النص المفهرس

صفحات 441-460

ربع المنجيات
كتاب ذكر الموت
بيان حال القبر وأقاويلهم على القبور
قالَ الضحاكُ : قالَ رجلٌ : يا رسولَ اللهِ ؛ مَنْ أزهدُ النَّاسِ ؟ قالَ :
(( مَنْ لمْ ينسَ القبرَ والبلى، وتركَ فضلَ زينةِ الدنيا ، وآثرَ ما يبقى على
ما يفنى ، ولمْ يعدَّ غداً من أيامِهِ، وعدَّ نفسَهُ مِنْ أهلِ القبورِ))(١).
وقيلَ لعليٍّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ : ما شأنُك جاورتَ المقبرةَ؟ قالَ : ( إنِّي
أجدُهم خيرَ جيرانٍ ، إنِّي أجدُهم جيرانَ صدقٍ ؛ يكفُّونَ الألسنةَ ، ويُذكِّرُونَ
الآخرةَ)(٢) .
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((ما رأيتُ منظراً إلاَّ والقبرُ أفظعُ
منهُ))(٣).
وقالَ عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ : خرجنا معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ إلى المقابرِ ، فجلسَ إلى قبرٍ وكنتُ أدنى القومِ منهُ ، فبكىُ
وبكيتُ وبِكَوا، فقالَ: (( ما يبكيكُمْ؟)) قلنا: بكينا لبكائِكَ، قالَ: ((هذا
قبرُ أمي آمنةَ بنتِ وهبٍ ، استأذنتُ ربِّي في زيارتِها فأذنَ لي ، فاستأذنتُهُ في
(١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (١٠٠٨١)، وابن أبي شيبة في ((المصنف))
(٣٥٤٥٩ ) .
(٢) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٨٨٧١)، وابن أبي شيبة في (المصنف)) (٣٥٦٥٥)
وفيه : ( السيئة ) بدل ( الألسنة ).
(٣) رواه الترمذي (٢٣٠٨)، وابن ماجه (٤٢٦٧)، والحاكم في ((المستدرك))
( ٤ / ٣٣١ ) .
٤٤١

كتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
أنَ أستغفرَ لها فأبى عليَّ، فأدركَني ما يدركُ الولدَ مِنَ الرِّقةِ)) (١).
وكانَ عثمانُ بنُ عفانَ رضيَ اللهُ عنهُ إذا وقفَ على قبرٍ . . بكى حتى يبلَّ
لحيتَهُ ، فَسُئِلَ عَنْ ذلكَ وقيلَ لهُ : تذكرُ الجنَّةَ والنَّارَ فلا تبكي ، وتبكي إذا
وقفتَ على قبرٍ ؟! فقالَ : سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ :
((إِنَّ القبرَ أولُ منازلِ الآخرةِ، فإنْ نجا منهُ صاحبُهُ .. فما بعدَهُ أيسرُ منهُ،
وإنْ لمْ ينجُ منهُ .. فما بعدَهُ أشدُّ))(٢) .
وقيلَ : إنَّ عمرو بنَ العاصِ نظرَ إلى المقبرةِ ، فنزلَ وصلَّى ركعتينٍ ،
فقيلَ لهُ: هذا شيءٌ لم تكنْ تصنعُهُ؟ فقالَ: ( ذكرتُ أهلَ القبورِ وما حِيلَ
بينَهم وبينَهُ ، فأحببتُ أنْ أتقربَ إلى اللهِ تعالى بهما)(٣).
وقالَ مجاهدٌ : أولُ ما يكلمُ ابنَ آدَمَ حفرتُهُ فتقولُ : أنا بيتُ الدودِ ،
وبيتُ الوحدةِ ، وبيتُ الغربةِ ، وبيتُ الظلمةِ ، هذا ما أعددتُ لكَ ، فما
أعددتَ لي ؟!(٤) .
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٥٥/٥) بنحو لفظ المصنف من حديث بريدة رضي الله
عنه ، وهو مختصر عند مسلم (٩٧٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وقد ألف
العلماء الكثير من المصنفات في تحقيق نجاة الأبوين الكريمين ، ونجاة آباء المصطفى
صلى الله عليه وآله وسلم الكرام ، الذين ماتوا في فترة الجاهلية ولم تبلغهم الدعوة ،
وأثبتوا أنهم من أهل الجنة ، وأقاموا على ذلك الأدلة الناصعة والبراهين الساطعة .
فلتراجع .
(٢) رواه الترمذي ( ٢٣٠٨)، وابن ماجه ( ٤٢٦٧).
(٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٣٠) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
(٤) رواه ابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٤٩٦/٤٢) عن علي رضي الله عنه من طريق =
٤٤٢

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
وقالَ أبو ذرٍّ: ( ألا أخبركم بيومٍ فقري ؟ يومَ أُوضعُ في قبري )(١).
وكانَ أبو الدرداءِ يجلسُ إلى القبورِ ، فقيلَ لهُ في ذلكَ فقالَ: ( أجلسُ
إلى قومٍ يذكِّروني معادي، وإن قمتُ .. لم يغتابوني)(٢) .
وكانَ جعفرُ بنُ محمدٍ يأتي القبورَ ليلاً ويقولُ : يا أهلَ القبورِ ؛ ما لي إذا
دعوتُكُم لا تجيبوني ؟! ثمَّ يقولُ: حِيلَ واللهِ بينَهم وبينَ جوابي ، وكأنّي بي
أكونُ مثلَهُم ، ثمَّ يستقبلُ الصلاةَ إلى طلوع الفجرِ(٣).
وقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رحمةُ اللهِ عليهِ لبعضٍ جلسائِهِ : يا فلانُ ؛ لقدْ
أرقتُ الليلةَ تفكراً في القبرِ وساكنِهِ ، إنَّكَ لوْ رأيتَ الميتَ بعدَ ثلاثةٍ في
قبرِهِ .. لاستوحشتَ مِنْ قرِبِهِ بعدَ طولِ الأنسِ منكَ بهِ ، ولرأيتَ بيتاً تجولُ
فيه الهوائُ ، ويجري فيهِ الصديدُ ، وتخترقُهُ الديدانُ ، معَ تغيرِ الريحِ وبلى
الأكفانِ بعدَ حسنِ الهيئةِ وطيبِ الريحِ ونقاءِ الثوبِ ، قالَ : ثمَّ شهقَ شهقةً
خرَّ مغشياً عليهِ (٤) .
وكانَ يزيدُ الرقاشيُّ يقولُ : أيُّها المقبورُ في حفرتِهِ ، والمتخلي في القبرِ
مجاهد ، وقد رواه الترمذي ( ٢٤٦٠) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعاً
=
بنحوه .
0
(١) حكاه الحافظ عبد الحق الإشبيلي في ((العاقبة في ذكر الموت)) (ص ١٩٠).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((القبور)). ((إتحاف)) (٣٥٣/١٠).
(٣) حكاه الحافظ عبد الحق الإشبيلي في ((العاقبة في ذكر الموت)) (ص ١٩٠).
(٤) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦٨/٥).
٤٤٣
هـ

کتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
بوحدتِهِ ، المستأنسُ في بطنِ الأرضِ بأعمالِهِ ؛ ليتَ شعري! بأيِّ أعمالِكَ
استبشرتَ ؟! وبأيِّ إخوانِكَ اغتبطتَ ؟! ثمَّ يبكي حتى ييلَّ عمامتهُ، ثمّ
يقولُ : استبشرَ واللهِ بأعمالِهِ الصالحةِ ، واغتبطَ واللهِ بإخوانِهِ المتعاونينَ على
طاعةِ اللهِ تعالى، وكانَ إذا نظرَ إلى القبورِ .. خارَ كما يخورُ الثورُ(١).
وقالَ حاتمٌ الأصمُّ : مَنْ مرَّ بالمقابرِ فلم يتفكِّرْ لنفسِهِ ولم يدعُ لهم ..
فقدْ خانَ نفسَهُ وخانَهُم (٢).
وكانَ بكرٌ العابدُ يقولُ: يا أمَّاهُ؛ ليتَكِ كنتِ بي عقيماً! إنَّ لابنِكِ في
القبرِ حبساً طويلاً، ومِنْ بعدِ ذلكَ منهُ رحيلاً(٢) .
وقالَ يحيى بنُ معاذٍ : يا بنَ آدَمَ ؛ دعاكَ ربُّكَ إلى دارِ السَّلامِ فانظرْ مِنْ
أينَ تجيبُهُ، إِنْ أجبتَهُ مِنْ دنياكَ واشتغلتَ بالرحلةِ إليه .. دخلتَها ، وإنْ أجبتَهُ
مِنْ قبرك .. مُنعتَها(٢).
وكانَ الحسنُ بنُ صالح إذا أشرفَ على المقابرِ .. يقولُ : ما أحسنَ
ظواهرَكِ! إنَّما الدواهي في بواطنِكِ(٢).
وكانَ عطاءٌ السلميُّ إذا جنَّ عليهِ الليلُ .. خرجَ إلى المقبرةِ فوقفَ ثمَّ
يقولُ: يا أهلَ القبورِ ؛ مثُم فيا موتاهُ! وعاينتُم أعمالَكُم فوا عملاهُ! ثمَّ
(١) حكاه الحافظ عبد الحق الإشبيلي في ((العاقبة في ذكر الموت)) (ص١٩٤ - ١٩٥).
(٢) حكاه الحافظ عبد الحق الإشبيلي في ((العاقبة في ذكر الموت)) ( ص١٩٥).
٤٤٤

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
يقولُ : غداً عطاءٌ في القبرِ ؛ غداً عطاءٌ في القبرِ ، فلا يزالُ ذلكَ دْبَهُ حتى
يصبحَ(١).
وقالَ سفيانُ : مَنْ أكثرَ ذكرَ القبرِ .. وجدَهُ روضةٌ مِنْ رياضِ الجنَّةِ ،
ومَنْ غفلَ عنْ ذكرِهِ .. وجدَهُ حفرةٌ منْ حفرِ النَّارِ (٢).
وكانَ الربيعُ بنُ خيثمٍ قَدْ حفرَ في دارِهِ قبراً ، فكانَ إذا وجدَ في قلبِهِ
قساوةً .. دخلَ فيهِ فاضطجعَ ومكثَ ما شاءَ اللهُ، ثمَّ يقولُ: ﴿رَبِّ أَرْجِعُونِ
لَعَلَّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ يردِّدُها، ثمَّ يردُّ على نفسِهِ: يا ربيعُ : قدْ
رجعتُكَ فاعملْ(٣).
وقالَ أحمدُ بنُ حربٍ : تتعجَّبُ الأرضُ مِنْ رجلٍ يمهِّدُ مضجعَهُ ويسوي
فراشَهُ للَّومِ فتقولُ : يا بنَ آدَمَ ؛ لمَ لا تذكرُ طولَ بلاكَ وما بيني وبينَكَ
شيءٌ؟!(٤) .
ء
وقالَ ميمونُ بنُ مهرانَ خرجتُ معَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ إلى المقبرةِ ، فلمَّا
نظرَ إلى القبورِ .. بكى، ثمَّ أقبلَ عليَّ فقالَ : يا ميمونُ ؛ هذهِ قبورُ آبائي
بني أميَّةَ ، كأنَّهِمْ لمْ يشاركوا أهلَ الدنيا في لذاتِهِمْ وعيشِهِمْ ، أما تراهم
صرعى قدْ حلَّتْ بهمُ المثُلاتُ ، واستحكمَ فيهمُ البلى ، وأصابَتِ الهوام
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢٣/٦).
(٢) حكاه الحافظ عبد الحق الإشبيلي في ((العاقبة في ذكر الموت)) (ص١٩٥ - ١٩٦).
(٣) رواه البلاذري في ((أنساب الأشراف)) (٣١١/١١).
(٤) حكاه الحافظ عبد الحق الإشبيلي في ((العاقبة في ذكر الموت)) (ص١٩٦).
٤٤٥

