النص المفهرس
صفحات 241-260
والوصية أيُّها الطالبُ للعلوم ، والناظرُ في التصانيفِ ، والمستشرِفُ على كلام الناسِ وكتبِ الحكمَةِ : ليكُنْ نظرُكَ فيما تنظرُ فيهِ باللهِ ، وللهِ ، وفي اللهِ . لأنهُ إنْ لمْ يكُنْ نظرُكَ بهِ .. وَكَلِكَ إلى نفسِكَ، أوْ إلىُ مَنْ جعلْتَ نظرَكَ بهِ إذا كانَ غيرَهُ؛ مِنْ فَهْمٍ، أَوْ علَّمٍ ، أوْ حفْظِ ، أَوْ إمام مُتَبَع، أوْ صَّةٍ تميُّزُ ، أَوْ ما شاكَلَ ذلكَ . وكذلكَ إنْ لمْ يَكْنُ نظرُكَ لهُ .. فقدْ صارَ عملُكَ لغيرِهِ ، ونكصْتَ على عقبيكَ ، وخسرْتَ في الدارينِ صفقتَكَ، وعادَ كلُّ ما هوَ لكَ عليكَ، ﴿فَنْ كَانَ يَرَّجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَيِّ أَحَدَا﴾ . وكذلكَ إنْ لمْ يكُنْ نظرُّكَ فيهِ .. فقدْ أثبتَّ معهُ غيرَهُ، ولاحظتَ بالحقيقةِ سواهُ ، ورؤيةُ غيرِهِ تُعمِي القلبَ، وتهتِكُ الجِلْبَ(١) ، وتحجبُ اللبَّ. ـره. وإذا نظرتَ في كلام أحدٍ مِنَ الناسِ ممَّنْ قَدْ شُهِرَ بعلمٍ .. فلا تنظرْهُ بازدراءٍ كمَنْ يُستغنّى عنهُ في الظاهرِ ، ولهُ إليهِ كبيرُ حاجةٍ في الباطنِ ، ولا تقفْ بهِ مِنْ حيثُ وقفَ بهِ كلامُهُ . فالمعاني أوسعُ مِنَ العباراتِ ، والصدورُ أفسحُ مِنَ الكتبِ المؤلفاتِ ، وكثيرٌ عَلِمَ ما لمْ يُعبَّرْ عنهُ . (١) الجِلْب: غطاء الرحل ، وفي (ت، ض): ( وتهتك الحجب ). - ٢٤١ واطمح بنظرِ قلبكَ في كلامِهِ إلى غايةِ ما يحتملُ ، فذلكَ يعرِّفُكَ وجهَ قدرِهِ ، ويفتحُ لكَ بابَ قصدِهِ ، ولا تقطعْ لَهُ بصحَّةٍ ، ولا تحكُمْ عليهِ بفسادٍ ، وليكنْ تحسينُ الظنِّ أغلبَ عليكَ فيهِ ؛ حتَّى يزولَ الإشكالُ عنكَ بما تتيقنُ مِنْ معانیهِ . وإذا رأيتَ لهُ حسنةً وسيئةً .. فانشرِ الحسنةَ، واطلبِ المعاذيرَ للسيئةِ ، ولا تكنْ كالذبابةِ تنزلُ على أقذرِ ما تجدُهُ . ولا تعجلْ على أحدٍ بالتخطئةِ ، ولا تبادِرْ بالتجهيلِ ، فربّما عادَ عليكَ ذلكَ وأنتَ لا تشعُرُ ، فلكلِّ عالمٍ غورٌ ، ولهُ في بعضٍ ما يأتي بهِ احتجاجٌ(١) . وناهيكَ بما جرىُ بينَ وليِّ اللهِ تعالى الخضرِ وكليمِهِ موسى على نبيًّا وعليهما السلامُ . حر وإذا عرضَ لكَ مِنْ كلام عالِمٍ إشكالٌ يؤذِنُ في الظاهرِ بمُحالٍ أو اختلالٍ .. فخذْ ما ظهرَ لكَ علمُهُ ، ودعْ ما اعتاصَ عليكَ فهمُهُ ، وكِلِ العلمَ فيهِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ. فهذِهِ وصيِّي إليكَ فاحفَظْها ، وتذكيرِي إياكَ فلا تذهلْ عنهُ . اسمعْ وصاتِي فإنْ تقبلْ حظيتَ بها وإنْ تخالِفْ فقدْ يُرَرِي بِكَ الخُلْفُ (١) في (ت) : ( به قصد ) . ٢٤٢ ولا يغرَّنْكَ جهَالٌ أتوك بما يجنِي مُحالاً ومَيناً باطلاً هُرْفُ(١) وأزيدكَ زيادةً تقتضِي التعريفَ بأصنافِ العلماءِ ؛ لكَيْ تعرفَ أهلَ الحقيقةِ مِنْ غيرِهِمْ ، فلكَ في ذلكَ أكبرُ منفعةٍ ، ولي في وصفِهِمْ أبلغُ عرضٍ (٢). قالَ بعضُ علمائِنا : العلماءُ ثلاثةٌ: حجّةٌ ، وحجَّاجٌ ، ومحجُوجٌ . فالحجَّةُ والحجّاجُ : عالِمانِ باللهِ وبأمرِهِ ونهِهِ وبآياتِهِ وبأيامِهِ ، علامتُهما الخشيةُ للهِ سبحانَهُ ، والورعُ في الدينِ ، والزهدُ في الدنيا ، والإيثارُ للهِ عزَّ وجلَّ . لكنَّ الحجَّةَ محفوظٌ مِنَ المراءِ والجدالِ والخصوماتِ ، فهوَ حبْرٌ عليمٌ ، على صراطِ اللهِ المستقيمِ . والحجَّاجُ مدفوعٌ إلى إقامةِ الحجَّةِ ، وإطفاءِ نارِ البدعةِ ، قَدْ أخرسَ المتكلمينَ ، وأفحمَ المتخرِّصينَ ، برهانُهُ ساطعٌ ، وبيانُهُ قاطعٌ ، وحقُّهُ ما ينازعُ ، شواهدُهُ بِيَّةٌ، ونجومُهُ نِيِرةٌ، قدْ حمَى اللهُ بهِ الدينَ، وعُرِفَ بواضحٍ برهانِهِ وحقائقِهِ ودلائلِهِ وَضَحُ الحقِّ المبينِ ، فهوَ ربانيٍّ عليمٌ على صراطِ اللهِ المستقيمِ . والمحجوجُ : عالِمٌ باللهِ وبأمرِهِ وبأيامِهِ وبآياتِهِ ، ولكنَّهُ فَقَدَ الخشيةَ للهِ برؤيتِهِ لنفسهِ ، وحجبَهُ عَنِ الورع والزهدِ في الدنيا الرغبةُ والحرصُ، وبعَّدَهُ (١) البيتان من البسيط، لم يعرف قائلهما. (٢) في (ث، ذ) : ( غرض ) . ٢٤٣ حر %G مِنْ بركاتِ علمِهِ محبةُ العلوِّ والشرفِ ، وخوفُ السقوطِ والفقرِ . فهوَ عبدٌ لعبيدِ الدنيا ، خادمٌ لخدَمِها ، مفتونٌ بعدَ علمِهِ ، مغترٌ بعدَ معرفتِهِ ، مخذولٌ بعدَ نصرتِهِ ، شأنُهُ الاحتقارُ لنعمِ اللهِ تعالى، والإزراءُ بأوليائِهِ ، والاستخفافُ بالجهَّالِ مِنْ عبادِهِ ، وفخرُه بلقاءِ أميرِهِ ، وصلةِ سلطانِهِ ، وطاعَةِ القاضي والوزيرِ والحاجبِ لهُ . قدْ أهلكَ نفسَهُ حينَ لمْ ينتفِعْ بعلمِهِ ، وأهلكَ الجَّالَ والأتباعَ لَهُ ومَنْ يكونُ بعدَهُ قدوةٌ بهِ ، ومرادُهُ مِنَ الدنيا مثلُهُ . وفي مثلِ هذا ضربَ اللهُ تعالى المثلَ حينَ قالَ: ﴿ وَآَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ وَلَوْ شِئْنَا ءَاتَّيْنَهُ ءَايَئِنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَنُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ. لَرَفَعَنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ: أَخْلَهَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتََّعَ هَوَنَّهُ فَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَتْ أَوْ تَزْرُكْهُ يَلْهَت﴾ . فويلٌ لمَنْ صحبَ مثلَ هذا في دنياهُ ، وويلٌ لمَنِ اتَبعَهُ في دينِهِ ، وهذا هوَ الذي أكلَ بدينِهِ ، غيرَ منصفٍ للهِ سبحانَهُ في نفسِهِ ، ولا ناصحِ لهُ في عبادِهِ ، تراهُ إنْ أُعطِيَ مِنَ الدنيا .. رضيَ بالمِدحةِ لِمَنْ أعطاهُ، وإنْ مُنعَ .. رضيَ بالذمِّ لمَنْ منعَهُ ، وقدْ نسيَ مَنْ قسَّمَ الأرزاقَ، وقدَّرَ الأقدارَ ، وأجرى الأسبابَ ، وفرغَ مِنَ الخلقِ كلِّهِ ، فنعوذُ باللهِ مِنَ الحَوْرِ بعدَ الكَوْرِ ، ومِنَ الضلالةِ بعدَ الهدى . ٢٤٤ وإنَّما زدتُكَ هذِهِ الزيادَةَ وإنْ ظهرَ لكثيرٍ أنها ليستْ مِنَ الغرضِ الذي نحنُ فيهِ ، فقصدِي أنْ تعلمَ مَنْ ذهبَ مِنَ الناسِ ومَنْ بقيَ ، ومَنْ أبصرَ الحقائقَ ومَنْ عميَ ، ومَنِ اهتدى إلى الصراطِ المستقيمِ ومَنْ غويَ . فلتعلمْ أنَّ الصنفينِ الأَوَّلَيْنِ مِنَ العلماءِ قدْ ذهبُوا ، وإنْ كانَ قدْ بقيَ منهُمْ أحدٌ .. فهوَ غيرُ محسوسٍ للناسِ ، ولا مُدْرَكٍ بالمخالطةِ . وظنُّهُمْ كيقينٍ إنْ هُمُ حدَسُوا(١) غابَ الذينَ إذا ما حدَّثُوا صدَقُوا وذلكَ لِمَا سبقَ في القضاءِ مِنْ ظهورِ الفسادِ ، وعدم أهلِ الصلاحِ والرشادٍ . ـ- نعمْ؛ وعُدِمَ الصنفُ الثالثُ على عزَّتِهِ ، وأعزُّ شيءٍ على وجهِ الأرضِ في الغالبِ ما يقعُ عليهِ بالحقيقةِ اسمُ علمٍ عندَ شخصٍ مشهورٍ بهِ . وإنَّما الموجودُ اليومَ أهلُ سخافةٍ ودعوى ، وحماقةٍ واجتراءٍ ، وُجْبٍ بغيرِ فضيلةٍ ورياءٍ . يحبونَ أنْ يُحمدُوا بما لمْ يفعلُوا، وهُمْ أكثرُ مَنْ عَمَرَ الأرضَ وصيَّرُوا أنفسَهُمْ أوتادَ البلادِ ، وأَرْسانَ العوامِّ . وهُمْ حلفاءُ(٢) إبليسَ، وأعداءُ الحقائقِ والخالقِ والخلائقِ، وأخدانُ (١) البيت من البسيط ، ولم يعلم قائله . (٢) في غير ( ش، خ) : ( خلفاء ) . ٢٤٥ العوائدِ السوءِ ، وعنهُمْ يَرِدُ عيبُ الحِكَمِ الشائعةِ ، والبغضُ مِنَ العلماءِ العارفينَ ، وانتقاصُ أهلِ الإرادةِ والدينِ . مثْلُ البهائِمِ جهلاً عزَّ خالقُهُمْ لهُمْ تصاويرُ لمْ يُقرنْ بهنَّ حِجَا(١) غيرُهُ(٢): زوائِرُ الأُسْدِ والنَّّاحَةُ اللُّهَثَا كلٌّ يرومُ على مقدارِ حیلتِهِ فَأَحْذَرْهُمْ قَهُمُ اللَّهُ أَّى يُؤْفَّكُونَ﴾، ﴿أَّخَذُواْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةٌ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِّ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ﴾، أولئكَ كالأنعام بلْ هُمْ أضلُّ، أولئكُ هُمُ الغافلونَ . أُولُو النِّفاقِ إذا قلتَ أصدُقُوا كَذَبَوا مِنَ السفاهِ وإنْ قلتَ أَكَذِبُوا صدَقُوا(٣) فلنأخُذْ في جوابٍ ما سألتَ عنْهُ على نحوٍ ما رغبتَ فيهِ ، وأستوهِبُ اللهَ نفوذَ البصيرَةِ ، وحُسْنَ السريرَةِ ، وغفرانَ الجريرَةِ ؛ فهوَ ربِّي وربُّ كلِّ شيءٍ وإليهِ المصيرُ ، وهوَ حسِي ونعمَ الوكيلُ . -- --- (١) البيت من البسيط ، لم يعرف قائله . (٢) البيت من البسيط: لم يعرف قائله، وفي (ث، ذ): ( أين الأسود من النباحة اللهث ) . (٣) البيت من البسيط ، لم يعرف قائله . ٢٤٦ سمكة ابتداء الأجوستة عن مراسم جرى الرسمُ في ((الإحياءِ )) بتقسيمِ التوحيدِ على أربع مراتبَ تشبيهاً بالجوزِ ؛ لموافقتِهِ للغرضِ في التمثيلِ بهِ ، وذكرتُ بأنَّ المعترِضَ وسوسَ ، أو بالخواطرِ هجسَ ، بأنَّ لفظَ التوحيدِ ينافي التقسيمَ ، إذْ لا يخلُو : إمَّا أنْ يتعلقَ بوصفِ الواحدِ الذي ليسَ بزائدٍ عليهِ ، فذلكَ لا ينقسمُ لا بالجنسِ ولا بالفصلِ ولا بغيرِ ذلكَ. وإمَّا أنْ يتعلقَ بوصفِ المكلفينَ الذينَ يُوجَبُ لهُمْ حكْمُهُ إذا وُجِدَ فيهِمْ ، فذلكَ أيضاً لا ينقسمُ مِنْ حيثُ انتسابُهُمْ إليهِ بالعقلِ ، وذلكَ لضيقِ المجالِ فیهِ . ولهذا لا يُتصوَّرُ فيهِ مذاهبٌ، وإنَّما التوحيدُ مسلكٌ حقٌّ بينَ مسلكينِ باطلينِ : أحدُهُما : شركٌ. والآخرُ : تَلَاَشٍ . وكلا الطرفينِ كفرٌ . والوسطُ إيمانٌ محضٌ ، وهوَ أحدُّ مِنَ السيفِ ، وأضيقُ مِنْ خطِّ الظلِّ. ولهذا قالَ أكثرُ المتكلمِينَ بتماثُلِ إيمانِ جميع المؤمنينَ مِنَ الملائكةِ والنبيِّينَ والمرسلينَ وسائرٍ عموم المسلمينَ ، وإنَّما يختلفُ طرقُ إيمانِهِمُ التي هيَ علومُهُمْ ، ومذهبُهُمْ في ذلكَ معروفٌ . ونحنُ لا نُلِمُّ في هذِهِ الأجوبةِ كلُّها بشيءٍ مِنْ أنحاءِ الجدالِ ، ومقابلةِ ٢٤٧ الأقوالِ بالأقوالِ ، بلْ نقصدُ إزالةَ عينِ الإشكالِ ، وردًّ ما طعنَ بهِ أهلُ الضلالِ والإضلالِ . واعلمْ : أنَّ التقسيمَ على الإطلاقِ يستعملُ على أنحاءٍ لا يتوجَّهُ هلهنا شيءٌ ممّا قدحَ بهِ المعترِضُ ، أو هجسَ بهِ الخاطرُ . وإنَّما المستعمَلُ ههُنا مِنْ أنحائِهِ ما يتميزُ بهِ بعضُ الأشخاصِ بما اختُصَّ بهِ مِنَ الأحوالِ ، وكلُّ حالةٍ منها تسمَّى توحيداً على جهةٍ تنفردُ بها ، لا يشاركُها فيها غيرُها . فمَنْ وُجِدَ منهُ التوحيدُ بلسانِهِ .. سُمِّيَ لأجلِهِ موخِّداً، ما دامَ الظُّ بهِ أنَّ قلبَهُ موافِقٌ للسانِهِ ، وإنْ عُلِمَ منهُ خلافُ ذلكَ .. سُلِبَ عنهُ الاسمُ ، وأَقيمَ عليهِ ما شُرِعَ مِنَ الحكمِ . ومَنْ وحَّدَ بقلبِهِ على طريقِ الركونِ إليهِ ، والميلِ إلى اعتقادِهِ ، والسكونِ نحوَهُ بلا علمٍ يصحبُهُ فيهِ ، ولا برهانٍ يربطُهُ بهِ .. سُمِّيَ أيضاً موحِّداً ، على معنى أنَّهُ يعتقدُ التوحيدَ ، كما يُسمَّى مَنْ يعتقدُ مذهبَ الشافعيِّ شافعياً ، والحنبليِّ حنبلياً . يوم حن :09 ـكن ومَنْ رُزِقَ علمَ التوحيدِ ، وخُصَّ بما يتحقَّقُ بهِ عندَهُ ، وتنتِفِي مِنْ أجلِهِ شكوكُهُ العارضةُ لهُ .. يُسمَّى موحِّداً، مِنْ جهةِ أنَّهُ عارفٌ بهِ ، كما يقالُ : جدليّاً ونحويّاً وفقهياً، ومعناهُ: أنهُ يعرفُ الجدلَ والفقه والنحوَ . ٢٤٨ وأمَّا مَنِ استغرقَ علمُ التوحيدِ قلبَهُ، واستولى على جملتِهِ حتَّى لا يوجدَ فيهِ فضلٌ لغيرِهِ إلَّ على طريقِ التبعيَّةِ لهُ، ويكونُ شهودُ التوحيدِ لكلِّ ما عداهُ سابقاً لهُ معَ الذكرِ والفكرِ (١)، مصاحباً مِنْ غيرِ أنْ يعتريَهُ ذهولٌ عنهُ ولا نسيانٌ لهُ ، لأجلِ اشتغالِهِ بغيرِهِ كالعادةِ في سائرِ العلوم .. فهذا يُسمَّى موحِّداً ، ويكونُ القصدُ بما يُسمَّى بهِ مِنْ ذلكَ المبالغةَ فيهِ . فهذِهِ أربعُ مراتبَ يصحُّ إطلاقُ اسم التوحيدِ عليها . فأمَّا الصنفُ الأولُ - وهُمْ أربابُ النطقِ المجرَّدِ (٢) -: فلا يضربونَ فى التوحيدِ بسهم ، ولا يفوزونَ منهُ بنصيبٍ ، ولا يكونُ لهُمْ شيءٌ مِنْ أحكام أهلِهِ إلَّ في الحياةِ الأولى ، ما دامَ الظُّ بِهِمْ أنَّ قلبَ أحدِهِمْ موافقٌ للسانِهِ ، كما نعيدُ القولَ عليهِ بعدَ هذا إنْ شاءَ اللهُ عزَّ وجلَّ . ٠٠٨٥٠ وأمّا الصنفُ الثانِي - وهُمْ أربابُ الاعتقادِ الذينَ سمعُوا النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أوِ الوارثَ أوِ المبلِّغَ يخبرُ عَنْ توحيدِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، أوْ يأمرُ بهِ ، ويُلزِمُ البشرَ قولَ: ( لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ) المنبىءَ عنهُ، فقبلُوا ذلكَ، واعتقدُوه على الجملةِ ، مِنْ غيرِ تفصيلٍ ولا دليلٍ - : فنُسِبُوا إلى التوحيدِ ، وكانُوا مِنْ (١) في غير (ر): ( والتذكير ) بدل (والفكر ) . (٢) في غير (ت، ض ): ( النطق المفرد ) . ٢٤٩ أهلِهِ بمنزلةٍ مولَى القوم الذي هوَ منهُمْ، وبمنزلةِ : ( مَنْ كَثِّرَ سوادَ قوم .. فهوَ منهُمْ ) . %6 وأمَّا الصنفُ الثالثُ والرابعُ : فَهُمْ أربابُ البصائِرِ السليمةِ ، الذينَ نظُرُوا بها إلى أنفسِهِمْ، ثمّ إلى سائرِ أنواع المخلوقاتِ فتأمَّلُوها، فرأَوْا على كلِّ نوع منها خطّاً منطبعاً فيها ، ليسَ بعربيٍّ، ولا سريانيٍّ، ولا عبرانيٍّ، ولا غيرَ ذلكَ مِنْ أجناسِ الخطوطِ . فبادَرَ إلى قراءتِهِ مَنْ لمْ يستعجِمْ عليهِ ، وتعلَّمَهُ منهُمْ مَنِ استعجَمَ عليهِ ؛ فإذا هوَ الخطُّ الإلهيُّ المكتوبُ على صفحةِ كلِّ مخلوقٍ ، المنطبعُ فيهِ مِنْ مركَّب ومفردٍ ، وصفةٍ وموصوفٍ ، وحيٍّ وجمادٍ ، وناطقٍ وصامتٍ ، ومتحرِّكٍ وساكنٍ ، ومظلمٍ ونيِّرٍ . وهوّ الذي يُسمَّى تارةً بعلامةٍ ، وتارةً بسِمَةٍ ، وتارةً بأثرِ القدرةِ ، وتارةً بآيةٍ، كما قالَ شاعِرُهُمْ، ولا أدري عَنْ سماع أوْ رؤيةٍ قلبٍ (١): [من المتقارب] فَوَا عجباً كيفَ يُعصَى الإلكـ ـهُ أمْ كيفَ يجحدُهُ جاحِدُ وفي كلِّ شيءٍ لهُ آيةٌ تدلُّ على أنَّهُ واحِدُ فلمَّا قرؤُوا ذلكَ الخطَّ .. وجدُوا تفسيرَهُ حدوثَ المكتوبِ عليهِ ، وشرحَهُ أبديّةَ مالكِهِ والتصريفَ لُهُ بالقدرةِ على حكمِ الإرادةِ بما ثبتَ في (١) البيتان لأبي العتاهية في ((ديوانه)) (ص ١٠٤). ٢٥٠ حر سابقِ العلمِ مِنْ غيرِ مزيدٍ ولا نقصٍ ، فتركُوا الكتابةَ والمكتوبَ ، وترقَّوْا منها إلى معرفةِ الكاتبِ ، الذي أحدثَ الأشياءَ وكوَّنَها ، ولمْ يخرجْ عَنْ ملكِهِ شيءٌ منها ، ولا استغنَتْ بأنفسِها عَنْ حولِهِ وقوَّتِهِ طرفةَ عينٍ ولا أقلَّ مِنْ ذلكَ، ولا انتهضَتْ(١) إلى الحريَّةِ عَنْ رقِّ استعبادِهِ، فوجدُوه كما وصفَ صى نفسَهُ: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فحصلَتْ لهُمُ التفرقةُ والجمعُ ، وعقلَتْ نفسُ كلِّ واحدٍ منْهُمْ توحيدَ خالِقِها وإيجادَ غيرِهِ بإذنِهِ ، وعقلَتْ أنَّها عقلَتْ توحيدَهُ ، فسبحانَ مَنْ يَشَّرَها لذلِكَ، وفتحَ عليها ما ليسَ في وسعِها أنْ تدركَهُ إلَّ بهِ وهوَ اللطيفُ الخبيرُ . لكنَّ الصنفَ الثالثَ لمْ يبعدْ كلٌّ منهُمْ أنْ عرفَ نفسَهُ موحِّداً لربِّهِ فيما لا يزالُ(٢)، وهُمُ المقرَّبونَ . والصنفُ الرابعُ لمْ يقصرْ كلُّ واحدٍ منهُمْ أنْ عرفَ ربَّهُ موحِّداً لنفسِهِ فيما لمْ يزلْ، وهُمُ الصدِّيقونَ ، وبينَهُما تفاوتٌ كثيرٌ . وأمَّا طريقُ معرفةِ صحَّةِ هذا التقسيم .. فلأنَّ العقلاءَ بأسرِهِمْ لا يخلُو (١) في (ث، ذ): ( ولا افتقرت ) بدل ( ولا انتهضت ). (٢) في (ث، ذ): ( لم يزل ) . ٢٥١ كلُّ واحدٍ منهُمْ أنْ يوجدَ فيهِ أثرُ التوحيدِ بأحدِ الأنحاءِ المذكورةِ عندَهُ أَوْ لا يوجدُ . فأمَّا مَنْ عُدِمَتْ عندَهُ .. فهوَ كافرٌّ إنْ كانَ في زمنِ الدعوةِ ، أَوْ على قربٍ يمكِنُ وصولُ علمِها إليهِ ، أوْ في فترةٍ يتوجَّهُ عليهِ فيها التكليفُ ، وهذا صنفٌ مبعَدٌ عَنْ مقامِ هذا الكلامِ . وأمَّا مَنْ يوجدُ عندَهُ . . فلا يخلُو أنْ يكونَ مقلِّداً في عقدِهِ ، أوْ عالِماً بهِ ، فالمقلِّدُون هُمُّ العوالم ، وهُمْ أهلُ المرتبةِ الثانيةِ في الكتابِ . وأمَّا العلماءُ بحقيقةِ عقدِهِمْ .. فلا يخلُو كلُّ واحدٍ منهُمْ أنْ يكونَ بلغَ الغايةَ التي أُعِدَّتْ لصنفِهِ دونَ النبؤَّةِ ، أوْ لمْ يبلغْ ولكنَّهُ قريبٌ مِنَ البلوغِ . فالذي لمْ يبلغْ وكانَ على قربٍ .. هُمُ المقربونَ، وهُمْ أهلُ المرتبةِ الثالثةِ . والذينَ بلغُوا الغايةَ التي أُعِدَّتْ لَهُمْ .. هُمُ الصدِّيقونَ، وهُمْ أهلُ المرتبةِ الرابعة . وهذا تقسيمٌ ظاهرٌ الصحّةِ ؛ إذْ هوَ دائرٌ بينَ النفي والإثباتِ ، ومحصورٌ بينَ المبادىءِ والغاياتِ . ولمْ يدخلْ أهلُ المرتبةِ الأولى في شيءٍ مِنْ تصحيح هذا التقسيمِ ؛ إذْ ليسَ هُمْ مِنْ أهلِهِ إِلاّ بانتسابٍ كاذبٍ ، ودعوىّ غيرِ صادقةٍ . ٢٥٢ ثمَّ لا بدَّ مِنَ الوفاءِ بما وعدناكَ بهِ ؛ مِنْ إبداءِ بحثٍ ، ومزيدِ شرحٍ ، وبسطٍ بيانٍ ، تعرفُ منهُ بإذنِ اللهِ تعالى حقيقةَ كلِّ مرتبةٍ ومقام ، وانقسامَ أهلِهِ فيهِ بحسْبِ الطاقةِ والإمكانِ ، بما يُجريهِ الواحدُ الحقُّ على القلبِ واللسانِ . ٢٥٣ المرتبة الأولى(١) بيان مقام أحل النطق المجردوتمييز فرقهم اعلمْ : أنَّ أربابَ النطقِ المجرَّدِ أربعةُ أصنافٍ : أحدُهُمْ : صنفٌ نطقُوا بكلمةِ التوحيدِ معَ شهادةِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ثمَّ لمْ يعتقدُوا معنى ما نطقُوا بهِ لَمَّا لم يعلَمُوهُ ولا تصوَّرُوا صحتَهُ ولا فسادَهُ، ولا صدقَهُ ولا كذبَهُ، ولا خطأَهُ ولا صوابَهُ؛ إذْ لمْ يبحثُوا عنهُ ولا أرادُوا