النص المفهرس

صفحات 361-380

ربع المنجيات
كتاب ذكر الموت
فقد خفتُ الموتَ مخافةً أوقفَني خوفي مِنَ الموتِ على الموتِ )(١) .
ورُويَ أنَّ نفراً من بني إسرائيلَ مروا بمقبرةٍ ، فقالَ بعضُهُم لبعضٍ : لو
دعوتُمُ اللهَ تعالى أن يخرجَ لكُمْ مِنْ هذهِ المقبرةِ ميتاً تسألونَهُ، فدعوا اللهَ
تعالى ؛ فإذا هُمْ برجلٍ قدْ قامَ وبينَ عينيهِ أثرُ السجودِ قدْ خرجَ مِنْ قبرٍ مِنَ
القبورِ ، فقالَ : يا قوم ؛ ما أردتُم منّي؟ لقدْ ذقتُ الموتَ منذُ خمسينَ سنةً
ما سكنَتْ مرارةُ الموتِ مِنْ قلبي(٢) .
وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ( لا أغبطُ أحداً يهونُ عليهِ الموتُ بعدَ
الذي رأيتُ مِنْ شدَّةِ موتِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ)(٣) .
ورُويَ أنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ كانَ يقولُ: ((اللهمَّ؛ إنَّكَ تأخذُ الروحَ
مِنْ بينِ العصبِ والقصبِ والأناملِ ، اللهمَّ ؛ فأعنِّي على الموتِ وهوِّنْهُ
عليَّ))(٤) .
وعنِ الحسنِ : أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ذكرَ الموتَ وغصتَهُ
وألمَهُ فقالَ: ((هوَ قدرُ ثلاثٍ مئةٍ ضربةٍ بالسَّيْقِ))(٥).
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الموت)). ((إتحاف)) (٢٦٠/١٠).
(٢) رواه عبد بن حميد في ((المنتخب)) (١١٥٧)، وأحمد في ((الزهد)) ( ٨٨).
(٣) رواه الترمذي ( ٩٧٩ ) ، وعند البخاري (٤٤٤٦ ) نحوه .
(٤) قال العراقي: (رواه ابن أبي الدنيا في ((الموت)) من حديث طعمة بن غيلان الجعفي ،
وهو معضل سقط منه الصحابي والتابعي). ((إتحاف)) (٢٦٠/١٠).
(٥) قال العراقي: (رواه ابن أبي الدنيا في ((الموت)) هكذا مرسلاً ورجاله ثقات).
«إتحاف)) ( ٢٦٠/١٠).
٣٦١

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
وسُئلَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عَنِ الموتِ وشدَّتِهِ فقالَ: ((إنَّ أهونَ الموتِ
بمنزلةِ حسكةٍ في صوفٍ ، فهل تخرجُ الحسكةُ مِنَ الصوفِ إلاَّ ومعَها
صوفٌ))(١) .
ودخلَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على مريضٍ ثمَّ قالَ: (( إنِّي أعلمُ ما يلقى ،
ما منهُ عرقٌ إلَّ ويألمُ للموتِ على حدَتِهِ))(٢) .
وكانَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ يحضُّ على القتالِ ويقولُ: ( إنْ لم تُقُتلوا ..
تموتوا ، والذي نفسي بيدهِ ؛ لألفُ ضربةٍ بالسيفِ أهونُ مِنْ موتٍ على
فراشٍ)(٣).
وقالَ الأوزاعيُّ : ( بلغَنا أنَّ الميتَ يجدُ ألمَ الموتِ ما لمْ يُبعثْ مِنْ
قبرِهِ) (٤).
وقالَ شدادُ بنُ أوسِ : (الموتُ أفظعُ هولٍ في الدنيا والآخرةِ على
المؤمنِ ، وهوَ أشدُّ منْ نشرٍ بالمناشيرِ وقرضٍ بالمقاريضِ وغليٍ في القدورِ ،
(١) قال العراقي: (رواه ابن أبي الدنيا في (( الموت)) من رواية شهر بن حوشب مرسلاً).
(«إتحاف)) (٢٦٠/١٠)، والحَسَك : نبات تعلق ثمرته بصوف الغنم.
(٢) رواه الطبراني في «الكبير)) (٢٦٩/٦)، والبزار في ((مسنده)) (٢٥١٢).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الموت)). ((إتحاف)) (٢٦١/١٠).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الموت)). («إتحاف)) (٢٦١/١٠)، وروى أبو نعيم في
((الحلية)) (٤٤/٦) عن كعب قال : ( لا يذهب عن الميت ألم الموت ما دام في قبره
وإنه لأشدُّ ما يمر على المؤمن ، وأهون ما يصيب الكافر ) .
٣٦٢

