كانَ فيهِ زيادةُ محنةٍ ، وسببُ فتنةٍ على أكثرهِمْ ممَّنْ ليسَ مِنْ أَهلِ ذلكَ المقام ، وذلكَ لغرابةِ المعلوم ، وكثرةٍ غموضِهِ ، ودقّةِ معناهُ ، وعلوِّهِ في منازلِ الرفعةِ ، وبعدِهِ بالجملةِ والتفصيلٍ عَنْ جميع ما عُهِدَ في عالَمِ الملكِ والشهادة ، وخروجِهِ عَنْ تلكَ الحدودِ المألوفةِ ، ومباينتِهِ لكلِّ ما نشؤُوا عليهِ ولمْ يشاهدُوا غيرَهُ مِنْ محسوساتٍ ومعقولاتٍ وضرورياتٍ ونظرياتٍ . فلمَّا كانَ لا يُدركُ شيءٌ مِنْ ذلكَ بقياسِ ، ولا يُتصوّرُ بواسطةِ لفظٍ ، ولا يُحملُ عليهِ حقيقةُ مثلٍ ؛ كما قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُ مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾، وحُكِيَ عَنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: ( ليسَ عندَ الناسِ مِنْ علمِ الآخرةِ إلَّ الأسماءُ)، وأرادَ مَنْ لمْ ينكشِفْ شيءٌ لهُ مِنْ علمِها وحقائِقِها في الدنيا ، وأيضاً فلوْ جازَ الإخبارُ بها لغيرِ أهلِها .. لمْ يكنْ لهُمْ سبيلٌ إلى تصوُّرِها إلاَّ على خلافِ ما هيَ عليهِ بمجرَّدٍ تقليدٍ ، ويتطرقُ إليهِ مِنْ أهلِ الغفلةِ ومِنْ ذوي التصوُّرِ(١) جحودٌ وتفنيدٌ .. فلهذا (١) في غير (ث، ذ) : ( القصور ) . ٢٨٦ أُمِرُوا بالكتم إشفاقاً على مَنْ حُجِبَ عَنِ العلومِ . ولهذا قالَ سيِّدُ البشرِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لاَ تُحَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا لَمْ تَصِلْهُ عُقُولُهُمْ، أَتْرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ؟!))(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَا حَدَّثَ أَحَدُكُمْ قَوْماً بِحَدِيثٍ لا تبلُغُهُ عُقُولُهُمْ .. إِلَّ كَانَ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً)) (٢) . وعلى هذا يُخرَّجُ قولُ المشايخِ : إنشاءُ سرِّ الربوبيةِ كفرٌ . ولا تُرِدْ مزيدَ بحثٍ عَنْ علمٍ سرًّ موجِبٍ للكتمِ بعدَ فهمِكَ لهذا القولِ . رزقَنا اللهُ وإياكَ قلوباً واعيةً للخيرِ ؛ إنَّهُ وليُّ كلِّ صالحِ وبِرٍّ . فَضْك [في أصنافِ المقربينَ] وإذا علمْتَ أنَّ الحدَّ الأوّلَ قد تقرَّرَ علمُهُ في كتبِ الروايةِ والدرايةِ ؛ ومُلِئَتْ منهُ الطروسُ ، وكثرَتْ بهِ في المحافلِ الدروسُ ، وهوَ غيرُ محجوبٍ عَنْ طالبٍ ، ولا ممنوعٌ عنْ راغبٍ ، قدْ أُمِرَ الجهالُ بهِ أنْ يتعلمُوهُ ، (١) رواه البخاري (١٢٧) موقوفاً على عليٍّ بن أبي طالب رضي الله عنه، ورواه الطبراني في («الأوسط)) (٨١٩٢) مرفوعاً، والبيهقي في (( الشعب)) (١٦٣١) بنحوه. (٢) روى