النص المفهرس

صفحات 581-600

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : جلسَ ناسٌ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ينتظرونَهُ، فخرجَ، حتى إذا دنا منهم .. سمعَهُمْ
يتذاكرونَ، فسمعَ حديثَهُمْ، فقالَ بعضُهم: عجباً! إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ اتخذَ
مِنْ خلقِهِ خليلاً؛ اتخذَ إبراهيم خليلاً، وقالَ آخرُ : ماذا بأعجبَ مِنْ كلام
موسى ! كلَّمَهُ تكليماً ، وقالَ آخرُ : فعيسى كلمةُ اللهِ وروحُهُ ، وقالَ آخرُ :
آدمُ اصطفاهُ اللهُ، فخرجَ عليهِمْ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فسلَّمَ وقالَ: ((قدْ
سمعتُ كلامَكُمْ وعجبَكُمْ ، إنَّ إبراهيمَ خليلُ اللهِ وهوَ كذلكَ ، وموسى
نجيُّ اللهِ وهوَ كذلكَ، وعيسى روحُ اللهِ وكلمتُهُ وهوَ كذلكَ ، وآدمُ
اصطفاهُ اللهُ وهوَ كذلكَ ، ألا وأنا حبيبُ اللهِ ولا فخرَ ، وأنا حاملُ لواءٍ
الحمدِ يومَ القيامةِ ولا فخرَ ، وأنا أوَّلُ شافعٍ وأوَّلُ مشفَّعِ يومَ القيامةِ
ولا فخرَ ، وأنا أوَّلُ مَنْ يحرِّكُ حلقَ الجنَّةِ فيفتحُ اللهُ لي فأدخلُها ومعي فقراءُ
المؤمنينَ ولا فخرَ، وأنا أكرمُ الأولين والآخرينَ ولا فخرَ ))(١).
--- ٠
(١) رواه الترمذي (٣٦١٦) .
٥٨١
1

كتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
صفة الحوض
اعلمْ: أنَّ الحوضَ مكرمةٌ عظيمةٌ خصَّ اللهُ بها نبيّنا صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ ، وقدِ اشتملَتِ الأخبارُ على وصفِهِ ، ونحنُ نرجو أنْ يرزقَنَا اللهُ تعالى
في الدنيا علمَهُ ، وفي الآخرةِ ذوقَهُ ؛ فإنَّ مِنْ صفاتِهِ أنَّ مَنْ شربَ منهُ لمْ يظمأ
أبداً .
قالَ أنسٌ : أغفى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إغفاءَةً ، فرفعَ رأسَهُ
متبسماً ، فقالوا لهُ: يا رسولَ اللهِ ؛ لمَ ضحكتَ؟ فقالَ: (( آيةٌ أُنزِلَتْ عليَّ
آنفاً)) وقرأَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ﴾ حتى ختمَها
ثمَّ قالَ: ((هلْ تدرونَ ما الكوثرُ؟)) قالوا: اللهُ ورسولُهُ أعلمُ، قالَ: ((إنَّهُ
نهرٌ وعدَنيهِ ربِّي عزَّ وجلَّ في الجنَّةِ ، عليهِ خيرٌ كثيرٌ ، عليهِ حوضٌ تردُ عليهِ
أمَّتي يومَ القيامةِ، آنيتُهُ عددُ نجومِ السماءِ))(١).
وقالَ أنسٌ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((بينما أنا أسيرُ في
الجنَّةِ ؛ إذا أنا بنهر حافتاهُ قبابُ اللؤلؤِ المجوَّفِ ، قلتُ : ما هذا
يا جبريل؟ قالَ : هذا الكوثرُ الذي أعطاكَ رَبُّكَ ، فضربَ الملكُ بيدِهِ ؛
فإذا طينُهُ مسكٌ أذفرُ))(٢).
(١) رواه مسلم (٤٠٠)، وفي (أ، ب، ن): ( عدد الكواكب).
(٢) رواه البخاري ( ٦٥٨١).
٥٨٢

ربع المنجيات
كتاب ذكر الموت
وقالَ : كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: (( ما بينَ لابتي
حوضي مثلُ ما بينَ المدينةِ وصنعاءَ ، أو مثلُ ما بينَ المدينةِ وعمَّانَ)) (١) .
وروى ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ لَمَّا نزلَ قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ
اُلْكَوْثَرَ﴾ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((هوَ نهرٌ في الجنَّةِ، حافتاهُ
مِنْ ذهبٍ ، شرابُهُ أشدُّ بياضاً مِنَ اللَّبنِ وأحلىُ مِنَ العسلِ ، وأطيبُ ريحاً مِنَ
المسكِ ، يجري على جنادلِ اللؤلؤِ والمرجانِ» (٢).
وقالَ ثوبانُ مولى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ حوضي ما بينَ عدنَ إلى عمَّانَ البلقاءِ ، ماؤُهُ أشدُ بياضاً
مِنَ اللبنِ وأحلىُ مِنَ العسلِ ، وأكوابُهُ عددُ نجوم السماءِ ، مَنْ شربَ مِنْهُ
شربةً .. لمْ يظمأُ بعدَها أبداً ، أولُ النَّاسِ وروداً عليهِ فقراءُ المهاجرينَ)) فقالَ
عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ: ومَنْ هُمْ يا رسولَ اللهِ ؟ قالَ: (( همُ
الشعثُ رؤوساً ، الدُّنسُ ثياباً ، الذينَ لا ينكحونَ المتنعِّماتِ، ولا تُفُتحُ لهمْ
أبوابُ السددِ ))، فقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ : واللهِ ؛ لقدْ نكحتُ المتنعِّماتِ
فاطمةَ بنتَ عبدِ الملكِ، وفُتْحَتْ لي أبوابُ السددِ ، إلاَّ أنْ يرحمَني اللهُ
تعالى ، لا جرمَ لا أدهنُ رأسي حتى يشعثَ ، ولا أغسلُ ثوبي الذي على
جسدي حتى يشَّخَ(٣).
<٥
يجر
(١) رواه مسلم ( ٢٣٠٣) .
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (١١٢/٢)، وعند الترمذي (٣٣٦١) نحوه .
(٣) رواه الترمذي (٢٤٤٤)، وابن ماجه ( ٤٣٠٣).
٥٨٣

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
وعنْ أبي ذرٍّ قالَ : قلتُ : يا رسولَ اللهِ ؛ ما آنيةُ الحوضِ ؟ قالَ :
((والذي نفسُ محمَّدٍ بيدِهِ ؛ لآنيتُهُ أكثرُ مِنْ عددِ نجوم السماءِ وكواكبها في
الليلةِ المظلمةِ المصحيةِ، مَنْ شربّ منهُ .. لمْ يظمأُ آخرَ ما عليهِ ، يشخبُ
فيهِ ميزابانٍ مِنَ الجنَّةِ ، عرضُهُ مثلُ طولِهِ ما بينَ عُمانَ وأيلةَ ، ماؤُهُ أشدُّ بياضاً
مِنَ اللبنِ وأحلىْ مِنَ العسلِ))(١).
وعنْ سمرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ لكلِّ نبيِّ حوضاً،
وإنَّهُمْ يتباهونَ أيُّهم أكثرُ واردةً، وإنِّي لأرجو أنْ أكونَ أكثرَهُمْ واردةً))(٢).
فهذا رجاءُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فليرِجُ كلُّ عبدٍ أنْ يكونَ في
جملةِ الواردينَ ، وليحذرْ أنْ يكونَ متمنياً ومغترّاً وهوَ يظنُّ أنَّهُ راج ؛ فإنَّ
الراجيَ للحصادِ مَنْ بثَّ البذرَ، ونقَّى الأرضَ وسقاها الماءَ ، ثمَّ جلسَ
يرجو فضلَ اللهِ تعالى بالإنباتِ ودفع الصواعقِ إلى أوانِ الحصادِ ، فأمَّا مَنْ
تركَ الحراثةَ والزراعةَ وتنقيةَ الأرضِ وسقيَها ، وأخذَ يرجو مِنْ فضلِ اللهِ أنْ
ينبتَ لهُ الحبَّ والفاكهةَ .. فهذا مغترٍ ومتمنٌّ، وليسَ مِنَ الراجينَ في
شيءٍ ، وهكذا رجاءُ أكثرِ الخلقِ ، وهوَ غرورُ الحمقى ، نعوذُ باللهِ مِنَ
الغرورِ والغفلةِ ؛ فإنَّ الاغترارَ باللهِ أعظمُ مِنَ الاغترارِ بالدنيا ؛ قالَ اللهُ
تعالى: ﴿ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِالَّهِ الْغَرُورُ﴾ ..
(١) رواه مسلم (٢٣٠٠) .
(٢) رواه الترمذي (٢٤٤٣) .
٥٨٤

ربع المنجيات
كتاب ذكر الموت
القول في صفة جستم وأحوالهاء الخاله
يا أيُّها الغافلُ عنْ نفسِهِ ، المغرورُ بما هوَ فيهِ منْ شواغلِ هذهِ الدنيا
المشرفةِ على الانقضاءِ والزوالِ ؛ دع التفكُّرَ فيما أنتَ مرتحلٌ عنهُ ، واصرفٍ
الفكرَ إلى موردِكَ؛ فإنَّكَ أُخبرتَ بأنَّ النَّارَ موردٌ للجميع إذْ قِيلَ: ﴿وَإِن
مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّاً : ◌َ﴾؛ ثُمَّتُنَجِى الَّذِينَ آَتَّقَواْ وَّنَذَرُ اُلَّلِمِينَ فِيهَا
◌ِيًّا﴾ فأنتَ مِنَ الورودِ على يقينٍ ، ومِنَ النجاةِ على شكِّ .
فاستشعرْ في قلبكَ هولَ ذلكَ الموردِ ، فعساكَ تستعدُ للنجاةِ منهُ بالتشمُّرِ
لأعمالِها ، وتأمَّلْ في حالِ الخلائقِ وقدْ قاسَوا مِنْ دواهي القيامةِ ما قاسَوا ،
فبينما همْ في كروبِها وأهوالِها واقفينَ ينتظرونَ حقيقةً أنبائِها وتشفيعَ
شفعائِها ؛ إذْ أحاطَتْ بالمجرمينَ ظلماتٌ ذاتُ شعبٍ ، وأظلَّتْ عليهِمْ نارٌ
ذاتُ لهبٍ ، وسمعوا لها زفيراً وجرجرةً تفصحُ عنْ شدَّةِ الغيظِ والغضبِ .
فعندَ ذلكَ أيقنَ المجرمونَ بالعطبِ ، وجثَتِ الأممُ على الركبِ ، حتى
أشفقَ البرآءُ مِنْ سوءِ المنقلبِ ، وخرجَ المنادي مِنَ الزَّبانيةِ قائلاً : أينَ
فلانُ بنُ فلانٍ المسوِّفُ نفسَهُ في الدنيا بطولِ الأملِ ، المضيّعُ عمرَهُ في سوءِ
العمل ؟ فيبادرونَهُ بمقامعَ مِنْ حديدٍ ، ويستقبلونَهُ بعظائمِ التهديدِ ،
ويسوقونَهُ إلى العذابِ الشديدِ ، وينكسونَهُ في قعرِ الجحيمِ ، ويقولونَ لهُ :
﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾.
٥٨٥

كتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
فأُسكنوا داراً ضيقةَ الأرجاءِ ، مظلمةَ المسالكِ مبهمةَ المهالكِ ، يخلدُ
فيها الأسيرُ ويؤبدُ فيها السَّعيرُ ، شرابُهُم فيها الحميمُ ومستقرُّهُمُ الجحيمُ ،
الزبانيةُ تقمعُهُمْ والهاويةُ تجمعُهُم ، أمانيهِمْ فيها الهلاكُ وما لهمْ مِنْها فكاكٌ ،
قدْ شُدَتْ أقدامُهُمْ إلى النَّواصي ، واسودَّتْ وجوهُهُمْ مِنْ ظلمةِ المعاصي ،
ينادونَ مِنْ أكنافِها ويصيحونَ في نواحيها وأطرافِها : يا مالكُ ؛ قدْ حقَّ علينا
الوعيدُ ، يا مالكُ؛ قدْ أثقلَنا الحديدُ ، يا مالكُ؛ قدْ نضجَتْ منَّ الجلودُ ،
يا مالكُ ؛ أخرجْنا منها فإنَّا لا نعودُ .
فتقولُ الزَّبانيةُ : هيهاتَ ! لاتَ حينَ أمانٍ ، ولا خروجَ لكُمْ مِنْ دارِ
الهوانِ ، فاخسؤوا فيها ولا تكلِّمونٍ ، ولوْ أُخرجتُم منها .. لكنتُم إلى
ما نُهيتُمْ عنهُ تعودونَ ، فعندَ ذلكَ يقنطُونَ ، وعلى ما فرَّطوا في جنبِ اللهِ
يتأسفونَ ، ولا ينجيهمُ النَّدمُ ولا يغنيهمُ الأسفُ ، بلْ يُكْبُّونَ على وجوهِهم
مغلولينَ ، النَّارُ مِنْ فوقِهِمْ، والنَّارُ مِنْ تحتِهِم ، والنَّارُ عَنْ أيمانِهِمْ ، والنَّارُ
عَنْ شمائلِهِمْ ، فهمْ غرقى في النَّارِ ، طعامُهُمْ نارٌ ، وشرائُهُمْ نارٌ ، ولباسُهُمْ
نارٌ ، ومهادُهُمْ نارٌ .
فهمْ بينَ مقطعاتِ النيرانِ وسرابيلِ القطرانِ ، وضربِ المقامعِ وثقلٍ
السلاسلِ ، فهمْ يتجلجلونَ في مضايقِها ، ويتحطمونَ في دركاتِها ،
ويضطربونَ بينَ غواشيها ، تغلي بهِمُ النَّارُ كغلي القدورِ ، ويهتفونَ بالويلِ
والعويلِ ، ومهما دعوا بالثبورِ .. صُبَّ مِنْ فوقٍ رؤوسِهِمُ الحمیمُ ، يُصهرُ بهِ
ما في بطونِهِمْ والجلودُ ، ولهمْ مقامعُ منْ حديدٍ تُهشمُ بها جباهُهُمْ ، فيتفجرُ
٥٨٦

ربع المنجيات
کتاب ذكر الموت
الصديدُ مِنْ أفواهِهِمْ، وتنقطعُ مِنَ العطشِ أكبادُهُمْ، وتسيلُ على الخدودِ
أحداقُهُمْ، ويسقطُ مِنَ الوجناتِ لحومُهَا ، ويتمعطُ مِنَ الأطرافِ
شعورُها(١) ، بلْ جلودُها، وكلَّما نضجَتْ جلودُهم .. بدَّلنَاهُم جلوداً
غيرَها ، قدْ عريَتْ مِنَ اللحمِ عظامُهُمْ ، فبقيَتِ الأرواحُ منوطةً بالعروق
وعلائقِ العصبِ ، وهيَ تنشُّ في لفح تلكَ النيرانِ (٢)، وهمْ معَ ذلكَ يتمنَّونَ
الموتَ فلا يموتونَ .
فكيفَ بكَ لوْ نظرتَ إليهم وقد اسودَتْ وجوهُهُم أشدَّ سواداً مِنَ الحممِ ،
وأُعمِيَتْ أبصارُهُمْ، وأُبكمَتْ ألسنتُهُمْ، وقُصمَتْ ظهورُهُمْ، وكُسرَتْ
عظامُهُمْ، وجُدِعَتْ آذانُهُمْ، ومُزِّقَتْ جلودُهُمْ، وغُلَّتْ أيديهمْ إلى
أعناقِهِمْ، وجُمعَ بينَ نواصيهِمْ وأقدامِهِمْ، وهمْ يمشونَ على النَّارِ
بوجوهِهِمْ ، ويطؤونَ حسكَ الحديدِ بأحداقِهِمْ ، فلهيبُ النَّارِ سارَ في بواطنٍ
أجزائِهِمْ ، وحيَّاتُ الهاويةِ وعقاربُها متشبئةٌ بظواهرِ أعضائِهِمْ ؟!
جن
هذهِ جملةٌ أحوالِهِمْ ، فانظرِ الآنَ في تفصيلِ أهوالِهِمْ .
وتفكّرْ أوَّلاً في أوديةِ جهنّمَ وشعابِها .
فقدْ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ في جهنَّمَ سبعينَ ألفَ وادٍ ،
في كلِّ وادٍ سبعونَ ألفَ شعبٍ ، في كلِّ شعبٍ سبعونَ ألفَ ثعبانٍ وسبعونَ
(١) يتمعط : يتساقط .
(٢) تنش : تيبس .
٥٨٧

کتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
ألفَ عقربٍ ، لا ينتهي الكافرُ والمنافقُ حتى يواقعَ ذلكَ كلَّهُ))(١) .
وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((تعوَّذوا باللهِ مِنْ حبِّ الحزنِ أو وادي الحزنِ )) قيلَ : يا رسولَ اللهِ ،
وما وادي الحزنِ أو جبُّ الحزنِ ؟ قالَ: ((وادٍ في جهنَّمَ تتعوذُ منهُ جهنّمُ كلَّ
يومٍ سبعينَ مرةً ، أعدَّهُ اللهُ تعالى للقراءِ المرائينَ))(٢) .
فهذهِ سعةٌ جهنَّمَ وانشعابُ أوديتِها ، وهيَ بحسبِ عددٍ أوديةِ الدنيا
وشهواتِها ، وعددُ أبوابِها بعددِ الأعضاءِ السبعةِ التي بها يعصي العبدُ ، بعضُها
فوقَ بعضٍ ، الأعلى جهنّمُ ، ثمَّ سقرُ، ثمَّ لظى، ثمَّ الحطمةُ، ثمّ
السعيرُ ، ثمَّ الجحيمُ ، ثمَّ الهاويةُ .
فانظرِ الآنَ في عمقِ الهاويةِ ؛ فإنَّهُ لا حدَّ لعمقِها كما لا حدَّ لعمقِ
شهواتِ الدنيا ، فكما لا ينتهي أربٌ مِنَ الدنيا إلاَّ إلى أربِ أعظمَ منهُ .. فلا
تنتهي هاويةٌ مِنْ جهنّمَ إلاَّ إلى هاويةٍ أعمقَ منها .
قالَ أبو هريرةَ : كَّا معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، إذ سمعنا
وجبةٌ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أتدرونَ ما هذا؟))
قلنا : اللهُ ورسولُهُ أعلمُ، قالَ: ((هذا حجرٌ أُرسلَ في جهنَّمَ منذُ سبعينَ
بحر
ريح
ـدة
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة النار)) (٩٧)، وأبو نعيم في (( معرفة الصحابة))
(٣٥٠٩ ) .
(٢) رواه الترمذي ( ٢٣٨٣)، وابن ماجه (٢٥٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
٥٨٨

ربع المنجيات
كتاب ذكر الموت
عاماً ، الآنّ حينَ انتهى إلى قعرِها))(١) .
ثُمَّ انظرْ إلى تفاوتِ الدركاتِ ؛ فإنَّ الآخرةَ أكبرُ درجاتٍ وأكبرُ تفضيلاً ،
فكما أنَّ إكبابَ النَّاسِ على الدنيا متفاوتٌ ؛ فمِنْ منهمكِ مستكثرٍ كالغريقِ
فيها ، ومِنْ خائضٍ فيها إلى حدٍّ محدودٍ .. فكذلكَ تناولُ النَّارِ لهمْ متفاوتٌ؛
فإنَّ اللهَ لا يظلمُ مثقالَ ذَرَّةٍ ، فلا تترادفُ أنواعُ العذابِ على كلِّ مَنْ في النَّارِ
كيفَ كانَ ، بلْ لكلِّ واحدٍ حدٍّ معلومٌ على قدرِ عصيانِهِ وذنبهِ ، إلاَّ أنَّ أقلَّهم
عذاباً لوْ عُرضَتْ عليهِ الدنيا بحذافيرِها .. لافتدى بها مِنْ شدَّةِ ما هوَ فيهِ .
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ أدنى أهلِ النارِ عذاباً ينتعلُ
بنعلينٍ مِنْ نارٍ ، يغلي دماغُهُ مِنْ حرارةِ نعليهِ))(٢) .
٨٠٠
فانظرِ الآنَ إلى مَنْ خُفَِّ عليهِ ، واعتبرْ بهِ مَنْ شُدِّدَ عليهِ ، ومهما
شككتَ في شدَّةِ عذابِ النَّارِ .. فقرِّبْ إصبعَكَ مِنَ النَّارِ ، وقسْ ذلكَ بهِ ، ثمَّ
اعلمْ أنَّكَ أخطأتَ في القياسِ ؛ فإنَّ نارَ الدنيا لا تناسبُ نارَ جهنَّمَ ، ولكنْ
لمَّا كانَ أشدَّ عذابٍ في الدنيا عذابُ هئذهِ النَّارِ .. عُرفَ عذابُ جهَّمَ بها ،
وهيهاتَ !
لو وجدَ أهلُ الجحيمِ مثلَ هذهِ النَّارِ .. لخاضوها طائعينَ هرباً ممَّا هُمْ
فيه ، وعنْ ههذا عُبِّرَ في بعضِ الأخبارِ حيثُ قيلَ : إِنَّ نارَ الدنيا غُسلَتْ
(١) رواه مسلم (٢٨٤٤) . والوجبة : السقطة .
(٢) رواه مسلم ( ٢١١) .
٥٨٩

كتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
بسبعينَ ماءٌ مِنْ مياهِ الرحمةِ حتى أطاقَها أهلُ الدنيا(١) .
بلْ صرَّحَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بصفةِ نارِ جهنَّمَ فقالَ :
((أُوقدَتْ تلكَ النَّارُ ألفَ عامٍ حتى احمرَّتْ، ثمّ أُوقَدَ عليها ألفَ عام حتى
ابيضَّتْ، ثمَّ أُوقَدَ عليها ألفَ عامٍ حتى اسودَّتْ، فهيَ سوداءُ مظلمةٌ))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((اشتكتِ النارُ إلى ربِّها فقالَتْ : يا ربِّ؛
أكلَ بعضي بعضاً ، فأذنَ لها بنفسَينِ ، نفسٍ في الشَّتَاءِ ، ونفسٍ في الصيفِ ،
فأشدُّ ما تجدونَهُ في الصَّيفِ مِنْ حرِّها ، وأشدُّ ما تجدونَهُ في الشتاءِ مِنْ
زمهريرِها)»(٣).
وقالَ أنسُ بنُ مالكِ : ( يُؤتى بأنعمِ النَّاسِ في الدنيا مِنَ الكفَّارِ فِيُقالُ :
اغمسوهُ في النَّارِ غمسةً ، ثمَّ يُقالُ لهُ: هلْ رأيتَ نعيماً قطُّ ؟ فيقولُ : لا،
ويُؤتى بأشدِّ النَّاسِ ضراً في الدنيا فيُقالُ: اغمسوهُ في الجنَّةِ غمسةً، ثمَّ يُقالُ
لهُ: هلْ رأيتَ ضراً قطُّ ؟ فيقولُ: لا)(٤).
(١) روى ابن ماجه (٤٣١٨) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (( إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم ، ولولا أنها
أطفئت بالماء مرتين .. ما انتفعتم بها ، وإنها لتدعو الله عز وجل ألا يعيدها فيها))،
وانظر ((الإتحاف)) ( ٥١٣/١٠ ).
(٢) رواه الترمذي ( ٢٥٩١) .
(٣) رواه البخاري (٣٢٦٠)، ومسلم ( ٦١٧) .
(٤) رواه بهذا اللفظ موقوفاً ابن المبارك في ((الزهد)) (٦١١)، وأصله عند مسلم
(٢٨٠٧) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً .
٥٩٠