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
ولوْ أنَّ الميتَ نُشرَ فأخبرَ أهلَ الدنيا بألمِ الموتِ .. ما انتفعوا بعيشٍ ولا لذُّوا
بنومٍ)(١) .
وعَنْ زيدِ بنِ أسلمَ عَنْ أبيهِ قالَ : (إذا بقيَ على المؤمنِ مِنْ درجاتِهِ شيءٌ
لم يبلغْها بعملِهِ .. شُدِّدَ عليهِ الموتُ؛ ليبلغَ بسكراتِ الموتِ وكرِبِهِ درجتَهُ
في الجنَّةِ ، وإذا كانَ للكافرِ معروفٌ لم يُجزَ بهِ في الدنيا .. هُوِّنَ عليهِ في
الموتِ ؛ ليستكملَ ثوابَ معروفِهِ فيصيرَ إلى النَّارِ)(٢) .
وعَنْ بعضِهِم أنَّهُ كانَ يسألُ كثيراً مِنَ المرضى : كيفَ تجدونَ الموتَ ؟
فلمَّا مرضَ .. قيلَ لهُ: فأنتَ كيفَ تجدُهُ؟ فقالَ : ( كأنَّ السماواتِ مطبقةٌ
على الأرضِ، وكأنَّ نفسي تخرجُ مِنْ ثقبٍ إبرةٍ)(٣) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((موتُ الفجأةِ راحةٌ للمؤمنِ ، وأسفٌ على
الفاجرِ ))(٤) .
ورُويَ عن مكحولٍ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: « لوْ أنَّ
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الموت)). («إتحاف)) (٢٦١/١٠).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الموت))، وفيه: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه ،
فالمراد بأبيه هو زيد بن أسلم ، والضمير راجع إلى عبد الرحمن ، وفي سياق المصنف
خطأ، ولو قال: عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه .. لأصاب. ((إتحاف))
(١٠ / ٢٦١ ) .
(٣) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٤٥٤/٣ - ٤٥٥)، وابن سعد في (( الطبقات))
( ٨١/٥ ) .
(٤) رواه أحمد فى المسند)) (١٣٦/٦)، والبيهقى فى (( الشعب)) (٩٧٤٠).
٣٦٣

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
شعرةً منْ شعرِ الميتِ وُضِعَتْ على أهلِ السماواتِ والأرضِ .. لماتوا
بإذنِ اللهِ، لأنَّ في كلِّ شعرةٍ الموتَ، ولا يقعُ الموتُ بشيءٍ إلَّ ماتَ)) (١).
ويُروى: (لوْ أنَّ قطرةً مِنْ ألمِ الموتِ وُضعَتْ على جبالِ الأرضِ
كلِّها .. لذابَتْ)(٢).
ورُويَ أنَّ إبراهيمَ عليهِ السَّلامُ لمَّا ماتَ .. قالَ اللهُ تعالى لهُ: كيفَ
وجدتَ الموتَ يا خليلي؟ فقالَ : (كسفُودٍ جُعلَ في صوفٍ رطبٍ ثم
جُذِبَ ، فقالَ: أما إنَّا قد هوَّنا عليكَ)(٣).
ورُويَ عَنْ موسىُ عليهِ السَّلامُ: أنَّهُ لمَّا صارَتْ روحُهُ إلى اللهِ عزَّ
وجلَّ .. قالَ لَهُ ربُّهُ: يا موسىُ ؛ كيفَ وجدتَ الموتَ؟ قالَ : وجدتُ
نفسي كالعصفورِ حينَ يُقلى على المِقْلِى، لا يموتُ فيستريحَ ، ولا ينجو
.(٤)
فيطيرَ(٤).
(١) قال العراقي: (رواه ابن أبي الدنيا في ((الموت))، وفيه: ((لو أن ألم شعرة))).
(«إتحاف)) (١٠ / ٢٦٢).
(٢) روى أبو بكر المروزي في ((الجنائز)) عن أبي ميسرة رفعه: ((لو أن قطرة من ألم الموت
وضعت على أهل السماء والأرض .. لماتوا جميعاً ، وإن في القيامة لساعة تضعف على
شدة الموت سبعين ضعفاً)). ((إتحاف)) (١٠/ ٢٦٢).
(٣) رواه أحمد في ((الزهد)) (٤١٠)، وفيه : ( وجدت نفسي تنزع بالبلاء ) بدل ( كسفود
جعل في صوف رطب ثم جذب )، وسفود ، كتنور : حديدة ذات شعب مُعقَّفة يشوى
بها .
(٤) رواه أحمد في ((الزهد)). ((إتحاف)) (٢٦٢/١٠).
٣٦٤

