النص المفهرس
صفحات 561-580
ربع المنجيات كتاب ذكر الموت فعندَ ذلكَ تُؤخذُ حسناتُكَ التي أفنيتَ فيها عمرَكَ ، وتُنُقِلُ إلى خصمائِكَ عوضاً عن حقوقِهِمْ . قالَ أبو هريرةَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( هلْ تدرونَ مَنِ المفلسُ؟ )) قالوا: المفلسُ فينا - يا رسولَ اللهِ -: مَنْ لا درهمَ لهُ ولا متاعَ ، فقالَ: (( المفلسُ مِنْ أُمَّتي : مَنْ يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ ، ويأتي وقدْ شتمَ هذا وقذفَ هذا، وأكل مالَ هذا وسفكَ دمَ هذا وضربَ هذا ، فيُعطى هذا مِنْ حسناتِهِ وهذا مِنْ حسناتِهِ ، وإنْ فنيَتْ حسناتُهُ قبلَ أنْ يقضيَ ما عليهِ .. أُخِذَ مِنْ خطاياهُمْ فطُرحَتْ عليهِ ثمَّ طُرحَ في النَّارِ))(١). فانظرْ إلى مصيبتِكَ في مثلِ هذا اليوم ؛ إذْ ليسَ يسلمُ لكَ حسنةٌ مِنْ آفاتِ الرياءِ ومكايدِ الشيطانِ، فإنْ سلمَتْ حسنةٌ واحدةٌ في كلِّ مدةٍ طويلةٍ .. ابتدرَها خصماؤُكَ وأخذوها . ولعلَّكَ لوْ حاسبتَ نفسَكَ وأنتَ مواظبٌّ على صيامِ النهارِ وقيامِ الليلِ .. لعلمتَ أنَّهُ لا ينقضي عنكَ يومٌ إلاَّ ويجري على لسانِكَ مِنْ غيبةِ المسلمينَ ما يستوفي جميعَ حسناتِكَ ، فكيفَ ببقيّةِ السيئاتِ مِنْ أكلِ الحرامِ والشبهاتِ والتقصيرِ في الطاعاتِ ؟! وكيفَ ترجوْ الخلاصَ مِنَ المظالمِ في يومٍ يُقتصُّ فيهِ للجمَّاءِ مِنَ (١) رواه مسلم (٢٥٨١) . ٥٦١ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات القرناءِ ؟! فقدْ روى أبو ذرٍّ: أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رأى شاتینِ تنتطحانٍ فقالَ: (( يا أبا ذرِّ؛ أتدري فيمَ تنتطحانٍ؟)» قلتُ: لا، قالَ : (( ولكنَّ ربَّكَ يدري، وسيقضي بينَهما يومَ القيامةِ))(١). G وقالَ أبو هريرةَ في قولهِ عزَّ وجلّ: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّ أُمُّ أَمْثَالْكُمْ﴾: (إنَّهُ يُحشرُ الخلقُ كلُّهمْ يومَ القيامةِ ؛ البهائمُ والدوابُ والطيرُ وكلُّ شيءٍ، فيبلغُ مِنْ عدلِ اللهِ تعالى أنْ يأخذَ للجمَّاءِ مِنَ القرناءِ ثمَّ يقولَ : كوني تراباً ، فذلكَ حينَ يقولُ الكافرُ: ﴿يَلَيْتَنِىِ كُتُ تُرَبًا﴾)(٢) . فكيفَ أنتَ يا مسكينُ في يومٍ ترىُ صحيفتَكَ خاليةً عنْ حسناتٍ طالَ فيها تعبُكَ ، فتقولُ : أينَ حسناتي؟ فيُقالُ: نُقُلَتْ إلى صحيفةِ خصمائِكَ ، وترى صحيفتكَ مشحونةٌ بسيئاتٍ طالَ في الصبرِ عنها نصبُكَ ، واشتدَّ بسببٍ الكفُّ عنها عناؤُكَ ، فتقولُ : يا ربِّ؛ هذهِ سيئاتٌ ما قارفتُهَا قطُّ، فيُقالُ : هذهِ سيئاتُ القوم الذينَ اغتبتَهُمْ وشتمتَهُمْ وقصدتَهُمْ بالسوءِ ، وظلمتَهُمْ في المبايعةِ والمجاورةِ والمخاطبةِ ، والمناظرةِ والمذاكرةِ والمدارسةِ وسائرٍ أصنافِ المعاملةِ ؟! قالَ ابنُ مسعودٍ: قالَ رسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ الشيطانَ قدْ (١) رواه أحمد في ((المسند)) (١٦٢/٥)، والطيالسي في ((مسنده)) (٤٨٠). (٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣١٧/٢). ٥٦٢ - ١ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت يئسَ أنْ تُعبدَ الأصنامُ بأرضِ العربِ ، ولكنْ سيرضىْ منْكُمْ بما هوَ دونَ ذلكَ ؛ بالمحقَّراتِ وهيَ الموبقاتُ ، فاتقوا الظلمَ ما استطعتُم ؛ فإنَّ العبدَ ليجيءُ يومَ القيامةِ بأمثالِ الجبالِ مِنَ الطاعاتِ فيرى أنهنَّ سينجينَهُ ، فما يزالُ عبدٌ يجيءُ فيقولُ: يا ربِّ؛ إنَّ فلاناً ظلمَني بمظلمةٍ ، فيقولُ: امحُ مِنْ حسناتِهِ ، فما يزالُ كذلكَ حتى لا يبقى لهُ مِنْ حسناتِهِ شيءٌ ، وإنَّ مثلَ ذلكَ مثلُ سفرٍ نزلوا بفلاةٍ مِنَ الأرضِ ليسَ معَهُمْ حطبٌّ ، فتفرَّقَ القومُ فحطبوا ، فلمْ يلبثوا أنْ أعظموا نارَهمْ وصنعوا ما أرادوا، وكذلكَ الذنوبُ))(١) . ولمَّا نزلَ قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُم مَّيْتُونَ ﴿٤؛ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ عِنْدَ رَيَّكُمْ تَخْنَصِمُونَ﴾ قالَ الزبيرُ : يا رسولَ اللهِ؛ أيُكرَّرُ علينا ما كانَ بينَنَا في الدنيا معَ خواصِّ الذنوبِ ؟ قالَ: (( نعمْ، ليُكرَّرَنَّ عليكمْ حتى تؤدُّوا إلى كلِّ ذي حقِّ حقَّهُ)) فقالَ الزبيرُ : واللهِ ؛ إنَّ الأمرَ لشديدٌ(٢). فأعظمْ بشدّةِ يومٍ لا يُسامحُ فيهِ بخطوةٍ ، ولا يُتجاوزُ فيهِ عنْ لطمةٍ ولا عنْ كلمةٍ ، حتى يُنْتقمَ للمظلومِ مِنَ الظالمِ . قالَ أنسٌ : سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: (« يحشرُ اللهُ العبادَ عراةً غبراً بُهْماً)) قالَ: قلنا: ما بُهماً؟ قالَ: ((ليسَ معَهُم شيءٌ ، ثمّ يناديهمْ ربُّهمْ تعالى بصوتٍ يسمعُهُ مَنْ بَعُدَ كما يسمعُهُ مَنْ قربَ : أنا (١) رواه أبو يعلى في ((المسند)) (٥١٢٢)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ٦٨٧٧). (٢) رواه أحمد في (( المسند)) (١٦٧/١)، وعند الترمذي (٣٢٣٦) نحوه. ٥٦٣ کتاب ذكر الموت ربع المنجبات الملكُ ، أنا الدَّيَّانُ ، لا ينبغي لأحدٍ مِنْ أهلِ الجنَّةِ أنْ يدخلَ الجنَّةَ ولأحدٍ مِنْ أهلِ النَّارِ عليهِ مظلمةٌ حتى أقتصَّهُ منهُ، ولا لأحدٍ مِنْ أهلِ النَّارِ أنْ يدخلَ النَّارَ ولأحدٍ مِنْ أهلِ الجنَّةِ عندَهُ مظلمةٌ حتى أقتصَّهُ منهُ حتى اللطمةُ)) قلنا: وكيفَ وإنَّما نأتي اللهَ عزَّ وجلَّ عراةً غبراً بهماً؟ فقالَ: (( بالحسناتِ والسيئاتِ))(١) . فاتَّقُوا اللهَ عبادَ اللهِ ، ومظالمَ العبادِ بأخذِ أموالِهِمْ ، والتعرُّضِ الأعراضِهِمْ ، وتضييقٍ قلوبِهِمْ ، وإساءةِ الخلقِ في معاشرتِهِمْ ؛ فإنَّ ما بينَ العبدِ وبينَ اللهِ خاصةٌ فالمغفرةُ إليهِ أسرعُ . ومَنِ اجتمعَتْ عليهِ مظالمُ وقَدْ تابَ عنها ، وعسرَ عليهِ استحلالُ أربابٍ المظالمٍ .. فليكثر مِنْ حسناتِهِ ليومِ القصاصِ ، وليسرَّ ببعضِ الحسناتِ بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى بكمالِ الإخلاصِ بحيثُ لا يطلعُ عليهِ إلاّ اللهُ تعالىُ، فعساهُ يقرِّبُهُ ذلكَ إلى اللهِ تعالى، فينالَ بهِ لطفَهُ الذي ادَّخِرَهُ لأحبابهِ المؤمنينَ في دفع مظالمٍ العبادِ عنهُمْ؛ كما رُويَ عنْ أنسِ أنَّهُ قالَ : بينَما رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ جالسٌ؛ إذْ رأيناهُ ضحكَ حتى بدَتْ ثناياهُ ، فقالَ عمرُ : ما يضحكُكَ يا رسولَ اللهِ بأبي أنتَ وأمِّي؟ قالَ: (( رجلانٍ مِنْ أُمَّتِي جثيا بينَ يديْ ربِّ العزَّةِ ، فقالَ أحدُهُما : يا ربِّ؛ خذْ لي مظلمَتِي مِنْ (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٩٥/٣)، والحاكم في ((المستدرك » (٥٧٤/٤ ) من حديث عبد الله بن أنيس رضي الله عنه، وهو ما صوبه الحافظ الزبيدي في « إتحافه )) (٤٧٨/١٠)، وفي غير (أ، ص): (وإنما نأتي الله عراةً غرلاً بهماً). ٥٦٤ ربع المنجيات كتاب ذكر الموت أخي ، فقالَ اللهُ تعالى: أعطِ أخاكَ مظلمتَهُ ، فيقولُ : ياربِّ ؛ لمْ يبقَ مِنْ حسناتي شيءٌ، فقالَ اللهُ تعالى للطالبِ: كيفَ تصنعُ ولمْ يبقَ مِنْ حسناتِهِ شيءٌ؟! قالَ: يا ربِّ؛ يتحمَّلُ عني مِنْ أوزاري)) قالَ: وفاضَتْ عينا رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بالبكاءِ ثمَّ قالَ: «إنَّ ذلكَ ليومٌ عظيمٌ ، يومٌ يحتاجُ الناسُ إلى أنْ يُحمَلَ عنهمْ مِنْ أوزارِهِمْ))، قالَ: (( فقالَ اللهُ تعالى للطالبِ : ارفعْ رأسَكَ ، فانظرْ في الجنانِ ، فرفعَ رأسَهُ فقالَ: يا ربِّ ؛ أرى مدائنَ مِنْ فضةٍ مرتفعةً ، وقصوراً مِنْ ذهبٍ مكللةً باللؤلؤِ ، لأيِّ نبيٍّ هذا؟ أوْ لأيِّ صدِّيقٍ هذا؟ أوْ لأَيِّ شهيدٍ هذا؟ قالَ : لمَنْ أعطى الثَّمنَ ، قالَ : يا ربِّ؛ ومَنْ يملكُ ثمنَهُ ؟! قالَ : أنتَ تملكُهُ، قالَ : وما هوَ ؟ قالَ : عفوُكَ عنْ أخيكَ ، قالَ : يا ربِّ؛ إنِّي قدْ عفوتُ عنهُ، قالَ اللهُ تعالى: خُذْ بيدِ أخيكَ فأدخلْهُ الجنَّةَ)» ثمّ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عندَ ذلكَ : (( اتَّقُوا اللهَ وأصلحوا ذاتَ بينِكُمْ؛ فإنَّ اللهَ يصلحُ بينَ المؤمنينَ)) (١) . وهذا تنبيهٌ على أنَّ ذلكَ إنَّما يُنالُ بالتخلُّقِ بأخلاقِ اللهِ ، وهوَ إصلاحُ ذاتِ البينِ وسائرُ الأخلاقِ . فتفكَّرِ الآنَ في نفسِكَ إِنْ خَلَتْ صحيفتُكَ عنِ المظالم ، أوْ تلطَّفَ لكَ حتى عفا عنكَ وأيقنتَ بسعادةِ الأبدِ .. كيفَ يكونُ سرورُكَ في منصرفِكَ مِنْ مفصلِ القضاءِ وقدْ خلعَ عليكَ خلعةَ الرضا ، وعُدتَ بسعادةٍ ليسَ بعدَها ـو G (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((حسن الظن)) (١١٨)، والحاكم في ((المستدرك)) ( ٥٧٦/٤ ) . ٥٦٥ كتاب ذكر الموت ربع المنجيات شقاءٌ ، وبنعيمٍ لا يدورُ بحواشيهِ الفناءُ وعندَ ذلكَ طارَ قلبُكَ سروراً وفرحاً ، وابيضَّ وجهُكَ واستنارَ ، وأشرقَ كما يشرقُ القمرُ ليلةَ البدرِ ؟! فتوهَّمْ تبخترَكَ بينَ الخلائقِ رافعاً رأسَكَ ، خالياً عَنِ الأوزارِ ظهرُكَ ، ونضرةُ نسيمِ النعيمِ وبردُ الرضا يتلألأُ مِنْ جبينِكَ، وخلقُ الأولين والآخرينَ ينظرونَ إليكَ وإلى حالِكَ ، ويغبطُونَكَ في حسِنِكَ وجمالِكَ ، والملائكةُ يمشونَ بينَ يديكَ ومِنْ خلِفِكَ ، وينادونَ على رؤوسِ الأشهادِ : هذا فلانُ بنُ فلانٍ ، رضيَ اللهُ عنهُ وأرضاهُ ، وقدْ سعدَ سعادةً لا يشقى بعدَها أبداً ، أفترى أنَّ هذا المنصبَ ليسَ بأعظمَ مِنَ المكانةِ التي تنالُها في قلوبِ الخلقِ في الدنيا بريائِكَ ومداهنتِكَ وتصنُّعِكَ وتزيِّكَ ؟ فإنْ كنتَ تعلمُ أنَّهُ خيرٌ منهُ، بلْ لا نسبةَ لهُ إليهِ .. فتوسَّلْ إلى إدراكِ هذهِ الرتبةِ بالإخلاصِ الصافي ، والنيَّةِ الصادقةِ في معاملتِكَ معَ اللهِ تعالى ، فلنْ تدركَ ذلكَ إلاَ بهِ . وإنْ تكنِ الأخرى - والعياذُ باللهِ - بأنْ خرجَتْ مِنْ صحيفتِكَ جريمةٌ ، كنتَ تحسبُها هيّةً وهيَ عندَ اللهِ عظيمةٌ ، فمقتَكَ لأجلِها فقالَ عزَّ وجلَّ : عليكَ لعنتي يا عبدَ السوءِ ، لا أتقبلُ منكَ عبادتَكَ .. فلا تسمعُ هذا النداءَ إلَّ ويسودُّ وجهُكَ، ثمَّ تغضبُ الملائكةُ لغضبِ اللهِ تعالى فيقولونَ : وعليكَ لعنتًا ولعنةُ الخلائقِ أجمعينَ . وعندَ ذلكَ تنثالُ إليكَ الزَّبانيةُ وقدْ غضبَتْ لغضبِ خالِقِها ، فأقدمَتْ ٥٦٦ ۔۔ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت عليكَ بفظاظتِها وزعارَّتِها وصورها المنكرةِ (١) ، فأخذوا بناصيتِكَ يسحبونَكَ على وجهِكَ على ملأِ الخلقِ وهمْ ينظرونَ إلى سوادِ وجهِكَ ، وإلى ظهورِ خزيِكَ، وأنتَ تنادي بالويلِ والثبورِ ، وهمْ يقولونَ لكَ : لا تدعُ اليومَ ثبوراً واحداً وادعُ ثبوراً كثيراً . وتنادي الملائكةُ ويقولونَ : هذا فلانُ بنُ فلانٍ ، كشفَ اللهُ عنْ فضائِحِهِ ومخازيهِ ، ولعنَهُ بقبائح مساويهِ ، فشقيَ شقاوةً لا يسعدُ بعدَها أبداً . وربَّما يكونُ ذلكَ بذنبٍ أذنبتَهُ خيفةً مِنْ عبادِ اللهِ ، أوْ طلباً للمكانةِ في قلوبِهِمْ، أوْ خوفاً مِنَ الافتضاحِ عندَهمْ ، فما أعظمَ جهلَكَ إذْ تحترزُ مِنَ الافتضاحِ عندَ طائفةٍ يسيرةٍ مِنْ عبادِ اللهِ في الدنيا المنقرضةِ ، ثمَّ لا تخشى مِنَ الافتضاحِ العظيمِ في ذلكَ الملأِ العظيمِ معَ التعرُّضِ لسخطِ اللهِ تعالى وعقابِهِ الأليمِ ، والسياقِ بأيدي الزبانيةِ إلى سواءِ الجحيمِ ! فهذهِ أحوالُكَ وأنتَ بعدُ لمْ تشعر بالخطرِ الأعظم ، وهوَ خطرُ الصِّراطِ . (١) زعارتها: شراسة الخُلُق. ٥٦٧ قـ کتاب ذكر الموت ربع المنجيات صفة الصّراط G ثمَّ تفكّرْ بعدَ هذهِ الأهوالِ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ﴾ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنََّ وِرْدًا﴾، وفي قولهِ تعالى: ﴿فَأَهْدُوهُمْ وَقِفُوهُمْ إِنَهُم ◌َسْئُولُونَ﴾ . إِلَى صِرَّطِ الْجَحِيمِ ﴿لَهُ فالنَّاسُ بعدَ هذهِ الأهوالِ يُساقونَ إلى الصِّراطِ ، وهوَ جسرٌ ممدودٌ على متنِ النَّارِ ، أحدٌّ مِنَ السيفِ وأدقُّ مِنَ الشَّعْرِ ، مَنِ استقامَ في هذا العالمٍ على الصراطِ المستقيم .. خفَّ على صراطِ الآخرةِ ونجا، ومَنْ عدلَ عنِ الاستقامةِ في الدنيا وأثقلَ الظهرَ بالأوزارِ وعصى .. تعثّرَ في أولِ قدمٍ مِنَ الصراطِ وتردَّى . فتفكّرِ الآنَ فيما يحلُّ مِنَ الفزع بفؤادِكَ إذا رأيتَ الصراطَ ودقَتَهُ ، ثمَّ وقعَ بصرُّكَ على سوادٍ جهنَّمَ مِنْ تحتِهِ ، ثمَّ قرعَ سمعَكَ شهيقُ النَّارِ وتغيُُّها ، وقَدْ كُلَّفْتَ أن تمشيَ على الصراطِ معَ ضعفِ حالِكَ ، واضطرابٍ قلبِكَ ، وتزلزلٍ قدمِكَ ، وثقلِ ظهرِكَ بالأوزارِ المانعةِ لكَ عنِ المشي على بساطِ الأرضِ فضلاً عنْ حدَّةِ الصراطِ ، فكيفَ بكَ إذا وضعتَ عليهِ إحدى رجليكَ فأحسستَ بحذَّتِهِ ، واضطررتَ إلى أنْ ترفِعَ القدمَ الثانيةَ والخلائقُ بينَ يديكَ يزلُونَ ويتعثَّرونَ ، وتتناولُهُمْ زبانيةُ النارِ بالخطاطيفِ والكلاليبِ ، وأنتَ تنظرُ إليهمْ كيفَ يتنكسونَ فتتسفَّلُ إلى جهةِ النارِ رؤوسُهُمْ وتعلوْ أرجلُهُمْ ؟! ٥٦٨ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت فيا لَهُ مِنْ منظرٍ ما أفظعَهُ ، ومرتقىّ ما أصعبَهُ ، ومجازٍ ما أضيقَهُ ! فانظرْ إلى حالِكَ وأنتَ ترجفُ عليهِ وتصعدُ إليهِ وأنتَ مثقلُ الظهرِ بأوزاركَ ، تلتفتُ يميناً وشمالاً إلى الخلقِ وهمْ يتهافتونَ في النارِ ، والرسولُ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ يقولُ: (( يا ربِّ؛ سلِّمْ سلِّمْ)) والزعقاتُ بالويلِ والثبورِ قدِ ارتفعَتْ إليكَ مِنْ قعرِ جهنَّمَ ؛ لكثرةِ مَنْ زلَّ عنِ الصِّراطِ مِنَ الخلائقِ . فكيفَ بكَ لوْ زلَّتْ قدمُكَ، ولم ينفعْكَ ندمُكَ ، وقلتَ : واويلاهُ، هذا ما كنتُ أخافُهُ ، فيا ليتَي قدَّمتُ لحياتي ، يا ليتَي اتخذتُ معَ الرسولِ سبيلاً ، يا ويلتا ليتَنَي لمْ أتخذْ فلاناً خليلاً ، يا ليتَي كنتُ تراباً ، يا ليتَي كنتُ نسياً منسيّاً ، يا ليتَ أمِّي لمْ تلذْني ؟! وعندَ ذلكَ تختطفُكَ النيرانُ والعياذُ باللهِ ، وينادي المنادي : اخسؤوا فيها ولا تكلِّمونِ ، فلا يبقى سبيلٌ إلَّ الصياحُ والأنينُ والتنفسُ والاستغاثةُ . فكيفَ ترى الآنَ عقلَكَ وهذهِ الأخطارُ بينَ يديكَ ، فإنْ كنتَ غيرَ مؤمنٍ بذلكَ .. فما أطولَ مقامَكَ معَ الكفَّارِ في دركاتِ جهنَّمَ ! وإنْ كنتَ بهِ مؤمناً وعنهُ غافلاً ، وبالاستعدادِ لهُ متهاوناً .. فما أعظمَ خسرانَكَ وطغيانَكَ ! وماذا ينفعُكَ إِيمانُكَ إذا لمْ يبعثْكَ على السعي في طلبِ رضا اللهِ بطاعتِهِ وتركِ معاصيهِ ؟! فلوْ لمْ يكنْ بينَ يديكَ إلَّ هولُ الصراطِ وارتياعُ قلبكَ مِنْ خطرِكَ في ٥٦٩ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات الجوازِ عليهِ وإنْ سلمتَ .. فناهيكَ بهِ هولاً وفزعاً ورعباً . قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يُضربُ الصِّراطُ بينَ ظهراني جهنّمَ ، فأكونُ أوَّلَ مَنْ يجيزُ بأمَّتِهِ مِنَ الرسلِ ، ولا يتكلمُ يومَئذٍ إلَّ الرسلُ ، ودعوى الرسلِ يومَئذٍ: اللهمَّ؛ سلِّمْ سلِّمْ، وفي جهنّمَ كلاليبُ مثلُ شوكٍ السعدانِ ، هلْ رأيتُمْ شوكَ السعدانِ؟ » قالوا: نعمْ يا رسولَ اللهِ، قالَ : (( فإنَّها مثلُ شوكِ السعدانِ ، غيرَ أنَّهُ لا يعلمُ قدرَ عظمِها إلاَّ اللهُ تعالى ، تختطفُ الناسَ بأعمالِهِم ، فمنهم مَنْ يُوبقُ بعملِهِ ، ومنهم مَنْ يُخردلُ ثمَّ ينجو ))(١) . وقالَ أبو سعيد الخدريُّ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يمرُّ الناسُ على جسرٍ جهنَّمَ وعليهِ حسكٌ وكلاليبُ وخطاطيفُ تختطفُ الناسَ يميناً وشمالاً، وعلى جنبتيهِ ملائكةٌ يقولون: اللهمَّ؛ سلِّمْ سلُمْ، فمِنَ النَّاسِ مَنْ يمرُّ مثلَ البرقِ ، ومنهم مَنْ يمرُّ كالريحِ ، ومنهم مَنْ يمرُّ كالفرسِ المُجْرَى ، ومنهم مَنْ يسعى سعياً ، ومنهم مَنْ يمشي مشياً ، ومنهم مَنْ يحبو حبواً، ومنهم مَنْ يزحفُ زحفاً ، فأمَّا أهلُ النَّارِ الذين همْ أهلُها .. فلا يموتونَ ولا يحيَوْنَ ، وأمَّا أناسٌ .. فيُؤْخذونَ بذنوبٍ وخطايا فيحترقونَ فيكونونَ فحماً، ثمَّ يُؤذنُ في الشفاعةِ ... )) الحديثَ(٢). (١) رواه البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢)، والسعدان: نبت بالبادية شوكه مفرطح. ((إتحاف)) (١٠ / ٤٨٢). (٢) رواه ابن حبان (٧٣٧٩)، وأحمد في (( المسند)) (٢٥/٣). ٥٧٠ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت وعنِ ابنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: ((يجمعُ اللهُ تعالى الأولين والآخرينَ لميقاتِ يومِ معلوم قياماً أربعينَ سنةً ، شاخصةً أبصارُهُمْ إلى السماءِ ، ينتظرونَ فصلَ القضاءِ ... )) وذكرَ الحديثَ إلى أنْ ذكرَ وقتَ سجودِ المؤمنينَ ، قالَ: (( ثمَّ يقولُ للمؤمنينَ : ارفعوا رؤوسَكم ، فيرفعونَ رؤوسَهم ، فيعطيهم نورَهم على قدرِ أعمالِهِم ، فمنهم مَنْ يُعطى نورَهُ مثلَ الجبلِ العظيمِ يسعى بينَ يديهِ ، ومنهم مَنْ يُعطى نورَهُ أصغرَ مِنْ ذلكَ ، ومنهم مَنْ يُعطى نورَهُ مثلَ النخلةِ بيمينِهِ ، ومنهم مَنْ يُعطى نورَهُ أصغرَ مِنْ ذلكَ، حتى يكونَ آخرُهُم رجلاً يُعطى نورَهُ على إبهام قدمِهِ فيضيءُ مرةً ويطفأُ مرةً ، فإذا أضاءَ .. قدَّمَ قدمَهُ فمشى، وإذا طَفِىءَ .. قامَ)). ثمَّ ذكرَ مرورَهم على الصِّراطِ على قدرِ نورِهِم ، فمنهم مَنْ يمُّ كطرفٍ العينِ ، ومنهم مَنْ يمرُّ كالبرقِ ، ومنهم مَنْ يمرُّ كالسحابِ ، ومنهم مَنْ يمرُّ كانقضاضِ الكوكبِ ، ومنهم مَنْ يمرُّ كالربحِ ، ومنهم مَنْ يمرُّ كشدِّ الفرسِ ، ومنهم مَنْ يمرُّ كشدٌ الرجلِ ، حتى يمرَّ الذي أُعطي نورَهُ على إبهامِ قدمِهِ يحبو على وجهِهِ ويديهِ ورجليهِ ، يجرُّ يداً ويعلقُ يداً ، ويجرُّ رجلاً ويعلقُ رجلاً ، وتصيبُ جوانبَهُ النَّارُ، قالَ: (( فلا يزالُ كذلكَ حتى يخلصَ ، فإذا خلصَ .. وقفَ عليها ثمَّ قالَ : الحمدُ للهِ ؛ لقد أعطاني اللهُ ما لم يُعطِ أحداً ؛ إذْ نجاني منها بعدَ إذْ رأيتُها، فيُنطلقُ بهِ إلى غديرِ عندَ بابِ الجنَّةِ فيغتسلُ))(١). (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٢٩)، والطبراني في (( المعجم الكبير)) (٩ /٤١٧ - ٤١٨ ) . ٥٧١ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات وقالَ أنسُ بنُ مالكِ : سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ : («الصِّراطُ كحدِّ السيفِ - أو كحدٌ الشعرةِ - وإنَّ الملائكةَ ينُونَ المؤمنينَ والمؤمناتِ ، وإنَّ جبريلَ عليهِ السلامُ لآخذٌ بحجزتي وإنِّي لأقولُ : يا ربِّ ؛ سلِّمْ سلِّمْ، فالزَّالّونَ والزَّالآتُ يومَئذٍ كثيرٌ)) (١) . فهذهِ أهوالُ الصراطِ وعظائمُهُ ، فطوِّلْ فيهِ فكرَكَ ؛ فإنَّ أسلمَ الناسِ مِنْ أهوالِ يوم القيامةِ مَنْ طالَ فيهِ فكرُهُ في الدنيا ؛ فإِنَّ اللهَ لا يجمعُ على عبدِهِ خوفينِ ، فمَنْ خافَ هذهِ الأهوالَ في الدنيا .. أمنَها في الآخرةِ . ولسْتُ أعني بالخوفِ رقَّةً كرقَّةِ النساءِ تدمعُ عينُكَ ويرقُّ قلبُكَ حالَ السماع ، ثمَّ تنساهُ على القربِ وتعودُ إلى لهوِكَ ولعبكَ، فما ذلكَ مِنَ الخوفِ في شيءٍ ، بلْ مَنْ خافَ شيئاً .. هربَ منهُ، ومَنْ رجا شيئاً .. طلبَهُ ، فلا ينجيكَ إلاَّ خوفٌ يمنعُكَ عنْ معاصي اللهِ تعالى ويحثُّكَ على طاعتِهِ . وأبعدُ مِنْ رقَّةِ النساءِ خوفُ الحمقى ؛ إذا سمعوا الأهوالَ .. سبقَتْ ألسنتُهُمْ إلى الاستعاذةِ فقالَ أحدُهُمْ: استعنتُ باللهِ ، نعوذُ باللهِ ، اللَّهمَّ ؛ سلِّمْ سلِّمْ ، وهمْ معَ ذلكَ مصرُّونَ على المعاصي التي هي سببُ هلاكِهِم ، فالشيطانُ يضحكُ منِ استعاذتِهِمْ ؛ كما يُضحكُ على مَنْ يقصدُهُ سبعٌ ضارٍ في صحراءَ ووراءَهُ حصنٌ ، فإذا رأى أنيابَ السبع وصولتَهُ مِنْ بُعدٍ .. قالَ (١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٣٦١). ٥٧٢ ربع المنجيات كتاب ذكر الموت بلسانِهِ : أعوذُ بهذا الحصن الحصينِ ، وأستعينُ بشدَّةِ بنيانِهِ وإحكامِ أركانِهِ ، فيقولُ ذلكَ بلسانِهِ وهوَ قاعدٌ في مكانِهِ ، فأنَُّ يغني ذلكَ عنْهُ مِنَ السبع ؟! وكذلكَ أهوالُ الآخرةِ ليسَ لها حصنٌ إلَّ قولُ: ( لا إلهَ إلاَّ اللهُ) صادقاً ، ومعنى صدقِهِ : ألاَّ يكونَ لهُ مقصودٌ سوى اللهِ تعالى ، ولا معبودٌ غيرَهُ، وأمَّا مَنِ اتخذَ إلههُ هواهُ .. فهوَ بعيدٌ عنِ الصدقِ في توحيدِهِ ، وأمرُهُ مخطرٌ في نفسِهِ . فإنْ عجزتَ عَنْ ذلكَ كلِّهِ .. فكنْ محبّاً لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، حريصاً على تعظيمٍ سنَّتِهِ ، متشوِّفاً إلى مراعاةٍ قلوبِ الصالحينَ مِنْ أمَّتِهِ ، ومتبرِّكاً بأدعيتِهِمْ، فعساكَ تنالُ منْ شفاعتِهِ أو شفاعتِهِمْ ، فتنجوَ بالشفاعةِ إنْ كنتَ قليلَ البضاعةِ . جر ٥٧٣ كتاب ذكر الموت ربع المنجيات صفة الشّفاعة اعلمْ : أنَّهُ إذا حقَّ دخولُ النارِ على طوائفَ مِنَ المؤمنينَ .. فإنَّ اللهَ تعالى بفضلِهِ يقبلُ فيهم شفاعةَ الأنبياءِ والصديقينَ ، بلْ شفاعةً العلماءِ والصالحينَ . وكلُّ مَنْ لهُ عندَ اللهِ تعالى جاهٌ بحسن معاملةٍ .. فإنَّ لهُ شفاعةً في أهلِهِ وقرابتهِ ، وأصدقائِهِ ومعارفِهِ . فكنْ حريصاً على أنْ تكتسبَ لنفسِكَ عندَهم رتبةَ الشفاعةِ ؛ وذلكَ بألاَّ تحقرَ آدمياً أصلاً ؛ فإنَّ اللهَ تعالى خبأ ولايتَهُ في عبادِهِ ، فلعلَّ الذي تزدریهِ عينُكَ هوَ وليُّ اللهِ ، ولا تستصغرْ معصيةً أصلاً ؛ فإنَّ اللهَ تعالى خبأ غضبَهُ في معاصيهِ ، فلعلَّ مقتَ اللهِ فيهِ ، ولا تستحقرْ طاعةً أصلاً ؛ فإنَّ اللهَ تعالى خبأ رضاهُ في طاعتِهِ ، فلعلَّ رضا اللهِ فيهِ ولوِ الكلمةَ الطيبةً ، أو اللقمةَ أو النيّةَ الحسنةَ ، أو ما يجري مجراهُ . وشواهدُ الشفاعةِ في القرآنِ والأخبارِ كثيرةٌ : قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرَّضَى﴾. روى عمرُو بنُ العاصِ : ( أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تلا قولَهُ تعالى إخباراً عَنْ إبراهيمَ عليهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرً مِّنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِّعَنِى فَإِنَُّ مِنِّ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، وقولَ عيسى عليهِ السَّلامُ: ٥٧٤ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت إِن تُعَذِّبُهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِبِزُ الْحَكِيمُ﴾، ثمَّ رفعَ يديهِ وقالَ : (( أمَّتي أمَّتي)) ثمَّ بكى، فقالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: يا جبريلُ ؛ اذهب إلى محمَّدٍ فسلْهُ: ما يبكيكَ ؟ فأتاهُ جبريلُ فسألَهُ، فأخبرَهُ واللهُ أعلمُ بهِ ، فقالَ : يا جبريلُ؛ اذهبْ إلى محمَّدٍ فقلْ لهُ: إنَّا سنرضيكَ في أمَّتِكَ ولا نسوءُكَ)(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( أُعطيتُ خمساً لمْ يُعطهنَّ أحدٌ قبلي : نُصرتُ بالرعبِ مسيرةَ شهرٍ ، وأُحلَّتْ ليَ الغنائمُ ولم تحلَّ لأحدٍ قبلي ، وجُعَلَتْ ليَ الأرضُ مسجداً وترابُها طهوراً ، فأيُّما رجلٍ مِنْ أمَّتي أدركَتْهُ الصلاةُ .. فليصلِّ، وأُعطيتُ الشفاعةَ، وكلُّ نبيِّ بُعثَ إلى قومِهِ خاصَّةٌ ، وبُعثتُ إلى النَّاسِ عامَّةً))(٢). حر وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إذا كانَ يومُ القيامةِ .. كنتُ إمامَ النَّبِّينَ، وخطيبَهُمْ وصاحبَ شفاعتِهِمْ مِنْ غيرِ فخرٍ)) (٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أنا سيِّدُ ولدِ آدمَ ولا فخرَ ، وأنا أوَّلُ مَنْ تنشقُّ الأرضُ عنهُ ، وأنا أوَّلُ شافع وأوَّلُ مشفَّع ، بيدي لواءُ الحمدِ تحتَهُ آدمُ فمَنْ دونَهُ )»(٤) . (١) رواه مسلم (٢٠٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وهو ما صوَّبه الحافظان العراقي والزبيدي في «الإتحاف)) (١٠/ ٤٨٧). (٢) رواه البخاري (٣٣٥)، ومسلم ( ٥٢١). (٣) رواه الترمذي ( ٣٦١٣)، وابن ماجه (٤٣١٤). (٤) رواه الترمذي (٣٦١٥)، وابن ماجه ( ٤٣٠٨)، وعند مسلم ( ٢٢٧٨) نحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . ٥٧٥ كتاب ذكر الموت ربع المنجيات وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( لكلِّ نبيِّ دعوةٌ مستجابةٌ، فأريدُ أَنْ أختبىءَ دعوتي شفاعةٌ لأمَّتي يومَ القيامةِ »(١) . G وقالَ ابنُ عباسٍ رضيّ اللهُ عنهما : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يُنصبُ للأنبياءِ منابرُ مِنْ ذهبٍ ، فيجلسونَ عليها ويبقى منبري لا أجلسُ عليهِ قائماً بينَ يديْ ربِّي منتصباً ؛ مخافةً أنْ يُبعثَ بي إلى الجنَّةِ وتبقى أمَّتي بعدي ، فأقولُ : يا ربِّ ؛ أمَّتي، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ : يا محمدُ ؛ وما تريدُ أنْ أصنعَ بأمَّتِكَ ؟ فأقولُ : يا ربِّ ؛ عجِّلْ حسابَهُمْ، فما أزالُ أشفعُ حتى أُعطى صكاكاً برجالٍ قدْ بُعثَ بِهِمْ إِلى النَّارِ، وحتى إنَّ مالكاً خازنَ النار يقولُ : يا محمدُ ؛ ما تركتَ للنارِ لغضبِ ربِّكَ في أَمَّتِكَ مِنْ بِقِيَّةٍ))(٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( إنِّي لأشفعُ يومَ القيامةِ لأكثرَ ممَّا على وجهِ الأرضِ مِنْ حجرٍ ومدرٍ)»(٣). وقالَ أبو هريرةَ أُتيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بلحمٍ ، فَرُفعَ إليهِ الذراعُ وكانَتْ تعجبُهُ، فنهسَ منها نهسةً ثمَّ قالَ: (( أنا سيِّدُ النَّاسِ يومَ (١) رواه البخاري (٦٣٠٤)، ومسلم (١٩٨). (٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٦٥/١ - ٦٦)، والطبراني في « المعجم الأوسط)) ( ٢٩٥٨ ) . (٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٤٧/٥) من حديث بريدة رضي الله عنه، والطبراني في («الأوسط)) (٥٣٥٦) من حديث أنيس الأنصاري رضي الله عنه . ٥٧٦ ربع المنجيات كتاب ذكر الموت حن القيامةِ ، وهلْ تدرونَ ممَّ ذلكَ؟ يجمعُ اللهُ الأوَّلينَ والآخرينَ في صعيدٍ واحدٍ ، يُسمِعُهُمُ الداعي وينفذُهُمُ البصرُ ، وتدنو الشمسُ فيبلغُ النَّاسَ مِنَ الغمِّ والكربِ ما لا يطيقونَ ولا يحتملونَ، فيقولُ النَّاسُ بعضُهُمْ لبعضٍ : ألا ترونَ ما قدْ بلغَكُمْ ؟! ألا تنظرونَ مَنْ يشفعُ لكمْ إلى ربّكم ؟! فيقولُ بعضُ النَّاسِ لبعضٍ : عليكُمْ بآدمَ عليهِ السَّلامُ، فيأتونَ آدَمَ فيقولونَ لهُ : أنتَ أبو البشرِ ، خلقَكَ اللهُ بيدِهِ ونفخَ فيكَ مِنْ روحِهِ ، وأمرَ الملائكةَ فسجدوا لكَ ، اشفعْ لنا إلى ربِّكَ ، ألا ترى إلى ما نحنُ فيهِ ؟! ألا ترىُ إلى ما قدْ بلغَنا؟! فيقولُ لهُمْ آدمُ عليهِ السَّلامُ : إنَّ ربِّي قدْ غضبَ اليومَ غضباً لمْ يغضبْ قبلَهُ مثلَهُ، ولنْ يغضبَ بعدَهُ مثلَهُ، وإنَّهُ قَدْ نهاني عنٍ الشجرةِ فعصيتُهُ ، نفسي نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى نوحٍ . فيأتونَ نوحاً عليهِ السَّلامُ فيقولونَ : يا نوحُ ؛ أنتَ أوَّلُ الرسلِ إلى أهلِ الأرضِ، وقد سمَّاكَ اللهُ عبداً شكوراً ، اشفع لنا إلى ربِّكَ، ألا ترى إلى ما نحنُ فيهِ ؟! فيقولُ : إنَّ ربِّي قدْ غضبَ اليومَ غضباً لمْ يغضبْ قبلَهُ مثلَهُ ، ولنْ يغضبَ بعدَهُ مثلَهُ ، وإنَّهُ قدْ كانَتْ لي دعوةٌ دعوتُها على قومي ، نفسي نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى إبراهيمَ خليلِ اللهِ . فيأتونَ إبراهيمَ خليلَ اللهِ عليهِ السَّلامُ فيقولونَ : أنتَ نبيُّ اللهِ وخليلُهُ مِنْ أهلِ الأرضِ ، اشفعْ لنا إلى ربِّكَ ، ألا ترى إلى ما نحنُ فيهِ ؟! فيقولُ لهم : إِنَّ ربِّي قدْ غضبَ اليومَ غضباً لمْ يغضبْ قبلَهُ مثلَهُ ، ولنْ يغضبَ بعدَهُ مثلَهُ ، ٥٧٧ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات وإِنِّي كنتُ كذبتُ ثلاثَ كذباتٍ - ويذكرُها - نفسي نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى موسى . فيأتونَ موسى عليهِ السَّلامُ فيقولونَ : يا موسى ؛ أنتَ رسولُ اللهِ فضَّلَكَ اللهُ برسالتِهِ وبكلامِهِ على النَّاسِ ، اشفعْ لنا إلى ربِّكَ ، ألا ترى إلى ما نحنُ فيهِ ؟! فيقولُ : إنَّ ربِّي قدْ غضبَ اليومَ غضباً لمْ يغضبْ قبلَهُ مثلَهُ ، ولنْ يغضبَ بعدَهُ مثلَهُ ، وإنِّي قتلتُ نفساً لمْ أُومرْ بقتلِها ، نفسي نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى عيسى عليهِ السَّلامُ . فيأتونَ عيسى فيقولونَ : يا عيسى ؛ أنتَ رسولُ اللهِ وكلمتُهُ ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منهُ، وكلَّمتَ النَّاسَ في المهدِ ، اشفعْ لنا إلى ربِّكَ ، ألا ترى إلى ما نحنُ فيهِ ؟! فيقولُ عيسى عليهِ السَّلامُ : إنَّ ربِّي غضبَ اليومَ غضباً لمْ يغضبْ قبلَهُ مثلَهُ ، ولنْ يغضبَ بعدَهُ مثلَهُ - ولمْ يذكرْ ذنباً - نفسي نفسي ، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . فيأتوني فيقولونَ : يا محمَّدُ ؛ أنتَ رسولُ اللهِ وخاتمُ النَّبِينَ ، وقدْ غفرَ اللهُ لكَ ما تقدَّمَ مِنْ ذنبكَ وما تأخّرَ ، اشفعْ لنا إلى ربِّكَ، ألا