النص المفهرس
صفحات 381-400
ربع المنجيات كتاب ذكر الموت وقالَ عطاءُ بنُ يسارِ : إذا كانَ ليلةُ النصفِ من شعبانَ .. دُفعَ إلى ملكِ الموتِ صحيفةٌ فيُقالُ : اقبضْ في هذهِ السنةِ مَنْ في هذهِ الصحيفةِ ، قالَ : فإنَّ العبدَ ليغرسُ الغراسَ وينكحُ الأزواجَ ويبني البنيانَ وإنَّ اسمَهُ في تلكَ الصحيفةِ وهوَ لا يدري(١) . وقالَ الحسنُ : ما مِنْ يوم إلاَّ وملكُ الموتِ يتصفحُ كلَّ بيتٍ ثلاثَ مرَّاتٍ ، فمَنْ وجدَهُ منهم قدِ استوفى رزقَهُ وانقضى أجلُهُ .. قبض روحَهُ ، فإذا قبضَ روحَهُ .. أقبلَ أهلُهُ برنةٍ وبكاءٍ ، فيأخذُ ملكُ الموتِ بعضادتي البابِ فيقولُ: واللهِ ؛ ما أكلتُ لهُ رزقاً ، ولا أفنيتُ له عمراً ، ولا انتقصتُ لهُ أجلاً ، وإنَّ لي فيكم لعودةً ثمَّ عودةً حتى لا أبقيّ منكم أحداً ، قالَ الحسنُ : فواللهِ؛ لو رأوا مقامَهُ وسمعوا كلامَهُ .. لذهلوا عَنْ ميتِهِمْ، ولبَكَوا على أنفسِهِم (٢) . وقالَ يزيدُ الرقاشيُّ : بينما جبَّارٌ مِنَ الجبابرةِ مِنْ بني إسرائيلَ جالسٌ في منزلِهِ قدْ خلاَ ببعضٍ أهلِهِ ؛ إذْ نظرَ إلى شخصٍ قدْ دخلَ مِنْ بابِ بيتِهِ ، فثارَ إليهِ فزعاً مُغضَباً ، فقالَ : مَنْ أنتَ ؟ ومَنْ أدخلَكَ داري ؟ فقالَ : أمَّا الذي (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الموت)). ((إتحاف)) (٢٨١/١٠)، ويؤيده ما رواه الديلمي في (( الفردوس)) ( ٢٤١٠): (( تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إن الرجل لینکح ويولد له وقد خرج اسمه في الموتى ) . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الموت)). ((إتحاف)) (٢٨٢/١٠)، وأبو الشيخ في ((العظمة)) ( ٤٤١ ) . ٣٨١ كتاب ذكر الموت ربع المنجيات CG أدخلَني الدارَ .. فربُها، وأمَّا أنا .. فالذي لا يمنعُني الحجابُ ، ولا أستأذنُ على الملوكِ ، ولا أخافُ صولةَ المتسلِّطِينَ ، ولا يمتنعُ مني كلُّ جبار عنيد ولا شيطانٍ مريدٍ ، قالَ : فُقِطَ في يدي الجبارِ وأُرعدَ حتى سقطَ منكباً لوجهِهِ ، ثمَّ رفعَ إليه رأسَهُ مستعطفاً متذللاً لهُ ، فقالَ لهُ : أنتَ إذاً ملكُ الموتِ ، قالَ : أنا هوَ ، قالَ : فهل أنتَ ممهلي حتى أحدثَ عهداً ؟ قالَ : هيهاتَ! انقطعَتْ مدتُكَ، وانقضَتْ أنفاسُكَ، ونِفِدَتْ ساعاتُكَ ، فليسَ إلى تأخيرِكَ سبيلٌ ، قالَ : فإلى أينَ تذهبُ بي ؟ قالَ : إلى عملِكَ الذي قدَّمتَهُ، وإلى بيتِكَ الذي مهَّدتَهُ، قالَ : فإنِّي لمْ أقدِّمْ عملاً صالحاً ، ولم أمهِّدْ بيتاً حسناً ، قالَ : فإلى لظى نزاعةً للشوى، ثمَّ قبضَ روحَهُ ، فسقطَ ميتاً بینَ أهلِهِ ، فمِنْ بینٍ صارخِ وباكٍ . قالَ يزيدُ الرقاشيُّ: لوْ يعلمونَ سوءَ المنقلبِ .. كانَ العويلُ على ذلكَ أكثرَ(١). وعنِ الأعمشِ عَنْ خيثمةَ قالَ : دخلَ ملكُ الموتِ علىْ سليمانَ بنِ داوودَ عليهما السَّلامُ ، فجعلَ ينظرُ إلى رجلٍ من جلسائِهِ يديمُ النظرَ إليهِ ، فلمَّا خرجَ .. قالَ الرجلُ: مَنْ هذا؟ قال : هذا ملكُ الموتِ ، قالَ: لقدْ رأيتُهُ ينظرُ إليَّ كأنَّهُ يريدُني، قالَ: فماذا تريدُ ؟ قالَ: أريدُ أنْ تخلِّصَني منهُ فتأمرٌ الريحَ حتى تحملَني إلى أقصى الهندِ ، ففعلَتِ الريحُ ذلكَ . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الموت)). ((إتحاف)) (٢٨٣/١٠). ٣٨٢ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت ثمّ قالَ سليمانُ لملكِ الموتِ بعدَ أنْ أَتَاهُ ثانياً : رأيتُكَ تديمُ النظرَ إلى واحدٍ من جلسائي ، قالَ : نعمْ، كنتُ أتعجبُ منهُ؛ لأنِّي كنتُ أُمرتُ أنْ أقبضَهُ بأقصى الهندِ في ساعةٍ قريبةٍ ، وكانَ عندَكَ فعجبتُ مِنْ ذلكَ(١). (١) رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٣٥٤٠٩)، وأبو نعيم في «الحلية)) (١١٨/٤). ٣٨٣ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات البَابُ الرَّبِعُ في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم اعلمْ : أنَّ في رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أسوةً حسنةً حيّاً وميتاً ، وفعلاً وقولاً ، وجميعُ أحوالِهِ عبرةٌ لِلنَّاظِرِينَ وتبصرةٌ للمستبصرينَ(١)؛ إذْ لمْ يكن أحدٌ أكرمَ على اللهِ تعالى منهُ ؛ إذْ كانَ خليلَ اللهِ وحبيبَهُ ونجيَّهُ ، وكانَ صفيّهُ ورسولَهُ ونبيّهُ ، فانظرْ هلْ أمهلَهُ ساعةً عندَ انقضاءِ مدتِهِ ؟ وهلْ أخّرَهُ لحظةً بعدَ حضور منيَّهِ ؟ لا ، بلْ أرسلَ إليهِ الملائكةَ الكرامَ الموكَّلينَ بقبضٍ أرواحِ الأنام ، فجدُّوا بروحِهِ الزكيَّةِ الكريمةِ لينقلوها ، وعالجوها ليرحلوها عنْ جسدِهِ الطاهرِ إلى رحمةٍ ورضوانٍ وخيراتٍ حسانٍ ، بلْ إلى مقعدِ صدقٍ في جوارِ الرحمْنِ ، فاشتدَّ معَ ذلكَ في النزع كربُهُ وظهرَ أنينُهُ ، وترادفَ قلقُهُ وارتفعَ حنينُهُ ، وتغيَّرَ لونُهُ وعرقَ جبينُهُ ، واضطربَتْ في الانقباضِ والانبساطِ شمالُهُ ويمينُهُ ، حتى بكى لمصرعِهِ مَنْ حضرَهُ ، وانتحبَ لشدَّةِ حالِهِ مَنْ شاهدَ منظرَهُ ، فهلْ رأيتَ منصبَ النبوَّةِ دافعاً عنهُ مقدوراً ؟! أو هلْ راقبَ الملكُ فيهِ أهلاً وعشيراً؟! وهلْ سامحَهُ إذْ كانَ للحقِّ نصيراً ، وللخلقِ (١) في (د، ص): ( وبصيرة) . ٣٨٤ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت بشيراً ونذيراً ؟! هيهاتَ! بلِ امتثلَ ما كانَ بهِ مأموراً ، واتبعَ ما وجدَهُ في اللوح مسطوراً . فهذا كانَ حالَهُ وهوَ عندَ اللهِ ذو المقامِ المحمودِ والحوضِ المورودِ ، وهوَ أوَّلُ مَنْ تنشقُّ عنهُ الأرضُ ، وهوَ صاحبُ الشفاعةِ يومَ العرضِ ، فالعجبُ أنَّا لا نعتبرُ بهِ! ولسنا على ثقةٍ فيما نلقاهُ، بلْ نحنُ أُسَراءُ الشهواتِ ، وقرناءُ المعاصي والسيئاتِ ، فما بالُنا لا نتَّعِظُ بمصرع محمَّدٍ سيِّدِ المرسلينَ وإمامِ المتقينَ وحبيبٍ ربِّ العالمينَ ؟! لعلَّنا نظنُّ أنَّا مُخلَّدونَ ، أو نتوهمُ أنَّا معَ سوءٍ أفعالِنا عندَ اللهِ مُكْرَمونَ ، هيهات هيهاتَ ! بلْ نتيقنُ أنَّا جميعاً على النارِ واردونَ ، ثمَّ لا ينجو منها إلاَّ المتقونَ ، فنحنُ للورودِ مستيقنونَ ، وللصَّدَرِ عنها متوهِّمونَ ، لا ، بلْ ظلمنا أنفسنا إنْ كنَّا لذلكَ لغالبِ الظنِّ منتظرينَ ، فما نحنُ واللهِ مِنَ المتقينَ وقدْ قالَ اللهُ ربّ العالمينَ: ﴿وَإِن تِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا. ثُمَّ ◌ُنَجِى الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا حِيًّا﴾. فلينظرْ كلُّ عبدٍ إلى نفسِهِ أنَّه إلى الظالمينَ أقربُ أمْ إلى المتقينَ ؟ فانظرْ إلى نفسِكَ بعدَ أنْ تنظرَ إلى سيرةِ السلفِ الصالحِينَ ؛ فلقدْ كانوا معَ ما وُفِّقُوا لهُ من الخائفينَ ، ثمَّ انظرْ إلى سيِّدِ المرسلينَ ؛ فإنَّهُ كانَ مِنْ أمرِهِ على يقينٍ ؛ إذْ كانَ سيِّدَ النبيينَ وقائدَ المتقينَ ، واعتبرْ كيفَ كانَ کربُهُ عندَ فراقِ الدنيا ، وكيفَ اشتدَّ أمرُهُ عندَ الانقلابِ إلى جنَّةِ المأوى . ٣٨٥ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات قالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ : دخلنا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في بيتِ أمِّنا عائشةَ رضيَ اللهُ عنها حينَ دنا الفراقُ ، فنظرَ إلينا فدمعَتْ عيناهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ثمّ قالَ: ((مرحباً بكُمْ، حَيَّاكُمُ اللهُ، آواكمُ اللهُ، نصرَكمُ اللهُ، أوصيكُمْ بتقوى اللهِ ، وأوصي بكمُ اللهَ، إنّي لكم منهُ نذيرٌ مبينٌ ألاَّ تعلوا على اللهِ في عبادِهِ وبلادِهِ ، وقدْ دنا الأجلُ والمنقلبُ إلى اللهِ ، وإلى سدرة المنتهى وإلى جنَّةِ المأوى وإلى الكأسِ الأوفى ، فاقْرِؤُوا علىُ أنفسِكُمْ وعلى من دخلَ في دينِكُم بعدي مني السَّلامَ ورحمةَ اللهِ)) (١) . ورُويَ أنَّه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ لجبريلَ عليهِ السَّلامُ عندَ موتِهِ: (( مَنْ الأمَّتي بعدي؟ )) فأوحى اللهُ تعالى إلى جبريلَ أنْ بشِّرْ حبيبي أنِّي لا أخذلُهُ في أُمَّتِهِ، وبشِّرْهُ بأنَّهُ أسرعُ الناسِ خروجاً مِنَ الأرضِ إذا بُعثوا، وسيِّدُهُم إذا جُمعوا ، وأنَّ الجنَّة محرمةٌ على الأمم حتى تدخلَها أمَّتُهُ، فقالَ: ((الآنَ قرَّتْ عيني))(٢). وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : أمرَنَا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنْ نغسلَهُ بسبع قربٍ من سبعةٍ آبارِ ، ففعلنا ذلكَ ، فوجدَ راحةً فخرجَ فصلَّى بِالنَّاسِ، واستغفرَ لأهلِ أحدٍ ودعا لهم، وأوصى بالأنصار فقالَ: ((أمَّا بعدُ : يا معشرَ المهاجرينَ ؛ فإنَّگم تزيدون وأصبحَتِ الأنصارُ لا تزيدُ على حن (١) رواه البزار في ((مسنده)) (٢٠٢٨)، والطبراني في ((الأوسط)) (٤٠٠٨). (٢) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٥٨/٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٤/ ٧٧). ٣٨٦ جر ربع المنجيات کتاب ذكر الموت هيئتِها التي هيَ عليها اليومَ، وإنَّ الأنصارَ عيبتي التي آويتُ إليها (١) ، فأكرِمُوا كريمَهم - يعني: محسنَهُم - وتجاوزوا عن مسيئِهم)) ثمَّ قالَ: ((إِنَّ عبداً خُيِّرَ بينَ الدنيا وبينَ ما عندَ اللهِ فاختارَ ما عندَ اللهِ )) ، فبكى أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ وظنَّ أنَّهُ يريدُ نفسَهُ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((على رِسلِكَ يا أبا بكرٍ ، سدُّوا هذهِ الأبوابَ الشوارعَ في المسجدِ إلاَّ بابَ أبي بكرٍ ؛ فإنِّي لا أعلمُ امرأً أفضلَ عندي في الصحبةِ مِنْ أبي بكرٍ))(٢). قالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ( فقُبِضَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في بيتي ، وفي يومي ، وبينَ سحري ونحري ، وجمعَ اللهُ بينَ ريقي وريقِهِ عندَ الموتِ ، فدخلَ عليَّ أخي عبدُ الرحمنِ وبيدِهِ سواءٌ ، فجعلَ ينظرُ إليهِ ، فعرفتُ أنه يعجبُهُ ذلك ، فقلتُ : آخذُهُ لكَ، فأومأَ برأسِهِ أنْ نعمْ ، فناولتُهُ إِيَّاهُ، فأدخلَهُ في فيهِ ، فاشتدَّ عليهِ ، فقلتُ : أليُهُ لكَ، فأوماً برأسِهِ أنْ نعمْ ، فَلَّتُهُ ، وكانَ بينَ يديهِ ركوةٌ فيها ماءٌ ، فجعلَ يدخلُ يدَهُ فيها ويمسحُ بها وجهَهُ ويقولُ: ((لا إلهَ إلاَّ اللهُ، إنَّ للموتِ لسكراتٍ)) ثمَّ نصبَ يدَهُ يقولُ: ((الرفيقَ الأعلى، الرفيقَ الأعلى)) فقلتُ: إذاً واللهِ لا يختارُنا)(٣). وروى سعيدُ بنُ عبدِ اللهِ عَنْ أبيهِ قالَ: لمَّا رأتِ الأنصارُ أنَّ رسولَ اللهِ (١) عيبتي : أي : موضع سري. (٢) رواه الدارمي في ((مسنده)) (٨٢)، وأصل الحديث عند البخاري ( ١٩٨، ٣٦٥٥). (٣) رواه البخاري (٤٤٤٩) واللفظ له، ومسلم (٢٤٤٤). ٣٨٧ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يزدادُ ثقلاً .. أطافوا بالمسجدِ ، فدخلَ العباسُ رضيَ اللهُ عنهُ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فأعلمَهُ بمكانِهِم وإشفاقِهِمْ ، ثمَّ دخلَ عليهِ الفضلُ فأعلمَهُ بمثلٍ ذلكَ ، ثمَّ دخلٌ عليهِ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ فأعلمَهُ بمثلِهِ، فمدَّ يدَهُ وقالَ: ((ها)) فتناولوه، فقال: (( ما يقولونَ؟)) قالوا : يقولونَ : نخشى أنْ تموتَ ، وتصايحَ نساؤُهم لاجتماع رجالِهم إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فثارَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فخرجَ متوكِّئاً على عليٍّ والفضلِ، والعباسُ أمامَهُ، ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ معصوبُ الرأسِ يخطُّ برجليهِ ، حتى جلسَ على أسفلِ مرقاةٍ مِنَ المنبرِ وثابَ الناسُ إليهِ ، فحمدَ اللهَ تعالى وأثنى عليهِ وقالَ: ((أيُّها النَّاسُ؛ إنَّهُ بلغَني أنَّكم تخافونَ عليَّ الموتَ كأنَّهُ استنكارٌ منكُم للموتِ ، وما تنكرونَ مِنْ موتٍ نبيِّكُم؟! ألَمْ أُنْعَ إليكُم وَتَنْعَ إليكُم أنفسُكُم؟! هلْ خُلِّدَ نبيٌّ قبلي فيمَنْ بُعثَ فَأُخلَّدَ فيكم ؟! ألا إنِّي لاحقٌ بربِّي وإنَّكم لاحقونَ بهِ ، وإنِّي أوصيكُم بالمهاجرين الأولينَ خيراً ، وأوصي المهاجرينَ فيما بينَهُم ؛ فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قالَ: ﴿وَالْعَصْرِ (٥): إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ... ﴾ إلى آخرِها، وإنَّ الأمورَ تجري بإذنِ اللهِ، فلا يحملَنَّكُمُ استبطاءُ أمرٍ على استعجالِهِ ؛ فإنَّ اللهَ تعالى لا يعجَلُ لعجلةِ أحدٍ ، ومَنْ غالبَ اللهَ .. غلبَهُ، ومَنْ خادعَ اللهَ .. خدعَهُ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِ الْأَرْضِ وَتُقَطِعُواْ أَزْحَامَكُمْ﴾؟! وأُوصيكم بالأنصارِ خيراً ؛ فإنَّهمُ الذينَ تبوَّءُوا الدارَ والإيمانَ مِنْ ٣٨٨ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت قبلِكُمْ ؛ أنْ تحسنوا إليهم ، أَلَمْ يشاطروكمُ الثمارَ ؟! أَلَمْ يوسِّعوا عليكُم في الديارِ ؟! أَلَمْ يؤثروكُمْ على أنفسِهِم وبهمُ الخصاصةُ ؟! ألاَ فمَنْ وليَ أنْ يحكمَ بينَ رجلينٍ .. فليقبلْ مِنْ محسنِهِم وليتجاوزْ عَنْ مسيئِهم، ألاَ ولا تستأثروا عليهمْ، ألا وإنِّي فرطٌ لكُمْ وأنْتُم لاحقونَ بي، ألاَ وإنَّ موعدَكمُ الحوضُ ، حوضي أعرضُ ممَّا بين بصرى الشامِ وصنعاءِ اليمنِ ، يصبُّ فيهِ ميزابُ الكوثرِ ماءً أشدَّ بياضاً مِنَ اللَّيَنِ ، وألينَ مِنَ الزبدِ ، وأحلى مِنَ الشهدِ، مَنْ شربَ منهُ .. لمْ يظمأ أبداً، حصباؤُهُ اللؤلؤُ، وبطحاؤُهُ مِنْ مسكٍ، مَنْ حُرمَهُ في الموقفِ غداً .. حُرمَ الخيرَ كلَّهُ، ألاَ فمَنْ أحبّ أنْ يَرِدَهُ عليَّ غداً .. فليكففْ لسانَهُ ويدَهُ إلَّ ممَّا ينبغي)). فقالَ العباسُ: يا نبيَّ اللهِ؛ أوصٍ بقريشٍ، فقالَ: ((إنَّما أُوصي بهذا الأمرِ قريشاً، والناسُ تبعٌ لقريشٍ، بَرُّهم لبَرِّهم وفاجرُهم لفاجِرِهِم، فاستوصوا آلَ قريشٍ بالنَّاسِ خيراً ، يا أيُّها النَّاسُ ؛ إنَّ الذنوبَ تغيِّرُ النعمَ وتبدِّلُ القسمَ ، فإذا برَّ الناسُ .. برَّهم أئمتُهُم ، وإذا فجرَ الناسُ .. عقُّوهم، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِى بَعْضَ الظَِّينَ بَعْضَا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾))(١) . وروى ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ : أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ لأبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ: (( سلْ يا أبا بكرٍ )) فقالَ: يا رسولَ اللهِ ؛ دنا الأجلُ ؟ (١) قال العراقي: ( هو مرسل ضعيف وفيه نكارة ، ولم أجد له أصلاً)، وقال الزبيدي : ( أسنده سيف بن عمر في كتاب ((الفتوح)) هكذا، وأورده الفاكهاني في ((الفجر المنير))). انظر ((الإتحاف)) (٢٩٠/١٠). ٣٨٩ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات فقالَ: ((قدْ دنا الأجلُ وتدلَّى)) فقالَ : ليهِنَكَ يا نبيَّ اللهِ ما عندَ اللهِ ، فليتَ شعري عنْ منقلبنا ، فقالَ: (( إلى اللهِ تعالى وإلى سدرة المنتهى، ثمَّ إلى جنَّةِ المأوى والفردوسِ الأعلىُ، والكأسِ الأوفى والرفيقِ الأعلى، والحظِّ والعيشِ المهنا)) فقالَ: يا نبيَّ اللهِ؛ مَنْ يلي غسلَكَ؟ قالَ: ((رجالٌ مِنْ أهلِ بيتي الأدنى فالأدنى)) قالَ: ففيمَ نُكفنُكَ؟ قالَ: ((في ثيابي هذهِ، وفي حُلَّةٍ يمانيةٍ ، وفي بياضٍ مصرَ )) فقالَ : كيفَ الصلاةُ عليكَ منَّا ؟ وبكينا وبكىُ ثُمَّ قالَ: ((مهلاً غفرَ اللهُ لكُم، وجزاكُمْ عَنْ نبيِّكُم خيراً ، إذا غسَّلتُموني وكفَّنْتُموني .. فضعوني على سريري في بيتي هذا على شفيرٍ قبري ، ثمَّ اخرجوا عنّي ساعةً؛ فإنَّ أوَّلَ مَنْ يصلِّي عليَّ اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿﴿هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَلَتَبِكَتُهُ﴾، ثمَّ يأذنُ للملائكةِ في الصلاةِ عليَّ، فأولُ مَنْ يدخلُ عليَّ مِنْ خلقِ اللهِ ويصلِّي عليَّ جبريلُ، ثمَّ ميكائيلُ، ثمَّ إسرافيلُ ، ثمَّ ملكُ الموتِ معَ جنودٍ كثيرةٍ ، ثمَّ الملائكةُ بأجمعِها صلَّى اللهُ عليهِم أجمعينَ ، ثمَّ أنْتُم ، فادخلوا عليَّ أفواجاً فصلُّوا عليَّ أفواجاً زمرةً زمرةً، وسلِّموا تسليماً ولا تؤذوني بتزكيةٍ ولا صيحةٍ ولا رنةٍ ، وليبدأُ منكمُ الإمامُ وأهلُ بيتي الأدنى فالأدنى، ثمَّ زمرُ النساءِ، ثُمَّ زمرُ الصبيانِ)) قالَ: فمَنْ يدخلُكَ القبرَ ؟ قالَ : ((زمرٌ مِنْ أهلِ بيتي الأدنىُ فالأدنىُ معَ ملائكةٍ كثيرةٍ لا ترونَهُم وهُمْ يرونَكُمْ، قوموا فأدُّوا عنِّي إلى مَنْ بعدي))(١). (١) رواه البزار في «مسنده)) (٢٠٢٨)، والطبراني في «الأوسط)) (٤٠٠٨)، وابن سعد في ((الطبقات)» (٢٢٤/٢ -٢٢٥) وفيه: ( وليبتدىء بالصلاة عليَّ رجال من أهلي ثم نساؤهم ثم أنتم). ٣٩٠ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت وقالَ عبدُ اللهِ بنُ زمعةَ : ( جاءَ بلالٌ في أولِ شهرِ ربيع الأولِ فأذنَ بالصلاةِ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مروا أبا بكرٍ يصلي بالناسِ )) فخرجتُ فلم أرَ بحضرةِ البابِ إلَّ عمرَ في رجالٍ ليسَ فيهم أبو بكرٍ ، فقلتُ : قمْ يا عمرُ فصلِّ بالناسِ ، فقامَ عمرُ ، فلمَّا كبرَ وكانَ رجلاً صيتاً .. سمعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ صوتَهُ بالتكبيرِ فقالَ : (( أينَ أبو بكرٍ ؟ يأبى اللهُ ذلكَ والمسلمونَ - قالها ثلاثَ مراتٍ - مروا أبا بكرٍ فليصلٌ بالناسِ )) ، فقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : يا رسولَ اللهِ ؛ إِنَّ أبا بكرٍ رجلٌ أسيفٌ، إذا قامَ في مقامِكَ .. غلبَهُ البكاءُ، فقالَ: ((مروا أبا بكرٍ فليصلِّ بالناس )) فقالَتْ عائشةُ : يا رسولَ اللهِ ؛ إنَّ أبا بكرٍ رجلٌ رقيقُ القلبِ ، إذا قامَ في مقامِكَ .. غلبَهُ البكاءُ، فقالَ: ((إِنَّكُنَّ صويحباتُ يوسفَ ، مروا أبا بكرٍ فليصلِّ بالناسِ )) قالَ : فصلى أبو بكرٍ بعد الصلاةِ التي صلَّى عمرُ)(١). ـن وكانَ عمرُ يقولُ لعبدِ اللهِ بنِ زمعةَ بعدَ ذلكَ : ( ويحَكَ ! ماذا صنعتَ بي ؟! واللهِ؛ لولا أنِّي ظننتُ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أمرَكَ .. ما فعلتُ ) ، فيقولُ عبدُ اللهِ: ( إنِّي لمْ أرَ أحداً أولى بذلكَ منكَ)(٢). قالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ( وما قلتُ ذلكَ ولا صرفتُهُ عَنْ أبي بكرٍ إلاّ (١) رواه أبو داوود ( ٤٦٦٠)، وأصله في (( البخاري)) (٦٦٤، ٦٧٨ )، و((مسلم )) (٤١٨ ) . (٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٢٢/٤). ٣٩١ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات رغبةً بهِ عَنِ الدنيا ، ولمَا في الولايةِ مِنَ المخاطرةِ والهلكةِ إلَّ ما سلَّمَ اللهُ، وخشيتُ أيضاً ألاَّ يكونَ الناسُ يحبونَ رجلاً صلَّى في مقام النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهوَ حِيٌّ أبداً إلاَّ أنْ يشاءَ اللهُ يحسدونَهُ ويبغونَ إليهِ ، ويتشاءمونَ بهِ ، فإذا الأمرُ أمرُ اللهِ، والقضاءُ قضاؤُهُ، وعصمَهُ اللهُ مِنْ كلِّ ما تخوَّفتُ عليهِ من أمرِ الدنيا والدينِ )(١). وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : فلمَّا كانَ اليومُ الذي ماتَ فيهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. رأَوْا منهُ خفةً في أولِ النَّهارِ ، فتفرَّقَ عنهُ الرجالُ إلى منازلهم وحوائجِهِم مستبشرينَ ، وأخلوا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بالنساءِ ، فبينا نحنُ على ذلكَ لمْ نكنْ على مثلِ حالِنا في الرجاءِ والفرحِ قبلَ ذلكَ؛ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اخرجنَ عنِّي، هذا الملكُ يستأذنُ عليَّ )) فخرجَ مَنْ في البيتِ غيري ، ورأسُهُ في حجري ، فجلسَ وتنخَيتُ في ناحيةِ البيتِ ، فناجى الملكَ طويلاً، ثمّ إنَّهُ دعاني فأعادَ رأسَهُ في حجري، وقالَ للنسوةِ: ((ادخلنَ)) فقلتُ: ما هذا بحسِّ جبريلَ عليهِ السلامُ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أجلْ يا عائشةُ؛ هذا ملكُ الموتِ ، جاءَني فقالَ: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أرسلَني وأمرَني ألاَّ أدخلَ (١) رواه البخاري (٤٤٤٥) بلفظ: ((فقالت: لقد راجعته وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أنه يحب الناس بعده رجلاً قام مقامه أبداً ، ولا كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به ، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر)). ((إتحاف)) (٢٩٢/١٠). ٣٩٢ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت عليكَ إلاَّ بإذنٍ، فإنْ لمْ تأذنْ لي .. أرجعْ، وإنْ أذنتَ لي .. دخلتُ، وأمرَني ألاَّ أقبضَ روحَكَ حتى تأمرَني ، فماذا أمرُكَ ؟ فقلتُ : اكففْ حتى يأتيَي جبريلُ عليهِ السلامُ، فهذهِ ساعةُ جبريلَ)). فقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : فاستقبلَنا بأمرٍ لم يكنْ لهُ عندَنا جوابٌ ولا رأيٌّ، فوَجَمْنا وكأنَّما ضُربنا بصائّةٍ ما نحيرُ إليهِ شيئاً(١) ، وما يتكلمُ أحدٌ مِنْ أهلِ البيتِ إعظاماً لذلكَ الأمرِ ، وهيبةً ملأَتْ أجوافَنَا . قالَتْ : وجاءَ جبريلُ في ساعتِهِ ، فسلَّمَ فعرفتُ حسَّهُ ، وخرجَ أهلُ البيتِ ، فدخلَ فقالَ : إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقرأُ عليكَ السَّلامَ ويقولُ : كيفَ تجدُكَ ؟ وهوَ أعلمُ بالذي تجدُ منكَ، ولكنْ أرادَ أنْ يزيدَكَ كرامةً وشرفاً ، وأنْ يتمَّ كرامتَكَ وشرفَكَ على الخلقِ ، وأن تكونَ سنَّةً في أمتِكَ (٢) ، فقالَ: (((أجدُني وجعاً)) قالَ: أبشِرْ؛ فإنَّ اللهَ تعالى أرادَ أن يبلِّغَكَ ما أعدَّ لكَ. فقالَ: (( يا جبريلُ؛ إنَّ ملكَ الموتِ استأذنَ عليَّ ... )) وأخبرَهُ الخبرَ فقالَ جبريلُ : يا محمدُ ؛ إِنَّ ربَّكَ إليكَ مشتاقٌ ، ألمْ أعلمْكَ الذي يريدُ بكَ؟! لا واللهِ ما استأذنَ ملكُ الموتِ على أحدٍ قطُّ ولا يستأذنُ عليهِ أبداً ، إلاَّ أنَّ ربَّكَ متمٌّ شرفَكَ، وهوَ إليكَ مشتاقٌ، قالَ: (( فلا تبرحْ إذاً حتى يجيءَ ))(٣). (١) الصاخة : المصيبة الشديدة ، ونحير : نرجع . (٢) أي: إذا دخلوا على المريض فيقولون كذلك. («إتحاف)) (٢٩٢/١٠). (٣) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٥٨/٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٧٦/٤) بنحوه. ٣٩٣ کتاب ذكر الموت ربع المنجيات وأذنَ للنساءِ فقالَ: ((ادني يا فاطمةُ)) فأكبَّتْ عليهِ فناجاها، فرفعَتْ رأسَها وعيناها تذرفانِ وما تُطيقُ الكلامَ، ثمَّ قالَ: (( أدني مني رأسَكِ)) فأكبَّتْ عليهِ فناجاها ، فرفعَتْ رأسَها وهيَ تضحكُ وما تُطِيقُ الكلامَ ، فكانَ الذي رأينا منها عجباً ، فسألْنَها بعدَ ذلكَ فقالَتْ: أخبرَني وقالَ: ((إني ميتٌ اليومَ )) فبكيتُ، ثمّ قالَ: (( إنِّي دعوتُ اللهَ تعالى أنْ يُلحقَكِ بي في أولِ أهلي، وأنْ يجعلَكِ معي)) فضحكتُ(١)، وأدنتِ ابنيها منهُ فشمَّهُما(٢) . قالَتْ : وجاءَ ملكُ الموتِ ، فسلَّمَ واستأذنَ ، فأذنَ لهُ ، فقالَ الملكُ : ما تأمرُ يا محمدُ؟ قالَ: (( ألحقْني بربِّي الآنَ)) فقالَ: بلىْ مِنْ يومِكَ هذا، أمَا إِنَّ ربَّكَ إليكَ مشتاقٌ، ولم يترددْ عن أحدٍ ترددَهُ عنكَ ، ولم ينهني عن الدخولِ على أحدٍ إلا بإذنٍ غيرِكَ، ولكنْ ساعتُكَ أمامَكَ ، وخرجَ . قالَتْ : وخرجَ جبريلُ فقالَ : عليكَ السلامُ يا رسولَ اللهِ ، هذا آخرُ ما أنزلُ فيه إلى الأرضِ أبداً ، طُويَ الوحيُ ، وطُويَتِ الدنيا ، وما كانت لي في الأرضِ حاجةٌ غيرَكَ ، وما لي فيها حاجةٌ إلاَّ حضورُكَ ثمَّ لزومُ موقفي ، قالت : لا والذي بعثَ محمداً بالحقِّ ؛ ما في البيتِ أحدٌ يستطيعُ أن يحيرَ (١) رواه البخاري (٤٤٣٣)، ومسلم (٢٤٥٠). (٢) في (ب): ( وأذن لها فدنت منه فشمَّها)، وفي (ص): (وأدنت ابنتها منه فشمَّها ) . ٣٩٤ ربع المنجيات كتاب ذكر الموت إليهِ في ذلكَ كلمةً ، ولا يبعثَ إلى أحدٍ من رجالِهِ ؛ لعظمٍ ما يسمعُ مِنْ حديثِهِ ووجدِنا وإشفاقِنا(١) . قالَتْ : فقمتُ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حتى أضعَ رأسَهُ بينَ ثدييَّ وأمسكتُ بصدرِهِ ، وجعلَ يُغمى عليهِ حتى يغلبَ(٢) وجبهتُهُ ترشحُ رشحاً ما رأيتُهُ مِنْ إنسانٍ قطّ ، فجعلتُ أسلتُ ذلكَ العرقَ وما وجدتُ رائحةَ شيءٍ قطُّ أطيبَ منهُ ، فكنتُ أقولُ لهُ إذا أفاقَ : بأبي وأمي ونفسي وأهلي ما تلقى جبهتُكَ مِنَ الرشح، فقالَ: (( يا عائشةُ؛ إنَّ نفسَ المؤمنِ تخرجُ بالرشحِ ، ونفسَ الكافرِ تخرجُ مِنْ شدِقِهِ کنفسِ الحمارِ)»(٣) . فعندَ ذلكَ ارتعنا ، وبعثنا إلى أهلينا ، فكانَ أولُ رجلٍ جاءَنا ولم يشهدْهُ أخي ، بعثَهُ إليَّ أبي، فماتَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قبلَ أنْ يجيءَ أحدٌ، وإنَّما صدَّهمُ اللهُ عنهُ لأنَّهُ ولاهُ جبريل وميكائيلَ . وجعلَ إذا أُغميَ عليهِ قالَ: ((بلِ الرفيقَ الأعلى)) كأنَّ الخيرةَ تُعادُ (٤) عليهِ (٤) . (١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٢٩/٣) بنحوه . (٢) وفيه جواز الإغماء على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال ابن حجر في (( شرح الشمائل)): لكن قيده الشيخ أبو حامد من أثمتنا بغير الطويل ، وجزم به البلقيني ، قال السبكي : ليس كإغماء غيرهم لأنه إنما يستر حواسهم الظاهرة دون قلوبهم ؛ لأنها إذا عصمت من النوم الأخف فالإغماء أولى. («إتحاف)) ( ٢٩٣/١٠). (٣) رواه الطبراني (١٧٥/٩)، والبيهقي في (( الشعب)) ( ٩٧٣٨) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه موقوفاً . (٤) رواه البخاري (٤٤٣٧)، ومسلم (٢٤٤٤). ٣٩٥ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات فإذا أطاقَ الكلامَ .. قالَ: ((الصلاةَ الصلاةَ، إنَّكم لا تزالونَ متماسكينَ ما صليتُم جميعاً ، الصلاةَ الصلاةَ )) كانَ يُوصي بها حتى ماتَ وهوَ يقولُ : ((الصلاةَ الصلاةَ)) (١). قالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ( ماتَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بينَ ارتفاع الضُّحى وانتصافِ النهارِ يومَ الاثنينِ )(٢). قالَتْ فاطمةُ رضيَ اللهُ عنها : ( ما لقيتُ مِنْ يوم الاثنينِ ؟! واللهِ ؛ لا تزالُ الأمةُ تُصابُ فيهِ بعظيمةٍ ) . وقالَتْ أمّ كلثومٍ يومَ أُصيبَ عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ بالكوفةِ مثلَها : ( ما لقيتُ مِنْ يومِ الاثنينِ ؟! ماتَ فيهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وفيهِ قُتل بَعلي عمرُ ، وفيهِ قُتلَ أبي ، فما لقيتُ مِنْ يوم الاثنينِ ؟! ) . وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ( لمَّا ماتَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. اقتحمَ النَّاسُ حينَ ارتفعتِ الرنةُ، وسجَّى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الملائكةُ بثوبِهِ ، فاختلفوا ، فكذَّبَ بعضُهم بموتِهِ ، وأُخرس بعضُهم فما تكلَّمَ إلاَّ بعدَ البعدِ ، وخلطَ آخرونَ فلائوا الكلامَ بغيرِ بيانٍ ، وبقيَ آخرونَ ومعَهم عقولُهم ، وأُقعدَ آخرونَ ، فكانَ عمرُ بنُ الخطابِ فِيمَنْ كذَّبَ بموتِهِ ، وعليٍّ فيمَنْ أُقْعدَ ، وعثمانُ فيمَنْ أُخرسَ ، فخرجَ عمرُ على الناسِ (١) رواه أبو داوود (٥١٥٦)، وابن ماجه (٢٦٩٨) من حديث عليّ رضي الله عنه . (٢) رواه ابن سعد في ((الطبقات)) (٢٣٨/٢)، وفيه: ( يوم الاثنين حين زاغت الشمس ) . ٣٩٦ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت وقالَ : إِنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لم يمتْ، وليرجعَنَّهُ اللهُ عزَّ وجلَّ، وليقطعَنَّ أيديَ رجالٍ وأرجلَهُمْ مِنَ المنافقينَ يتمنَّونَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الموتَ ، إنَّما واعدَهُ ربُّهُ عزَّ وجلَّ كما واعدَ موسى عليهِ السَّلامُ، وهوَ آتِيكُمْ - وفي روايةٍ أَنَّهُ قالَ: يا أيُّها الناسُ ؛ كقُوا ألسنتَكُم عَنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ فإنَّهُ لمْ يمتْ، واللهِ؛ لاَ أسمعُ أحداً يذكرُ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قدْ ماتَ إلاَّ علوتُهُ بسيفي هذا - وأمَّا عليٍّ .. فإنَّهُ أُقعدَ فلمْ يبرحْ في البيتِ ، وأمَّ عثمانُ .. فجعلَ لا يكلِّمُ أحداً ، يُؤخذُ بيدِهِ فيُجاءُ بِهِ ويُذهبُ بهِ ، ولم يكنْ أحدٌ مِنَ المسلمينَ في مثلِ حالٍ أبي بكرٍ والعباسِ ؛ فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ عزمَ لهما بالتوفيقِ والسَّدادِ وإنْ كانَ النَّاسُ لمْ يرعووا إلَّ بقولِ أبي بكرٍ ، ثمَّ جاءَ العباسُ فقالَ : واللهِ الذي لا إلهَ إلَّ هوَ ؛ لقدْ ذاقَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الموتَ ، ولقدْ قالَ وهوَ بينَ أظهرِكُم: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُمْ قَيِّتُونَ ﴾: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَيَّكُمْ تَخْنَصِمُونَ﴾(١). وبلغَ أبا بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ الخبرُ وهوَ في بني الحارثِ بنِ الخزرجِ ، فجاءَ ودخلَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فنظرَ إليهِ ثمَّ أكبَّ عليهِ (١) قال العراقي: ( هذا السياق بطوله منكر لم أجد له أصلاً) قال الحافظ الزبيدي : ( قلت : بل رواه ابن أبي الدنيا من حديث ابن عمر بسند ضعيف ، وعزاه صاحب ((المواهب)) لابن المنير)، وأما قول عمر رضي الله عنه .. فرواه ابن حبان (٦٨٧٥)، وأصله عند البخاري (٣٦٧٠). انظر ((الإتحاف)) (٢٩٨/١٠). ٣٩٧ كتاب ذكر الموت ربع المنجيات فقبَّلَهُ ثمَّ قالَ : بأبي أنتَ وأمي يا رسولَ اللهِ ، ما كانَ اللهُ ليذيقَكَ الموتَ مرَّتينٍ ، فقد واللهِ توفيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ثمَّ خرجَ إلى النَّاسِ فقالَ : أَيُّها النَّاسُ؛ مَنْ كانَ يعبدُ محمداً .. فإنَّ محمداً قد ماتَ، ومَنْ كانَ يعبدُ ربَّ محمدٍ .. فإنَّهُ حيٌّ لا يموتُ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْنِ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِّكُمْ ... ﴾ الآيةَ، فكأنَّ الناسَ لم يسمعوا هذهِ الآيةَ إلا يومَئذٍ)(١). وفي روايةٍ: أنَّ أبا بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ لمَّا بلغَهُ الخبرُ .. دخلَ بيتَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهوَ يصلي على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وعيناهُ تهملانٍ، وغُصَصُهُ ترتفعُ كقصعِ الجِرَّةِ(٢) ، وهوَ في ذلكَ جلدُ الفعلِ والمقالِ ، فأكبَّ عليهِ ، فكشفَ الثوبَ عَنْ وجهِهِ وقبَّلَ جبينَهُ وخذَّيهِ ومسحَ وجهَهُ ، وجعلَ يبكي ويقولُ : ( بأبي أنتَ وأمي ونفسي وأهلي ، طبتَ حيّاً وميتاً ، انقطعَ لموتِكَ ما لمْ ينقطعْ لموتِ أحدٍ مِنَ الأنبياءِ ، وهوَ النبوَّةُ ، فعظمتَ عنِ الصفةِ وجللتَ عنِ البكاءِ ، وخصصتَ حتى صرتَ مسلاةً(٣) ، وعممتَ حتى صرنا فيكَ سواءً ، ولولا أنَّ موتَكَ كانَ اختياراً منكَ .. لجدنا لحزنِكَ بالنفوسِ، ولولا أنَّكَ نهيتَ عنِ البكاءِ .. لأنفذنا عليكَ ماءَ الشؤونِ(٤)، فأمَّا ما لا نستطيعُ (١) رواه البخاري ( ١٢٤٢). (٢) في (ج) ونسخة الحافظ الزبيدي: (كقطع). ((إتحاف)) (٢٩٩/١٠). (٣) أي: بحيث يتسلون بك. ((إتحاف)) (٢٩٩/١٠). (٤) أي: مدامع العيون. ((إتحاف)) (٢٩٩/١٠). ٣٩٨ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت نفيَهُ عنَّا .. فكمدٌ وادكارٌ محالفانِ لا يبرحانِ، اللهمَّ؛ فأبلغْهُ عنَّا ، اذكرْنا يا محمَّدُ صلَّى اللهُ عليكَ عندَ ربِّكَ، ولنكنْ مِنْ بالِكَ، فلولا ما خلفتَ مِنَ السكينةِ .. لمْ يقمْ أحدٌ لِما خلفتَ مِنَ الوحشةِ ، اللهمَّ ؛ أبلغْ نبيَّكَ عنَّا واحفظْهُ فينا)(١) . وعن ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما : ( أنهُ لما دخلَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ البيتَ وصلَّى وأثنى .. عجَّ أهلُ البيتِ عجيجاً سمعَهُ أهلُ المصلَّى، كلَّما ذكرَ شيئاً .. ازدادوا ، فما سكَّنَ عجيجَهُم إلاَّ تسلیمُ رجلٍ على البابِ صیتٍ جلدٍ قالَ: السَّلامُ عليكم يا أهلَ البيتِ : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ ... ﴾ الآيَةَ، إنَّ في اللهِ خلفاً مِنْ كلِّ أحدٍ ، ودركاً لكلِّ رغبةٍ ، ونجاةً مِنْ كلِّ مخافةٍ ، فاللهَ فارجوا وبهِ فثِقِوا وعليهِ فتوكَّلوا ؛ فإنَّما المصابُ مَنْ حُرمَ الثوابَ ، فاستمعوا لهُ وأنكروهُ وقطعوا البكاءَ ، فلمَّا انقطعَ البكاءُ .. فُقدَ صوتُهُ، فاطَّلِعَ أحدُهم فلمْ يرَ أحداً ، ثمّ عادوا فبكَوا ، فناداهم منادٍ آخرُ لا يعرفونَ صوتَهُ : يا أهلَ البيتِ ؛ اذكروا اللهَ واحمدوه على كلِّ حالٍ .. تكونوا مِنَ المخلصينَ ، إنَّ في اللهِ عزاءً مِنْ كلِّ مصيبةٍ ، وعوضاً مِنْ كلِّ رغيبةٍ ، فاللهَ فأطيعوا ، وبأمرِهِ فاعملوا ، فقالَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ : هذا الخضرُ واليسعُ (١) قال العراقي: (رواه ابن أبي الدنيا في (( الضراء )) من حديث ابن عمر بسند ضعيف) قال الحافظ الزبيدي: ( وفيه: ((ما لم ينقطع لموت أحدٍ من الناس)) ولم يقل: (( وهو النبوة))). ((إتحاف)) (٣٠٠/١٠). ٣٩٩ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات عليهما السَّلامُ، حضرا النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ)(١). واستوفى القعقاعُ بنُ عمرٍو حكايةَ خطبةٍ أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ فقالَ : ( قامَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ في الناسِ خطيباً حيثُ قضى النَّاسُ عبراتِهِم بخطبةٍ جلُّها الصلاةُ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فحمدَ اللهَ على كلِّ حالٍ وأثنى عليهِ وقالَ : أشهدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ، صدقَ وعدَهُ ، ونصرَ عبدَهُ، وغلبَ الأحزابَ وحدَهُ ، فللّهِ الحمدُ وحدَهُ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ وخاتمُ أنبيائِهِ ، وأشهدُ أنَّ الكتابَ كما نزلَ ، وأنَّ الدينَ كما شرعَ ، وأنَّ الحديثَ كما حدَّثَ ، وأنَّ القولَ كما قالَ ، وأنَّ اللهَ هوَ الحقُّ المبينُ . اللهمَّ ؛ فصلِّ على محمَّدٍ عبدِكَ ورسولِكَ ونبيِّكَ وحبيبكَ وأمينِكَ وخيرتِكَ وصفوتِكَ بأفضلِ ما صلَّيتَ بهِ على أحدٍ مِنْ خلقِكَ . اللهمَّ ؛ واجعلْ صلواتِكَ ومعافاتَكَ ورحمتكَ وبركاتِكَ على سيِّدِ المرسلينَ وخاتم النبيِّينَ وإمام المتقينَ ؛ محمَّدٍ قائدِ الخيرِ وإمامِ الخيرِ ورسولِ الرحمةِ . اللهمَّ ؛ قرِّبْ زلفتَهُ وعظَّمْ برهانَهُ وكرِّمْ مقامَهُ، وابعثْهُ مقاماً محموداً (١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٥٧/٣ - ٥٨)، والبيهقي في ((الكبرى)) (٦٠/٤)، قال العراقي: ( لم أجد فيه ذكر اليسع )، وقال الحافظ الزبيدي ( هكذا أخرجه سيف بن عمر التميمي في كتاب (( الردة )) له عن سعيد بن عبد الله عن ابن عمر رضي الله عنهما، وفيه: (( هذا الخضر وإلياس قد حضرا وفاة النبي صلى الله عليه وسلم)). انظر ((الإتحاف)) ( ٣٠٠/١٠) . ٤٠٠