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
وقالَ أبو هريرةَ : ( لوْ كانَ في المسجدِ مئةُ ألفٍ أوْ يزيدونَ ، ثمَّ تنفسَ
رجلٌ مِنْ أهلِ النَّارِ .. لماتوا)(١).
وقدْ قالَ بعضُ العلماءِ في قولِهِ: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾: إنَّها لفحَتْهِمْ
لفحةً واحدةً ، فما أبقتْ لحماً على عظمٍ إلاَّ ألقتْهُ عندَ أعقابِهِمْ(٢).
ثُمَّ انظرْ بعدَ هذا في نتنِ الصديدِ الذي يسيلُ مِنْ أبدانِهِمْ حتى يغرقوا
فيهِ ، وهوَ الغساقُ .
قالَ أبو سعيد الخدريُّ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لوْ أنَّ
دلواً مِنْ غساقٍ جهنَّمَ أُلقيَ في الدنيا .. لأنتنَ أهلُ الأرضِ))(٣) فهذا شرابُهُمْ
إذا استغائوا مِنَ العطشِ ﴿وَيُسْقَى مِن ◌َّهِ صَدِيدٍ ﴿ يَتَجَرَّعُمُ وَلَا يَكَادُ
يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِحَيِّتٍ﴾، ﴿ وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَانُواْ
بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ بِنْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًّا﴾.
ثُمَّ انظرْ إلى طعامِهِمْ وهوَ الزقومُ ؛ كما قالَ اللهُ تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيّها
الضَّالُونَ الْمُكَذِّبُونَ ﴿ لَّكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّنِ زَقُومٍ {يَ فَالِقُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ﴿٥: فَشَرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ
فَشَرِبُونَ شُرْبَ الْهِمِ﴾، وقال تعالى: ﴿ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِىَ أَصْلِ
اْحَيِيم
(١) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٦٦٧٠)، والبزار في ((المسند)) (٩٦٢٣) من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً .
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٦٠/٤)، وابن أبي شيبة في (( المصنف))
(٣٥٢٥٨) .
(٣) رواه الترمذي (٢٥٨٤) .
٥٩١

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
فَإِنَّهُمْ لَكِلُونَ مِنْهَا فَمَا لُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ
الْجَحِيمِ ﴿: طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَطِينِ
ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْمَحِيمِ﴾ ، وقال تعالى:
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ◌َ
﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةٌ ﴿، تُتْقَى مِنْ عَيْنٍ ءَإِيَةٍ﴾، وقالَ تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَآ أَنْكَلًا وَحِيمًا
وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾.
وقالَ ابنُ عباسٍ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لوْ أنَّ قطرةً
مِنَ الزقومِ قُطرَتْ في بحارِ الدنيا .. لأفسدَتْ على أهلِ الدنيا معايشَهُمْ ،
فكيفَ مَنْ يكونُ طعامُهُ ذلكَ ؟!))(١) .
وقالَ أنسٌ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ارغبوا فيما
رغَّبَّكُمُ اللهُ، واحذروا وخافوا ما خوَّفَكُمُ اللهُ بهِ مِنْ عذابِهِ وعقابِهِ ومِنْ
جهنّمَ ؛ فإنَّها لوْ كانَتْ قطرةٌ مِنَ الجنَّةِ معَكُمْ في دنياكُمُ التي أنتُمْ فيها ..
طيبَتْها لكُمْ ، ولوْ كانَتْ قطرةٌ مِنَ النَّارِ معَكُمْ في دنياكُمُ التي أنْتُمْ فيها ..
خبثَتْها عليكُمْ))(٢) .
وقالَ أبو الدرداءِ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يُلقى على
أهلِ النارِ الجوعُ حتى يعدلَ ما هُمْ فيهِ مِنَ العذابِ ، فيستغيثونَ بالطعام ،
فيُغاثونَ بطعامٍ مِنْ ضريعٍ لا يسمنُ ولا يغني مِنْ جوع ، ويستغيثونَ بالطعام ،
فيُغاثونَ بطعام ذي غُصَّةٍ ، فيذكرونَ أنَّهمْ كانوا يجيزونَ الغصصَ في الدنيا
بالشرابِ ، فيستغيثونَ بالشرابِ ، فيُرفعُ إليهمُ الحميمُ بكلاليبِ الحديدِ ،
(١) رواه الترمذي (٢٥٨٥)، وابن ماجه (٤٣٢٥).
(٢) رواه البيهقي في (( البعث والنشور)) (٥٣٢).
٥٩٢

