النص المفهرس
صفحات 481-500
ربع المنجيات کتاب ذکر الموت وقالَ عبيدُ بنُ عميرٍ : أهلُ القبورِ يتوكَّفونَ الأخبارَ ، فإذا أتاهمُ الميتُ .. قالوا : ما فعلَ فلانٌ ؟ فيقولُ : ألمْ يأتِكُمْ ، أوَما قدمَ عليكُمْ؟ فيقولونَ : إنَّا للهِ وإنَّا إليه راجعونَ، سُلكَ بهِ غيرُ سبيلِنا(١) . وعنْ جعفرٍ ، عنْ سعيدٍ قالَ : إذا ماتَ الرجلُ .. استقبلَهُ ولدُهُ كما يُستقبلُ الغائبُ(٢) . وقال مجاهدٌ: إنَّ الرجلَ ليُشَّرُ بصلاح ولدِهِ في قبرِهِ(٣). وروى أبو أيوبَ الأنصاريُّ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: ((إنَّ نفْسَ المؤمن إذا قُبضَتْ .. تلقَّاها أهلُ الرحمةِ مِنْ عبادِ اللهِ كما يُتلقَّى البشيرُ في الدنيا يقولونَ : أنظِروا أخاكُمْ حتى يستريحَ ؛ فإنَّهُ كانَ في کربٍ شديدٍ ، فيسألونَةُ: ماذا فعلَ فلانٌ ؟ وماذا فعلَتْ فلانةُ ؟ وهلْ تزوجَتْ فلانةُ ؟ فإذا سألوهُ عَنْ رجلٍ ماتَ قبلَهُ وقالَ : ماتَ قبلي .. قالوا: إنَّا للهِ وإنا إليهِ راجعونَ ، ذُهبَ بهِ إلىْ أمِّهِ الهاويةِ ))(٤) (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٧١/٣) وابن أبي شيبة في (( المصنف)) (٣٦١٤٠)، والبيهقي في (( الشعب)) (٨٨٧٤) ، ويتوكفون: يتوقعون ويسألون عن الأخبار. (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((المنامات)) (١٥). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((المنامات)) (١٦). (٤) رواه الطبراني في (( المعجم الكبير)) (١٢٩/٤). ٤٨١ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات بيان كلام القبر لميت وكلامُ الموتى إمَّا بلسانِ المقالِ ، أو بلسانِ الحالِ التي هيَ أفصحُ في تفهيمِ الموتى مِنْ لسانِ المقالِ في تفهيمِ الأحياءِ . قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((يقولُ القبرُ للميتِ حينَ يُوضعُ فيهِ : ويحَكَ يا بنَ آدَمَ! ما غرَّك بي؟! ألمْ تعلمْ أنِّي بيتُ الفتنةِ وبيتُ الظلمةِ ، وبيتُ الوحدةِ ، وبيتُ الدودِ ؟! ما غرَّكَ بي إذْ كنتَ تمرُّ بي فدَّاداً ؟! فإنْ كانَ مصلحاً .. أجابَ عنهُ مجيبُ القبرِ فيقولُ: أرأيتَ إنْ كانَ يأمرُ بالمعروفِ وينهى عنِ المنكرِ ، فيقولُ القبرُ : إني إذاً أتحولُ عليهِ خضراً، ويعودُ جسدُه نوراً، وتصعدُ روحُهُ إلى اللهِ تعالى)) (١) ، و( الفذَّادُ ): هوَ الذي يقدِّمُ رِجلاً ويؤخِّرُ أخرى، كذلك فسَّرَه الراوي(٢). وقالَ عبيدُ بنُ عميرِ الليثيُّ : ليسَ مِنْ ميتٍ يموتُ إلَّ نادَتْهُ حفرتُهُ التي يُدفنُ فيها : أنا بيتُ الظلمةِ والوحدةِ والانفرادِ ، فإنْ كنتَ في حياتِكَ مطيعاً للهِ .. كنتُ عليكَ اليومَ رحمةً ، وإنْ كنتَ عاصياً .. فأنا اليومَ عليكَ نقمةٌ ، أنا الذي مَنْ دخلَني مطيعاً .. خرجَ مسروراً، ومَنْ دخلَني عاصياً .. خرجَ مثبوراً(٣). (١) رواه الطبراني في (( المعجم الكبير)) (٣٧٧/٢٢)، وأبو نعيم في (( معرفة الصحابة)) ( ٦٧٤٨ ) . (٢) أي : الذي يمشي مشية المتبختر. (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((القبور)). ((إتحاف)) (٣٩٦/١٠)، وأورده الحافظ ابن رجب = ٤٨٢ 1 ربع المنجيات کتاب ذکر الموت وقالَ محمدُ بنُ صبيح : بلغَنا أنَّ الرجلَ إذا وُضعَ في قبرِهِ فَعُذْبَ وأصابَهُ بعضُ ما يكرهُ .. ناداه جيرانُهُ مِنَ الموتى : أيُّها المخلَّفُ في الدنيا بعدَ إخوانِهِ وجيرانِهِ ؛ أما كانَ لكَ فينا معتبرٌ ؟! أما كانَ لكَ في تقدُّمِنا إِيَّاكَ فكرةٌ ؟! أما رأيتَ انقطاعَ أعمالِنا عنَّا وأنتَ في المهلةِ ، فهلأَ استدركتَ ما فاتَ إخوانَكَ ؟! وتناديهِ بقاعُ الأرضِ : أيُّها المغترُّ بظاهرٍ الدنيا ؛ هلأَ اعتبرتَ بمَنْ غُيِّبَ مِنْ أهلِكَ في بطنِ الأرضِ ممَّن غرَّتُهُ الدنيا قبلَكَ ، ثمَّ سبقَ بهِ أجلُهُ إلى القبورِ وأنتَ تراهُ محمولاً تهاداه أحبَُّّهُ إلى المنزلِ الذي لا بدَّ لهُ منهُ(١) . وقالَ يزيدُ الرقاشيُّ: بلغَني أنَّ الميتَ إذا وُضعَ في قبرِهِ .. احتوشَتْهُ أعمالُهُ، ثمَّ أنطقَها اللهُ تعالى فقالَتْ : أَيُّها العبدُ المنفردُ في حفرتِهِ ؛ انقطعَ عنكَ الأخلاءُ والأهلونَ فلا أنيسَ لكَ اليومَ غيرُنا (٢) . وقالَ كعبٌ : إذا وُضعَ العبدُ الصَّالحُ في القبرِ .. احتوشَتْهُ أعمالُهُ الصالحةُ ؛ الصلاةُ والصيامُ والحجُّ والجهادُ والصدقةُ ، قالَ : وتجيءُ ملائكةُ العذابِ مِنْ قِبَلِ رجليهِ ، فتقولُ الصلاةُ : إليكُمْ عنهُ ، فلا سبيلَ لكمْ عليهِ : فقدْ أطالَ بيَ القيامَ اللهِ عليهما ، فيأتونَهُ مِنْ قِبلِ رأسِهِ ، فيقولُ الحنبلي في (( أهوال القبور)" ( ص٤٦). (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((القبور)). ((إتحاف)) (٣٩٦/١٠). