النص المفهرس

صفحات 421-440

ربع المنجيات
کتاب ذكر الموت
شيئاً ، فبلغَ ذلكَ أبا حازمٍ فقالَ : الحمدُ للهِ الذي جعلَهم إذا حضرَهُمُ الموتُ
يتمنَّونَ ما نحنُ فيهِ ، وإذا حضرَنا الموتُ لمْ نتمنَّ ما هم فيهِ (١) .
وقيلَ لعبدِ الملكِ بنِ مروانَ في مرضِهِ الذي ماتَ فيهِ : كيفَ تجدُّكَ
يا أميرَ المؤمنينَ؟ قالَ: أجدُني كما قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَى كَمَا
خَلَفْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَرَّكْتُم ◌َّا خَوَّلْنَكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ ... ) الآيةَ(٢)، وماتَ.
وقالَتْ فاطمةُ بنتُ عبدِ الملكِ بنِ مروانَ امرأةُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ رحمةُ اللهِ
عليهِ : كنتُ أسمعُ عمرٌّ في مرضِهِ الذي ماتَ فيهِ يقولُ : اللهمَّ ؛ أخفِ عليهِم
موتي ولو ساعةً مِنْ نهارٍ ، فلمَّا كانَ اليومُ الذي قُبضَ فيهِ . . خرجتُ مِنْ عنِدِهِ ،
فجلستُ في بيتٍ آخرَ بيني وبينَهُ بابٌ، وهوَ في قبةِ لهُ، فسمعتُهُ يقولُ: ﴿تِلْكَ
الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ عُوًّا فِى الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ﴾، ثمَّ
هداً ، فجعلتُ لا أسمعُ لهُ حركةٌ ولا كلاماً ، فقلتُ لوصيفٍ لهُ : انظرْ أنائمٌ
هوَ؟ فلمَّا دخلَ .. صاحَ ، فوثبتُ ؛ فإذا هوَ ميتٌ(٣).
وقيلَ لهُ لمَّا حضرَهُ الموتُ : اعهدْ يا أميرَ المؤمنينَ ، قالَ : أحذِّرُكم
مثلَ مصرعي هذا؛ فإنَّهُ لا بدَّ لكم منهُ(٤) .
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) (٧٥)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
(١٥٨/٣٧) .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) (٧٨)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
( ١٥٦/٣٧) .
(٣) رواه أبو نعيم فى ((الحلية)) (٣٣٥/٥)، وابن المبارك في ((الزهد)) (٨٨٧).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) (٨٧).
٤٢١

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
ورُويَ أنَّهُ لما ثقلَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ .. دُعيَ لهُ طبيبٌ، فلمَّا نظرَ
إليهِ .. قالَ : أرى الرجلَ قدْ سُقيَ السمَّ، ولاَ آمنُ عليهِ الموتَ ، فرفعَ عمرُ
بصرَهُ إليهِ وقالَ : ولا تأمنُ الموتَ أيضاً على مَنْ لمْ يُسقَ السمّ ، قالَ
الطبيبُ : هل أحسستَ بذلكَ يا أميرَ المؤمنينَ ؟ قالَ : نعمْ ، قدْ عرفتُ ذلكَ
حينَ وقعَ في بطني ، قالَ : فتعالجْ يا أميرَ المؤمنينَ ؛ فإنِّي أخافُ أنْ تذهبَ
نفسُكَ، قالَ : ربي خيرُ مذهوبٍ إليهِ ، واللهِ ؛ لوْ علمتُ أنَّ شفائي عندَ
شحمةِ أذني .. ما رفعتُ يدي إلى أذني فتناولتُهُ، اللهمَّ ؛ خِرْ لعمرَ في
لقائِكَ ، فلمْ يلبثْ إلاَّ أياماً حتى ماتَ(١).
وقيلَ: لمَّا حضرَتْهُ الوفاةُ بكى، فقيلَ لهُ : ما يبكيكَ يا أميرَ المؤمنينَ ؟!
أبشرْ؛ فقدْ أحيا اللهُ بكَ سنناً ، وأظهرَ بكَ عدلاً، فبكى ثمَّ قالَ : أليسَ
أُوقفُ فأُسألُ عَنْ أمرِ هذا الخلقِ ، فواللهِ ؛ لوْ عدلتُ فيهم .. لخفتُ على
نفسي ألَّ تقومَ بحجتِها بينَ يدي اللهِ تعالى إلاَّ أنْ يلقِّنَها اللهُ حجَّتَها ، فكيفَ
بكثيرٍ ممَّا ضيَّعنا ؟! وفاضَتْ عيناهُ، فلمْ يلبثْ إلَّ يسيراً حتى ماتَ(٢).
ولمَّا قربَ وقتُ موتِهِ .. قالَ : أجلسوني ، فأجلسوهُ، فقالَ : أنا الذي
أمرتَنَي فقصَّرتُ ، ونهيتَي فعصَيتُ - ثلاثَ مراتٍ - ولكنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ، ثمّ
رفع رأسَهُ فأحدَّ النظرَ، فقيلَ لهُ في ذلكَ فقالَ: إنِّي لأرى حضرةً(٣) ما هم
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) ( ٨٨).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) (٨٩).
(٣) فى (أ، ن، ف): ( خضرة) بدل ( حضرة) .
٤٢٢