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
ورُويَ عنهُ أنَّهُ قالَ: وجدتُ نفسي كشاةٍ حيةٍ تُلِخُ بيدِ القصابِ (١).
ورُويَ عَنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : أنَّهُ كانَ عندهُ قدحٌ مِنْ ماءِ عندَ
الموتِ ، فجعلَ يدخلُ يدَهُ في الماءِ ثمَّ يمسحُ بها وجهَهُ ويقولُ: (( اللهمَّ ؛
هوِّنْ عليَّ سكراتِ الموتِ ))(٢) وفاطمةُ رضيَ اللهُ عنها تقولُ: وا كرباهُ
لكرِبِكَ يا أبتاهُ! وهوَ يقولُ: ((لا كربَ على أبيكِ بعدَ اليوم))(٣).
وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ لكعبِ الأحبارِ : يا كعبُ ؛ حدِّثْنا عنِ الموتِ ،
فقالَ : (نعمْ يا أميرَ المؤمنينَ ، الموتُ كغصنٍ كثيرِ الشوكِ أُدخلَ في جوفِ
رجلٍ ، وأخذَتْ كلُّ شوكةٍ بعرقٍ ، ثمَّ جذبَهُ رجلٌ شديدُ الجذبِ ، فأخذَ
ما أخذَ وأبقى ما أبقى)(٤) .
وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ العبدَ ليعالِجُ كربَ الموتِ
وسكراتِ الموتِ ، وإنَّ مفاصلَهُ ليسلِّمُ بعضُها على بعضٍ تقولُ : عليكَ
السَّلامُ ، تفارقُني وأفارقُكَ إلى يومِ القيامةِ))(٥).
فهذهِ سكراتُ الموتِ على أولياءِ اللهِ وأحبابه ، فما حالُنا ونحنُ
(١) رواه أيضاً أحمد في ((الزهد)). ((إتحاف)) (١٠/ ٢٦٢).
(٢) رواه الترمذي ( ٩٧٨)، وابن ماجه ( ١٦٢٣)، وعند البخاري (٦٥١٠) نحوه .
(٣) رواه ابن حبان (٦٦٢٢)، وأصل الحديث في (( البخاري)) ( ٤٤٦٢).
(٤) رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٣٦٧٩٣)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (٣٦٥/٥).
(٥) رواه الديلمي في ((الفردوس)) (٦٥٩٠)، والقشيري في ((الرسالة)) (ص٥٠٠).
٣٦٥

کتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
المنهمكونَ في المعاصي ، وتتوالى علينا معَ سكراتِ الموتِ بقيةُ
الدواهي ؟! فإنَّ دواهيَ الموتِ ثلاثةٌ :
الأولى : شدَّةُ النزع كما ذكرناهُ .
الداهيةُ الثانيةُ : مشاهدةُ صورةِ ملكِ الموتِ ، ودخولُ الروع والخوفِ
منهُ على القلبِ ، فلوْ رأى صورتهُ التي يقبضُ عليها روحَ العبدِ المذنبِ أعظمُ
الرجالِ قوةً .. لمْ يطقْ رؤيتَهُ؛ فقد رُويَ عَنْ إبراهيمَ الخليلِ عليهِ السَّلامُ :
أنَّهُ قالَ لملكِ الموتِ : هلْ تستطيعُ أن تريَني صورتَكَ التي تقبضُ فيها روحَ
الفاجرِ ؟ قالَ : لا تطيقُ ذلكَ ، قالَ: بلى ، قالَ : فَأعرِضْ عنِّي ، فأعرضَ
عنهُ، ثمَّ التفتَ؛ فإذا هوَ برجلٍ أسودَ قائمِ الشعرِ ، منتنِ الرِّيحِ أسودٍ
الثيابِ ، يخرجُ مِنْ فيهِ ومناخِرِهِ لهيبُ النَّارِ والدخانِ ، فَغُشيَ على إبراهيمَ
عليهِ السَّلامُ ، ثمَّ أفاقَ وقدْ عادَ ملكُ الموتِ إلى صورتِهِ الأولىُ ، فقالَ :
يا ملكَ الموتِ ؛ لوْ لمْ يلقَ الفاجرُ عندَ موتِهِ إلَّ صورةَ وجهكَ .. لكانَ
حسبَهُ(١) .
وروى أبو هريرةَ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أنَّ داوودَ عليهِ
السَّلامُ كانَ رجلاً غيوراً ، وكانَ إذا خرجَ .. غلَّقَ الأبوابَ ، فأغلقَ ذاتَ يومٍ
وخرجَ ، فأشرفَتِ امرأتَهُ ؛ فإذا هيَ برجلٍ في الدارِ ، فقالَتْ : مَنْ أدخلَ
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الموت)). ((إتحاف)) (٢٦٣/١٠).
٣٦٦