مسلم نحوه موقوفاً على ابن مسعود رضي الله عنه كما في (( شرح صحيح مسلم )) (٧٦/١)، وهو مرفوعاً من رواية العقيلي في ((الضعفاء)) (٩٣٧/٣) بنحوه أيضاً . ١ ٢٨٧ ٠مالك والعلماءُ بهِ أنْ يبذلُوهُ ويعلِّمُوهُ . . فلا نعيدُ فيهِ ههنا قولاً . ولمَّا كانَ حكمُ الحدِّ الثالثِ الكتمَ مرةً ، وتنكيبَ الكلام عنهُ معَ غيرِ أهلِهِ على كلِّ حالٍ .. لمْ يكنْ لنا سبيلٌ إلى تعدِّي محدوداتِ الشرع ، فلنْنِ العِنانَ إلى الكلام الذي يليقُ بهذا الحالِ والمقام ، فنقولُ : أربابُ المقام الثالثِ في التوحيدِ - وهُمُ المقربونَ - على ثلاثةِ أصنافٍ على الجملةِ : وكلُّهُمْ نظرُوا إلى المخلوقاتِ ، فرأَوْا علاماتِ الحدوثِ فيها لائحةً، وعاينُوا حالاتِ الافتقارِ إلى اللهِ(١) عزَّ وجلَّ عليها واضحةً، وسمعُوا جميعَها تدلُّ على توحيدِهِ وتفريدِهِ راشدةً ناصحةً . ثُمَّ رَأَوا اللهَ عزَّ وجلَّ بِإِيمانِ قلوبِهِمْ، وشاهدُوهُ بغيبِ أرواحِهِمْ ، ولاحظوا جلالَهُ وجمالَهُ بخفيٍّ أسرارِهِمْ ، وهُمْ معَ ذلكَ في درجاتِ القربِ على قدرِ حظّ كلِّ واحدٍ منهُمْ في اليقينِ وصفاءِ القلبِ . وهؤلاءِ الأصنافُ الثلاثةُ إنَّما عرفُوا اللهَ سبحانَهُ بمخلوقاتِهِ ، وانقسامُهُمْ في تلكَ المعرفةِ كانقسام حفّاظِ تلاوةِ القرآنِ مثلاً : فمِنْ حافظٍ لبعضِهِ ، ويكونُ ذلكَ البعضُ أكثرَهُ ، أَوْ كثيراً منهُ دونَ کمالِهِ . ومِنْ حافظٍ لجميعِهِ ، لكنَّهُ متلعثمٌ فيهِ ، متوقُّفٌّ عَنِ الانهمارِ في قراءتِهِ . ومِنْ حافظٍ لهُ ، ماهرٍ في تلاوتِهِ ، غيرِ متوقّفٍ في شيءٍ منهُ . (١) في (ت، ض): (إلى المحدث ). ٢٨٨ وكلُّهُمْ يُنسبُ إليهِ ويُعدُّ في المشهدِ والمغيبِ مِنْ أهلِهِ . وكذلكَ أهلُ هذِهِ المرتبةِ أيضاً : مِنْ متوصِّلٍ إلى المعرفةِ مِنْ قراءةِ صفحاتِ أكثرِ المخلوقاتِ ، أوْ كثيرٍ منها ، وربَّما كانَ فيما يقرأُ مِنَ الصفحاتِ ما ينعجمُ عليهِ . ومِنْ قارىءٍ لجميعِها ، متفهّمٍ لها ، لكنْ بنوع تعبٍ ، ولزومٍ فكرةٍ ، ومداومةِ عبرةٍ . ومِنْ قارىءٍ ماهرٍ في قراءَتِها ، مستخرج لرموزِها ، نافذِ البصيرةِ في رؤيةٍ حقائقِها ، مفتوح السمع ، تناطقُهُ الأشياءُ في فراغِهِ وشغلِهِ . وبحسبِ ذلكَ اختلفَتْ أحوالُهُمْ ؛ في الخوفِ والرجاءِ ، والقبضٍِ والبسطِ ، والفناءِ والبقاءِ ، ولا مزيدَ على هذا المثالِ ؛ فهوَ أوضحُ لذوي الأفهامِ مِنْ شمسِ النهارِ وقتَ الزوالِ . [في سببٍ تسميةِ المقربينَ بهذا الاسم] وعلمْتَ لِمَ سُمِّيَ أهلُ هذِهِ المرتبةِ المقربينَ ، فذلكَ لبعدهِمْ عَنْ ظلماتِ الجهلِ ، وقربهِمْ مِنْ نِيِّراتِ المعرفَةِ والعلمِ . فلا أبعدَ مِنَ الجاهلِ ، ولا أَقربَ مِنَ العارفِ العالِمِ . ٢٨٩ Ter والقربُ والبعدُ ههنا عبارتانِ عَنْ حالتينِ على سبيلِ التجوُّزِ في لسانِ الجمهور ، وعلى الحقيقةِ عندَ المستعملينَ لهما في هذا الفنِّ . إحدى الحالتينِ : عمَى البصيرةِ ، وانطماسُ القلبِ ، وخلوُّهُ عَنْ معرفةٍ الربِّ سبحانَهُ وتعالى، فسُمَِّ هذا بعداً ، مأخوذاً مِنَ البعدِ عَنْ محلِّ الراحةِ والمنزلِ الرحبِ ، وموضع العمارةِ والأنسِ ، والانقطاع في مهامِهِ القفرِ وأمكنةِ الخوفِ ، ومظانِّ الانفرادِ والوحشةِ . والحالةُ الثانيةُ : عبارةٌ عَنِ اتَّقَادِ الباطنِ ، واشتعالِ القلبِ ، وانفساحِ الصدرِ بنورِ اليقينِ والمعرفةِ والعقلِ ، وعمارةِ السرِّ بمشاهدةِ ما غابَ عنهُ أهلُ الغفلةِ واللهوِ ، ولكنَّهُ يدلُّ على أنَّهُ لمْ يصلُ . فَضَ [في قصورِ أئمَّةِ الكلام عَنْ مقام المقربينَ] ـكن لعلَّكَ تقولُ : أينَ أئمّةُ الكلام عَنْ لحوقِ هذا المقام كأنْ لَمْ يضربُوا فيهِ بسهمٍ ، ولمْ يفزْ قِدْحُهُمْ منهُ بحظٌ ولا قَسْمٍ ؟ وأُراهُمْ عندَ الجمهورِ في الظاهرِ ، وعندَ أنفسِهِمْ أَنهُمْ أهلُ الدلالةِ ٢٩٠ على اللهِ تعالى ، وقادةُ الخلقِ إلى مَرَاشِدِهِمْ، ومجاهدُو أهلِ النِحَلِ المُرْديةِ والمللِ الضالَّةِ(١) المهلِكَةِ . وقدْ سبقَ في (( الإحياءِ)) أنهُمْ في الاعتقادِ معَ العوامِّ سواءٌ، وإنَّما فارقوهُمْ بِإِحسانهِمْ حراسةً عقودِهِمْ . مـ فاعلمْ : أنَّ ما رأيتَ في (( الإحياءِ)) صحيحٌ ، ولكنْ بقيَ في كشفِهِ أمرٌ لا يخفى على المستبصرينَ ، ولا يغيبُ عَنِ الشادينَ(٢) إذا كانُوا منصفينَ ، وهوَ أنَّ المتكلمينَ مِنْ حيثُ صناعةُ الكلام فقطْ لمْ يفارقُوا عقائدَ العوامِّ ، وإنَّما حرسُوها بالجدلِ عَنِ الانخرامِ ؛ إذِ الكلامُ والجدلُ علمٌ لفظيٌّ ، وأكثرُهُ احتيالٌ(٣) وهميٌّ، وهوَ عملُ النفسِ ، وتخليقُ الفهمِ ، وليسَ بثمرةِ(٤) المشاهدةِ والكشفِ ، ولأجلِ هـذا كانَ فيهِ السمينُ والغثُّ ، وشاعَ(٥) في حالِ النضالِ لهُ إيرادُ القطعيِّ وما هوَ في حكمِهِ مِنْ غلبةِ الظنِّ ، وإبداءِ الصحيحِ ، وإلزامٍ مذهبِ الخصمِ . والمقامُّ المشارُ إليهِ بالذكرِ وشبهُهُ إنَّما هوَ علمُ الوجودِ ، وفهمُ الأحوالِ ، ومعرفتُهُ باليقينِ التامّ ، والعلمِ المضارع للضروريِّ بأنْ لاَ إلهَ (١) فى (ث، ذ) : ( النحل الردية والملل المضللة ) . (٢) في (خ): ( الشاذين)، وفي (ت، ث): ( الشاردين ). (٣) في ( ذ) : ( احتمال ). (٤) في (ش، خ): (تثمره)، وفي (ث، ذ): (بشدّة). (٥) في ( ض): ( وساغ) . ٢٩١ .5. إلَّّ اللهُ؛ إذْ لاَ فاعلَ غيرُهُ ، ولاَ حاكِمَ في الدارينِ سواهُ ، ومشاهدةُ القلوب لِمَا حُجِبَ عَنِ العيونِ. ومِنْ أينَ للنازلِ طيُّ المنازلِ ؟! ولعلمِ الكلامِ مثلُ هذا المقام ، بلْ هوَ مِنْ خُدَّامِ الشرع، وحراسِ نواحيهِ مِنْ أهلِ الاختلاسِ والقطع ، ولهُ بركةٌ ١ على قدرِهِ ونفعٌ . ولكنْ شتانَ بينَ مطالِعِ الأنوارِ ، ومدارِكِ الاستبصارِ ، والمرادِ في أوقاتٍ الضروراتِ ووقتِ الاختيارِ ، وبينَ ما يرادُ لوقتِ حاجةٍ إنْ عَنَّتْ ، وخصام صاحبِ بدعةٍ ، ومناضلةِ سخيفٍ ذي ضلالةٍ(١) ممّا ينغِّصُ على ذي اليقينِ العيشَ ، ويشغلُ الذهنَ ويكدِّرُ النفسَ . ٠٥ وأمَّا أهلُهُ الذينَ حُفِظَ عنْهُمْ، ورُفِعَ علمُهُ فيما مضىُ مِنَ الزمانِ إليهِمْ .. لا نقولُ في أكثرِهِمْ: إِنَّهُمْ لا يحسنُونَ غيرَهُ ، ولا يختصُّونَ في التوحيدِ بمقام سواءُ ممَّا هوَ أعلى منهُ . بلِ الظنُّ بِهِمْ أنهُمْ علماءُ مثلُ ما ذَكَرْنا، فُهَمَاءُ وبُصَرَاءُ ، ولكنَّهُمْ لَمْ يُيدُوا مِنَ العلمِ في الظاهرِ إِلاَّ ما كانتِ الحاجةُ إليهِ أمسَّ ، والمصلحةُ بهِ لتوجُّهِ الضرورةِ أَعمَّ وأوكدَ ؛ لِمَا كانَ نَجَمَ في وقتهِمْ مِنَ البدع ، وظهرَ مِنَ الأهواءِ ، وشاعَ مِنْ تشتيتِ كلمةِ أهلِ الحقِّ ، وتحزُّبِ العوامِّ معَ كلِّ ناعقٍ . ٢ فرأَوْا أنَّ الردَّ عليهِمْ، والمنازعةَ لُهُمْ، والسعيَ في اجتماع الكلمةِ على (١) في ( ش، خ): ( صلافة ) . ٢٩٢ السنَّةِ بعدَ افتراقِها ، وإخزاءَ ذوي الكيدِ الدِّينِ في احتيالِهِمْ ، وإخمادَ نارِ الأهواءِ والفتنِ .. أولىْ بِهِمْ مِنَّ الكلامِ بعلومِ الإِشاراتِ ، وكشفِ أحوالٍ أرباب المقاماتِ ، ووصفِ فقهِ الأرواحِ والنفوسِ، وتفهمِ كلِّ ناطقٍ (١) وجامدٍ . جن فإنَّ هذِهِ كلَّها وإنْ كانتْ أسنى وأعلى فذلكَ مِنْ علم الخواصِّ ، وهُمْ مكفيُّونَ المؤنةَ، والعامَّةُ أحقُّ بالحفظِ ، وعقائدُهُمْ أولى بالحراسةِ ، واستنقاذُ مَنْ يُخافُ عليهِ الهلاكُ أولىُ مِنْ مؤانسةِ وحيدٍ ، والتصدُّقِ على ذي بُلْغَةٍ مِنَ العيشِ ، فكيفَ إذا كانَ غنيّاً ؟! وأيضاً : فإنَّ علمَ الكلام إنَّما يُرادُ - كما قلنا - للجدالِ ، وهوَ يقعُ مِنَ العلماءِ العارفينَ معَ أهلِ الإلحادِ والزيغِ ؛ لقصورِهِمْ عَنْ ملاحظةِ الحقِّ موقعَ السيوفٍ مِنَ الأنبياءِ والمرسلينَ عليهِمُ الصلاةُ والسلامُ بعدَ التبليغِ معَ أهلِ العنادِ ، والتمادِي على الغيِّ وسبلِ الفسادِ . ٠ ٨٥ فَكَمَا لا يقالُ : السيفُ أبلغُ حَجَّةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. كذلكَ لا يقالُ : علمُ الكلام والجدلُ أبلغُ مقام مَنْ ظهرَ منهُ مِنَ العلماءِ . وكَمَا يقالُ في الصدرِ الأولِ : فقهاءُ الأمصارِ ومَنْ قبلهُمْ حينَ(٢) لمْ يُحفظْ عنهُمْ في الغالبِ إلَّ علومٌ أخرُ ؛ كالفقهِ والحديثِ والتفسيرِ ؛ لأنَّ (١) في (ث، ذ) : ( صامت ) . (٢) في (ث، ذ) : ( ممن ) . ٢٩٣ الخلقَ أحوجُ إلى علمٍ ما حُفِظَ عنْهُمْ ، وذلكَ لغلبةِ الجهلِ على أكثرهِمْ ، فلولاَ أنْ حفظَ اللهُ تعالى تلكَ العلومَ بمَنْ ذَكَرْنا .. لجُهِلَتِ العباداتُ، وانقطعَ علمُ الشرعِ ، ونحنُ معَ هذِهِ الحالةِ نعلمُ أنَّهُمْ عارفونَ بالتوحيدِ على جهةِ اليقينِ ، بغيرِ طريقِ علمِ الكلامِ والجدلِ ، متحلونَ بالمقاماتِ المشهورةِ المذكورةِ وإنْ لمْ يُشتَهَرْ عنهُمْ ذلكَ اشتهارَ ما أخذَهُ عنهُمْ الخاصُّ والعامُّ . ومثلُ ذلكَ حالُ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ بعدَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، لمَّا خافُوا أنْ يندرسَ الإِسلامُ، ويضعفَ ويقلَّ أهلُهُ ، وترجعَ البلادُ والعامَّةُ إلى الكفرِ كما كانُوا أولَ مرَّةٍ ؛ وقدْ ماتَ صاحبُ المعجزةِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، والمبعوثُ بدعوةِ الخلقِ إلى الحقِّ .. رأَوْا أنَّ الجهادَ والرباطَ في ثغرِ العدوِّ والغزوَ في سبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وضربَ وجوهِ الكفرةِ بالسيفِ ، وإدخالَ الناسِ في دينِ اللهِ عزَّ وجلَّ .. أَوْلَى بِهِمْ مِنْ سائرٍ الأعمالِ ، وأحقُّ مِنْ تدريسِ العلومِ كلِّها ظاهراً وباطناً . وإنَّما كانتْ تُؤْخِذُ عنهُمْ علومُ الشرع على الأقلِّ، وهُمْ في حالِ ذلكَ الشغلِ . ـطيز والنظرُ إلى حالِ العموم أوكدُ مِنَ النظرِ إلى الخصوصِ ؛ لأنَّ الخصوصَ يوجدُ فيهِمْ لأنفسهِمْ غَناءٌ ، ولَهُمْ بحالهِمْ قيامٌ ، والعمومُ إنْ لمْ يكنْ مشتغلاً بِهِمْ، وذائداً لهُمْ عَنْ هلكاتِهِمْ، وسائقاً بِهِمْ إلى مراشدِهِمْ ونجاتِهِمْ .. كانَ ٢٩٤ الهلاكُ إليهِمْ أسرعَ ، ثمَّ لا يكونُ بعدَ ذلكَ إنْ فسدَ حالُ العموم للخصوصِ قدرٌ ، ولا يظهرُ لهُمْ نورٌ، ولا يقدرونَ على شيءٍ كاملٍ مِنَ البرِّ ، فلا خاصَّةَ إلا بعامَّةٍ . ولقدْ كانَتْ رعايةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لحالِ الجماهيرِ أكثرَ ، والخوفُ عليهِمْ مِنَ الزيغ والضلالِ والهلاكِ أشدَّ ، واللطفُ بهِمْ في تخفيفٍ الوظائفِ والأخذِ بالرفقِ أبلغَ ، وكانَ يَكِلُ أهلَ القوَّةِ وذوي البصائرِ في الحقائِقِ إلى ما كانُوا يأخذونَ بهِ أنفسَهُمْ . وكانَ هوَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يحبُّ أنْ يعملَ بالعملِ مِنَ الطاعةِ فما يمنعُهُ منهُ أوْ مِنَ المداومةِ عليهِ إلاَّ خوفُ أنْ يفترضَ على أمَّتِهِ حينَ علمَ مِنْ أكثرِ هِمُ الضعفَ . ولمْ يكرَهْ لُهُمْ ذلكَ وفيهِ زيادةُ الأجرِ ، وكثرةُ الثوابِ والقربِ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ، ولكنْ خافَ عليهِمْ أنْ يحصُلوا في تضييع الفرضِ ، فيكونَ عليهِمْ كفلٌ مِنَ الوزرِ . ألا ترى كيفَ نهى الحولاءَ بنتَ تُوَيْتٍ عَنْ قيام الليل كلِّهِ (١) ، وكانَ عثمانُ رضيَ اللهُ عنهُ يقومُهُ فَلَمْ ينهَهُ؟!(٢). ومنعَ السيفَ مِنَ كلِّ مَنْ أرادَ أخذَهُ بما شرطَ عليهِ فيهِ ، حتَّى جاءَ مَنْ علمَ (١) رواه البخاري (٤٣)، ومسلم ( ٧٨٥) . (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٥٦/١)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٩٦٥٦). ٢٩٥ منهُ القدرةَ على الوفاءِ بما شرطَ عليهِ فأعطاهُ إِيَّاهُ(١). وقالَ لعائشةَ رضيَ اللهُ عنها: (( لَوْلاَ حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ .. لَرَدَدْتُ أَلْبَيْتَ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ))(٢). وقالَ للأنصار : (( أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاءِ وَالْبَعِيرِ وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى رِحَالِكُمْ؟!))(٣). ومعَ ذلكَ فالذي حُفِظَ عنهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وعَنْ أصحابِهِ رضيَ اللهُ عنهُمْ مِنْ بَعدِهِ ، وفقهاءِ الأمصارِ وأعيانِ المتكلمينَ رحمَهُمُ اللهُ مِنَ الإشاراتِ بتلكَ العلوم المذكورةِ كثيرٌ لا يُحصى، وإنَّما القليلُ مَنْ حملَهُ اليومَ عنْهُمْ ، وتفقَّهَ فِيهِ مثلَهُمْ . فابحثْ .. تجدْ، وتَصَدَّ لاقتباسِ المعارفِ .. تعلمْ، وطالعْ كتبَ الحديثِ والتواريخِ ومصنفاتِ العلومِ .. توقِنْ. ﴿وَمَنْ يُؤْتَ اُلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًاً كَثِيرَأُ وَمَا يَذَّكَرُ إِلََّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ ئة: (١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٢٣٠/٣)، والبزار في ((مسنده )" ( ٩٧٩) ، وفيه : (( من يأخذ هذا السيف بحقه؟)). (٢) رواه البخاري (١٥٨٣)، ومسلم ( ١٣٣٣) . (٣) رواه البخاري (٣٧٧٨)، ومسلم (١٠٥٩) وفيه: (( أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم ... )). ٢٩٦ بيان المرتبة الرابعة ومي توحيد الصِّدِّقِّين وأمّا أهلُ المرتبة الرابعةِ .. فَهُمْ قومٌ رأَوا اللهَ سبحانَهُ وتعالى وحدَهُ ، ثمّ رأَوُا الأشياءَ بعدَ ذلكَ بهِ ، فَلَمْ يرَوْا في الدارينِ غيرَهُ ، ولا اطلعُوا في الوجودِ على سواهُ . وقدَ كانَ بيانُ إشاراتِ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ أجمعينَ فيما خُصُّوا بهِ مِنَ المعرفةِ يوجدُ في هجِّيراهُمْ (١) . حرة فكانَ هجِّيرى أبي بكرٍ الصديقِ رضيَ اللهُ عنهُ : (لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ) . وكانَ هجِّيرى عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( اللهُ أكبرُ ). وكانَ هجِّيرى عثمانَ رضيَ اللهُ عنهُ : ( سبحانَ اللهِ ) . وكانَ هجِّيرىُ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( الحمدُ للهِ ) . فاستقرأَ السابقونَ مِنْ ذلكَ : أنَّ أبا بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ لمْ يشهدْ في الدارينِ غيرَ اللهِ سبحانَهُ وتعالى ، وكانَ الصدِّيقَ، وسُمِّيَ بِهِ كما قدْ علمْتَ، وكانَ يقولُ: (لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ) . (١) الهجّيرى : الدأب والعادة والشأن . ٢٩٧ وكانَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ يرى ما دونَ اللهِ صغيراً معَ اللهِ تعالى وفي جنبٍ عظمَتِهِ ، فيقولُ : ( اللهُ أكبرُ ) . وكانَ عثمانُ رضيَ اللهُ عنهُ لا يرى التنزيهَ إلاَّ للهِ سبحانَهُ ؛ إذِ الكلُّ قائمٌ بهِ ، غيرُ معرّىٍ مِنَ النقصانِ، والقائمُ بغيرِهِ معلولٌ، فكانَ يقولُ : ( سبحانَ اللهِ ) . وعليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ لا يرى نعمةً في الدفع والرفع ، والعطاءِ والمنعِ ، في المكروهِ والمحبوب ، إلَّ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ، فكانَ يقولُ : ( الحمدُ للهِ ) . وأهلُ هذِهِ المرتبةِ على الجملةِ في حالِ حصولِهِمْ فيها صنفانِ : مريدونَ ، ومرادونَ . فالمريدونَ في الغالبِ لا بدَّ لهُمْ أنْ يحلُّوا في المرتبةِ الثالثةِ ، وهيَ توحيدُ المقربينَ ، ومنها ينتقلونَ ، وعليها يعبرونَ إلى المرتبةِ الرابعةِ ، واللهُ أعلمُ . وأمَّا المرادونَ .. فُهُمْ في الغالبِ مبتدئُونَ بمقامِهِمُ الأخيرِ ، وهيَ المرتبةُ الرابعةُ ، ومتمكنونَ فيها . ومِنْ أهلِ هذا المقام يكونُ القطبُ والأوتادُ والبُدَلاَءُ ، ومِنْ أَهلِ المرتبةِ الثالثةِ يكونُ النقباءُ والنجباءُ والشهداءُ والصالحونَ ، واللهُ أعلمُ . ٢٩٨ سُؤَال [كيفَ يرىُ صاحبُ هذِهِ المرتبةِ الأشياءَ شيئاً واحداً] فإنْ قلتَ : أليسَ الوجودُ مشتركاً بينَ الحادثِ والقديمِ ، والمألوهِ والإللهِ ؟ ثُمَّ معلومٌ أنَّ الإِلهَ واحدٌ، والحوادثَ كثيرةٌ ، فكيفَ يرىُ صاحبُ هذِهِ المرتبةِ الأشياءَ شيئاً واحداً ؟ أذلكَ على طريقِ قلبِ الأعيانِ ، فتعودُ الحوادثُ قديمةً، ثمَّ تتحدُ بالواحدٍ فترجعُ هيَ هوَ ، وفي هذا مِنَ الاستحالةِ والمروقِ عَنْ مصدرِ العقلِ ما يغني عَنْ إطالةِ القولِ فيهِ ؟ وإنْ كانَ على طريقِ التخييلِ للوليِّ لِمَا لاَ حقيقةَ لهُ .. فكيفَ يُحتجُّ بهِ أوْ كيفَ يُعدُّ حالاً لوليٍّ أَوْ فضيلةً لبشرٍ ؟ والجوابُ عَنْ ذلكَ : أنَّ الحوادثَ لمْ تنقلب إلى القِدَم ، ولمْ تَتَّحدْ بالفاعلِ ، ولا اعتَرى الوليَّ تخييلٌ فتخيّلَ ما لاَ حقيقةَ لهُ، وإنَّما هوَ وليٍّ مجتبىٌ ، وصدِّيقٌ مرتضىٌ ، خصَّهُ اللهُ تعالى بمعرفتِهِ على سبيلِ اليقينِ والكشفِ التامِّ ، وكشفَ لقلبِهِ ما لوْ رآهُ ببصرِهِ عياناً .. ما ازدادَ يقيناً . وإنْ أنكرْتَ أنْ يكونَ وهبَ اللهُ المعرفةَ بهِ على هذا السبيلِ لأحدٍ مِنْ خلقِهِ .. فما أطمَّ مصيبتَكَ! وما أَعظمَ العزاءَ فيكَ حينَ قِسْتَ الخلقَ بمقدارِكَ، وكِلْتَهُمْ بمعيارِكَ ، وفضَّلتَ نفسَكَ على الجميعِ ! ٢٩٩ .57 إذْ لا سببَ لإِنكاركَ - إِنْ صخَّ - إلاَّ أنكَ تُحيلُ أنْ يُرزقَ أحدٌ ما لمْ تُرزقْ، أوْ يُخصَّ مِنَ المعرفةِ بما لمْ تُخصَّ . فإذا تقررَتْ هذِهِ القاعدةُ .. فصارَ ماكُشِفَ لقلبهِ لا يخرجُ منهُ، وما اطلَّعَ عليهِ لا يغيبُ عنهُ ، وما ذكرَهُ مِنْ ذلكَ لا ينساهُ ولا في حالِ نومِهِ وشغلِهِ ، وهذا موجودٌ فيمَنْ كثرَ اهتمامُهُ بشيءٍ، وثبتَ في قلبهِ حالةٌ أَنَّهُ إذا نامَ أَوِ اشتغلَ .. لمْ يفقدْهُ في شغلِهِ ونومِهِ كَمَا لا يفقدُهُ في يقظتِهِ وفراغِهِ . ولهذا - واللهُ أعلمُ - إذا رأى الوليُّ المتمكنُ في رتبةِ الصدِّيقَّةِ مخلوقاً ؛ حيّاً كانَ أوْ جماداً ، صغيراً أوْ كبيراً .. لمْ يرهُ مِنْ حيثُ هوَ هوَ، وإنَّما يراهُ مِنْ حيثُ أوجدَهُ اللهُ تعالى بالقدرةِ ، وميَّزَهُ بالإرادةِ على سابقِ العلمِ القديمِ ، ثمَّ أدامَ القهرَ عليهِ في الوجودِ . ثمَّ لمَّا كانتِ الصفاتُ المشهودةُ آثارُها في المخلوقاتِ ليستْ لغيرِ(١) الموصوفِ الذي هوَ اللهُ عزَّ وجلَّ .. فنيَ الوليُّ عنْ غيرِهِ ، وصارَ لمْ يرَ سواء . ومعنى الفناءِ : أنَّهُ لا يتميزُ بالذكرِ في سرِّ القلبِ وحيِّرِ المعرفةِ ، ولا بالإدراكِ في ظاهرِ الحسِّ دونَ ما كانَ موجوداً بهِ وصادراً عنهُ ، فأنَّى يبعدُ هذا على مَنْ أصحبَهُ اللهُ توفيقَهُ ، وفتحَ لهُ منهاجَهُ وطريقَهُ ؟! ـدة وعلى هذا جاءَ المثلُ في «الإحياءِ » برؤيةِ مَنْ يرى إنساناً والإنسانُ (١) في (ت): ( تغير )، وفي (ث، ذ) : ( بغير ) . حن ٣٠٠