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((القبور)). ((إتحاف)) (٣٩٦/١٠)، والخطيب البغدادي في (( تاريخ بغداد)) ( ٤٢٠/٣). ٤٨٣ كتاب ذكر الموت ربع المنجيات الصيامُ : لا سبيلَ لكُمْ عليهِ ؛ فقدْ أطالَ ظمأَهُ للهِ في دارِ الدنيا ، فلا سبيلٌ لكمْ عليهِ ، فيأتونَهُ مِنْ قبلِ جسدِهِ ، فيقولُ الحجُّ والجهادُ : إليكُمْ عنهُ ؛ فقدْ أنصبَ نفسَهُ وأتعبَ بدنَهُ وحجَّ وجاهدَ للهِ ، فلا سبيلَ لكُمْ عليهِ ، قالَ : فيأتونَهُ مِنْ قِبِلِ يديهِ ، فتقولُ الصدقةُ : كفُوا خلُّوا عنْ صاحبي ؛ فكمْ مِنْ صدقةٍ خرجَتْ مِنْ هاتينِ اليدينِ حتى وقعَتْ في يدِ اللهِ تعالى ابتغاءَ وجهِهِ ، فلا سبيلَ لگُمْ علیهِ . ق قالَ : فيُقالُ لهُ : هنيئاً، طبتَ حيّاً وطبتَ ميتاً ، قالَ: وتأتيه ملائكةُ الرحمةِ ، فتفرشُ لهُ فراشاً مِنَ الجِنَّةِ ، ودثاراً مِنَ الجنَّةِ ، ويُفسحُ لهُ في قبرِهِ مدَّ بصرِهِ ، ويُؤتى بقنديلٍ مِنَ الجنَّةِ فيستضيءُ بنورِهِ إلى يومٍ يبعثُهُ اللهُ مِنْ قبرِهِ (١) . وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عبيدِ بنِ عميرٍ في جنازةٍ: بلغَني أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ : ((إنَّ الميتَ يقعدُ وهوَ يسمعُ خطوَ مشيِّعيهِ، فلا يكلِّمُهُ شيءٌ إلاَّ قبرُهُ يقولُ: ويحَكَ ابنَ آدمَ! أليسَ قدْ حُذِّرْتَنَي وحُذُّرتَ ضيقي ونتني ، وهَوْلي ودودي ؟! فماذا أعددتَ لي؟))(٢). (١) أورده هكذا الحافظ ابن رجب الحنبلي في ((أهوال القبور)) (ص٥٨)، ورواه هناد في ((الزهد)) (٣٣٨)، وابن أبي شيبة في (( المصنف)) (١٢١٨٨) بنحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((القبور))، وابن المبارك في (( الزهد )) من رواية نعيم بن حماد (١٦٣)، ولم يرفعه. انظر ((الإتحاف) (٣٩٧/١٠). ٤٨٤ ربع المنجيات كتاب ذكر الموت بيان عذاب القبر وسؤال مشكر ونكير قالَ البراءُ بنُ عازبٍ : خرجنا معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في جنازةِ رجلٍ مِنَ الأنصارِ ، فجلسَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على قبرِهِ منكساً رأسَهُ ثمَّ قالَ: ((اللهمَّ؛ إنِّي أعوذُ بكَ مِنْ عذابِ القبرِ )) ثلاثاً، ثُمَّ قالَ: ((إنَّ المؤمنَ إذا كانَ في قبلٍ مِنَ الآخرةِ (٢) . . بعثَ اللهُ إليهِ ملائكةً كأنَّ وجوهَهُمُ الشمسُ معَهُم حنوطُهُ وكفنُهُ ، فيجلسونَ مَّ بصرِهِ ، فإذا خرجَتْ روحُه .. صلَّى عليهِ كلُّ ملكِ بينَ السماءِ والأرضِ وكلُّ ملكِ في السماءِ ، وفُتحَتْ أبوابُ السماءِ ، فليسَ منها بابٌّ إلَّ يحبُّ أنْ يدخلَ بروحِهِ منهُ ، فإذا صعدَ بروحِهِ .. قيلَ: أيْ ربِّ؛ عبدُكَ فلانٌ، فيقولُ: ارجعوهُ فأروهُ ما أعددتُ لهُ مِنَ الكرامةِ؛ فإِنِّي وعدتُهُ: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ... ) الآيةَ، وإنَّهُ ليسمعُ خفقَ نعالِهِمْ إذا ولَّوا مدبرينَ ، حتى يُقالُ : يا هذا ؛ مَنْ رَبُّك ؟ وما دينُك ؟ ومَنْ نَبِيُّكَ ؟ فيقولُ: ربيَ اللهُ، ودينيَ الإسلامُ، ونبيِّي محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ : فينتهرانِهِ انتهاراً شديداً - وهيَ آخرُ فتنةٍ (١) قال الحافظ السيوطي في ((شرح الصدور)) (ص ٣٥٠): (قال العلماء : عذاب القبر هو عذاب البرزخ ، أضيف إلى القبر ؛ لأنه الغالب ، وإلا .. فكل ميت أراد الله تعذيبه .. ناله ما أراد به ، قُبر أم لم يُقبر ، ولو صلب ، أو غرق في البحر ، أو أكلته الدواب ، أو حرق حتى صار رماداً وذرِّي في الريح ، ومحله : الروح والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة ، وكذا القول في النعيم ) . (٢) قبل : أي : إقبال منها . ٤٨٥ كتاب ذكر الموت ربع المنجيات تُعرضُ على الميتِ - فإذا قالَ ذلكَ .. نادى منادٍ : أنْ صدقتَ ، وهوَ معنى قولِهِ تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ... ﴾ الآيةَ. ثمَّ يأتيهِ آتٍ حسنُ الوجهِ طيبُ الريحِ حسنُ الثيابِ فيقولُ : أبشرْ برحمةٍ مِنْ ربِّكَ وجنَّاتٍ فيها نعيمٌ مقيمٌ، فيقولُ: وأنتَ فبشَّرَكَ اللهُ بخيرٍ ، مَنْ أنتَ ؟ فيقولُ: أنا عملُكَ الصَّالِحُ ، واللهِ؛ ما علمتُ إن كنتَ لسريعاً في طاعةِ اللهِ ، بطيئاً عنْ معصيةِ اللهِ ، فجزاكَ اللهُ خيراً ، قالَ : ثمَّ ينادي منادٍ : أنِ افرشوا لهُ مِنْ فرشِ الجنَّةِ ، وافتحوا لهُ باباً إلى الجنَّةِ ، فيُفرشُ لهُ فرشٌ مِنَ الجنَّةِ ، ويُفتحُ لهُ بابٌ إلى الجنَّةِ، فيقولُ: اللهمَّ؛ عجِّلْ قيامَ الساعةِ ، حتى أرجعَ إلى أهلي ومالي . قالَ : وأما الكافرُ .. فإنَّهُ إذا كانَ في قبلٍ مِنَ الآخرةِ وانقطاعٍ مِنَ الدنيا .. نزلَتْ عليهِ ملائكةٌ غلاظٌ شدادٌ، معَهُم ثيابٌ مِنْ نارٍ وسرابيلُ مِنْ قطرانٍ ، فيحتوشونَهُ؛ فإذا خرجَتْ نفسُهُ .. لعنَهُ كلُّ ملكِ بينَ السماءِ والأرضِ وكلُّ ملكِ في السماءِ ، وغُلِّقَتْ أبوابُ السماءِ ، فليسَ منها بابٌ إلاَّ يكرهُ أنْ يدخلَ بروحِهِ منهُ ، فإذا صعدَ بروحِهِ .. نُذَ ، وقيلَ : أيْ ربِّ ؛ عبدُكَ فلانٌ لمْ تقبلْهُ سماءٌ ولا أرضٌ ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ : ارجعوهُ فأروهُ ما أعددتُ لهُ من الشرِّ؛ إنِّي وعدتُهُ: ﴿مِنْهَا خَلَقْتَكُمْ وَفِيَهَا نُعِيدُكُمْ ... ﴾ الآيةَ، وإنَّهُ ليسمعُ خفقَ نعالِهِم إذا ولَّوا مدبرينَ ، حتى يُقالُ لهُ: يا هذَا؛ مَنْ رِّكَ ؟ وما دينُكَ ؟ ومَنْ نبيِّكَ ؟ فيقولُ: لا أدري ، فيُقالُ: لا دريتَ . ثمَّ يأتيهِ آتٍ قبيحُ الوجهِ منتنُ الربحِ قبيحُ الثيابِ فيقولُ : أبشرْ بسخطٍ ٤٨٦ ربع المنجيات كتاب ذكر الموت مِنَ اللهِ وبعذاب أليمٍ مقيمٍ ، فيقولُ: بِشَّرَك اللهُ بشرٌّ، مَنْ أنتَ ؟ فيقولُ : أنا عملُكَ الخبيثُ ، واللهِ ؛ إنْ كنتَ لسريعاً في معصيةِ اللهِ بطيئاً عنْ طاعةِ اللهِ ، فجزاكَ اللهُ شرّاً ، فيقولُ : وأنتَ فجزاكَ اللهُ شرّاً ، ثم يُقيَّضُ لهُ أصمُّ أعمى أبكمُ ، معهُ مرزبَّةٌ مِنْ حديدٍ لوِ اجتمعَ عليها الثقلانِ على أنْ يقلُّوها .. لمْ يستطيعوا ، لوْ ضُربَ بها جبلٌ .. صارَ تراباً ، فيضربُهُ بها ضربةً فيصيرُ تراباً ، ثمَّ تعودُ فيهِ الروحُ، فيضربُ بها عينيهِ ضربةً يسمعُها مَنْ على الأرضِ ليسَ الثقلين ، قالَ : ثمَّ ينادي منادٍ : أنِ افرشوا لهُ لوحينٍ مِنْ نارٍ ، وافتحوا لهُ باباً إلى النَّارِ، فَيُقْرشُ لهُ لوحانِ مِنْ نارٍ، ويُفتحُ لهُ بابٌ إِلى النَّارِ)) (١). وقالَ محمدُ بنُ عليٍّ : ما مِنْ ميتٍ يموتُ إلَّ مُثِّلَ لهُ عندَ الموتِ أعمالُهُ الحسنةُ وأعمالُهُ السيئةُ، قالَ : فيشخصُ إلى حسناتِهِ ، ويطرق عنْ سيئاتِهِ (٢) . وقالَ أبو هريرةَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ المؤمنَ إذا احتُصرَ .. أتتْهُ الملائكةُ بحريرةٍ فيها مسكٌ وضبائرُ الريحانِ(٣)، فتسلُّ روحَهُ كما تُسُّ الشعرةُ مِنَ العجينِ ، ويُقالُ : أيَّتُها النفسُ المطمئنةُ ؛ اخرجي راضيةً ومرضياً عنكِ إلى روحِ اللهِ وكرامتِهِ ؛ فإذا خرجَتْ روحُهُ .. وُضعتْ (١) رواه بطولة أحمد في ((المسند)) (٢٩٥/٤ - ٢٩٦)، والحاكم في (( المستدرك)» (٣٧/١ -٣٨)، وبنحوه عند أبي داوود ( ٤٧٥٣). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الموت)). ((إتحاف)) (٤٠١/١٠). (٣) ضبائر : جمع ضبارة : الجماعات في تفرقة . ٤٨٧ کتاب ذكر الموت ربع المنجيات على ذلكَ المسكِ والريحانِ ، وطُويَتْ عليها الحريرةُ وبُعثَ بها إلى عليينَ ، وإِنَّ الكافرَ إذا احتُضرَ .. أتتْهُ الملائكةُ بمسح فيهِ جمرةٌ (١) ، فتنزعُ روحَهُ انتزاعاً شديداً، ويُقالُ : أَيَّتُها النفسُ الخبيثةُ ؛ اخرجي ساخطةً ومسخوطاً عليكِ إلى هوانِ اللهِ وعذابِهِ، فإذا خرجَتْ روحُهُ .. وُضعَتْ على تلكَ الجمرةِ وإنَّ لها نشيشاً ، ويُطوى عليها المسحُ ويُذهبُ بها إلى سجينٍ))(٢). وعنْ محمدٍ بن كعب القرظيِّ: أنهُ كانَ يقرأُ قولَهُ تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْنُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴾، لَعَلِّيَّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾. قالَ: أيّ شيءٍ تريدُ ؟ في أيِّ شيءٍ ترغبُ ؟ أتريدُ أنْ ترجعَ لتجمعَ المالَ وتغرسَ الغراسَ ، وتبنيَ البنيانَ وتشققَ الأنهارَ ؟ قالَ : لا ، لعلي أعملُ صالحاً فيما تركتُ ، قالَ: فيقولُ الجبارُ : ﴿كَلَّأَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ﴾ أيْ: ليقولَنَّها عندَ الموتِ(٣). وقالَ أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ: قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((المؤمنُ في قبرِهِ في روضةٍ خضراءَ ، ويُرحبُ لهُ في قبرِهِ سبعون ذراعاً ، ويضيءُ لهُ حتى يكونَ كالقمرِ ليلةَ البدرِ ، هلْ تدرونَ فيماذا أنزلت: ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكً﴾؟)) قالوا: اللهُ ورسولُهُ أعلمُ، قالَ: ((عذابُ الكافرِ في (١) مِسح : قطعة من الكساء الأسود . (٢) رواه البزار في ((مسنده)) (٩٥٤١)، ونحوه عند النسائي (٨/٤)، والتشيش: صوت الماء إذا غلى . (٣) رواه الطبري في ((جامع البيان)) (٦٦/١٨/١٠). ٤٨٨ ربع المنجيات كتاب ذكر الموت قبرِهِ ، يُسلَّطُ عليهِ تسعةٌ وتسعونَ تنيناً ، هلْ تدرونَ ما التنينُ ؟ تسعةٌ وتسعونَ حيةً ، لكلِّ حيَّةٍ سبعةُ رؤوسٍ يخدشونَهُ ويلحسونَةُ وينفخونَ في جسمِهِ إلى يومِ القيامةِ))(١) . ولا ينبغي أنْ يُتعجبَ مِنْ هذا العددِ على الخصوصِ ؛ فإنَّ أعدادَ هذهِ الحيَّاتِ والعقاربِ بقدرِ أعدادِ الأخلاقِ المذمومةِ مِنَ الكبرِ والرياءِ والحسدِ ، والغلِّ والحقدِ وسائرِ الصفاتِ ؛ فإنَّ لها أصولاً معدودةٌ ، ثمَّ تتشعبُ منها فروعٌ معدودةٌ ، ثمَّ تنقسمُ فروعُها بأقسام ، وتلكَ الصفاتُ بأعيانِها هيَ المهلكاتُ ، وهيَ بأعيانِها تنقلبُ عقاربَ وحِيَّاتٍ ، فالقويُّ منها يلدغُ لذغَ التنينِ ، والضعيفُ يلدغُ لدْغَ العقربِ، وما بينَهما يؤذي إيذاءَ الحيَّةِ . وأربابُ القلوبِ والبصائرِ يشاهدونَ بنورِ البصيرةِ هذهِ المهلكاتِ وانشعابَ فروعِها ، إلاَّ أنَّ مقدارَ عددِها لا يُوقفُ عليهِ إلا بنورِ النبؤَّةِ ، فأمثالُ هذهِ الأخبارِ لها ظواهرُ صحيحةٌ وأسرارٌ خفيَّةٌ ، ولكنَّها عندَ أربابٍ البصائرِ واضحةٌ ، فمَنْ لم تنكشفْ لهُ حقائقُها .. فلا ينبغي أنْ ينكرَ ظواهرَها ، بل أقلُّ درجاتِ الإيمانِ التصديقُ والتسليمُ . فإنْ قلتَ : فنحنُ نشاهدُ الكافرَ في قبرِهِ مدةً ونراقبُهُ ولا نشاهدُ شيئاً مِنْ ذلكَ ، فما وجهُ التصديقِ على خلافِ المشاهدةِ ؟ (١) رواه ابن حبان (٣١٢٢)، وأبو يعلى في ((المسند)) (٦٦٤٤). ٤٨٩ کتاب ذكر الموت ربع المنجيات فاعلمْ : أَنَّ لكَ ثلاثَ مقاماتٍ في التصديقِ بأمثالِ هذا : أحدُها - وهوَ الأظهرُ والأصُ والأسلمُ - : أنْ تصدِّقَ بأنَّها موجودةٌ ، وهيَ تلدغُ الميتَ ولكنَّكَ لا تشاهدُ ذلكَ ؛ فإنَّ هذهِ العينَ لا تصلحُ لمشاهدةِ الأمورِ الملكوتيَّةِ ، وكلُّ ما يتعلقُ بالآخرةِ فهوَ مِنْ عالمٍ الملكوتِ ، أما ترى الصحابةَ رضيَ اللهُ عنهم كيفَ كانوا يؤمنونَ بنزولٍ جبريلَ عليهِ السَّلامُ وما كانوا يشاهدونَهُ، ويؤمنونَ بأنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ یشاهدُهُ ؟! فإنْ كنتَ لا تؤمنُ بهذا .. فتصحيحُ أصلِ الإيمانِ بالملائكةِ والوحي أهمُّ عليكَ . وإنْ كنتَ آمنتَ بهِ وجوَّزتَ أنْ يشاهدَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ما لا تشاهدُهُ الأمَّةُ .. فكيفَ لا تجوِّزُ هذا في الميتِ ؟! وكما أنَّ الملكَ لا يشبهُ الآدميينَ والحيواناتِ فالحيَّاتُ والعقاربُ التي تلدغُ في القبرِ ليسَتْ مِنْ جنسٍ حِيَّاتِ عالِمِنا ، بلْ هيَ جنسٌ آخرُ ، وتُدركُ بحاسَّةٍ أخرى . المقامُ الثاني : أن تتذكرَ أمرَ النائمِ ، وأنَّهُ قدْ يرى في نومِهِ حيةً تلدغُهُ ، وهوَ يتألَّمُ بذلكَ حتى تراهُ في نومِهِ يصيحُ ، ويعرقُ جبينُهُ ، وقدْ ينزعجُ مِنْ مكانِهِ ، كلُّ ذلك يدركُهُ مِنْ نفسِهِ ويتأذَّىُ بهِ كما يتأذَّى اليقظانُ ، وهوَ يشاهدُهُ وأنتَ ترى ظاهرَهُ ساكناً ، ولا ترى حواليهِ حيةً ، والحيَّةُ موجودةٌ في حقِّهِ ، ٤٩٠ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت والعذابُ حاصلٌ ولكنهُ في حقِّكَ غيرُ مشاهدٍ ، وإذا كانَ العذابُ في ألم اللدغ .. فلا فرقَ بينَ حيةٍ تُتُخيلُ أو تُشاهدٌ . المقامُ الثالثُ : أَنَّك تعلمُ أنَّ الحيَّةَ بنفسِها لا تؤلمُ ، بلِ الذي يلقاكَ منها وهوَ السمُّ ، ثمَّ السمُّ ليسَ هوَ الألمَ ، بلْ عذابُكَ في الأثرِ الذي يحصُلُ فيكَ مِنَ السمِّ ، فلوْ حصلَ مثلُ ذلكَ الأثرِ مِنْ غيرِ سمٍّ .. لكانَ العذابُ قدْ توفرَ ، وكانَ لا يمكنُ تعريفُ ذلكَ النوعِ مِنَ العذابِ إلَّ بأنْ يُضافَ إلى السببِ الذي يفضي إليهِ في العادةِ ؛ فإنَّهُ لو خُلقَ في الإنسانِ لذةُ الوقاع مثلاً مِنْ غيرِ مباشرةٍ صورةِ الوقاع .. لمْ يمكنْ تعريفُها إلاَّ بالإضافةِ إليه ؛ لتكونَ الإضافةُ للتعريفِ بالسببِ ، وتكونَ ثمرةُ السببِ حاصلةً وإنْ لمْ تحصلْ صورةٌ السببِ ، والسببُ يُرادُ لثمرتِهِ لا لذاتِهِ . وهذهِ الصفاتُ المهلكاتُ تنقلبُ مؤذياتٍ ومؤلماتٍ في النفسِ عندَ الموتِ ، فتكونُ آلامُها كآلام لدغ الحيَّاتِ مِنْ غيرِ وجودِ حيَّاتٍ ، وانقلابُ الصفةِ مؤذيةً يضاهي انقلابَ العشقِ مؤذياً عندَ موتِ المعشوقِ ؛ فإنَّهُ كانَ لذيذاً ، فطرأَتْ حالةٌ صارَ اللَّذِيذُ بنفسِهِ مؤلماً ، حتى نزلَ بالقلبِ منْ أنواعِ العذابِ ما يتمنَّى معهُ أنَّهُ لمْ يكنْ قَدْ تنَّمَ بالعشقِ والوصالِ ، بلْ هذا بعينِهِ هوَ أحدُ أنواع عذابِ الميتِ ؛ فإنَّهُ قدْ سلَّطَ العشقَ في الدنيا على نفسِهِ ، فصارَ يعشقُ مالَهُ وعقارَهُ وجاهَهُ ، وولدَهُ وأقاربَهُ ومعارفَهُ ، ولوْ أخذَ جميعَ ذلكَ في حياتِهِ مَنْ لا يرجو استرجاعَهُ منهُ .. فماذا ترى يكونُ حالُهُ ؟! أليسَ يعظمُ شقاؤُهُ ، ويشتدُّ عذابُهُ، ويتمنَّى ويقولُ : ليتَهُ لمْ يكنْ لي مالٌ قطُّ ، ٤٩١ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات ولا جاهٌ قطُّ فكنتُ لا أتأذى بفراقِهِ ؟! فالموتُ عبارةٌ عنْ مفارقةِ المحبوباتِ الدنيويةِ كلِّها دفعةً واحدةً . ما حالُ مَنْ كَانَ لَهُ واحِدٌ غُيِّبَ عَنْهُ ذَلِكَ الْواحِدُ(١) فما حالُ مَنْ لا يفرحُ إلّ بالدنيا، فتُؤخذُ منهُ الدنيا وتُسلَّمُ إلى أعدائِهِ ، ثمَّ ينضافُ إلى هذا العذابِ تحسُّرُهُ على ما فاتَهُ مِنْ نعيمِ الآخرةِ ، والحجابِ عنِ اللهِ تعالى ؛ فإنَّ حبَّ غيرِ اللهِ يحجبُهُ عنْ لقاءِ اللهِ والتنقُّمِ بهِ ، فيتوالى عليهِ ألم فراقٍ جميع محبوباتِهِ ، وحسرتُهُ على ما فاتَهُ مِنْ نعيم الآخرةِ أبدَ الآبادِ ، وذلُّ الردِّ والحجابِ عنِ اللهِ تعالى ، وذلكَ هوَ العذابُ الذي يُعذّبُ بهِ ؛ إذْ لا يتبعُ نارَ الفراقِ إلَّ نارُ جِهنَّمَ كما قال تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَنْ زِِّهِمْ يَوْمٍَّ لَّحْجُوبُونَ عَ ثُمَّإِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِمِ﴾. وأمَّا مَنْ لمْ يأسْ بالدنيا ولمْ يحبَّ إلا اللهَ، وكانَ مشتاقاً إلى لقاءِ اللهِ تعالى .. فقدْ تخلَّصَ مِنْ سجنِ الدنيا ومقاساةِ الشهواتِ فيها ، وقدمَ على محبوٍبِهِ ، وانقطعَتْ عنهُ العوائقُ والصوارفُ ، وتوفرَ عليهِ النعيمُ معَ الأَمنِ عنِ الزوالِ أبدَ الآبادِ ، ولمثلِ ذلكَ فليعملِ العاملونَ . والمقصودُ: أنَّ الرجلَ قدْ يحبُّ فرسَهُ بحيثُ لو خُيِّرَ بينَ أنْ يُؤْخَذَ منهُ وبينَ أنْ تلدغَهُ عقربٌ . . آثرَ الصبرَ على لدغِ العقربِ . فإذاً ؛ ألمُ فراقِ الفرسِ عندَهُ أعظمُ مِنْ لدغِ العقربِ ، وحبُّهُ للفرسِ هوَ (١) البيت من السريع، وانظر ((التمثيل والمحاضرة)) (ص ٢١١). ٤٩٢ ربع المنجيات كتاب ذكر الموت الذي يلدغُهُ إذا أُخذَ منهُ فرسُهُ ، فليستعدَّ لهذهِ اللَّدغاتِ ؛ فإنَّ الموتَ يأخذُ منهُ فرسَهُ ومركبَهُ ، ودارَهُ وعقارَهُ، وأهلَهُ وولدَهُ، وأحبابَهُ ومعارفَهُ ، ويأخذُ منهُ جاهَهُ وقبولَهُ ، بلْ يأخذُ منهُ سمعَهُ وبصرَهُ وأعضاءَهُ ، وبيئسُ مِنْ رجوعٍ جميع ذلكَ إليهِ ، فإذا لمْ يحبَّ سواه وقدْ أخذَ جميعَ ذلكَ منهُ .. فذلكَ أعظمُ عليهِ مِنَ العقاربِ والحِيَّاتِ ، وكما لوْ أخذَ ذلكَ منهُ وهوَ حيٌّ فيعظمُ عقابُهُ .. فكذلكَ إذا ماتَ ؛ لأنَّا قد بيَنَّا أنَّ المعنى الذي هوَ المدركُ للآلام واللذاتِ لمْ يمتْ، بلْ عذابُهُ بعدَ الموتِ أشدُّ ؛ لأنَّهُ في الحياةِ يتسلَّى ١ بأسبابٍ يشغلُ بها حواسَهُ مِنْ مجالسةٍ ومحادثةٍ ، ويتسلَّى برجاءِ العودِ إليهِ ، ويتسلَّى برجاءِ العوضِ منهُ، ولا سلوةَ بعدَ الموتِ ؛ إذْ قدِ انسدَّ عليهِ طرقُ التسلي وحصلَ اليأسُ ، فإذا كلُّ قميصٍ لهُ ومنديلٍ قدْ أحَّهُ بحيثُ كانَ يشقُ عليهِ لوْ أُخذَ منهُ .. فإنَّهُ يبقى متأسِّفاً عليهِ ومعذَّباً بهِ ، فإنْ كانَ مِخِفّاً في الدنيا .. سلمَ، وهوَ المعنيُّ بقولِهِم: نجا المخقُّونَ ، وإنْ كانَ مثقلاً .. عظمَ عذابُهُ(١). وكما أنَّ حالَ مَنْ يُسرقُ منهُ دينارٌ أخفتُّ مِنْ حالٍ مَنْ يُسرقُ منهُ عشرةٌ دنانيرَ .. فكذلكَ حالُ صاحبِ الدرهمِ أخفتُّ مِنْ حالِ صاحبِ الدرهمينِ ، (١) روى الحاكم في ((المستدرك)) (٥٧٣/٤) والبيهقي في ((الشعب)) (٩٩٢٣): ((إن أمامكم عقبة كؤوداً لا يجوزها المثقلون))، وعند أبي نعيم في «الحلية» (٨٣/٢ ): (( لا يجاوزها إلا كل ضامر مخف » . ٤٩٣ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات وهوَ المعنيُّ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( صاحبُ الدرهم أخفُّ حساباً مِنْ صاحبِ الدرهمينِ ))(١) . وما مِنْ شيءٍ مِنَ الدنيا يتخلَّفُ عنكَ عندَ الموتِ إلاَّ وهوَ حسرةٌ عليكَ بعدَ الموتِ ، فإنْ شئتَ .. فاستكثرْ، وإنْ شئتَ .. فاستقللْ، فإنِ استكثرتَ .. فلستَ مستكثراً إلاَّ مِنَ الحسرةِ ، وإنِ استقللتَ .. فلستَ تخففُ إلاَّ عَنْ ظهرِكَ، وإنَّما تكثرُ الحيَّاتُ والعقاربُ في قبورِ الأغنياءِ الذينَ استحبُّوا الحياةَ الدنيا على الآخرةِ ، وفرحوا بها واطمأنُّوا إليها . فهذهِ مقاماتُ الإِيمانِ في حيَّاتِ القبرِ وعقارِبِهِ وفي سائرِ أنواعِ عذابِهِ . رأى أبو سعيد الخرازُ ابناً لهُ قدْ ماتَ في المنام ، فقالَ لهُ: يا بنيَّ ؛ عظْني ، قالَ : لا تخالفِ اللهَ تعالى فيما يريدُ ، قالَ : يا بنيَّ ؛ زدْني ، قالَ : يا أبتِ ؛ لا تطيقُ، قالَ : قلْ، قالَ : لا تجعلْ بِينَكَ وبينَ اللهِ قميصاً ، قالَ: فما لبسَ قميصاً ثلاثينَ سنةً(٢). فإنْ قلتَ : فما الصحيحُ مِنْ هذهِ المقاماتِ الثلاثِ ؟ فاعلمْ : أنَّ في الناسِ مَنْ لمْ يثبتْ إلَّ الأولَ وأنكرَ ما بعدَهُ، ومنهُمْ مَنْ (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢١٠/٤)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠١٦٥). (٢) أورده القشيري في ((الرسالة)) (ص٦١٥)، وفي غير (د): ( الخدري ) بدل ( الخراز ) . ٤٩٤ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت أنكرَ الأولَ وأثبتَ الثانيَ، ومنهُمْ مَنْ لمْ يثبتْ إلَّ الثالثَ، وإنَّما الحقُّ الذي انكشفَ لنا بطريقِ الاستبصارِ : أنَّ كلَّ ذلكَ في حيزِ الإمكانِ ، وأنَّ مَنْ ينكرُ بعضَ ذلكَ فهوَ لضيقِ حوصلتِهِ ، وجهلِهِ باتساع قدرةِ اللهِ تعالى وعجائبٍ تدبيرِهِ ، فينكرُ مِنْ أفعالِ اللهِ تعالى ما لمْ يأنسْ بهِ ويألفْهُ ، وذلكَ جهلٌ وقصورٌ، بلْ هذهِ الطرقُ الثلاثةُ في التعذيبِ ممكنةٌ ، والتصديقُ بها واجبٌ ، وربَّ عبدٍ يُعاقبُ بنوعٍ واحدٍ مِنْ هذهِ الأنواعِ ، ورَّ عبدٍ تُجمعُ عليهِ هذهِ الأنواعُ الثلاثةُ ، نعوذُ باللهِ مِنْ عذابِ اللهِ قليلِهِ وكثيرِهِ . هذا هوَ الحقُّ فصدِّقْ بهِ تقليداً ، فيعزُّ على بسيطِ الأرضِ مَنْ يعرفُ ذلك تحقيقاً ، والذي أوصيكَ بهِ ألاَّ تكثرَ نظرَكَ في تفصيلِ ذلكَ ، ولا تشتغلَ بمعرفتِهِ ، بلِ اشتغِلْ بالتدبيرِ في دفع العذابِ كيفَما كانَ ، فإنْ أهملتَ العملَ والعبادَةَ واشتغلتَ بالبحثِ عنْ ذلكَ .. كنتَ كمَنْ أخذَهُ سلطانٌ وحبسَهُ ليقطعَ يدَهُ ويجدعَ أنفَهُ ، فأخذَ طولَ الليلِ يتفكّرُ في أنَّهُ هلْ يقطعُهُ بسكينٍ أو بسيفٍ أو بموسى ؟ وأهملَ طريقَ الحيلةِ في دفع أصلِ العذابِ عنْ نفسِهِ ، وهذا غايةُ الجهلِ ؛ فقدْ عُلمَ على القطع أنَّ العبدَ بعدَ الموتِ لا يخلو عنْ عذابٍ عظيم أو نعيمٍ مقيمٍ ، فينبغي أنْ يكونَ الاستعدادُ لهُ . فأمَّا البحثُ عنْ تفصيلِ العقابِ والثوابِ .. ففضولٌ وتضييعُ زمانٍ . ٤٩٥ خ کتاب ذكر الموت ربع المنجيات بيان سؤال منكر ونكير، وصورتهما، وضغطة القبر وبقية القول في عذاب القبر قالَ أبو هريرةَ : قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا ماتَ العبدُ .. أتاهُ ملكانِ أسودان أزرقانِ يُقالُ لأحدِهما : منكرٌ وللآخرِ: نكيرٌ، فيقولانِ لهُ : ما كنتَ تقولُ في النبيِّ؟ فإنْ كانَ مؤمناً .. قالَ: هوَ عبدُ اللهِ ورسولُهُ ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وأنَّ محمَّداً رسولُ اللهِ ، فيقولانِ : إنْ كنَّا لنعلمُ أنَّكَ تقولُ ذلكَ ، ثمَّ يُفسحُ لهُ في قبرِهِ سبعونَ ذراعاً في سبعينَ ذراعاً ، ويُنوَّرُ لهُ في قبرِهِ ثُمَّ يُقالُ لهُ: نمْ ، فيقولُ : دعوني أرجعُ إلى أهلي فأخبرُهُمْ، فيُقالُ لهُ : تمْ ، فينامُ كنومةِ العروسِ الذي لا يوقظُهُ إلاَّ أحبُّ أهلِهِ إلیهِ حتى يبعثَهُ اللهُ مِنْ مضجعِهِ ذلكَ، وإنْ كانَ منافقاً .. قالَ : لا أدري ، كنتُ أسمعُ الناسَ يقولونَ شيئاً وكنتُ أقولُهُ ، فيقولانِ : إنْ كَّا لنعلمُ أنَّكَ تقولُ ذلكَ ، ثمَّ يُقالُ للأرضِ : التنمي عليهِ ، فتلتئمُ عليهِ حتى تختلفَ فيها أضلاعُهُ ، فلا يزالُ معذَّباً حتى يبعثَهُ اللهُ تعالى مِنْ مضجعِهِ ذلكَ))(١) . وعنْ عطاءِ بنِ يسارِ قالَ : ( قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ: ((يا عمرُ؛ كيفَ بكَ إذا أنتَ مثَّ فانطلقَ بكَ قومُكَ فقاسوا لكَ ثلاثةَ أذرعٍ في ذراعٍ وشبرٍ ، ثمَّ رجعوا إليكَ فغسَّلُوكَ وكَفَّنَوكَ (١) رواه الترمذي ( ١٠٧١ ). ٤٩٦ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت وحنَّطوكَ، ثمَّ احتملوكَ حتى يضعوكَ فيهِ ، ثمَّ يهيلوا عليكَ الترابَ ويدفنوكَ ، فإذا انصرفوا عنكَ .. أتاكَ فَثَّانا القبرِ منكرٌ ونكيرٌ ، أصواتهما كالرعدِ القاصفِ ، وأبصارُهما كالبرقِ الخاطفِ ، يجرَّانِ أشعارَهما ويحثيانِ القبرَ بأنيابِهما فتلتلاكَ وترتراكَ؟! كيفَ بكَ عندَ ذلكَ يا عمرُ؟!)) فقالَ عمرُ : يا رسولَ اللهِ؛ ويكونُ معي مثلُ عقليَ الآنَ؟ قالَ: ((نعمْ)) قالَ: إذاً أكفيكَهُما)(١) . وهذا نصٌّ صريحٌ في أنَّ العقلَ لا يتغيرُ بالموتِ ، إنَّما يتغيرُ البدنُ والأعضاءُ ، فيكونُ الميتُ عاقلاً مدركاً ، عالماً بالآلام واللذاتِ كما كانَ ، لا يتغيَّرُ مِنْ عقلِهِ شيءٌ، وليسَ العقلُ المدرِكُ هذهِ الأعضاءَ، بلْ هوَ شيءٌ باطنٌ ليسَ لهُ طولٌ ولا عرضٌ ، بلِ الذي لا ينقسمُ في نفسِهِ هوَ المدركُ للأشياءِ ، ولو تناثرَتْ أعضاءُ الإنسانِ كلُّها ولم يبقَ إلاَّ الجزءُ المدرِكُ الذي لا يتجزأُ ولا ينقسمُ .. لكانَ الإنسانُ العاقلُ بكمالِهِ قائماً باقياً، وهوَ كذلكَ بعدَ الموتِ ؛ فإنَّ ذلكَ الجزءَ لا يحلُّهُ الموتُ ، ولا يطرأُ عليهِ العدمُ . وقالَ محمدُ بنُ المنكدرِ : بلغني أنَّ الكافرَ يُسلَّطُ عليهِ في قبرِهِ دائَّةٌ عمياءُ صماءُ ، في يدِها سوطٌ مِنْ حديدٍ في رأسِهِ مثلُ غربِ الجملِ ، تضربُهُ بهِ إلى (١) رواه الآجري في ((الشريعة)) (٨٦١)، والبيهقي في ((إثبات عذاب القبر)) (١٠٣) مرسلاً، وفيه : ( ثلاثة أذرع وشبراً في ذراع وشبر ) ، وتلتلاك وترتراك : زعزعاك وأقلقاك وأزعجاك. ((إتحاف)) (٤١٤/١٠). ٤٩٧ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات يومِ القيامةِ، لا تراهُ فتتقيَهُ، ولا تسمعُ صوتَةٌ فترحمَهُ(١) . وقالَ أبو هريرةَ : ( إذا وُضعَ الميتُ في قبرِهِ .. جاءَتْ أعمالُهُ الصالحةُ فاحتوشَتْهُ، فإنْ أتاهُ مِنْ قبلٍ رأسِهِ .. جاءَ قراءتهُ القرآنَ ، وإنْ أتاهُ مِنْ قبل رجليهِ .. جاءَ قيامُهُ، وإنْ أتاهُ مِنْ قبلِ يديهِ .. قالتِ اليدانِ : واللهِ ؛ لقدْ كانَ يبسطُني للصدقةِ والدعاءِ ، لا سبيلَ لكمْ عليهِ ، وإنْ جاءَ مِنْ قبلٍ فيه .. جاء ذكْرُهُ وصيامُهُ ، وكذلكَ تقفُ الصلاةُ والصبرُ ناحيةً ، فيقولُ : أما إنِّي لوْ رأيتُ خللاً .. لكنتُ أنا صاحبَهُ - قالَ سفيانُ: تجاحشُ عنهُ أعمالُه الصالحةُ كما يجاحشُ الرجلُ عنْ أخيهِ وأهلِهِ وولدِهِ - ثمَّ يُقالُ لهُ عندَ ذلكَ: باركَ اللهُ لكَ في مضجعِكَ ، فنِعمَ الأخلاَّءُ أخلاؤُكَ، ونعمَ الأصحابُ أصحابُكَ)(٢). وعنْ حذيفةً قالَ : كنَّا معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في جنازةٍ ، فجلسَ على رأسِ القبرِ ثمَّ جعلَ ينظرُ فيهِ، ثمَّ قالَ: (( يُضغطَ المؤمنُ في ٩ هاذا ضغطةً تردَّى منها حمائلُهُ)) (٣). (١) رواه أحمد في (( المسند)) (٣٥٣/٦) من رواية ابن المنكدر عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما مرفوعاً ، وفي نسخة الحافظ الزبيدي : ( عرف الجمل ) بدل ( غرب الجمل ) . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((القبور)). ((إتحاف)) (٤١٩/١٠)، ولم يقل: ( قال سفيان)، والطبراني في (( المعجم الأوسط )) (٩٤٣٤)، ونحوه عند ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ١٢١٨٨)، وهناد في ((الزهد)) (٣٣٨)، تجاحش : تدافع . (٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٠٧/٥)، والحمائل هنا : عروق الأنثيين ، ويحتمل أن يراد موضع حمائل السيف ؛ أي: عواتقه وصدره وأضلاعه. («إتحاف)) (٤٢٢/١٠). ٤٩٨ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت وقالَتْ عائشَةُ رضيَ اللهُ عنها : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ للقبرِ ضغطةً، ولوْ سلمَ أوْ نجا منها أحدٌ .. لنجا سعدُ بنُ معاذٍ))(١). وعنْ أنسٍ قالَ : تُوقَِّتْ زينبُ بنتُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وكانَتِ امرأةً مسقامةً، فتبعَها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فساءَنا حالُهُ، فلمَّا انتهينا إلى القبرِ فدخلَهُ .. التمعَ وجهُهُ صفرةً، فلمَّا خرجَ .. أسفرَ وجهُهُ ، فقلنا : يا رسولَ اللهِ ؛ رأينا منكَ شأناً فممَّ ذلكَ ؟ قالَ : (( ذكرتُ ضعفَ ابنتي وشدةَ عذاب القبرِ، فأتيتُ فأُخبرتُ أنَّ اللهَ تعالى قدْ خفَّفَ عنها، ولقدْ ضُغطَتْ ضغطةً سمعَ صوتَها ما بينَ الخافقينِ))(٢). ٠٢/٥٠٠ (١) رواه ابن حبان (٣١١٢)، وأحمد فى ((المسند)) (٥٥/٦). (٢) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٥٧/١)، ومسقامة: كثيرة الأمراض. ٤٩٩ کتاب ذكر الموت ربع المنجيات البَابُ الثَّامِنُ في غرف من أحوال الموتى بالمكاشفة في المنام اعلمْ : أنَّ أنوارَ البصائرِ المستفادةَ مِنْ كتابِ اللهِ تعالى وسنَّةِ رسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ومِنْ مناهجِ الاعتبارِ .. تعرَّفُنا أحوال الموتى على الجملةِ ، وانقسامَهُمْ إلى سعداءَ وأشقياءَ ولكنْ حالُ زيدٍ وعمرٍو بعينِهِ فلا ينكشفُ بهِ أصلاً ؛ فإنَّا إنْ عوَّلنا على إيمانِ زيدٍ وعمرو .. فلا ندري على ماذا ماتَ وكيفَ خُتمَ لهُ ، وإنْ عوَّلنا على صلاحِهِ الظاهرِ .. فالتقوى محلُّهُ القلبُ ، وهوَ غامضٌ يخفى على صاحبِ التقوى فكيفَ على غيرِهِ ؟! فلا حكمَ لظاهرِ الصلاحِ دونَ التقوى الباطنِ ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾، فلا يمكنُ معرفةُ حكمٍ زيدٍ وعمروٍ إلاَّ بمشاهدتِهِ ومشاهدةِ ما يجري عليهِ ، وإذا ماتَ .. فقدْ تحوَّلَ مِنْ عالمِ الملكِ والشهادةِ إلى عالمٍ الغيبِ والملكوتِ ، فلا يُرى بالعينِ الظاهرةِ ، وإنَّما يُرى بعينِ أخرى ، خُلقَتْ تلكَ العينُ في قلبٍ كلِّ إنسانٍ ، ولكنَّ الإنسانَ جعلَ عليها غشاوةٌ كثيفةً مِنْ شهواتِهِ وأشغالِهِ الدنيويةِ فصارَ لا يبصرُ بها ، ولا يُتصورُ أنْ يبصرَ بها شيئاً مِنْ عالمٍ الملكوتِ ما لمْ تنقشعْ تلكَ الغشاوةُ عنْ عينٍ قلبِهِ . ولمَّا كانتِ الغشاوةُ منقشعةً عنْ أعينِ الأنبياءِ عليهمُ السَّلامُ .. فلا جرمَ نظروا إلى الملكوتِ وشاهدوا عجائبَهُ ، والموتى في عالم الملكوتِ ، ٥٠٠ ٠