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
مقيلاً في أبدانِهم ؟! ثمَّ بكى وقالَ: واللهِ ؛ ما أعلم أحداً أنعمَ ممَّن صارَ إلى
هذهِ القبورِ وقدْ أمنَ مِنْ عذابِ اللهِ(١) .
وقالَ ثابتٌ البنانيُّ : دخلتُ المقابرَ ، فلمَّا قصدتُ الخروجَ منها؛ فإذا
بصوتٍ قائلٍ يقولُ : يا ثابتُ ؛ لا يغرَّنَّكَ صموتُ أهلِها ، فكمْ مِنْ نفسٍ
مغمومةٍ فيها(٢) .
ويُروى أنَّ فاطمةَ بنتَ الحسينِ نظرَتْ إلى جنازةِ زوجِها الحسنِ بنِ
الحسنِ ، فغطَّتْ وجهَها وقالَتْ(٣):
[من الطويل]
وَكَانُوا رَجاءَ ثُمَّ أَمْسَوْا رَزِيَّةً لَقَدْ عَظُمَتْ تِلْكَ الزَّزايا وَجَلَّتِ
وقيلَ : إِنَّها ضربَتْ على قبرِهِ فسطاطاً واعتكفَتْ عليهِ سنةً ، فلمَّا مضتٍ
السَّنَةُ .. قلعوا الفسطاطَ ودخلَتِ المدينةَ ، فسمعُوا صوتاً مِنْ جانبِ البقيع :
هلْ وجدُوا ما فقدُوا ؟ فسمعُوا مِنَ الجانبِ الآخرِ: بل يئسُوا فانقلبُوا(٤) .
وقالَ أبو موسى التميميُّ : تُوفِيَتِ امرأةُ الفرزدقِ ، فخرجَ في جنازِها
وجوهُ البصرةِ وفيهِمُ الحسنُ ، فقالَ لهُ الحسنُ : يا أبا فراس ؛ ماذا أعددتَ
لهذا اليوم ؟ فقالَ : شهادةُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ منذُ ستينَ سنةً، فلمَّا دُفَنَتْ ..
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦٩/٥)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
(٤٥ / ٢٣٢ ) .
(٢) حكاه الحافظ عبد الحق الإشبيلي في ((العاقبة في ذكر الموت)) ( ص١٩٩).
(٣) البيت لسليمان بن قتة. انظر ((التعازي والمراثي)) ( ص ٧٩).
(٤) رواه ابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (١٩/٧٠ - ٢٠).
٤٤٦

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
أقامَ الفرزدقُ على قبرِها فقالَ(١):
[من الطويل]
أَخَافُ وَرَاءَ الْقَبْرِ إِنْ لَمْ تُعَافِي
إِذَا جَاءَنِي يَوْمَ الْقِيامَةِ قائِدٌ
لَقَدْ خابَ مِنْ أَوْلادِ آدَمَ مَنْ مَشَى
أَشَدَّ مِنَ الْقَبْرِ الْتِهاباً وَأَضْيَقا
عَنِيفٌ وَسَوّاقٌ يَسُوقُ اَلْفَرَزْدَقا
إِلَى النّارِ مَغْلُولَ الْقِلَادَةِ أَزْرَقا
وقدْ أنشدوا في أهلِ القبورِ (٢):
[من الكامل]
قِفْ بِالْقُبُورِ وَقُلْ عَلَى ساحاتِها
وَمَنِ الْمُكَرَّمُ مِنْكُمُ فِي قَعْرِها
أَمَّا السُّكُونُ لِذِي الْعُيُونِ فَواحِدٌ
لَوْ جَاوَبُوكَ لأَخْبَرُوكَ بِأَلْسُنِ
أَمَا الْمُطِيعُ فَنَازِلٌ فِي رَوْضَةٍ
وَالْمُجْرِمُ الطَّاغِي بِهِا مُتَقَلِّبٌ
وَعَقارِبٌ تَسْعَىُ إِلَيْهِ فَرُوحُهُ
مَنْ مِنْكُمُ الْمَغْمُومُ فِي ظُلُماتِها
قَدْ ذاقَ بَرْدَ أَلأَمْنِ مِنْ رَوْعاتِها
لا يَسْتَبِينُ الْفَضْلُ فِي دَرَجاتِها
تَصِفُ الْحَقائِقَ بَعْدُ مِنْ حالاتِها
يُفْضِي إِلَى ما شاءَ مِنْ راحاتِها
فِي حُفْرَةٍ يَأْوِي إِلَىْ حَيَّاتِها
في شِدَّةِ التَّعْذِيبِ مِنْ لَدَغاتِها
ومَّ داوودُ الطائيُّ على امرأةٍ تبكي على قبرٍ وهيَ تقولُ :
[من المتقارب]
إِذا أَنْتَ في الْقَيْرِ قَدْ أَلْحَدُوكا
عَدِمْتُ الْحَياةَ وَلا نِلْتُها
وَأَنْتَ بِيُمْناكَ قَدْ وَسَّدُوكا
فَكَيْفَ أَذُوقُ لَذِيذَ اُلْكَرَى
(١) ديوانه (٢ / ٩٠) .
(٢) انظر ((بستان الواعظين)) (ص٢٧٥) .
٤٤٧

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
ثمَّ قالَتْ: يا أبتاهُ(١) ؛ ليتَ شعري! بأيِّ خذَّيكَ بدأَ الدُّودُ؟! فصَعقَ
داوودُ مكانَهُ وخرّ مغشياً عليهِ(٢) .
وقالَ مالكُ بنُ دينارِ : مررتُ بالمقبرةِ فانشأتُ أقولُ :
[من المتقارب]
أَتَيْتُ الْقُبُورَ فَنَادَيْتُها فَأَيْنَ الْمُعَظَّمُ وَالْمُحْتَقَرْ
وَأَيْنَ الْمُزَكِّي إِذا ما افْتَخَرْ
وَأَيْنَ الْمُذِلُّ بِسُلْطَانِهِ
قالَ : فَنُوديتُ مِنْ بِينِهِم أسمعُ صوتاً ولا أرى شخصاً وهوَ يقولُ: [من المتقارب]
وَمَاتُوا جَمِيعاً وَماتَ الْخَبَرْ
تَفَانَوا جَمِيعاً فَمَا مُخْبِرٌ
عَزِيزِ مُطاعٍ إِذا ما أَمَرْ
وَسارُوا إِلَىْ مالِكِ قاهِرٍ
فَإِمّا نَعِيمٌ وَإِمّا سَقَرْ
لَقَدْ قَلَّدَ أَلْقَوْمَ أَعْمَالَهُمْ
فَتَمْحُو مَحاسِنَ تِلْكَ أَلْصُّوَرْ
تَرُوحُ وَتَغْدُوا بَناتُ النَّرَى
أَمَا لَكَ فِيمَا تَرَى مُعْتَبَرْ
فَيَا سائِلِي عَنْ أُناسِ مَضَوْا
قالَ : فرجعتُ وأنا باءِ(٣).
(١) في (ب، ج): ( ابناه ).
(٢) انظر ((عيون الأخبار)) (٣٠٢/٢)، والخبر حكاه الحافظ عبد الحق الإشبيلي في
((العاقبة في ذكر الموت)) (ص ١٩٥)، وأورد القشيري في ((الرسالة)) (ص٥٩ ):
أن سبب زهده أنه سمع نائحة تنوح وتقول :
وأي عينيك إذاً سالا
بأي خذَّيك تبدى البلى
(٣) رواه الدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم)) (٥٨٨)، وانظر ( عيون الأخبار))
(٣٠٢/٢ - ٣٠٣) .
٤٤٨

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
أبيات وجدت مكتوبة على القبور
وُجدَ مكتوباً على قبرِ (١):
[من الطويل]
وَسُكَّانُها تَحْتَ الثُّرابِ خُفُوتُ
تُناجِيكَ أَجْداثٌ وَهُنَّ سُكوتُ
لِمَنْ تَجْمَعُ الدُّنْيَا وَأَنْتَ تَمُوتُ
أَيَا جامِعَ الدُّنْيَا لِغَيْرِ بَلاغِهِ
ووُجدَ مكتوباً على قبرٍ آخرَ (٢):
[من الطويل]
أَبا غانِمٍ أَمَا ذُراكَ فَواسِعٌ
وَمَا يَنْفَعُ الْمَقْبُورَ عُمْرانُ قَبْرِهِ
وَقَبْرُكَ مَعْمُورُ الْجَوانِبِ مُحْكَمُ
إِذا كانَ فِيهِ جِسْمُهُ يَتَهَدَّمُ
وقالَ ابنُ السماكِ : مررتُ بالمقابرِ ؛ فإذا على قبرٍ مكتوبٌ(٣): [من الوافر]
كَأَنَّ أَقَارِبِي لَمْ يَعْرِفُونِي
وَمَا يَأْلُونَ أَنْ جَحَدُوا دُيُونِي
فَيا اللهِ أَسْرَعَ مَا نَسُونِي
يَمُرُّ أَقَارِبِي جَنَبَاتٍ قَبْرِي
ذَوُو الْمِيراثِ يَقْتَسِمُونَ مالِي
وَقَدْ أَخَذُوا سِهامَهُمُ وَعاشُوا
وَوُجدَ على قبرٍ مكتوبً(٤) :
[من البسيط]
لا يَمِنَعُ الْمَوْتَ بَوَّابٌ وَلا حَرَسُ
إِنَّ الْحَبيبَ مِنَ الأَحْبابِ مُخْتَلَسٌ
(١) أوردها الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (٩١٤).
(٢)
البيتان لأبي العتاهية في ((ديوانه)) ( ص ٦٣٥ ).
(٣) ذكرها ابن أبي الدنيا في ((القبور)). ((إتحاف)) (٣٥٦/١٠).
ذكرها ابن أبي الدنيا في ((القبور)). ((إتحاف)) (٣٥٦/١٠ - ٣٥٧).
(٤)
٤٤٩

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
فَكَيْفَ تَفْرَحُ بِالدُّنْيَا وَلَذَّتِها يا مَنْ يُعَدُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وَالنَّفَسُ
أَصْبَحْتَ يا غَافِلاَ فِي النَّقْصِ مُنْغَمِساً
لا يَرْحَمُ الْمَوْتُ ذَا جَهْلٍ لِغِرَّتِهِ
كَمْ أَخْرَسَ الْمَوْتُ فِي قَبْرٍ وَقَفْتَ بِهِ
قَدْ كَانَ قَصْرُكَ مَعْمُوراً لَهُ شَرَفٌ
ووُجدَ على قبرٍ مكتوباً :
فَأَضْحَوْا رَمِيماً فِي أَلَثُرَابٍ وَعُطّلَتْ
وحَلُّوا بِدارٍ لا تَزاوُرَ بَيْنَهُمْ
فَمَا إِنْ تَرَى أَجْداثَهُمْ قَدْ تَوَوْا بِها
فَهُمْ فِي بُطُونِ الأَرْضِ بَعْدَ نُهُورِها
ووُجدَ على قبرٍ آخرَ مكتوباً(١):
وَقَفْتُ عَلَى الأَحِبَّةِ حِينَ صُفَّتْ
فَلَمَّا أَنْ بَكَيْتُ وَفاضَ دَمْعِي
ووُجدَ على قبرِ طبيبٍ مكتوباً(٢):
وَأَنْتَ دَهْرَكَ فِي اللَّذاتِ مُنْغَمِسُ
وَلَا الَّذِي كَانَ مِنْهُ أَلْعِلْمُ يُقْتَبَسُ
عَنِ أَلْجَوابِ لِساناً ما بِهِ خَرَسُ
فَقَبْرُكَ الْيَوْمَ في الْأَجْداثِ مُنْدَرِسُ
[من الطويل]
مَجالِسُ مِنْهُمْ أَقْفَرَتْ وَمَقَاصِرُ
وَكَيْفَ لِسُكّانِ الْقُبُورِ تَزاوُرُ
مُشَخَطَةٌ تَسْفِي عَلَيْها أَلأَّ عاصِرُ
مَحاسِنُهُمْ فِيها بَوالٍ دَوائِرُ
[من الوافر ]
قُبُورُهُمُ كَأَفْراسِ الرِّهانِ
رَأَتْ عَيْنَايَ بَيْنَهُمُ مَكانِي
[من السريع]
قَدْ قُلْتُ لَمَّا قالَ لي قائِلٌ قَدْ صارَ بُقْراطُ إِلىْ رَمْسِهِ
(١) ذكرها الحافظ عبد الحق الإشبيلي في ((العاقبة في ذكر الموت)) (ص٢٠٥).
(٢) الأبيات لمحمود الوراق في (( ديوانه)) ( ص ١٣٦)، والخبر أورده ابن أبي الدنيا في
((القبور)). ((إتحاف)) (٣٥٧/١٠).
٤٥٠

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
فَأَیْنَ ما يُوصَفُ مِنْ طِبِّهِ
هَيْهِاتَ لا يَدْفَعُ عَنْ غَيْرِهِ
ووُجدَ على قبرٍ آخرَ مكتوباً(١) :
يا أَيُّهَا النَّاسُ كانَ لِي أَمَلٌ
فَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ رَجُلٌ
ما أَنَا وَحْدِي نُقِلْتُ حَيْثُ تَرَی
وَحَذْقِهِ فِي الْماءِ مَعَ جَسِّهِ
مَنْ كانَ لا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ
[من المسرح]
قَصَّرَ بِي عَنْ بُلُوِهِ الأَجَلُ
أَمْكَنَهُ فِي حَياتِهِ الْعَمَلُ
كُلٌّ إِلَى مِثْلِهِ سَيَنْتَقِلُ
فهذهِ أبياتٌ كُتَبَتْ على القبورِ ؛ لتقصيرِ سكّانِها عنِ الاعتبارِ قبلَ
الموتِ ، والبصيرُ : هوَ الذي ينظرُ إلى قبرِ غيرِهِ فيرى مكانَهُ بينَ أظهرِهم ،
فيستعدُّ للحوقِ بِهِمْ، ويعلمُ أنَّهم لا يبرحونَ مِنْ مكانِهِم ما لمْ يلحقْ بِهِمْ ،
وليتحقَّقْ أنَّهُ لوْ عُرضَ عليهِمْ يومٌ واحدٌ مِنْ أيامِ عمرِهِ الذي هوَ مضيِّعٌ لهُ ..
لكانَ ذلكَ أحبَّ إليهِمْ مِنَ الدنيا بحذافيرِها؛ لأنَّهُمْ عرفوا قدرَ الأعمارِ(٢)،
وانكشفَتْ لهُمْ حقائقُ الأمورِ ، فإنَّما حسرتُهُم على يومٍ مِنَ العمرِ ؛ ليتداركَ
المقصِّرُ بهِ تقصيرَهُ فيتخلَّصَ مِنَ العقابِ ، وليستزيدَ الموفَّقُ بهِ رتبتَهُ
فيتضاعفَ لهُ الثوابُ ؛ فإنَّهُمْ إِنَّما عرفوا قدرَ العمرِ بعدَ انقطاعِهِ ، فحسرتُهُم
على ساعةٍ مِنَ الحياةِ وأنتَ قادرٌ على تلكَ الساعةِ ، ولعلكَ تقدرُ على
(١) انظر ((بهجة المجالس)) (١٥٤/١) والخبر حكاه الحافظ عبد الحق الإشبيلي في
(( العاقبة في ذكر الموت)) (ص٢٠٥). وانظر ((وفيات الأعيان)) (١٧٣/٥).
(٢) في النسخ: (الأعمال) بدل (الأعمار) ، والمثبت من (ق) .
٤٥١

كتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
٠٠.
....-*
أمثالِها ، ثمَّ أنتَ مضيِّعٌ لها ، فوطُّنْ نفسَكَ على التحسُّرِ على تضييعِها عندَ
خروجِ الأمرِ مِن الاختيارِ إنْ لمْ تأخذْ نصيبَكَ مِنْ ساعتِكَ على سبيلِ
الابتدار ، فقدْ قالَ بعضُ الصالحينَ : رأيتُ أخاً لي في اللهِ فيما يرى النائمُ ،
فقلتُ : يا فلانُ ؛ عشتَ؟ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، قالَ: لأَنْ أقدرَ على
أَنْ أقولَها - يعني : الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ - أحبُّ إليَّ مِنَ الدنيا وما فيها ،
ثمَّ قال: ألمْ ترَ حيثُ كانوا يدفنوني؟! فإنَّ فلاناً قدْ قامَ فصلَّى ركعتينٍ ؛ لأَنْ
أكونَ أقدرُ علىْ أَنْ أصليَهُما .. أحبُّ إليَّ مِنَ الدنيا وما فيها(١).
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٧١/٤)، والبيهقي في ((الشعب)) (٨٨٦٥)، وابن
أبي شيبة في (( المصنف)) ( ٣٦٥٧٣).
٤٥٢
،،