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
هذا الرجلَ ؟ لئنْ جاءَ داوودُ .. ليلقيَنَّ منهُ عتباً، فجاءَ داوودُ عليهِ السَّلامُ
فرآهُ فقالَ : مَنْ أنتَ ؟ فقالَ : أنا الذي لا أهابُ الملوكَ ولا يمنعُ مني
الحجّابُ ، فقالَ : فأنتَ واللهِ إذاً ملكُ الموتِ، وزمَّلَ داوودُ عليهِ السَّلامُ
مكانهُ ))(١) .
ورُويَ أنَّ عيسى عليهِ السَّلامُ مرَّ بجمجمةٍ فضربَها برجلِهِ ، فقالَ :
تكلَّمي بإذنِ اللهِ تعالى ، فقالَتْ : يا روحَ اللهِ ؛ أنا ملكُ زمانٍ كذا وكذا ،
بينا أنا جالسٌ في ملكي عليَّ تاجي وحولي جنودي وحشمي على سريرِ
ملكي ؛ إذ بدا لي ملكُ الموتِ ، فزالَ مني كلُّ عضوٍ على حيالِهِ ، ثُمَّ
خرجَتْ نفسي إليه ، فيا ليتَ ما كانَ مِنْ تلكَ الجموع كانَ فرقةٌ! ويا ليتَ
ما كانَ مِنْ ذلك الأنسِ كانَ وحشةً !(٢) .
فهذهِ داهيةٌ يلقاها العصاةُ ويُكفاها المطيعونَ؛ فقدْ حكى الأنبياءُ مجردَ
سكرةِ النزعِ دونَ الروعةِ التي يدركُها مَنْ يشاهدُ صورةَ ملكِ الموتِ كذلكَ ،
ولوْ رآها في منامِهِ ليلةً .. لتنغصَ عليهِ بقيةُ عمرِهِ ، فكيفَ برؤيتِهِ في مثلِ تلكَ
الحالِ ؟!
وأمَّا المطيعُ .. فإنَّهُ يراهُ في أحسنِ صورةٍ وأجملِها ؛ فقدْ روى عكرمةُ
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٤١٩/٢) بنحوه، وابن أبي الدنيا في ((الموت)).
(«إتحاف)) (٢٦٤/١٠)، وفي (ي): ( عنتاً) بدل ( عتباً)، وزمَّل: غطّى ؛ أي :
غطّى نفسه في ذلك المكان .
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٩/٦) بنحوه.
٣٦٧

کتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
عنِ ابنِ عباس : ( أنَّ إبراهيمَ عليهِ السَّلامُ كانَ رجلاً غيوراً ، وكانَ لهُ بيتٌ يتعبَّدُ
فيهِ ، فإذا خرجَ .. أغلقَهُ، فرجعَ ذاتَ يومٍ ؛ فإذا برجلٍ في جوفِ البيتِ ،
فقالَ : مَنْ أدخلَكَ داري ؟ فقالَ : أدخلَنيها ربُّها ، فقالَ : أنا رُّها ، فقالَ :
أدخلَنيها مَنْ هوَ أملكُ بها مِنِّي ومِنْكَ ، فقالَ : فمَنْ أنتَ مِنَ الملائكةِ ؟ قالَ :
أنا ملكُ الموتِ ، قالَ : هلْ تستطيعُ أَنْ تريَني الصورةَ التي تقبضُ فيها روحَ
المؤمنِ ؟ قالَ : نعم ، فأعرِضْ عنِّي، فأعرض عنه، ثمَّ التفتَ ؛ فإذا هوَ
بشاٌّ فذكرَ مِنْ حسنِ وجهِهِ وحسنِ ثيابِهِ وطيبٍ ريحِهِ ، فقالَ : يا ملكَ
الموتِ ؛ لولمْ يلقَ المؤمنُ عندَ الموتِ إلَّ صورتَكَ .. كانَ حسبَهُ)(١) .
ومنها : مشاهدةُ الملكينِ الحافظينِ ، قالَ وهيبٌ : بلغَنا أنَّهُ ما مِنْ ميتٍ
يموتُ حتى يتراءى لهُ ملكاهُ الكاتبانِ عملَهُ، فإنْ كانَ مطيعاً .. قالا لهُ :
جزاكَ اللهُ عنا خيراً ؛ فربَّ مجلسٍ صدقٍ أجلستَنَا ، وعملٍ صالحِ أحضرتَنَا ،
وإنْ كانَ فاجراً .. قالاَ لهُ : لا جزاكَ اللهُ عنا خيراً ؛ فربَ مجلسٍ سوءٍ قَدْ
أجلستَنَا ، وعملٍ غيرِ صالحٍ قدْ أحضرتَنَا ، وكلامٍ قبيحٍ قدْ أسمعتَنَا ، فلا
جزاكَ اللهُ عنا خيراً ، فذلك شخوصُ بصرِ الميتِ إليهما ولا يرجعُ إلى الدنيا
أبداً(٢).
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الموت)). ((إتحاف)) (٢٦٥/١٠).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الموت)). ((إتحاف)) (٢٦٥/١٠)، وأبو نعيم في ((الحلية))
(٨/ ١٥١ _ ١٥٢).
٣٦٨

ربع المنجيات
كتاب ذكر الموت
الداهيةُ الثالثةُ : مشاهدةُ العصاةِ مواضعَهُمْ مِنَ النَّارِ ، وخوفُهم قبلَ
المشاهدةِ ؛ فإنَّهم في حالِ السكراتِ وقد تخاذلَتْ قواهمْ ، واستسلمَتْ
للخروجِ أرواحُهُمْ ، ولنْ تخرجَ أرواحُهُمْ ما لمْ يسمعوا نغمةَ ملكِ الموتِ
بإحدى البُشريينِ ؛ إمَّا: أبشرْ يا عدوَّ اللهِ بالنَّارِ، أو: أبشرْ يا وليَّ اللهِ
بالجنَّةِ ، وعنْ هذا كانَ خوفُ أربابِ الألبابِ .
وقدْ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( لنْ يخرجَ أحدُكُمْ مِنَ الدنيا حتى
يعلمَ أينَ مصيرُهُ، وحتى يرى مقعدَهُ مِنَ الجنَّةِ أوِ النَّارِ)»(١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ أحبَّ لقاءَ اللهِ .. أحبَّ اللهُ لقاءَهُ،
ومَنْ كرهَ لقاءَ اللهِ .. كرهَ اللهُ لقاءَهُ)) فقالوا: كلُّنا نكرهُ الموتَ ، قالَ :
(( ليسَ ذاكَ بذاكَ، إنَّ المؤمنَ إذا فُرِجَ لهُ عما هوَ قادمٌ عليهِ .. أحبَّ لقاءَ اللهِ
وأحبَّ اللهُ لقاءَهُ)) (٢).
ورُويَ أنَّ حذيفةَ بنَ اليمانِ قالَ لأبي مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ وهوَ لما بِهِ مِن
آخرِ الليلِ : قمْ فانظرْ أُّ ساعةٍ هذهِ ، فقامَ أبو مسعودٍ ثمَّ جاءَهُ فقالَ : قدْ
طلعَتِ الحمراءُ ، فقالَ حذيفةُ رضيَ اللهُ عنهُ: أعوذُ باللهِ مِنْ صباح إلى النَّارِ(٣).
ـبه
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الموت)). ((إتحاف)) (٢٦٦/١٠).
(٢) رواه البخاري (٦٥٠٧)، ومسلم (٢٦٨٤) بنحوه .
(٣) رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (١٠٩٨٢)، والطبراني في ((الكبير)) (١٦٣/٣)،
وفي النسخ : ( لابن مسعود ... فقام ابن مسعود ) ، والتصويب من المصادر ، وانظر
(( الإتحاف)) (٢٦٦/١٠).
٣٦٩

كتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
ودخلَ مروانُ على أبي هريرةَ فقالَ مروانُ: اللهمَّ ؛ خفِّفْ عنهُ ، فقالَ
أبو هريرةَ: اللهمَّ؛ اشددْ ، ثمّ بكى أبو هريرةَ وقالَ : ( واللهِ ؛ ما أبكي
حزناً على الدنيا ولا جزءاً من فراقِكُمْ ، ولكن أنتظرُ إحدى البشريينِ مِنْ
ربي ؛ بجنَّةٍ أمْ بنارٍ )(١) .
ورُويَ في الحديثِ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: ((إنَّ اللهَ
تعالى إذا رضيَ عَنْ عبدٍ .. قالَ : يا ملكَ الموتِ ؛ اذهبْ إلى فلانٍ فأتني
بروحِهِ لأريحَهُ ، حسبي مِنْ عملِهِ ، قدْ بلوتُهُ فوجدتُهُ حيثُ أحبُّ ، فينزلُ
ملكُ الموتِ ومعَهُ خمسُ مئةٍ مِنَ الملائكةِ معَهم قضبانُ الريحانِ وأصولُ
الزعفرانِ ، كلٌّ واحدٍ منهم يبشرُهُ ببشارةٍ سوى بشارةٍ صاحبهِ ، وتقومُ
الملائكةُ صفينِ لخروج روحِهِ معَهم الريحانُ ، فإذا نظرَ إليهِمْ إبليسُ ..
وضعَ يدَهُ على رأسِهِ ثمَّ صرخَ ، قالَ : فيقولُ لهُ جنودُهُ : ما لكَ يا سيِّدَنا ؟
فيقولُ : أما ترونَ ما أُعطيَ هذا العبدُ مِنَ الكرامةِ ؟! أينَ كنتُم عَنْ هذا ؟
قالوا : قد جهدنا بهِ فكانَ معصوماً)) (٢).
وقالَ الحسنُ : (لا راحةَ للمؤمنِ إلَّ في لقاءِ اللهِ تعالى ، ومَنْ كانَتْ
راحتُهُ في لقاءِ اللهِ تعالى .. فيومُ الموتِ يومُ سرورِهِ وفرحِهِ ، وأمنِهِ وعزِّهِ
وشرفِهِ)(٣).
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الموت)). ((إتحاف)) (٢٦٧/١٠).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في (( الموت)). ((إتحاف)) (٢٦٧/١٠).
(٣) رواه أحمد في ((الزهد)) (٨٤٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٣٣/٨) بنحوه من = ١
٣٧٠