فَهمَهُ ؛ إمَّا لبعدِ همَّتِهِمْ وقلَّةِ اكتراثِهِمْ، وإمَّا لنفورِهِمْ عَنِ التعبِ وخوفِهِمْ إنْ هُمْ تكلَّفُوا البحثَ عمَّا نطقُوا بهِ أنْ يبدوَ لهُمْ ما يُلزِمُهُمُ الاعتقادَ والعملَ وما بعدَ ذلكَ . فإنِ التزمُوه .. فارقُوا راحةَ أبدانِهِمُ العاجلةَ، وفراغَ أنفسِهِمْ، وإنْ لمْ يلتزمُوا شيئاً مِنْ ذلكَ وقَدْ حصلَ لهُمُ العلمُ .. فيكونُ عيشُهُمْ منَغَّصاً ، وملاذُّهُمْ مكذَّرةً ؛ مِنْ خوفِ عقابِ تركِ ما علمُوا لزومَهُ . ومثلُ هؤلاءِ مثَلُ مَنْ يريدُ قراءةَ الطبِّ، أو يُعرضُ عليهِ ، ولكنْ يمنعُهُ منهُ مخافةٌ أنْ يطَّلِعَ منهُ على ما يغيِّبُ عنهُ(٢) بعضَ ملاذُهِ مِنَ الأطعمةِ والأشريةِ والأنكحةِ ، أوْ كثيراً منها فيحتاجُ إلى أنْ يتركَها ، أوْ يرتكِبَها على رُقْبَةٍ أَوْ (١) لفظ ( المرتبة الأولى) : زيادة من اللجنة العلمية. (٢) في (ش، ث، خ) : ( يعيب عنده) . ٢٥٤ ١ خوفِ أنْ يصيبَهُ ضررُ ما يعلمُ ضرَرَهُ منها ، فيدعُ قراءةَ الطبِّ رأساً . فإذا سُئلَ هذا الصنفُ عَنْ معنى ما نطقُوا بهِ ، وهلِ اعتقدُوهُ ؟ فيقولونَ: لا نعلمُ فيهِ ما يُعتقدُ، وما دعانا إلى النطقِ بهِ شيءٌ إلاَّ مساعدةُ الجماهيرِ ، وانخراطُنا بإظهارِ القولِ في الجمِّ الغفيرِ ، ولا نعرفُ هلْ ما قلناهُ بالحقيقةِ مِنْ قبيلِ العُرْفِ أوِ النكيرِ . ولا شكَّ أنَّ هذا الصنفَ الذي أخبرَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عَنْ حالهِ بمساءَلَةِ المَلَكَيْنِ أحدَهُمْ في القبرِ ؛ إذْ يقولانِ لهُ : مَنْ رِبُّكَ؟ ومَنْ نِبِيُّكَ ؟ وما دينُكَ ؟ فيقولُ : لا أدري ، سمعتُ الناسَ يقولونَ شيئاً فقلتُهُ . فيقولانِ لهُ : لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ . وسمَّاهُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الشاكَّ)) أو ((المرتابَ))(١) ٠ الصنفُ الثانِي : نطقُوا كما نطقَ الذينَ مِنْ قبلهِمْ، ولكنَّهُمْ أضافُوا إلى قولِهِمْ ما لا يحصلُ معهُ الإيمانُ ولا ينتظمُ بهِ معنى التوحيدِ ، وذلكَ مثلُ ما قالتِ السبائيَّةُ - طائفةٌ مِنَ الشيعةِ القدماءِ - : إنَّ عليّاً هوَ الإلهُ ، وبلغَ (١) رواه البخاري (٨٦)، ومسلم (٩٠٥) وفيه: ((فأما المؤمن أو الموقن .. فيقول : هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى ، فأجبنا واتبعنا ، هو محمد ( ثلاثاً)، فيقال : نم صالحاً قد علمنا : إن كنت لموقناً به ، وأما المنافق أو المرتاب .. فيقول : لا أدري ، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته )" . ٢٥٥ شرة. مثيرة دو. أمرُهُمْ عليّاً رضيَ اللهُ عنهُ، وكانُوا في زمنِهِ ، فحرقَ منهُمْ جماعةً (١) . وأمثالُ مَنْ نطقَ بالشهادتينِ كثيرٌ ، ثمَّ أصحبَ نطقَهُ مثلَ هذا النكيرِ ، ويُسمَّوْنَ الزنادقةَ . وقدْ روينَا حديثاً عنهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في ذلكَ نصُّهُ : (( ستفترِقُ أمَّتي على ثلاثٍ وسبعينَ فرقَةً ، كلُّها في الجنةِ إلاَّ الزنادقةٌ))(٢). الصنفُ الثالثُ : نطقُوا كما نطقَ الصنفانِ المذكورانِ قبلَهُمْ، ولكنَّهُمْ أسرُوا التكذيبَ، واعتقدُوا الردّ، واستبطَنُوا خلافَ ما ظهرَ منهُمْ مِنَ الإقرارِ ، وإذا رجعُوا إلى أهلِ الإلحادِ .. أعلنُوا عندَهُمْ بكلمةِ الكفرِ ، فهؤلاءِ هُمُ المنافقُونَ الذينَ ذكرهُمُ اللهُ تعالى في كتابِهِ العزيزِ بقولِهِ: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْ ءَامَنَّا وَ إِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُ ونَ اَللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى ◌ُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ . الصنفُ الرابعُ : قومٌ لمْ يعرفُوا التوحيدَ ، ولا نشؤُوا عليهِ ، ولا عرفُوا أهلَهُ، ولا سكنُوا بينَ أظهرِهِمْ، ولكنُهُمْ حينَ وصلُوا إلينا أَوْ وصلَ إليهِمْ أحدٌ منّا .. خُوطِبُوا بالأمرِ المقتضِي للنطقِ بالشهادتينِ ، والإقرارِ بهِما ، (١) أورده الآجري في ((الشريعة)) (٢٠١٢)، والسبائية : أتباع عبد الله بن سبأ ، انظر ((التبصير في الدين)" للسمعاني (ص ١٠٣) و((فتح الباري)) ( ١٢ / ٢٧٠). (٢) رواه الديلمي في ((الفردوس بمأثور الخطاب)) ( ٢٣٥٩). ٢٥٦ فقالُوا : لا نعلمُ مقتضَى هذا اللفظِ ، ولا نعقلُ معنى المأمورِ بهِ مِنَ النطقِ . فَأُمِرُوا أنْ يظهِرُوا الرضا بالقولِ، ثمَّ يتفهّمُوا بمهلةٍ(١)، فسكنُوا إلى ما قيلَ لهُمْ ، ونطقُوا بالشهادتينِ ظاهراً ، وهُمْ على الجهلِ بما يعتقدُون فيها، واخْتُرِمَ أحدٌ منهُمْ مِنْ حينِهِ ، مِنْ قبلٍ أنْ يتأتَّى منهُ استفهامٌ أَوْ تصورٌ يمكنُ أنْ يكونَ لهُ معتقَداً ، فهذا يُرجَى ألاَّ تضيقَ عنهُ سعةُ رحمةِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، والحكمُ علیهِ بالنارِ والخلودِ فيها معَ الكفارِ .. تحكُّمٌ على غيبِ اللهِ سبحانَهُ . وربَّما كانَ مِنْ هذا الصنفِ في الحكمِ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ قومٌ رُزِقُوا مِنْ بُعْدِ الفهمِ وغَيْبِ الذهنِ وفرطِ البلادةِ أنْ يُدعَوْا إلى النطقِ فيجيبُوا مساعدةً ومحاكاةً ، ثمَّ يُدعَوْا إلى تفهُمِ المعنى بكلِّ وجهٍ فلا يتأتَّى منهُمْ قبولٌ لِمَا يُعرَضُ عليهِمْ تفهيمُهُ ، كأنَّما تخاطبُ بهيمةً ، ومثلُ هذا أيضاً في الوجودِ كثيرٌ ، ولاَ حُكْمَ على مثلِهِ بخلودٍ في النارِ . ولا يبعدُ أنْ يكونَ هذا الصنفُ بأسرِهِ - أعني المخترمَ قبلَ تحصيلِ العقدِ معَ هذا البليدِ البعيدِ - بعضَ مَنْ ذكرَهُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في حديثٍ الشفاعةِ ، الذينَ أخرجَهُمُ اللهُ عزَّ وجلَّ مِنَ النارِ بشفاعتِهِ ، حينَ يقولُ تعالى: ((فرغَتْ شفاعةُ الملائكةِ والنبيِّينَ، وبقيَتْ شفاعتِي )) وهوَ أرحمُ الراحمينَ ، فيُخرِجُ مِنَ النارِ أقواماً لمْ يعملُوا حسنةً قطُّ ، ويدخلون الجنةَ ، ويكونُ في أعناقِهِمْ سِمَاتٌ ، ويُسمَّونَ عتقاءَ اللهِ عزَّ وجلَّ ، والحديثُ فيهِ (١) في غير (ث، ذ) : ( بلا مهلة ). ٢٥٧ طولٌ ، وهوَ صحيحٌ ، وإنَّما اختصرتُ منهُ قدرَ الحاجةِ على المعنى(١). وحكمُ الصنفِ الأولِ والثاني والثالثِ أجمعينَ ، أعني : أهلَ النطقِ المذكورينَ قبلُ في التوحيدِ : ألاّ تجبَ لهُمُ حرمةٌ ، ولا تكونَ لهُمْ عصمةٌ ، ولا ينسبُوا إلى إيمانٍ ولا إلى إسلامِ . بلْ هُمْ أجمعونَ مِنْ زمرةِ الكافرينَ وجملةِ الهالكينَ ، فإنْ عُثِرَ عليهِمْ في الدنيا .. قُتِلُوا فيها بسيوفِ الموحِّدينَ، وإنْ لم يُعثَرْ عليهِمْ .. فهُمْ صائرونَ إلى جهنَّمَ خالدونَ فيها، ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُوَهُمْ فِهَا كَلِحُونَ﴾. فَضَ [لفظُ التوحيدِ لا ينفعُ صاحبَهُ إلاَّ إنْ صحبَهُ الاعتقادُ] ولمَّا كانَ اللفظُ المنبىءُ عنِ التوحيدِ إذا انفردَ عَنِ العقدِ وتجرَّدَ عنهُ لمْ يقعْ بهِ في حكم الشرع منفعةٌ ، ولا لصاحبهِ بسببهِ نجاةٌ ، إلاَّ مدةَ حياتهِ عَنِ السيفِ أنْ يراقَ دمُهُ ، واليدِ أنْ تُسلَّطَ على مالِهِ إذْ لمْ يُعلَمْ خفيُّ حالِهِ . . حَسُنَ فيهِ أنْ يشبَّهَ بقشرِ الجوزِ الأعلىُ . فهوَ لا يُحملُ في الأكمام ولا يُرفعُ في البيوتِ ، ولا يُحضَرُ في مجالسٍ الطعام ، ولا تشتهيهِ النفوسُ إلاّ ما دامَ منطوياً على مطعَمِهِ ، صِواناً على لبِّهِ ، فإذا أُزيلَ عنهُ بكسرٍ أوْ عُلِمَ منهُ أنَّهُ منطوٍ على فراغٍ ، أَوْ سوسٍ ، أَوْ حن (١) رواه مسلم ( ١٨٣). ٢٥٨ طعمٍ فاسدٍ .. لمْ يصلُحْ لشيءٍ سوى النارِ ، ولمْ يبقَ فيهِ غرضٌ لأحدٍ ، وهذا لا خفاءَ لصحّتِهِ . والغرضُ بالتمثيلِ تقريبُ ما غمضَ إلى فهمِ الطالبِ ، وتسهيلُ ما اعتاصَ على المتعلِّمِ والسامِعِ فهمُّهُ . وليسَ مِنْ شرطِ المثالِ أنْ يطابقَ الممثَّلَ بهِ مِنْ كلِّ وجهٍ ، فكانَ يكونُ هوَ هوَ ، ولكنَّهُ مِنْ شرطِهِ أنْ يكونَ مطابقاً للوجهِ المرادِ منهُ . فَضَ [في الصارفِ للناطقينَ بالتوحيدِ عَنِ النظرِ والاعتقادِ] فإنْ قلتَ : فما الذي صدَّ هؤلاءِ الأصنافَ الثلاثةَ مِنْ أهلِ النطقِ المجرَّدِ عَنِ النظرِ والبحثِ حتَّى يعلَمُوا ، أوِ المجرَّدِ عَنِ الاعتقادِ حتَّى يخلصُوا بهِ مِنْ عذابِ اللهِ ، وهُمْ في الظاهرِ قادرونَ على ذلكَ ؟ وما المانعُ الخفيُّ الذي منعَهُمْ وأبعدَهُمْ عنهُ وهُمْ يعلمونَ أنَّ ما عليهِمْ في ذلكَ كبيرَ مؤنةٍ ، ولا عظيمَ مشقَّةٍ ؟ فاعلمْ : أنْ هذا السؤالَ يفتحُ باباً عظيماً ، ويهزُّ قاعدةٌ كبيرةٌ ، نخافُ مِنَ التوغُّلِ فيها أنْ نخرِجَ مِنَ المقصدِ . ولكنْ لا بدَّ إِذْ وقعَ في الأسماع ، ووعتْهُ قلوبُ الطالبينَ ، واشرأبَّتْ إلى سماع الجوابِ عنهُ .. أنْ نوردَ في ذلكَ قدرَ ما تقعُ بهِ الكفايةُ ، وتقنعُ بهِ النفوسُ بحولِ الله عزَّ وجلَّ وقوَّتِهِ . ٢٥٩ ، نعمْ ، ما سبقَ في العلمِ القديمِ لا تجرِي بخلافِهِ المقاديرُ في الحديثِ ، منعهُمْ مِنْ ذلكَ ما أرادَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ مِنِ اختصاصٍ قلوبهِمْ بالأخلاقِ الكلابيَّةِ ، والشيمِ الذئابيَّةِ ، والطباع السبعيَّةِ، وغلبتِها عليهِمْ، والملائكةُ لا تدخلُ بيتاً فيهِ كلبٌ، كذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(١) . G والقلوبُ بيوتٌ تولَّى اللهُ بناءَها بيدِهِ ، وأعدَّها لأنْ تكونَ خزائنَ علمِهِ ، ومساربَ(٢) مكنوناتِهِ، ومهبطَ ملائكتِهِ ، ومغاشيَ أنوارِهِ ، ومهابَّ نفحاتِهِ ، ومحالَّ مكاشفاتِهِ ، ومجاريَ رحمتِهِ ، وهيأها لتحصيلِ المعرفةِ بهِ . فمتى كانَ فيها شيءٌ منْ تلكَ الأخلاقِ المذمومةِ .. لمْ تدخلْها الملائكةُ ، ولمْ تنزلْ عليها بشيءٍ مِنَ الخيرِ مِنْ قِبَلِهِ ؛ إذْ هيَ الوسائطُ بينَ اللهِ تعالىُ وبِينَ خلقِهِ ، وهُمُ الوفودُ منهُ بالخيراتِ والموصلونَ إليهِ (٣) وعنهُ بالباقياتِ الصالحاتِ . ولولاً تلكَ الأخلاقِ المذمومةِ التي حلَّتْ فيهِمْ ؛ وهيَ التي ذُمَّ الكلبُ لأجلِها .. لَمَا أُحرِمَتِ الملائكةُ بإذنِ اللهِ عزَّ وجلَّ عنْ حلولِها فيها وهيَ لا تخلُو مِنْ خيرِ تنزلُ بهِ، ويكونُ معها، فحيثُما حلَّتْ .. حلَّ الخيرُ في ذلكَ القلبِ بحلولِها فيهِ . (١) رواه البخاري (٣٢٢٥)، ومسلم (٢١٠٦) . (٢) في غير (ث، ذ): ( ومشارب ) . (٣) في غير (ر): ( والواصلون إليه). ٢٦٠