ربع المنجيات
کتاب ذكر الموت
بإنسٍ ولا جنٍّ، ثمَّ قُبضَ رحمةُ اللهِ عليهِ(١).
وحُكِيَ عنْ هارون الرشيدِ أنَّهُ انتقى أكفانَهُ عندَ الموتِ بيدِهِ ، وكانَ ينظرُ
إليها ويقولُ: ﴿ مَآ أَغْنَى عَنّ مَالِيَهِ ﴿٤﴾َ هَّلَكَ عَنِى سُلْطَانِيَهْ﴾.
وفرشَ المأمونُ رماداً واضطجعَ عليهِ وكانَ يقولُ : يا مَنْ لا يزولُ ملكُهُ ؛
ارحمْ مَنْ قَدْ زالَ ملكُهُ(٢) .
وكانَ المعتصمُ يقولُ عندَ موتِهِ : لوْ علمتُ أنَّ عمري هكذا قصيرٌ ..
ما فعلتُ ما فعلتُ(٣).
وكانَ المنتصرُ يضطربُ على نفسِهِ عندَ موتِهِ ، فقيلَ لهُ : لا بأسَ عليكَ
يا أميرَ المؤمنينَ، فقالَ: ليسَ إلاَّ هذا، لقدْ ذهبَتِ الدنيا وأقبلتِ
الآخرةُ (٤).
وقالَ عمرُو بن العاصِ في الوفاةِ - وقد نظرَ إلى صناديقَ - لبنيهِ : مَنْ
يأخذُها بما فيها ؟ ليتَهُ كانَ بعرا(٥) .
وقالَ الحجاجُ عندَ موتِهِ : اللهمَّ اغفرْ لي ؛ فإنَّ النَّاسَ يقولونَ : إِنَّكَ
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٣٥/٥)، وابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) (٩٠).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) (١١٧) عن بعض الملوك، وفي (أ):
( وحكي عن الواثق أنه فرش ) بدل ( وفرش المأمون ) .
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) (٩٩).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) (١٠٠).
(٥) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٤٥٣/٣)، وابن أبي الدنيا في ((المحتضرين))
( ١٠٦ ) .
٤٢٣

کتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
لا تغفرُ لي، فكانَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ تعجبُهُ هذهِ الكلمةُ منهُ ويغبطُهُ
عليها ، ولمَّا حُكَيَ ذلكَ للحسنِ قالَ : أقالَها ؟ قيلَ : نعمْ، قالَ :
عسى (١).
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤٥/٥)، وابن أبي الدنيا في ((حسن الظن))
( ١١٥ ) .
٤٢٤
ف

ربع المنجيات
كتاب ذكر الموت
بيان أقاويل جماعةٍ من خصوص الصّالحين
من الصحابة والتابعين ومَن بعد م من أهل التّصوّف
رضي الله عنهم أجمعين
لما حضرَتْ معاذاً رضيَ اللهُ عنهُ الوفاةُ .. قالَ: ( اللهمَّ ؛ إنِّي قد كنتُ
أخافُكَ، وأنا اليومَ أرجوكَ ، اللهمَّ ؛ إنَّكَ تعلمُ أنِّي لمْ أكن أحبُّ الدنيا
وطولَ البقاءِ فيها لجريِ الأنهارِ ولا لغرسِ الأشجارِ ، ولكنْ لظمأ الهواجرِ
ومكابدةِ الساعاتِ ، ومزاحمةِ العلماءِ بالركبِ عندَ حلقِ الذكرٍ)(١) .
ولمَّا اشتدَّ بهِ النزعُ، ونزعَ نزعاً لم ينزعْهُ أحدٌ .. فكانَ كلَّما أفاقَ مِنْ
غمرةٍ فتحَ طرفَهُ ثمَّ قالَ : (ربِّ اختقْني خنقَكَ، فوعزَّتِكَ؛ إنَّكَ لتعلمُ أنَّ
قلبي يحبُّكَ)(٢).
ولمَّا حضرَتْ سلمانَ الوفاةُ . . بكىُ ، فقيلَ لهُ : ما يبكيكَ ؟ قالَ : ( ما
أبكي جزءاً على الدنيا ، ولكنْ عهدَ إلينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنْ
تكونَ بلغةُ أُحدِنا مِنَ الدنيا كزادِ الزَّاكبِ ، فلمَّا ماتَ سلمانُ .. نُظرَ في جميعِ
(١) رواه أحمد في ((الزهد)) (١٠١١)، وأبو نعيم في الحلية)) (٢٣٩/١)، وابن
أبي الدنيا في ((المحتضرين)) (١٢٧)، وفيه: ( لكري الأنهار ) بدل ( لجري الأنهار )
وهي نسخة أشار إليها الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٣٢٨/١٠) .
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٤٠/١)، وابن أبي الدنيا في ((المحتضرين))
( ١٢٨ ) .
٤٢٥

کتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
ما تركَ؛ فإذا قيمتُهُ بضعةَ عشرَ درهماً )(١) .
ولمّا حضرَتْ بلالاً الوفاةُ .. قالَتْ امرأتُهُ: واحزناهُ ! فقالَ: ( بلْ وا
طربَاهُ ، غداً نلقى الأحبَّةَ؛ محمداً وحزبَهُ)(٢) .
وقيلَ : فتحَ عبدُ اللهِ بنُ المباركِ عِينَهُ عندَ الوفاةِ وضحكَ وقالَ: ﴿لِمِثْلِ
هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَمِلُونَ﴾(٣).
ولمَّا حضرَتْ إبراهيمَ النخعيَّ الوفاةُ .. بكى، فقيلَ لهُ : ما يبكيكَ ؟
قالَ : أنتظرُ مِنَ اللهِ رسولاً يبشرُّني بالجنَّةِ أوِ بالنَّارِ (٤).
ولمّا حضرَتِ ابنَ المنكدرِ الوفاةُ بكىُ ، فقيلَ لهُ : ما يبكيكَ ؟ فقالَ :
واللهِ ؛ ما أبكي لذنبٍ أعلمُ أنِّي أتيتُهُ، ولكنْ أخافُ أنِّي أتيتُ شيئاً حسبتُهُ
هيّاً وهوَ عندَ اللهِ عظيمٌ(٥) .
ولمَّا حضرَتْ عامرَ بنَ عبدٍ قيسٍ الوفاةُ .. بكى ، فقيلَ لهُ : ما يبكيكَ ؟
قالَ : ما أبكي جزءاً مِنَ الموتِ ، ولا حرصاً على الدنيا ، ولكِنْ أبكي على
ما يفوتني مِنْ ظمأ الهواجرِ ، وعلى قيامِ الليلِ في الشتاءِ(٦).
(١) رواه أحمد في (( المسند)) (٤٣٨/٥)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٩٦/١)،
والبيهقي في (( الشعب )) ( ٩٩١٢) .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في (( المحتضرين)) (٢٩٤)، والقشيري في ((الرسالة)) (ص٥٠١).
(٣) رواه القشيري في ((الرسالة)) (ص٥٠١).
(٤) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢٤/٤)، وابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) (١٤٨).
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) (٢٣٥)، والبيهقي في (( الشعب)) (٢٨٤) .
(٦) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٨٨/٢)، والبيهقي في ((الشعب)) (٣٦٤٨).
٤٢٦
٢ ٧٩٤٥٣- ٠٦٨٣٠

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
ولمَّا حضرَتْ فضيلاً الوفاةُ .. غُشِيَ عليهِ، ثمَّ فتحَ عينيهِ وقالَ: وا بُعدَ
سفري ! واقلةَ زادي !(١) .
ولمَّا حضرَتِ ابنَ المباركِ الوفاةُ .. قالَ لنصرِ مولاهُ : اجعلْ رأسي على
الترابِ ، فبكىُ نصرٌ ، فقالَ لهُ : ما يبكيكَ ؟ قالَ : ذكرتُ ما كنتَ فيهِ مِنَ
النعيمِ ، وأنتَ هوَ ذا تموتُ فقيراً غريباً ، قالَ : اسكتْ ؛ فإني سألتُ اللهَ
تعالى أنْ يحييَني حياةَ الأغنياءِ ، وأنْ يميتَي موتَ الفقراءِ ، ثمّ قالَ لهُ :
لقّنِّي ، ولا تعدْ عليَّ ما لم أتكلمْ بكلامٍ ثانٍ(٢).
وقالَ عطاءُ بنُ يسارِ : تبدَّى إبليسُ لرجلِ عندَ الموتِ فقالَ لهُ :
نجوتَ، فقالَ: مَا أمنتُكَ بعدُ(٣).
وبكى بعضُهم عندَ الموتِ ، فقيلَ لهُ : ما يبكيكَ ؟ قالَ : آيَةٌ فى
كتابِ اللهِ تعالى؛ قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اَللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾(٤).
ودخلَ الحسنُ على رجلٍ يجودُ بنفسِهِ فقالَ: إنَّ أمراً هذا أولُهُ لجديرٌ أنْ
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) ( ١٧٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
بلفظ : (( ما أبكي على دنياكم ، ولكن أبكي على بعد سفري وقلة زادي ؛ فإني أمسيت
في صعود مهبطة على جنة ونار ولا أدري أيتهما يؤخذ بي))، وفي (ن): (وا بعد
سفراء ، وقلة زاداه ) .
(٢) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (٣٨٧).
(٣) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٨٢٩)، وابن المبارك في (( الزهد)) (٣٠٨).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) ( ١٧٩) .
٤٢٧

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
يُتَّقَى آخرُهُ، وإنَّ أمراً هذا آخرُهُ لجديرٌ أنْ يُزُهدَ في أولِهِ (١) .
وقالَ الجريريُّ : كنتُ عندَ الجنيدِ في حالِ نزعِهِ ، وكانَ يومَ الجمعةِ
ويومَ النيروزِ ، وهوَ يقرأُ القرآنَ، فختمَ فقلتُ لهُ : في هذه الحالةِ يا أبا
القاسمِ ؟ فقالَ: ومَنْ أولى بذلكَ منِّي، وهوَ ذا تُطوى صحيفتي؟!(٢).
وقالَ رويمٌ : حضرتُ وفاةَ أبي سعيدِ الخزَّازِ وهوَ يقولُ(٣): [من الطويل]
وَتَذْكَارُهُمْ وَقْتَ أَلْمُناجاةِ لِلسِّرِّ
حَنِينُ قُلُوبِ الْعَارِفِينَ إِلَى الذِّكْرِ
فَأَغْفَوْا عَنِ الدُّنْيَا كَإِغْفاءِ ذِي أُلُّكْرِ
أُدِيرَتْ كُؤُوسٌ لِلْمَنايا عَلَيْهِمُ
بِهِ أَهْلُ وُدِّ اللهِ كَأَلأَنَجُمِ الزُّهْرِ
هُمُومُهُمُ جَوَّالَةٌ بِمُعَسْكَرٍ
وَأَزْوَاحُهُمْ فِي الْحُجْبِ نَحْوَ الْعُلاَ تَسْرِي
فَأَجْسَامُهُمْ فِي الأَرْضِ قَتْلَىْ بِحُبِّهِ
وَمَا عَرَجُوا مِنْ مَسِّ بُؤْسٍ وَلا ضُرِّ
فَمَا عَرَّسُوا إِلاَّ بِقُرْبِ حَبِهِمْ
وقيلَ للجنيدِ : إنَّ أبا سعيدِ الخرازَ كانَ كثيرَ التواجدِ عندَ الموتِ ،
فقالَ : لمْ يكنْ بعجبٍ أنْ تطيرَ روحُهُ اشتياقاً (٤) .
(١) رواه البيهقي في ((الزهد الكبير)) (٥٤٩)، وابن أبي الدنيا في (( المحتضرين))
( ٢٤٤ ) بنحوه .
(٢) رواه البيهقي في «الشعب)) (٢٩٨٤)، والقشيري في (( الرسالة)) (ص٥٠٠).
(٣) أورده القشيري في ((الرسالة)) (ص٥٠١ - ٥٠٢)، وانظر الأبيات في (( بحر الدموع))
( ص٧١ ) .
(٤) أورده القشيري في (( الرسالة)) (ص ٥٠٢ ) .
٤٢٨

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
وقيلَ لذي النُّونِ عندَ موتِهِ : ما تشتهي ؟ قالَ : أَنْ أعرفَهُ قبلَ موتي
بلحظةٍ(١).
وقيلَ لبعضِهِم وهوَ في النزع : قلِ : اللهُ، فقالَ : إلى متى تقولونَ : اللهُ
وأنا محترقٌ باللهِ(٢) .
وقالَ بعضُهم : كنتُ عندَ ممشاذَ الدينوريِّ، فقدمَ فقيرٌ وقالَ : السَّلامُ
عليكم ، هلْ ههنا موضعٌ نظيفٌ يمكنُ الإنسانَ أَنْ يموتَ فيهِ ، قالَ :
فأشاروا إليهِ بمكانٍ ، وكانَ ثمَّ عينُ ماءٍ ، فجددَ الفقيرُ الوضوءَ ، وركعَ
ما شاءَ اللهُ ومضى إلى ذلكَ المكانِ ، ومدَّ رجليهِ وماتَ(٣).
وكانَ أبو العباسِ الدينوريُّ يتكلمُ في مجلسِهِ يوماً ، فصاحَتِ امرأةٌ
تواجداً ، فقالَ لها : موتي ، فقامتِ المرأةُ: فلمَّا بلغَتْ بابَ الدارِ ..
التفتَتْ إليهِ وقالَتْ: قدْ متُ، ووقعَتْ ميتةً(٤) .
ويُحكىُ عَنْ فاطمةَ أختِ أبي عليٍّ الروذباريِّ قَالَتْ: لمَّا قربَ أجلُ
أبي عليٍّ الروذباريٍّ وكانَ رأسُهُ في حجري .. فتحَ عينيهِ وقالَ : هذهِ أبوابُ
(١) أورده القشيري في (( الرسالة)) (ص٥٠٢)، والمعنى: أن ذا النون رأى نفسه مقصراً
عن القيام بحقٌّ معرفته ، فعدَّ معرفته كلا معرفة ، فطلب أن يستغرق في جلال اللهِ وكماله
بحسب ما علمه من ذلك. ((إتحاف)) (٣٤١/١٠).
(٢) أورده القشيري في ((الرسالة)) (ص٥٠٢).
(٣) أورده القشيري في ((الرسالة)) (ص٥٠٢).
(٤) أورده القشيري في ((الرسالة)) (ص ٥٠٢).
٤٢٩

كتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
السماءِ قدْ فُتَحَتْ ، وهذهِ الجنانُ قدْ زُيِّنَتْ ، وهذا قائلٌ يقولُ : يا أبا
عليٍّ؛ قدْ بلَّغناكَ الرتبةَ القصوى وإنْ لمْ تردْها، ثمَّ أنشأَ يقولُ(١): [من الوافر]
وَحَقِّكَ لا نَظَرْتُ إِلَى سِواكا بِعَيْنِ مَوَدَّةٍ حَتَّى أَراكا
أَرَاكَ مُعَذِّبِي بِفُتُورِ لَخْظِ وَبِأَلْخَدِّ الْمُوَرَّدِ مِنْ جَناكا(٢)
وقيلَ للجنيدِ : قلْ: لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ، فقالَ: ما نسيتُهُ فأذكرَهُ(٣).
وسألَ جعفرُ بنُ نصيرٍ بكرانَ الدينوريَّ خادمَ الشبليِّ : ما الذي رأيتَ
منهُ؟ فقالَ : قالَ : عليَّ درهمُ مظلمةٍ ، وقدْ تصدقتُ عنْ صاحبهِ بألوفٍ ،
فما على قلبي شغلٌ أعظمَ منهُ ، ثمَّ قالَ : وضِّئْني للصلاةِ ، ففعلتُ ، فنسيتُ
تخليلَ لحيتِهِ وقدْ أمسكَ على لسانِهِ ، فقبضَ على يدي وأدخلَها في لحيتِهِ ثمَّ
ماتَ ، فبكى جعفرٌ وقالَ: ما تقولونَ في رجلٍ لم يفتْهُ في آخرِ عمرِهِ أدبٌ
مِنْ آدابِ الشريعةِ؟!(٤) .
وقيلَ لبشرِ بنِ الحارثِ لمَّا احتُضرَ وكانَ يشقُّ عليهِ : كأنَّكَ تحبُّ
الحياةَ ، فقالَ : القدومُ على اللهِ تعالىٌ شديدٌ(٥).
وقيلَ لصالحِ بنِ مسمارٍ : ألا توصي بابنِكَ وعيالِكَ ؟ فقالَ : إنِّي
(١) أورده القشيري في ((الرسالة)) (ص٥٠٣)، وانظر ((طبقات الأولياء)) (ص٥٢).
(٢) في (ق) : (حیاکا) بدل ( جناكا) .
(٣) أورده القشيري في ((الرسالة)) (ص٥٠٥).
(٤) أورده القشيري في ((الرسالة)) (ص٥٠٥).
(٥) أورده القشيري في (( الرسالة)) ( ص ٥٠١).
٤٣٠

ربع المنجيات
كتاب ذكر الموت
حر
لأستحيي مِنَ اللهِ تعالى أنْ أوصيَ بهمْ إلى غيرِهِ(١).
ولمّا احتُضرَ أبو سليمانَ الدارانيُّ .. أتاهُ أصحابُهُ فقالوا : أبشرْ ؛ فإِنَّكَ
تقدمُ على ربِّ غفورٍ رحيمٍ ، فقالَ لهُم : ألا تقولونَ : احذرْ ؛ فإنَّكَ تقدمُ
على ربِّ يحاسبُّكَ بالصغيرِ ويعاقبُكَ بالكبيرِ؟!(٢).
ولمَّا احتُضرَ أبو بكرِ الواسطيُّ .. قيلَ لهُ: أوصنا ، فقالَ: احفظوا مرادَ
الحقِّ فيكم (٣).
واحتُضرَ بعضُهم فبكَتِ امرأتهُ ، فقالَ لها : ما يبكيكِ ؟ فقالَتْ : عليكَ
أبكي ، فقالَ: إنْ كنتِ باكيةً .. فابكي على نفسِكِ، فلقدْ بكيتُ لههذا اليومِ
أربعينَ سنةً .
وقالَ الجنيدُ : دخلتُ على سريِّ السقطيِّ أعودُهُ في مرضٍ موتِهِ ،
فقلتُ : كيفَ تجدُكَ ؟ فأنشأَ يقولُ :
[من الخفيف]
وَأَلَّذِي بِي أَصابَنِي مِنْ طَبِي
كَيْفَ أَشْكُو إِلَى طَبِيَ ما بِي
فأخذتُ المروحةَ لأروُّحَهُ فقالَ: كيفَ يجدُ ريحَ المروحةِ مَنْ جوفُهُ
يحترقُ ؟! ثمّ أنشأَ يقولُ(٤):
[من البسيط]
وَأُلْكَرْبُ مُجْتَمِعٌ وَالصَّبْرُ مُفْتَرِقُ
اٌلْقَلْبُ مُحْتَرِقٌ وَالذَّمْعُ مُسْتَبِقُ
(١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص٨٣٤).
(٢) أورده الخركوشي في (تهذيب الأسرار)) (ص٨٣٤).
(٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٨٣٥).
(٤) انظر (( المنتظم)) (٦٣/٧)، و((بغية الطلب)) (٤٢٢٦/٩).
٤٣١

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
كَيْفَ أَلْقَرَارُ عَلَى مَنْ لا قَرارَ لَهُ مَمّا جَنَاهُ الْهَوَىُ وَالشَّوْقُ وَاَلْقَلَقُ
فَأَمْنُنْ عَلَيَّ بِهِ ما دامَ بِي رَمَقُ
يا رَبِّ إِنْ يَكُ شَيْءٌ فِيْهِ لِي فَرَجٌ
وحُكِيَ أنَّ قوماً مِنْ أصحابِ الشبليِّ رحمةُ اللهِ عليهِ دخلوا عليهِ وهوَ في
الموتِ ، فقالوا لهُ: قلْ: لا إلهَ إلاَّ اللهُ، فأنشأَ يقولُ (١):
[من المديد]
غَيْرُ مُحْتاجٍ إِلَى السُّرُجِ
إِنَّ بَيْتاً أَنْتَ ساكِنُهُ
يَوْمَ يَأْتِي النّاسُ بِالْحُجَجِ
وَجْهُكَ الْمَأْمُولُ حُجَّتُنا
يَوْمَ أَدْعُو مِنْكَ بِالْفَرَجِ
لا أَتَاحَ اللهُ لِي فَرَجاً
وحُكيَ أنَّ أبا العباسِ بنَ عطاءٍ دخلَ على الجنيدِ في وقتِ نزعِهِ ، فسلَّمَ
عليهِ فلمْ يجبُهُ ، ثمَّ أجابَ بعدَ ساعةٍ وقالَ : اعذرْني ؛ فإنِّي كنتُ في
وردي ، ثمَّ ولَّى وجهَهُ إلى القبلةِ وكبرَ وماتَ(٢).
وقيلَ للكتانيِّ لمَّا حضرَتْهُ الوفاةُ: ما كانَ عملُكَ ؟ فقالَ : لَوْ لمْ يقربْ
أجلي .. ما أخبرتُكُم بِهِ ، وقفتُ على بابٍ قلبِي أربعينَ سنةً ، فكلَّما مرَّ فيهِ
غيرُ اللهِ .. حجبتُهُ عنهُ(٣).
وحُكِيَ عَنِ المعتمرِ قالَ : كنتُ فيمَنْ حضرَ الحكمَ بنَ عبدِ الملكِ حينَ
جاءَهُ الحقُّ ، فقلتُ : اللهمَّ ؛ هوِّنْ عليهِ سكراتِ الموتِ ؛ فإنَّهُ كانَ
(١) ديوانه (ص١٣٩) .
(٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٨٤٠)، والقشيري في ((الرسالة))
43
( ص ٥٠٧ ) .
(٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٨٤١).
٤٣٢