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
فإذا دنَتْ مِنْ وجوهِهِمْ .. شوَتْ وجوهَهُمْ، فإذا دخلَتْ بطونَهُمْ .. قطَّعَتْ
ما في بطونِهِمْ، فيقولونَ: ادعوا خزنةً جهنَّمَ ، قالَ : فيدعونَ خزنةَ جهَّمَ
أنِ ادعوا ربَّكُمْ يخففْ عنَّا يوماً مِنَ العذابِ، فيقولونَ: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ
رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَتِّ قَالُواْ بَلَى قَالُواْ فَأَدْعُواْ وَمَا دُعَتَوُاْ الْكَفِرِينَ إِلَّ فِى
ضَلَالٍ﴾، قالَ: فيقولونَ: ادعوا مالكاً ، فيدعونَ فيقولونَ: ﴿ يَمَلِكُ لِيَفْضِ
عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾، قالَ: فيجيبُهُمْ: ﴿إِنَّكُم مََّكِنُونَ﴾ - قالَ الأعمشُ: أُنْبِئْتُ :
أنَّ بينَ دعائِهِمْ وبينَ إجابةِ مالكِ إِيَّاهُمْ ألفَ عام - قالَ: فيقولونَ : ادعوا
ربَّكُمْ فلا أحدَ خيرٌ مِنْ ربَّكُمْ، فيقولونَ: ﴿رَبََّا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا
ضَآَلِينَ : ﴿ رَبَّا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ﴾، قالَ: فيجيبُهُمْ:
﴿أَخْسَتُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونٍ﴾، قالَ: فعندَ ذلكَ يئسوا مِنْ كلِّ خيرِ ، وعندَ ذلكَ
أخذوا في الزفيرِ والحسرةِ والويلِ)) (١) .
وقالَ أبو أمامةَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في قولِهِ تعالى :
﴿وَيُسْقَى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ () يَتَجَرَّعُمُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ قالَ: (( يُقرَّبُ إليهِ
فيكرهُهُ ، فإذا أُدنيَ منهُ .. شوى وجهَهُ ووقعَتْ فروةُ رأسِهِ ، فإذا شربَهُ ..
قطَّعَ أمعاءَهُ حتى يخرجَ منْ دبرِهِ)) يقولُ اللهُ تعالى: ﴿وَسُقُواْ مَةٌ حَمِيعًا فَقَطَّعَ
أَمْعَآءَ هُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَانُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ
بِئْسَ الشَّرَابُ﴾(٢).
(١) رواه الترمذي (٢٥٨٦) .
(٢) رواه الترمذي ( ٢٥٨٣) .
٥٩٣

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
فههذا طعامُهُمْ وشرابُهُمْ عندَ جوعِهِمْ وعطشِهِمْ .
فانظرٍ الآنَ إلى حيَّاتِ جهنَّمَ وعقاربِها ، وإلىُ شدَّةِ سمومِها وعظمٍ
أشخاصِها ، وفظاعةِ منظرِها، وقدْ سُلِّطَتْ على أهلِها وأُغريَتْ بهمْ، فهيَ
لا تفترُ عنِ النَّهشِ واللدغِ ساعةً واحدةً .
قالَ أبو هريرةً: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ آتاهُ اللهُ مالاً
فلمْ يؤدِّ زكاتَهُ .. مُثُّلَ لَهُ يومَ القيامةِ شجاعاً أقرعَ لهُ زبيبتانِ يُطوِّقُهُ يومَ
القيامةِ، ثمّ يأخذُ بِلِهْزِمتيهِ - يعني: شدقيهِ - فيقولُ: أنا مالُكَ، أنا
كنزُكَ)) ثمَّ تلا قولَهُ تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن
فَضْلِهِ ... ) الآية(١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ في النَّارِ لحيَّاتٍ مثلَ أعناقِ البختِ ،
يلسعْنَ اللسعةَ فيجدُ حموتَها أربعينَ خريفاً(٢) ، وإنَّ فيها لعقاربَ كالبغالِ
المؤكفةِ، يلسعْنَ اللسعةَ فيجدُ حموتَها أربعينَ خريفاً))(٣).
وهذهِ الحَيَّاتُ والعقاربُ إنَّما تُسلَّطُ على مَنْ سُلِّطَ عليهِ في الدنيا البخلُ
وسوءُ الخلقِ وإيذاءُ الناسِ ، ومَنْ وُقِي ذلكَ .. وُقِيَ هذِهِ الحَيَّاتِ فلمْ تُمثَّلْ
لهُ .
(١) رواه البخاري (١٤٠٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ومسلم (٢٧/٩٨٨) من
حديث جابر رضي الله عنه .
(٢) حموتها : حرارتها .
(٣) رواه أحمد في (( المسند)) (١٩١/٤)، وابن حبان ( ٧٤٧١).
٥٩٤

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
ثمَّ تفكّرْ بعدَ هذا كلِّهِ في تعظيمِ أجسام أهلِ النَّارِ ؛ فإنَّ اللهَ تعالى
يزيدُ في أجسامِهِمْ طولاً وعرضاً ؛ حتى يتزايدَ عذابُهُمْ بسببهِ ، فيحسونَ
بلفح النَّارِ ولدغِ العقاربِ والحيَّاتِ مِنْ جميع أجزائِها دفعةً واحدةً على
التوالي .
قالَ أبو هريرةَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ضرسُ الكافرِ
في النَّارِ مثلُ أحدٍ، وغلظُ جددِهِ مسيرةُ ثلاثٍ))(١).
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( شفتُهُ السفلى ساقطةٌ على
صدرِهِ، والعليا قالصةٌ قدْ غطَّتْ وجهَهُ))(٢) .
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ الكافرَ ليجرُّ لسانَهُ في سجينٍ
يومَ القيامةِ يتوطؤُهُ الناسُ))(٣).
ومعَ عظمِ الأجسام كذلكَ تحرقُهُمُ النَّارُ مرَّاتٍ فَتُجدَّدُ جلودُهُمْ
ولحومُهُمْ .
وقالَ الحسنُ في معنى قولهِ تعالى: ﴿كَمَا نَّضِحَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾
(١) رواه مسلم ( ٢٨٥١) .
(٢) رواه الترمذي (٣١٧٦) في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ فِهَا كَلِحُونَ﴾ عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال : (( تشويه النار فتقلص شفته العالية حتى تبلغ وسط رأسه ، وتسترخي
شفته السفلى حتى تضرب سرته )) .
(٣) رواه الترمذي (٢٥٨٠).
٥٩٥

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
قالَ : تأكلُهُمُ النَّارُ كلَّ يوم سبعينَ ألفَ مرةٍ ، كلَّما أكلَتْهُم .. قيلَ لهُمْ:
عودوا ، فيعودونَ كما كانوا(١) .
ثمَّ تفكّرِ الآنَ في بكاءِ أهلِ النَّارِ وشهيقِهِمْ ، ودعائِهِمْ بالويلِ والثبورِ ؛
فإِنَّ ذلكَ يُسلَّطُ عليهِمْ في أوَّلِ إلقائِهِمْ فِي النَّارِ (٢).
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يُؤْتِى بجهنَّمَ يومَئذٍ لها سبعونَ
ألفَ زمامٍ، معَ كلِّ زمامٍ سبعون ألفَ ملكٍ))(٣).
وقالَ أنسٌ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يُرسلُ على أهلِ
النَّارِ البكاءُ ، فيبكونَ حتى تنقطعَ الدموعُ ، ثمَّ يبكونَ الدمَ حتى يُرى في
وجوهِهِمْ كهيئةِ الأخدودِ لوْ أُرسَلَتْ فيها السفنُ .. لجرَتْ))(٤).
وما دامَ يُؤذنُ لهمْ في البكاءِ والشهيقِ والزفيرِ والدعوةِ بالويلِ والثبورِ ..
فلهمْ فيهِ مستروحٌ ، ولكنَّهم يُمنعونَ أيضاً مِنْ ذلكَ .
قالَ محمدُ بنُ كعبٍ : لأهلِ النَّارِ خمسُ دعواتٍ يجيبُهُمُ اللهُ تعالى في
أربعةٍ، فإذا كانَتِ الخامسةُ .. لم يتكلَّموا بعدَها أبداً، فيقولونَ: ﴿رَبَّنَا أَمْتَّنَا
أَثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ فَأَعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ فيقولُ اللهُ
تعالى مجيباً لهُم: ﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ: إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَمُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ،
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة النار)) (١١٦)، وأحمد في ((الزهد)) ( ١٥٢٦).
(٢) في النسخ: (في أول لقائهم النار) ، والمثبت من (ق).
(٣) رواه مسلم (٢٨٤٢) .
(٤) رواه ابن ماجه ( ٤٣٢٤).
٥٩٦

ربع المنجيات
كتاب ذكر الموت
تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيّ الْكَبِيرِ﴾، ثمَّيقولون: ﴿ رَبَّنَآَ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ
صَلِحًا﴾ فيجيبُهُمُ اللهُ تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَفْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن
زَوَالٍ ﴾، فيقولونَ: ﴿رَبَّنَا أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيّرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ﴾
فيجيبُهُمُ اللهُ تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَ كُمُ النَّذِيِرُّ فَذُوقُواْ
فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾، ثمّ يقولونَ: ﴿رَبََّا غَلَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا فَوْمًا
ضَاَلِينَ ﴾ رَبََّآ أَخْرِحْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ فيجيبُهُمُ اللهُ تعالى: ﴿أُخْسَشُواْ
فِيَهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾، فلا يتكلَّمونَ بعدَها أبداً، وذلكَ غايةُ شدةِ العذابِ (١) .
قالَ مالكُ بنُ أنس رضيَ اللهُ عنهُ: ( قالَ زيدُ بنُ أسلمَ في قولهِ تعالى :
سَوَآءُ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ قالَ: صبروا مئةَ سنةٍ ، ثمَّ
جزعوا مئةَ سنةٍ أخرى، ثمَّ قالوا : سواءٌ علينا أجزعنا أمْ صبرنا ما لنا مِنْ
محيصٍ )(٢) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يُؤتى بالموتِ يومَ القيامةِ كأنَّهُ كبشٌ
أملحُ ، فَيُذْبِحُ بينَ الجنةِ والنارِ ، ويقالُ : يا أهلَ الجنَّةِ ؛ خلودٌ بلا موتٍ ،
ويا أهلَ النَّارِ ؛ خلودٌ بلا موتٍ)) (٣).
(١) رواه البيهقي في ((البعث والنشور)) (٥٨٦)، ورواه بنحوه ابن أبي الدنيا في ((صفة
النار)) (٢٥١)، وفيهما في الدعوة الثانية ليقولون: ﴿رَبََّآ أَخِرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ
دَعْوَتَكَ وَتَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ بدل ﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا﴾.
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢٣/٣) بنحوه.
(٣) رواه البخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٢٨٤٩) بنحوه .
٥٩٧

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
وعنِ الحسنِ قالَ : يخرجُ مِنَ النَّارِ رجلٌ بعدَ ألفِ عامٍ ، وليتني كنتُ
ذلكَ الرجلَ !(١).
ورُنِيَ الحسنُ رضيَ اللهُ عنهُ جالساً في زاويةٍ وهوَ يبكي ، فقيلَ لهُ :
ما يبكيكَ ؟ فقالَ : أخشى أنْ يطرحَني في النَّارِ ولا يبالي (٢).
فهذِهِ أصنافُ عذابٍ جهنَّمَ على الجملةِ ، وتفصيلُ غمومِها وأحزانِها ومحنِها
وحسراتِها لا نهايةَ لَهُ، فأعظمُ الأمورِ عليهِمْ معَ ما يلاقونَهُ مِنْ شدَّةِ العذابِ حسرةٌ
فوتِ نعيمِ الجنَّةِ ، وفوتِ لقاءِ اللهِ تعالىُ، وفوتِ رضاهُ معَ علمِهِمْ بأنَّهمْ باعوا كلَّ
ذلكَ بثمنٍ بخسٍ دراهمَ معدودةٍ ؛ إذْ لمْ يبيعوا ذلكَ إلاَّ بشهواتٍ حقيرةٍ في الدنيا
أياماً قصيرةً ، وكانَتْ غيرَ صافيةٍ ، بلْ كانَتْ مكدَّرةً منغَّصةٌ .
فيقولونَ في أنفسهِمْ : واحسرتاهُ ! كيفَ أهلكْنا أنفسَنا بعصيانِ ربِّنا ؟!
وكيفَ لمْ نكلِّفْ أنفسَنا الصبرَ أياماً قلائلَ؟! ولوْ صبرنا .. لكانَتْ قِدِ انقضَتْ
عنَّا أيامُهُ ، وبقينا الآنَ في جوارِ الرحمنِ متنعمينَ بالرِّضا والرِّضوانِ ، فيا
لحسرةِ هؤلاءِ وقدْ فاتَهُمْ ما فاتَهُمْ ، ويُلوا بما بُلوا بهِ ، ولمْ يبقَ معَهُمْ شيءٌ
مِنْ نعيمِ الدنيا ولذاتِها !
ثُمَّ إِنَّهِمْ لوْ لمْ يشاهدوا نعيم الجنةِ .. لمْ تعظمْ حسرتُهُمْ، لكنَّها تُعرضُ
عليهِمْ ؛ فقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يُؤْمرُ يومَ القيامةِ بناسٍ منَ
(١) كذا في ((القوت)) (١٥٠/٢)، وساقه من رواية أبي بكر الآجري ابنُ حجر في (( القول
المسدد في الذب عن مسند أحمد)» ( ص٣٥).
(٢) أورده ابن الجوزي في ((صفة الصفوة)) ( ١٢٧/٣).
٥٩٨