ترىُ إلى ما نحنُ فیهِ ؟! حن ـكن حن حن عن حب -حن فأنطلقُ فآتي تحتَ العرشِ ، فأفعُ ساجداً لربِّي، ثمَّ يفتحُ اللهُ لي مِنْ محامدِهِ وحسنِ الثناءِ عليهِ شيئاً لمْ يفتحْهُ على أحدٍ قبلي ، ثمَّ يُقالُ : يا محمَّدُ؛ ارفعْ رأْسَكَ، سلْ تُعطَ، واشفعْ تُشفَّعْ، فأرفعُ رأسي فأقولُ : ٥٧٨ ـون حن حر ربع المنجيات کتاب ذكر الموت أمَّتي أمَّتي يا ربِّ، فيُقالُ: يا محمَّدُ؛ أدخلْ مِنْ أمَّتِكَ مَنْ لا حسابَ عليهم مِنَ البابِ الأيمنِ مِنْ أبوابِ الجنَّةِ ، وهمْ شركاءُ الناسِ فيما سوىُ ذلكَ مِنَ الأبوابِ))، ثمَّ قالَ: (( والذي نفسي بيدهِ ؛ إنَّ بينَ المصراعينِ مِنْ مصاريعٍ الجنَّةِ كما بينَ مَكَّةَ وحِمْيَرَ، أوْ كما بينَ مكةَ وبصرى )) (١) . وفي حديثٍ آخرَ : هذا السياقُ بعينِهِ معَ ذكرِ خطايا إبراهيمَ عليهِ السَّلامُ وهوَ قولُهُ في الكواكبِ : ﴿هَذَا رَبٍِّ﴾، وقولُهُ لآلهتِهِمْ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وقولُهُ: ﴿ إِنّ سَقِيمٌ﴾(٢). فهذهِ شفاعةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ولاّحادِ أمَّتِهِ مِنَ العلماءِ والصالحينَ شفاعةٌ أيضاً حتى قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يدخلُ الجنَّةَ بشفاعةِ رجلٍ منْ أمَّتي أكثرُ مِنْ ربيعةً ومضَرَ ))(٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يُقالُ للرجلِ : قمْ يا فلانُ فاشفعْ ، فيقومُ الرجلُ فيشفعُ للقبيلةِ ولأهلِ البيتِ، وللرجلِ والرجلينِ ؛ على قدرٍ عملِهِ))(٤). (١) رواه البخاري ( ٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤)، وفي غير ( أ، ذ ، ن ): ( فنهش منها نهشة) بدل ( فنهس منها نهسة) وهي رواية أبي ذرّ الهروي لـ(( صحيح البخاري))، والمعنى : قبض عليها وتناولها بمقدم أسنانه ، وقال ثعلب : بالمهملة يكون بأطراف الأسنان، وبالمعجمة بها وبالأضراس. انظر ((الإتحاف)) ( ٤٨٩/١٠). (٢) رواه مسلم ( ١٩٤/ ٣٢٨) . (٣) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٤٠٥/٣)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٣٠٠٩) عن الحسن مرسلاً . (٤) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٠٥/٧)، وعند الترمذي (٢٤٤٠) من حديث = ٥٧٩ كتاب ذكر الموت ربع المنجيات وقالَ أنسٌ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ رجلاً مِنْ أهلِ الجنَّةِ يشرفُ يومَ القيامةِ على أهلِ النَّارِ ، فيناديهِ رجلٌ مِنْ أهلِ النَّارِ ويقولُ : يا فلانُ ؛ هلْ تعرفُني ؟ فيقولُ : لا والله ؛ ما أعرفُكَ، مَنْ أنتَ ؟ فيقولُ : أنا الذي مررتَ بي في الدنيا فاستسقيتَي شربةَ ماءٍ فسقيتُكَ ، قالَ : قدْ عرفتُ ، قالَ : فاشفعْ لي بها عندَ ربِّكَ، فيسألُ اللهَ تعالى ذكرُهُ ويقولُ : أيْ ربِّ ؛ إنِّي أشرفتُ على أهلِ النَّارِ فناداني رجلٌ مِنْ أهلِها فقالَ : هلْ تعرفُني ؟ فقلتُ : لا ، مَنْ أنتَ ؟ فقالَ : أنا الذي استسقيتَي في الدنيا فسقيتُكَ ، فاشفعْ لي بها عندَ ربِّكَ، فشفِّعْني فيه، فيشفِّعُهُ اللهُفيهِ، فيُؤمرُ بهِ فيُخرِجُ منَ النَّارِ))(١) . وعَنْ أنسٍ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أنا أوَّلُ النَّاسِ خروجاً إذا بُعثوا ، وأنا خطيبُهُمْ إذا وفدوا، وأنا مبشِّرُهم إذا يئسوا، لواءُ الحمدِ يومَئذٍ بيدي، وأنا أكرمُ ولِدِ آدمَ على ربِّي ولا فخرَ)» (٢) . وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنِّي أَقومُ بينَ يدَي ربِّي عزَّ وجلَّ فأُكسى حُلةً مِنْ خُللِ الجنَّةِ ، ثمَّ أقومُ عنْ يمينِ العرشِ ليسَ أحدٌ مِنَ الخلائقِ يقومُ ذلكَ المقامَ غيري)» (٣). أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إن من أمتي من يشفع = للفئام من الناس ، ومنهم من يشفع للقبيلة ، ومنهم من يشفع للعصبة ، ومنهم من يشفع للرجل حتى يدخلوا الجنة)) . (١) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) ( ٣٤٩٠). (٢) رواه الترمذي ( ٣٦١٠). (٣) رواه الترمذي (٣٦١١)، وأول الحديث: ((أنا أول من تنشق عنه الأرض ... )). ٥٨٠