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
وقيلَ لجابرِ بنِ زيدٍ عندَ الموتِ : ما تشتهي ؟ قالَ : نظرةً إلى الحسنِ ،
فلمَّا دخلَ عليهِ الحسنُ .. قيلَ لهُ: هذا الحسنُ، فرفعَ طرفَهُ إليهِ ثمَّ قالَ :
يا إخوتاهُ؛ الساعةَ واللهِ أفارقُكُمْ إلى النَّارِ أو إلى الجنَّةِ(١).
وقالَ محمدُ بنُ واسع عندَ الموتِ : ( يا إخوتاهُ ؛ عليكمُ السَّلامُ، إلى
النَّارِ أو يعفوَ اللهُ)(٢) .
وتمنَّى بعضُهم أنْ يبقى في النزع أبداً ولا يُبعثَ لثوابٍ ولا عقابٍ .
فخوفُ سوءِ الخاتمةِ قطعَ قلوبَ العارفينَ ، وهيَ مِنَ الدواهي العظيمةِ
عندَ الموتِ ، وقدْ ذكرنَا معنى سوءِ الخاتمةِ وشدةً خوفِ العارفينَ منهُ في
كتابِ الخوفِ والرجاءِ ، وهو لائقٌ بههذا الموضع ، ولكنَّا لا نطولُ بذكرِهِ
وإعادتِهِ .
حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وقال الزيدي في ((الإتحاف)) (٢٧٠/١٠): ( قال
السخاوي : ورفعه بعضهم واستشهد له بحديث عائشة: (( من أحب لقاء الله ..
أحب الله لقاءه )) ) .
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٨٩/٣).
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤٨/٢) .
٣٧١

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
بيان بأنتُستحَبّ من أحوال المحضر عند الموت
اعلمْ : أنَّ المحبوبَ عندَ الموتِ مِنْ صورةِ المحتضرِ هوَ الهدوءُ
والسكونُ ، ومِنْ لسانِهِ أنْ يكونَ ناطقاً بالشهادةِ ، ومِنْ قلبهِ أن يكونَ حسنَ
الظنّ بالله تعالى .
أمَّا الصورةُ: فقد رُويَ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( ارقبوا
الميتَ عندَ ثلاثٍ : إذا رشحَ جبينُهُ، وذرفَتْ عيناهُ، ويبسَتْ شفتاهُ .. فهيَ
مِنْ رحمةِ اللهِ قَدْ نزلَتْ بهِ ، وإذا غطَّ غطيطَ المخنوقِ ، واحمرّ لونُهُ ،
وأزبدَتْ شفتاهُ .. فهوَ مِنْ عذابِ اللهِ قَدْ نزلَ بهِ)) (١).
وأمَّا انطلاقُ لسانِهِ بكلمةِ الشهادةِ : فهيَ علامةُ الخيرِ .
قالَ أبو سعيد الخدريُّ رضيَ اللهُ عنهُ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ: ((لقنوا موتاكُمْ: لا إلهَ إلاَّ اللهُ))(٢)، وفي روايةٍ حذيفةً: ((فإنَّها
تهدمُ ما قبلها مِنَ الخطايا))(٣).
(١) رواه الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (ص١٢٥).
(٢) رواه مسلم ( ٩١٦ ) .
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) (٢).
٣٧٢

ربع المنجيات
كتاب ذكر الموت
وقالَ عثمانُ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ ماتَ وهوَ
يعلمُ أنَّهُ لا إلهَ إلاَّ اللهُ .. دخلَ الجنَّةَ))(١)، وقالَ عبيدُ اللهِ: ((وهوَ
يشهدُ ))(٢).
وقالَ عثمانُ : ( إذا احتضرَ الميتُ .. فلقِّنوهُ: لا إلهَ إلَّ اللهُ؛ فإنَّهُ
ما مِنْ عبدٍ يُختمُ لهُ بها عندَ موتِهِ إلَّ كانَتْ زادَهُ إلى الجنَّةِ)(٣).
وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( احضروا موتاكُم وذكِّروهم ؛ فإنَّهُم يرونَ
ما لا ترونَ ، ولقُّنوهُم: لا إلهَ إلاَّ اللهُ)(٤) .
وقالَ أبو هريرةً : سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ :
(( حضرَ ملكُ الموتِ رجلاً يموتُ ، فنظرَ في قلبِهِ فلم يجدْ فيهِ شيئاً ، ففكَّ
لحييهِ فوجدَ طرفَ لسانِهِ لاصقاً بحنكِهِ يقولُ: لا إلهَ إلاَّ اللهُ، فغُفرَ له بكلمةٍ
الإخلاصِ ))(٥) .
وينبغي للملقِّنِ ألاَّ يلَّ في التلقينِ ، ولكنْ يتلطَّفُ ؛ فربَّما لا ينطلقُ
لسانُ المريضِ فيشقُّ عليهِ ذلكَ ، ويؤدي إلى استثقالِهِ التلقينَ وكراهيتِهِ
(١) رواه مسلم (٢٦) .
(٢) رواه النسائي في ((الكبرى)) (١٠٨٨٦)، من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه ،
وأحمد في ((المسند)) (٢٢٩/٥)، والبيهقي في ((الشعب)) (٧) من حديث معاذ
رضي الله عنه .
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) (٥).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) (٨).
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) (٩)، والبيهقي في (( الشعب )) (٩٨٤).
٣٧٣