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
بيان أقاويلهم عند موت الولد
حقٌّ على مَنْ ماتَ ولدُهُ أوْ قريبٌ مِنْ أقاربِهِ أنْ ينزلَهُ في تقدُّمِهِ عليهِ في
الموتِ منزلةً ما لوْ كانا في سفرٍ فسبقَهُ ولَدُهُ إلى البلدِ الذي هوَ مستقرُّهُ
ووطنُهُ ؛ فإنَّهُ لا يعظمُ عليهِ تأسُّفُهُ، لعلمِهِ أنَّهُ لاحقٌ بهِ على القربِ وليسَ
بينَهُما إلاَّ تقدُّمٌ وتأخُرٌ ، وهكذا الموتُ ؛ فإنَّ معناهُ السَّبقُ إلى الوطنِ إلى أنْ
يلحقَ المتأخِّرُ ، وإذا اعتقدَ هذا .. قلَّ جزعُهُ وحزنُهُ ، لا سيَّما وقدْ وردَ في
موتِ الولدِ مِنَ الثوابِ ما يُعزَّى بهِ كلُّ مصابٍ .
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لأَنْ أقدمَ سقطاً .. أحبُّ إليَّ مِنْ
أن أخلِّفَ مئةَ فارس كلُّهم يقاتلُ في سبيلِ اللهِ))(١) وإنَّما ذكرَ السقطَ تنبيهاً
ے
بالأدنى على الأعلى، وإلاَّ .. فالثَّوابُ على قدرِ محلِّ الولدِ مِنَ القلبِ .
وقالَ زيدُ بنُ أسلمَ : ( تُوفيَ ابنٌ لداوودَ عليهِ السَّلامُ ، فحزنَ عليهِ حزناً
شديداً ، فقيلَ لهُ: ما كانَ عدلُهُ عندَكَ؟ قالَ : ملءُ الأرضِ ذهباً ، قيلَ لهُ :
فإنَّ لكَ مِنَ الأجرِ في الآخرةِ مثلَ ذلكَ)(٢).
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((لا يموتُ لأحدٍ مِنَ المسلمينَ
ثلاثةٌ مِنَ الولدِ فيحتسبُهُم إلاَّ كانوا لهُ جُنَّةً مِنَ النَّارِ)) فقالتِ امرأةٌ عندَ
(١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٩٣٠٢) مرسلاً، وابن ماجه ( ١٦٠٧ ).
(٢) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٢٠١٤١)، والبيهقي في ((الشعب)) (٩٣٠٨).
٤٥٣

-٠
كتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: أوِ اثنانِ؟ قالَ: ((أوِ اثنانٍ))(١) .
ولْيخلصِ الوالدُ الدُّعاءَ لولدِهِ عندَ الموتِ ؛ فإنَّهُ أرجى دعاءٍ وأقربُهُ إلى
الإجابةِ .
وقفَ محمَّدُ بنُ سليمانَ على قبرِ ولدِهِ فقال : اللهمَّ ؛ إنِّي أصبحتُ
أرجوكَ لهُ، وأخافُكَ عليهِ ، فحقُّقْ رجائي وآمنْ خوفي (٢).
ووقفَ أبو سنانٍ على قبرِ ابنِهِ فقالَ : اللهمَّ ؛ إنِّي قدْ غفرتُ لهُ ما وجبَ
لي عليهِ ، فاغفرْ لهُ ما وجبَ لكَ عليهِ ؛ فإنَّكَ أجودُ وأكرمُ (٣).
ووقفَ أعرابيٌّ على قبرِ ابنِهِ فقال : اللهمَّ ؛ إنِّي قدْ وهبتُ لهُ ما قصَّرَ فيه
مِنْ برِّي ، فهبْ له ما قصَّرَ فيهِ مِنْ طاعتِكَ (٤) .
ولمَّا ماتَ ذرُّ بنُ عمرَ بنِ ذرٍّ .. قامَ أبوه عمرُ بنُ ذرٍّ بعدَ ما وُضعَ في
لحدِهِ فقالَ : يا ذرُّ؛ لقدْ شغلَنَا الحزنُ لكَ عَنِ الحزنِ عليكَ ، فليتَ
شعري! ماذا قلتَ وماذا قيلَ لكَ؟! ثمَّ قالَ : اللهمَّ؛ إنَّ هذا ذرٍّ متَّعتَنَي به
ما متَّعتَنَي ، ووفيتَهُ أجلَهُ ورزقَهُ ولم تظلِمْهُ ، اللهمَّ ؛ وقدْ كنتَ ألزمتَهُ
طاعتَكَ وطاعتِي ، اللهمَّ ؛ وما وعدتني عليهِ مِنَ الأجرِ في مصيبتي .. فقدْ
(١) رواه البخاري (١٢٥٠)، ومسلم (٢٦٣٤).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((القبور)). ((إتحاف)) (٣٥٩/١٠).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((القبور)). ((إتحاف)) (٣٦٠/١٠).
(٤) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (٢٣٣٢)، والبيهقي في (( الشعب))
( ٩٧٠٣ ) .
٤٥٤