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
وكانَ .. فذكرتُ محاسنَهُ ، فأفاقَ فقالَ : مَنِ المتكلمُ؟ فقلتُ : أنا ،
فقالَ : إِنَّ ملكَ الموتِ عليهِ السَّلامُ يقولُ لي : إني بكلِّ سخيٍّ رفيقٌ ، ثمَّ
◌ُفىءَ(١) .
ولمَّا حضرَتْ يوسفَ بنَ أسباطِ الوفاةُ شهدَهُ حذيفةُ فوجدَهُ قلقاً ، فقالَ :
يا أبا محمدٍ ؛ هذا أوانُ القلقِ والجزع ؟! فقالَ : يا أبا عبدِ اللهِ ؛ وكيفَ
لا أقلقُ ولا أجزعُ وإني لا أعلمُ أنِّي صدقتُ اللهَ تعالى في شيءٍ مِنْ عملي ،
فقالَ حذيفةُ: واعجباهُ لهذا الرجلِ الصالحِ ! يحلفُ عندَ موتِهِ أنَّهُ لا يعلمُ
أنَّهُ صدقَ الله تعالى في شيءٍ مِنْ عملِهِ (٢) .
وعَنِ المغازليِّ قالَ : دخلتُ على شيخ لي مِنْ أصحابِ هذهِ القصةِ وهوَ
عليلٌ ، وهوَ يقولُ : يمكنُكَ أنْ تعملَ ما تريدُ فارفقْ بي(٣).
ودخلَ بعضُ المشايخ على ممشاذَ الدينوريِّ في وقتٍ وفاتِهِ فقالَ لهُ :
فعلَ اللهُ تعالى وصنعَ مِنْ بابِ الدعاءِ ، فضحكَ ثمَّ قالَ : منذُ ثلاثينَ سنةً
تُعرضُ عليَّ الجنَّةُ بما فيها فما أعرتُها طرفي(٤) .
(١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٨٤١)، وفي ((الإتحاف))
(٣٤٣/١٠): (الحكم بن المطلب) وهو موافق لما في (( مكارم الأخلاق))
(٤٨٢)، و((المؤتلف والمختلف)) (٦٧٥/٢).
(٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٨٤١).
(٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٨٤٢).
(٤) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٨٤٢).
المحـ
٤٣٣

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
وقيلَ لرويمٍ عندَ الموتِ : قلْ: لا إلهَ إلاَّ اللهُ، فقالَ : لا أحسنُ
غيرَهُ(١) .
ولمَّا حضرَتِ النُّوريَّ الوفاةُ .. قيلَ لهُ: قلْ: لا إلهَ إلاَّ اللهُ، فقالَ :
أليسَ ثَمَّ أمرٌ؟!(٢) .
ودخلَ المزنيُّ على الشافعيِّ رحمَهُ اللهُ في مرضِهِ الذي تُوفيَ فيهِ ، فقالَ
لهُ : كيفَ أصبحتَ يا أبا عبدِ اللهِ ؟ فقالَ : أصبحتُ مِنَ الدنيا راحلاً ،
وللإخوانِ مفارقاً ، ولسوءٍ عملي ملاقياً ، ويكأس المنيَّةِ شارباً ، وعلى اللهِ
تعالى وارداً ، ولا أدري أروحي تصيرُ إلى الجنَّةِ فأهنيَها ، أم إلى النَّارِ
فأعزيَها ؟ ثمَّ أنشاً يقولُ(٣):
[من الطويل]
جَعَلْتُ رَجَائِي نَحْوَ عَفْوِكَ سُلَّما
وَلَمّا قَسا قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذاهِبِي
بِعَفْوِكَ رَبِّي كانَ عَفْوُكَ أَعْظَما
تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمّا قَرَنْتُهُ
تَجُودُ وَتَعْفُو مِنَّةً وَتَكَرُّما
فَمَا زِلْتَ ذا عَفْوٍ عَنِ الذَّنْبِ لَمْ تَزَلْ
فَكَيْفَ وَقَدْ أَغْوَى صَفِيَّكَ آدَما
وَلَوْلاكَ لَمْ يُغْوَ بِإِبْلِيسَ عاِدٌ
ولمَّا حضرَتْ أحمدَ بنَ خضرويهِ الوفاةُ .. سُئلَ عَنْ مسألةٍ، فدمعَتْ
عيناهُ وقالَ : يا بنيَّ ؛ بابٌ كنتُ أدقُّهُ خمساً وتسعينَ سنةً هو ذا يُفتحُ لي
(١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٨٤٢).
(٢) أورده القشيري في ((الرسالة)) (ص٥٠٤).
(٣) ديوانه ( ص١١٩ ) .
٤٣٤

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
الساعةَ ، لا أدري أيُفتحُ بالسعادةِ أو بالشقاوةِ ، فأنَّى لي أوانٌ
الجوابِ ؟!(١) .
فهذهِ أقاويلُهُم ، وإنَّما اختلفَتْ بحسبِ اختلافِ أحوالِهِمْ ، فغلبَ على
بعضِهِمُ الخوفُ، وعلىُ بعضِهِمُ الرجاءُ ، وعلى بعضِهِمُ الشوقُ والحبُّ ،
فتكلَّمَ كلُّ واحدٍ على مقتضى حالِهِ ، والكلُّ صحيحٌ بالإضافةِ إلى أحوالِهِمْ .
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٤٢/١٠)، والقشيري في ((الرسالة)) (ص٧١ - ٧٢).
٤٣٥