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
للكلمةِ ، ويُخشى أنْ يكونَ ذلكَ سببَ سوءِ الخاتمةِ ، وإنَّما معنى هذهِ
الكلمةِ أنْ يموتَ الرجلُ وليسَ في قلبِه شيءٌ غيرُ اللهِ ، فإذا لم يبقَ لهُ مطلوبٌ
سوى الواحدِ الحقِّ .. كانَ قدومُهُ بالموتِ على محبوبِه غايةَ النعيمِ في حقُّهِ .
وإنْ كانَ القلبُ مشغوفاً بالدنيا ملتفتاً إليها متأسِّفاً على لذَّاتِها ، وكانَتِ
الكلمةُ على رأسِ اللسانِ ولم ينطوِ القلبُ على تحقيقِها .. وقعَ الأمرُ في
خطرِ المشيئةِ ، فإنَّ مجردَ حركةِ اللسانِ قليلُ الجدوى إلاَّ أنْ يتفضَّلَ اللهُ
تعالى بالقبولِ .
وأمَّا حسنُ الظنِّ : فهوَ مستحبٌّ في هذا الوقتِ ، وقدْ ذكرنا ذلكَ في
كتابِ الرجاءِ .
وقدْ وردَتِ الأخبارُ بفضلٍ حسنِ الظنّ باللهِ ، دخلَ واثلةُ بنُ الأسقع على
مريضٍ فقالَ : أخبرْني كيفَ ظنُّكَ بِاللهِ تعالى؟ قالَ : أغرقَتْني ذنوبٌ لي
وأشفيتُ على هلكةٍ ، ولكنِّي أرجو رحمةَ ربي، فكبَّرَ واثلةُ، وكَبَّرَ أهلُ
البيتِ بتكبيرِهِ ، وقالَ : اللهُ أكبرُ ، سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
يقولُ: ((يقولُ اللهُ تعالى: أنا عندَ ظنِّ عبدي بي، فليظنَّ بي ما شاءَ)) (١) .
ودخلَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على شابٍّ وهوَ يموتُ فقالَ: (( كيفَ
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) (١٦)، وأحمد في ((المسند)) (٤٩١/٣)،
والبيهقي في ((الشعب)) ( ٩٧٥) .
٣٧٤

ربع المنجيات
كتاب ذكر الموت
تجدُّكَ؟ )) فقالَ: أرجو اللهَ وأخافُ ذنوبي، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ: (( ما اجتمعا في قلبٍ عبدٍ في مثلِ هذا الموطنِ إلَّ أعطاهُ اللهُ الذي
يرجو ، وآمنَهُ مِنَ الذي يخافُ ))(١) .
وقالَ ثابتٌ البنائيُّ : كانَ شابٌ بهِ حدةٌ، وكانَتْ لهُ أمّ تعظُهُ كثيراً وتقولُ
لهُ: يا بنيَّ؛ إنَّ لكَ يوماً فاذكرْ يومَكَ، فلمَّا نزلَ بهِ أمرُ اللهِ تعالى .. أكبَّتْ
عليهِ أمُّهُ وجعلَتْ تقولُ لهُ: يا بنيَّ؛ قدْ كنتُ أحذُّرُكَ مصرعَكَ هذا وأقولُ :
إِنَّ لكَ يوماً ، فقالَ : يا أمَّهْ ؛ إنَّ لي رباً كثيرَ المعروفِ ، وإنِّي لأرجو ألاَّ
يعدمَني اليومَ بعضَ معروفِه ، قالَ ثابتٌ : فرحمَهُ اللهُ تعالى بحسنِ ظنِّهِ
بربِّهِ(٢) .
وقالَ جابرُ بنُ وداعةً : كانَ شابٌّ بهِ زهوٌ فاحتُضرَ ، فقالَتْ لهُ أمُّهُ :
يا بنيَّ ؛ توصي بشيءٍ ؟ قالَ : نعمْ ، خاتمي لا تسلبينيهِ ؛ فإنَّ فيهِ ذكرَ اللهِ
تعالى ، فلعلَّ اللهَ أنْ يرحمَني ، فلمَّا دُفنَ .. رُئِيَ في المنام فقالَ : أخبروا
أمي أنَّ الكلمةَ قد نفعَتْني، وأنَّ اللهَ تعالى قدْ غفرَ لي(٣).
ومرضَ أعرابيّ فقيلَ لهُ : إنَّكَ تموتُ ، فقالَ : أينَ يُذهبُ بي ؟ قالوا :
(١) رواه الترمذي ( ٩٨٣)، وابن ماجه (٤٢٦١).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((حسن الظن)) (٣٤)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٢٦/٢)،
والبيهقي في (( الشعب)) ( ٦٧١٢ ).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((حسن الظن)) (٣٨)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ٦٧١٥)،
وفيه وفي (ق) : ( رهق ) بدل ( زهو ) .
٣٧٥