ربع المنجيات
کتاب ذكر الموت
وهبتُ لهُ ذلكَ ، فهبْ لي عذابَهُ ولا تعذّبْهُ ، فأبكى الناسَ ، ثمَّ قالَ عندَ
انصرافِهِ : ما علينا بعدَكَ مِنْ خصاصةٍ يا ذرُّ، وما بنا إلى إنسانٍ معَ اللهِ
حاجةٌ؛ فلقدْ مضينا وتركناكَ ، ولو أقمنا .. ما نفعناكَ(١) .
ونظرَ رجلٌ إلى امرأةٍ بالبصرةِ فقالَ : ما رأيتُ مثلَ هذهِ النضارةِ ،
وما ذاك إلاَّ مِنْ قلَّةِ الحزنِ ، فقالَتْ : يا عبدَ اللهِ ؛ إنِّي لفي حزنٍ ما يشركُني
فيهِ أحدٌ ، قالَ : وكيفَ ؟! قالَتْ: إنَّ زوجي ذبحَ شاةً في يوم الأضحى ،
وكانَ لي صبيَّانِ مليحانِ يلعبانِ، فقالَ أكبرُهُما للآخَرِ : أتريدُ أنْ أريَكَ كيفَ
ذبحَ أبي الشاةَ؟ قالَ: نعمْ، فأخذَهُ وذبحَهُ ، فما شعرنا بهِ إلاَّ متشخّطاً في
دِمِهِ، فلمَّا ارتفعَ الصُّراغُ .. هربَ الْغلامُ فلجأَ إلى جبلٍ ، فرهقَهُ ذئبٌ
فأكلَهُ ، وخرجَ أبوه يطلبُهُ فماتَ عطشاً مِنْ شدَّةِ الحرِّ، قالَتْ : فأفردَني
الدهرُ كما ترى (٢).
فأمثالُ هذهِ المصائبِ ينبغي أنْ تُذكرَ عندَ موتِ الأولادِ ليُسلَّى بها عَنْ
شدةِ الجزع ، فما مِنْ مصيبةٍ إلَّ ويُتصورُ ما هو أعظمُ منها ، وما يدفعُهُ اللهُ
تعالى في كلِّ حالٍ .. فهوَ الأكثرُ .
(١) حكاه الحافظ عبد الحق الإشبيلي في ((العاقبة في ذكر الموت)) (ص ١٥٥ ) ، وأبو نعيم
في (( الحلية)) (١٠٨/٥) بنحوه .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((العزاء)). ((إتحاف)) (٣٦٠/١٠).
٤٥٥

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
بيان زيارة القبور والدعاء للمتّت وما تعلق به
زيارةُ القبور مستحبّةٌ على الجملةِ للتذكرِ والاعتبارِ ، وزيارةُ قبورِ
الصالحينَ مستحبةٌ لأجلِ التبرُّكِ معَ الاعتبارِ .
وقدْ كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ نهى عنْ زيارةِ القبورِ ثمَّ أذنَ في
ذلك بعدُ ؛ فقدْ رُويَ عنْ عليٍّ رضِيَ اللهُ عنهُ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ أَنَّهُ قالَ : (( كنتُ نهيتُكُم عنْ زيارةِ القبورِ ، فزوروها ؛ فإنَّها تذكِّرُكمُ
الآخرةَ، غيرَ ألاَّ تقولوا هُجْراً))(١).
وزارَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قبرَ أمِّهِ في ألفِ مقنع ، فلمْ يُر باكياً
أكثرَ مِنْ يومِئذٍ، وفي هذا اليوم قالَ: (( أَذْنَ لي في الزيارةِ دونَ
الاستغفارِ)) (٢) كما روينا مِنْ قبلُ.
وقالَ ابنُ أبي مليكةَ : أقبلَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها يوماً مِنَ المقابرِ ،
فقلتُ : يا أمَّ المؤمنينَ ؛ مِنْ أينَ أقبلتِ ؟ قالَتْ : ( مِنْ قبرِ أخي عبدٍ
الرَّحمنِ ) فقلتُ : أليسَ كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ نهى عنها ؟!
قالَتْ : ( نعم ثمَّ أمرَ بها)(٣).
(١) رواه مسلم (٩٧٧) من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه ، والنسائي
(٨٩/٤)، والهجر : القول الفاحش الذي ينافي مقام التذكر والعبرة عند الزيارة .
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٥٥/٥)، وهو عند مسلم (٩٧٦ ) بنحوه .
(٣) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٧٨/٤)، والحاكم في المستدرك)» (٣٧٥/١).
٤٥٦

ربع المنجيات
کتاب ذكر الموت
ولا ينبغي أن يُتمسكَ بهذا فيُؤذنَ للنساءِ في الخروجِ إلى المقابرِ ؛ فإنَّهنَّ
يكثرْنَ الهُجْرَ على رؤوسِ المقابرِ ، فلا يفي خيرُ زيارتِهِنَّ بشرِّها ،
ولا يخلونَ في الطريقِ عنْ تكثُّفٍ وتبرُّجِ ، وهذهِ عظائمُ والزيارةُ سنةٌ ،
مے
فكيفَ يُحتملُ ذلكَ لأجلِها ؟!
نعمْ ، لا بأسَ بخروج المرأةِ في ثيابٍ بذلةٍ تردُّ أعينَ الرجالِ عنْها ،
وذلكَ بشرطِ الاقتصارِ على الدعاءِ ، وتركِ الحديثِ على رأسِ القبرِ .
وقالَ أبو ذرٍّ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((زُرِ القبورَ ..
تذكرْ بها الآخرةَ ، واغسل الموتى ؛ فإنَّ معالجةَ جسدٍ خاوٍ موعظةٌ بليغةٌ ،
وصلّ على الجنائزِ لعلَّ ذلكَ أنْ يحزنَكَ ؛ فإنَّ الحزينَ في ظلِّ اللهِ
تعالى)) (١) .
وقالَ ابنُ أبي مليكةً: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((زوروا
موتاكم وسلِّموا عليهم وصلُّوا عليهم ؛ فإنَّ لكمْ فيهمْ عبرةً ))(٢).
وعنْ نافع: أنَّ ابنَ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ كانَ لا يمرُّ بقبرٍ واحدٍ إلاَّ وقفَ
عليهِ وسلَّم عليهِ(٣).
وعنْ جعفرِ بنِ محمدٍ عنْ أبيهِ : أنَّ فاطمةَ بنتَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
(١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣٧٧/١)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ٨٨٥١).
(٢) رواه الديلمي في ((الفردوس)) (٣٣٤١) مرفوعاً من حديث عائشة رضي الله عنها .
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٩٥/٢)، وابن أبي شيبة في ((المصنف))
(١١٩٠٨ ) .
٤٥٧

كتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
كانَتْ تزورُ قبرَ عمِّها حمزةَ في الأيام ، فتصلي وتبكي عندَهُ(١).
وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ زارَ قبرَ أبويهِ أوْ أحدِهما في كلِّ
جمعةٍ .. غُفرَ لهُ وكُتبَ بَرّاً))(٢).
وعنِ ابنِ سيرينَ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ الرجلَ
ليموتُ والداهُ وهوَ عاقٌّ لهما ، فيدعو اللهَ لهما مِنْ بعدٍ موتِهِما، فيكتبُهُ اللهُ
تعالىُ مِنَ البارِّينَ))(٣).
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ زارَ قبري .. فقدْ وجَبَتْ لهُ
شفاعتي ))(٤) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ زارَني بالمدينةِ محتسباً .. كنتُ لهُ
شفيعاً وشهيداً يومَ القيامةِ))(٥).
وقالَ كعبُ الأحبارِ : ( مَا مِنْ فجرٍ يطلعُ إلَّ نزلَ سبعونَ ألفاً مِنَ الملائكةِ
حتى يحفوا بالقبرِ(٦)، يضربونَ بأجنحتِهِمْ ويصلُّونَ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ
(١) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٧٨/٤)، والحاكم في (( المستدرك))
(٣٧٦/١ ) .
(٢) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٦١١٠) مرفوعاً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ،
والبيهقي في ((الشعب)) (٧٥٢٢) معضلاً من حديث محمد بن النعمان .
(٣) رواه البيهقي في (( الشعب)) ( ٧٥٢٣).
(٤) رواه الدارقطني (٢٧٨/٢)، والبيهقي في ((الشعب)) (٣٨٦٢).
(٥) رواه البيهقي في (( الشعب)) (٣٨٥٩).
(٦) أي: بقبره صلى الله عليه وسلم. ((إتحاف)) (٣٦٤/١٠).
٤٥٨

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
وسلَّمَ ، حتى إذا أمسوا .. عرجوا وهبطَ مثلُهم فصنعوا مثلَ ذلكَ، حتى إذا
انشقَّتِ الأرضُ .. خرجَ في سبعينَ ألفاً مِنَ الملائكةِ يوفِّرُونَةً)(١) .
والمستحبُّ في زيارة القبورِ أنْ يقفَ مستدبرَ القبلةِ مستقبلاً لوجهِ
الميتِ ، وأن يسلِّمَ ولا يمسحَ القبرَ ولا يقبّلَهُ ولا يمسَّهُ ؛ فإنَّ ذلكَ مِنْ عادةِ
النصارى .
قالَ نافعٌ : كانَ ابنُ عمرَ - رأيتُهُ مئةَ مرةٍ أو أكثرَ - يجيءُ إلى القبرِ فيقولُ :
( السَّلامُ على النبيِّ ، السَّلامُ على أبي بكرٍ ، السَّلامُ على أبي )
وينصرفُ(٢) .
وعنْ أبي أمامةَ قالَ : ( رأيتُ أنسَ بنَ مالكِ أتى قبرَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ فوقفَ ، فرفعَ يديهِ حتى ظننتُ أنَّهُ افتتحَ الصلاةَ ، فسلّمَ على النبيِّ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ثمَّ انصرفَ)(٣).
وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
(( ما مِنْ رجلٍ يزورُ قبرَ أخيهِ ويجلسُ عندَهُ إلَّ استأنسَ بهِ وردَّ عليهِ حتى
يقومَ))(٤).
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٩٠/٥).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١١٩١٥).
(٣) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٣٨٦٧).
(٤) رواه ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (١٨٥٨) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما،
وحكاه الحافظ عبد الحق الإشبيلي في (( العاقبة في ذكر الموت)) ( ص٢١١) .
٤٥٩

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
وقالَ سليمانُ بنُ سحيم : رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في
النَّوم ، فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ؛ هؤلاءِ الذينَ يأتونَكَ ويسلِّمونَ عليكَ أتفقهُ
سلامَهُم؟ قالَ: ((نعمْ، وأردُ عليهِمْ))(١) .
وقالَ أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ: ( إذا مرَّ الرجلُ بقبرِ الرجلِ يعرفُهُ فسلَّمَ
عليهِ .. ردَّ عليهِ السَّلامَ وعرفَهُ، وإذا مرَّ بقبرٍ لا يعرفُهُ فسلَّمَ عليهِ .. ردَّ عليهِ
السَّلامَ)(٢).
وقالَ رجلٌ مِنْ آلِ عاصمِ الجحدريِّ : رأيتُ عاصماً في منامي بعدَ موتِهِ
بسنتينٍ ، فقلتُ : أليسَ قَدْ مِثَّ؟ قالَ : بلى ، قلتُ : فأينَ أنتَ ؟ فقالَ : أنا
واللهِ في روضةٍ مِنْ رياضِ الجنَّةِ أنا ونفرٌ مِنْ أصحابي ، نجتمعُ كلَّ ليلةٍ جمعةٍ
وصبيحتِها إلى أبي بكرِ بنِ عبدِ اللهِ المزنيِّ ، فنتلاقى أخبارَكم ، قلتُ :
أجسامُكُم أمْ أرواحُكُم ؟ قالَ : هيهاتَ ! بليَتِ الأجسامُ، وإنَّما تتلاقى
الأرواحُ ، قالَ : قلتُ : فهلْ تعلمونَ بزيارتِنا إيَّاكم ؟ قالَ : نعمْ، نعلمُ بها
عشيّةَ الجمعةِ، ويومَ الجمعةِ كلّهُ ، ويومَ السبتِ إلى طلوع الشمسِ ، قلتُ :
وكيفَ ذلكَ دونَ الأيام كلُّها ؟ قالَ : لفضلٍ يوم الجمعةِ وعظمِهِ (٣).
(١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٣٨٦٨)، وعند أبي داوود (٢٠٤١) من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه: (( ما من أحد يسلم عليّ إلا ردّ الله عليَّ روحي حتى أرد عليه
السلام)) .
(٢) رواه البيهقي في (( الشعب)) ( ٨٨٥٧).
(٣) رواه البيهقي في (( الشعب)) (٨٨٦١)، وفي ( ب): ( بسنين ) بدل ( بسنتين ) وهي
نسخة أشار إليها الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (١٠/ ٣٦٧).
٤٦٠