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
البَابُ السَّادِسُ
في أقاويل العارفين على الجنائز والمقابر وحكم زيارة القبور
اعلمْ : أنَّ الجنازةَ عبرةٌ للبصيرِ ، وفيها تنبيهٌ وتذكيرٌ ، إلاَّ لأهلِ الغفلةِ ؛
فإنَّها لا تزيدُهم مشاهدتُها إلاَّ قساوةً ؛ لأنَّهم يظنُّونَ أنَّهم أبداً إلى جنازةٍ
غيرِهم ينظرونَ ، ولا يحسبونَ أنَّهم لا محالةَ على الجنائزِ يُحملونَ ، أو
يحسبونَ ذلكَ ولكنَّهم على القربِ لا يقدِّرونَ(١)، ولا يتفكَّرونَ أنَّ
المحمولينَ على الجنائزِ كلَّهم هكذا كانوا يحسبونَ ، فبطلَ حسبانُهُم ،
وانقرضَ على القربِ زمانُهُمْ ، فلا ينظرُ عبدٌ إلى جنازةٍ إلاَّ ويقدِّرُ نفسَهُ
محمولاً عليها ، فإنَّهُ محمولٌ عليها على القربِ وكأنْ قِدٍ ، ولعلهُ في غدٍ أو
بعدَ غدٍ .
فيُروى عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ إذا رأى جنازةً .. قالَ :
( امضوا؛ فإنَّا على الأثرِ)(٢).
وكانَ مكحولٌ الدمشقيُّ إذا رأى جنازةً .. قالَ : اغدوا؛ فإنَّا رائحونَ،
موعظةٌ بليغةٌ وغفلةٌ سريعةٌ ، يذهبُ الأولُ والآخرُ لا عقلَ لهُ(٣).
(١) أي: لا يقدرونَ الموت على أنفسهم قريباً. («إتحاف)) (٣٤٨/١٠).
(٢) رواه ابن سعد في ((الطبقات)) (٢٥٥/٥)، وهناد بن السري فى ((الزهد)) (٥٠٧).
(٣) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (٣٨٣/١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
٤٣٦

ربع المنجيات
کتاب ذكر الموت
وقالَ أسيدُ بنُ حضيرٍ : ما شهدتُ جنازةٌ فحدَّثتُ نفسي بشيءٍ سوى
ما هوَ مفعولٌ بهِ، وما هوَ صائرٌ إليهِ (١).
ولمَّا ماتَ أخو مالكِ بنِ دينارٍ .. خرجَ مالكٌ في جنازتِهِ يبكي ويقولُ :
واللهِ ؛ لا تقرّ عيني حتى أعلمَ إلى ماذا صرتَ، ولا أعلمُ ما دمتُ حيّاً(٢).
وقالَ الأعمشُ : كنَّا نشهدُ الجنائزَ فلا ندري مَنْ نعزي ؛ لحزنٍ
الجميعِ(٣) .
وقالَ ثابتٌ البنانيُّ: كثَّا نشهدُ الجنائزَ فلا نرى إلاَّ متقنعاً باكياً (٤) .
فهكذا كانَ خوفُهم مِنَ الموتِ ، والآنَ لا ننظرُ إلى جماعةٍ يحضرونَ
جنازةٌ إلَّ وأكثرُهُم يضحكونَ ويلهونَ ، ولا يتكلَّمونَ إلاَّ في ميراثِهِ وما خلَّفَهُ
لورثتِهِ ، ولا يتفكّرُ أقرانُهُ وأقاربُهُ إلَّ في الحيلةِ التي بها يتناولُ بعضَ
ما خلَّفَهُ ، ولا يتفكَّرُ واحدٌ منهم - إلاَّ ما شاءَ اللهُ - في جنازةِ نفسِهِ ، وفي
حالِهِ إذا حُمِلَ عليها ، ولا سببَ لهذهِ الغفلةِ إلاَّ قسوةُ القلوبِ بكثرةِ
المعاصي والذنوبِ ، حتى نسينا اللهَ تعالى واليومَ الآخرَ والأهوالَ التي بينَ
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٥٢/٤)، والحاكم في (( المستدرك)) (٢٨٨/٣)، وابن
المبارك في ((الزهد)) ( ٢٤٣).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((القبور)). ((إتحاف)) (٣٤٩/١٠).
(٣) رواه أحمد في ((الزهد)) (٢١٢٤)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٥٠/٥).
(٤) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٢٢/٢)، والبيهقي في ((الشعب)) (٨٨٣٤)، وابن
أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٣٦٨٤١).
٤٣٧

كتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
أيدينا ، فصرنا نلهو ونغفلُ ونشتغلُ بما لا يعنينا ، فنسألُ اللهَ تعالى اليقظةَ مِنْ
هذهِ الغفلةِ ؛ فإنَّ أحسنَ أحوالِ الحاضرينَ على الجنائزِ بكاؤُهم على
الميتِ ، ولو عقلوا .. لبكوا على أنفسِهِم لا على الميتِ.
نظرَ إبراهيمُ الزياتُ إلى أناسٍ يترجَّمونَ على الميتِ فقالَ : لو ترحَّمونَ
على أنفسِكُمْ .. لكانَ خيراً لكم ؛ إنَّهُ نجا مِنْ أهوالٍ ثلاثةٍ : وجهُ ملكِ
الموتِ وقدْ رأىُ ، ومرارةُ الموتِ وقدْ ذاقَ، وخوفُ الخاتمةِ وقدْ أمنَ(١).
وقالَ أبو عمرو بنُ العلاءِ : جَلستُ إلى جريرٍ وهو يملي على كاتِبِهِ
شعراً ، فاطلعَتْ جنازةٌ فأمسَكَ وقالَ : شيَّبَتْني واللهِ هذهِ الجنائزُ ، وأنشأَ
يقولُ(٢) :
[من الوافر]
وَنَلْهُو حِينَ تَذْهَبُ مُدْبِراتٍ
تُرَوِّعُنا الْجَنائِزُ مُقْبِلاتٍ
فَلَمّا غابَ عادَتْ راتِعاتٍ
كَرَوْعَةٍ ثُلَّةٍ لِمَغارٍ ذِئْبٍ(٣)
فمِنْ آداب حضور الجنائزِ : التفكُّرُ والتنبُّهُ والاستعدادُ ، والمشيُ أمامَها
على هيئةِ التواضع كما ذكرنا آدابَهُ وسننَهُ في فنِّ الفقهِ .
ومِنْ آدابِهِ : حسنُ الظنِّ بالميتِ وإنْ كانَ فاسقاً ، وإساءةُ الظنِّ بالنفسِ
وإنْ كانَ ظاهرُها الصلاحَ ؛ فإنَّ الخاتمةَ مخطرةٌ لا تُدرى حقيقتُها ، ولذلكَ
(١) حكاه الحافظ عبد الحق الإشبيلي في ((العاقبة في ذكر الموت)) (ص١١٦).
(٢) ديوانه (١٠٢٤/٢)، كما نسبت إلى عروة بن أذينة في ((ديوانه)) (ص ٣٠٩).
(٣) ثلة : جماعة الغنم ، المغار : الإغارة .
٤٣٨