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
حن
النارِ إلى الجنَّةِ ، حتى إذا دنوا منها واستنشقوا رائحتَها ونظروا إلى قصورِها
وإلى ما أعدَّ اللهُ لأهلِها فيها .. نُودوا أنِ اصرفوهمْ عنها لا نصيبَ لهمْ فيها ،
فيرجعونَ بحسرةٍ ما رجعَ الأوَّلونَ والآخرونَ بمثلِها ، فيقولونَ : يا ربَّنا ؛ لوْ
أدخلتَنَا النَّارَ قبلَ أنْ ترِيَنا ما أريتَنَا مِنْ ثوابِكَ وما أعددتَ فيها لأوليائِكَ ..
كانَ أهونَ علينا ، فيقولُ اللهُ تعالى: ذاكَ أردتُ بِكُمْ، كنتُم إذا خلوتُم ..
بارز تُموني بالعظائمِ ، وإذا لقيتُمُ النَّاسَ .. لقيتُموهُمْ مخبتينَ، تراؤونَ النَّاسَ
بخلافِ ما تعطوني مِنْ قلوبِكُمْ ، هبتُمُ النَّاسَ ولمْ تهابوني ، وأجللتُمُ النَّاسَ
ولمْ تجلُّوني ، وتركتُمْ لِلنَّاسِ ولمْ تتركوا لي ، فاليومَ أذيقُكُمُ العذابَ الأليمَ
مَعَ ما حرمتُكُمْ مِنَ الثوابِ المقيمِ )) (١) .
قالَ أحمدُ بنُ حربٍ : إنَّ أحدَنا يؤثرُ الظلَّ على الشمسِ ، ثمَّ لا يؤثرُ
الجنَّةَ على النَّارِ ؟!
وقالَ عيسى عليهِ السَّلامُ : كمْ مِنْ جسدٍ صحيحٍ ووجهٍ صبيحٍ ولسانٍ
فصيحِ ؛ غداً بينَ أطباقِ النَّارِ يصيحُ !
وقال داوودُ : إلاهي ؛ لا صبرً لي على حرِّ شمسِكَ ، فكيف صبري على
حرِّ نارِكَ ؟! ولا صبرَ لي على صوتِ رحمتِكَ، فكيفَ صبري على صوتٍ
عذابِكَ ؟!(٢).
(١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٨٥/١٧ - ٨٦)، وأبو نعيم في (( الحلية))
( ٤ / ١٢٥ ) .
(٢) رواه أحمد في ((الزهد)) (٣٦٨)، وابن أبي الدنيا في ((صفة النار)) ( ٢٢٣).
٥٩٩

كتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
فانظرْ يا مسكينٌ في هذهِ الأهوالِ ، واعلمْ: أنَّ اللهَ تعالى خلقَ النَّارَ
بأهوالها وخلقّ لها أهلاً لا يزيدونَ ولا ينقصونَ، وأنَّ هذا أمرٌ قدْ قُضيّ
وفُرِغَ مِنْهُ، قَالَ اللهُ تعالى: ﴿وَأَنْذِرُهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْقُضِىَ الْأَمْرِّ وَهُمْ فِ غَعْلَةٍ وَهُمْ لَا
يُؤْمِنُونَ﴾، ولعمري الإشارةُ بهِ إلى يوم القيامةِ ولكنْ ما قُضيَ الأمرُ يومَ
القيامةِ ، بلْ في أزلِ الأزلِ ، ولكنْ أُظهرَ يومَ القيامةِ ما سبقَ بهِ القضاءُ .
فالعجبُ منكَ حيثُ تضحكُ وتلهو ، وتشتغلُ بمحقراتِ الدنيا ولستَ
تدري أنَّ القضاءَ بماذا سبقَ في حقِّكَ .
فإنْ قلتَ : فليتَ شعري ماذا موردي ؟ وإلى ماذا مآلي ومرجعي ؟
وما الذي سبقَ بهِ القضاءُ في حقِّي ؟
فلكَ علامةٌ تستأنسُ بها ، وتصدِّقُ رجاءَكَ بسببها ، وهوَ أنْ تنظرَ إلى
أحوالِكَ وأعمالِكَ ؛ فإنَّ كلّ ميسرٌ لما خُلِقَ لهُ ، فإنْ كانَ قدْ يُسِّرَ لكَ سبيلُ
الخيرِ .. فأبشرْ فإنَّكَ مبعدٌ عنِ النَّارِ ، وإنْ كنتَ لا تقصدُ خيراً إلاَّ وتحيطُ بكَ
العوائقُ فتدفعُهُ ، ولا تقصدُ شرّاً إلاَّ وتتيسَّرُ لكَ أسبابُهُ .. فاعلمْ أنَّكَ مقضيٍّ
عليكَ ؛ فإنَّ دلالةَ هذا على العاقبةِ كدلالةِ المطرِ على النباتِ ، ودلالةِ
الدخانِ على النَّارِ؛ فقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ ﴾﴾ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَّفِى
◌َجِيمٍ ﴾ فاعرضْ نفسَكَ على الآيتينِ ، وقدْ عرفتَ مستقرَّكَ مِنَ الدارينِ ،
واللهُ أعلمُ .
٦٠٠
٠٠٠١٠٠