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
رُويَ عَنْ عمرَ بنِ ذرٍّ: أنَّهُ ماتَ واحدٌ مِنْ جيرانِهِ وكانَ مسرفاً على نفسِهِ ،
فتجافى كثيرٌ مِنَ الناسِ عنْ جنازتِهِ ، فحضرَها هوَ وصلَّى عليها ، فلمَّا دُليَ
في قبرِهِ .. وقفَ على قبرِهِ وقالَ: يرحمُكَ اللهُ يا أبا فلانٍ ؛ فلقدْ صحبتَ
عمرَكَ بالتوحيدِ ، وعفرتَ وجهَكَ بالسجودِ وإِنْ قالوا : مذنبٌ وذو خطايا ؛
فمَنْ منَّاً غيرُ مذنبٍ وغيرُ ذي خطايا ؟!(١) .
ويُحكى أنَّ رجلاً مِنَ المنهمكينَ في الفسادِ ماتَ في بعضٍ نواحي
البصرة ، فلمْ تجدِ امرأتُهُ مَنْ يعينُها على حملِ جنازتِهِ؛ إذْ لمْ يدْرِ بها أحدٌ
مِنْ جيرانِهِ لكثرةِ فسقِهِ ، فاستأجرَتْ حمَّالينَ وحملَتْها إلى المصلَّى ، فما
صلى عليه أحدٌ ، فحملَتْها إلى الصحراءِ للدفنِ ، فكانَ على جبلٍ قريبٍ مِنَ
الموضع زاهدٌ مِنَ الزهادِ الكبارِ ، فرأتُهُ كالمنتظرٍ للجنازةِ ، فقصدَ أنْ يصليَ
عليها ، فانتشرَ الخبرُ في البلدِ بأنَّ الزاهدَ قدْ نزلَ ليصليَ على فلانٍ ، فخرجَ
أهلُ البلدِ فصلَّى الزاهدُ وصلَّوا عليهِ، وتعجَّبَ الناسُ مِنْ صلاةِ الزاهدِ
عليهِ ، فقالَ : قيلَ لي في المنامِ : انزلْ إلى موضع فلانٍ ترى فيهِ جنازةً ليسَ
معَها إلّ امرأةٌ، فصلِّ عليهِ، فإنَّهُ مغفورٌ لهُ، فزادَ تعجُّبُ الناسِ ، فاستدعى
الزاهدُ امرأتَهُ وسألَها عنْ حالِهِ ، وأنَّهُ كيفَ كانَتْ سيرتُهُ ، قالَتْ : كما
عُرفَ ، كانَ طولَ نهارِهِ في الماخورِ مشغولاً بشربِ الخمرِ (٢)، فقالَ:
انظري ، هلْ تعرفينَ مِنْهُ شيئاً مِنْ أعمالِ الخيرِ ؟ قالَتْ : نعم ، ثلاثةً أشياءَ :
(١) حكاه الحافظ عبد الحق الإشبيلي في ((العاقبة في ذكر الموت)) (ص١٦٢).
(٢) الماخور: بيت الخمر .
٤٣٩

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
كانَ كلَّ يومٍ يفيقُ مِنْ سكرِهِ وقتَ الصبح فيبدِّلُ ثيابَهُ ويتوضأُ ويصلي الصبحَ
في جماعةٍ ، ثمَّ يعودُ إلى الماخورِ ويشتغلُ بالفسقِ ، والثانيةُ : أَنَّهُ كانَ أبداً
لا يخلو بيتُهُ عَنْ يتيمٍ أو يتيمينِ ، وكانَ إحسانُهُ إليهم أكثرَ مِنْ إحسانِهِ إلى
أولادِهِ ، وكانَ شديدَ التفقُّدِ لهُمْ ، والثالثةُ : أنَّهُ كانَ يفيقُ في أثناءِ سكرِهِ في
ظلام الليلِ فيبكي ويقولُ : يا ربِّ ؛ أيَّ زاويةٍ مِنْ زوايا جهنَّمَ تريدُ أنْ تملأَها
بهذا الخبيثِ ؟! يعني نفسَهُ، فانصرفَ الزاهدُ وقدِ ارتفعَ إشكالُهُ مِنْ
أمرِهِ (١) .
[من الطويل]
وعَنْ صلةَ بنِ أشيمَ وقدْ دُفنَ أخٌ لَهُ فقالَ على قبرِهِ (٢):
وَإِلاَّ فَإِنِّي لا إِخالُكَ ناجِيا
فَإِنْ تَنْجُ مِنْها تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ
(١) حكاها الحافظ عبد الحق الإشبيلي في ((العاقبة في ذكر الموت)) (ص١٥٩ - ١٦٠).
(٢) البيت في ((طبقات فحول الشعراء)) (١٨٢/١) للفرزدق، وليس في ((ديوانه))،
و(البيان والتبيين)) (٣٦٧/١) الأسود بن سريع، و((المحاسن والمساوىء))
(ص٣٥٤) لذي الرمة، وهو في (( ديوانه)) ( ١٩٢٤/٣).
٤٤٠