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
إلى اللهِ تعالى ، قالَ : فما كراهتي أنْ أذهبَ إلى من لا يُرى الخيرُ إلاَّ
منهُ(١).
وقالَ المعتمرُ بنُ سليمانَ : قالَ أبي حينَ حضرَتْهُ الوفاةُ : يا معتمرُ ؛
حدِّثْني بالرُّخَصِ لعلِّي ألقى اللهَ عزَّ وجلَّ وأنا حسنُ الظنِّ بهِ(٢) .
وكانوا يستحبُّونَ أن يُذكرَ للعبدِ محاسنُ عملِهِ عندَ موتِهٍ ؛ لكي يحسنَ
ظنَّهُ بربِّهِ (٣).
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((حسن الظن)) (٤٠)، والبيهقي في ((الشعب)) (٦٧١٧).
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣١/٣)، والبيهقي في ((الشعب)) (٩٧٧)، وفي
(أ): (أحسنُ) بدل ( حسن) وهي موافقة لما في ((الحلية)).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((حسن الظن)) (٣٠).
٣٧٦

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
بيان الحسرة عند لقاء ملك الموت بحكايات الغرب لسان الحال عنها
قالَ أشعثُ بنُ أسلمَ : سألَ إبراهيمُ عليهِ السَّلامُ ملكَ الموتِ - واسمهُ
عزرائيلُ ، وله عينانِ : عينٌ في وجهِهِ وعينٌ في قفاهُ - فقالَ : يا ملكَ
الموتِ ؛ ما تصنعُ إذا كانَ نفسٌ بالمشرقِ ونفسٌ بالمغربِ ، ووقعَ الوباءُ
بأرضٍ والتقى الزحفانِ .. كيفَ تصنعُ؟ قال : أدعو الأرواحَ بإذنِ اللهِ تعالى
فتكونُ بينَ إصبعيَّ هاتينٍ ، وقالَ : قَدْ دُحيَتْ لهُ الأرضُ فَتُركَتْ مثلَ الطَّسْتِ
بينَ يديهِ ، يتناولُ منها حيثُ يشاءُ ، قالَ: وهوَ الذي بشَّرَهُ بأنَّهُ خليلُ اللهِ عزَّ
وجلَّ(١) .
وقالَ سليمانُ بنُ داوودَ عليهما السلامُ لملكِ الموتِ عليه السَّلامُ : ما لي
لا أراكَ تعدلُ بينَ النَّاسِ، تأخذُ هذا وتدعُ هذا؟! قالَ : ما أنا بذلكَ بأعلمَ
منكَ ، إنَّما هيَ صحفٌ أو كتبٌ تُلقى إليَّ فيها أسماءٌ(٢).
وقالَ وهبُ بنُ منبهٍ : كانَ ملكٌ مِنَ الملوكِ أرادَ أنْ يركبَ إلى أرضٍ فدعا
بثيابٍ ليلبسَها فلم تعجبُهُ ، فطلبَ غيرَها حتى لبسَ ما أعجبَهُ بعدَ مرَّاتٍ ،
وكذلكَ طلبَ دابةً فأَتَيَ بها فلمْ تعجبُهُ حتىُ أَتَيَ بدوابَّ فركبَ أحسنَها ، فجاءَ
إبليسُ فنفخَ في منخرِهِ نفخةً فملأهُ كبراً ، ثمَّ سارَ وسارَتْ معَهُ الخيولُ وهوَ
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الموت)). ((إتحاف)) (٢٧٩/١٠)، وأبو الشيخ في
(«العظمة)) ( ٤٤٣ ).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٣٥٤٠٨).
٣٧٧

کتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
لا ينظرُ إلى النَّاس كبراً ، فجاءَهُ رجلٌ رُّ الهيئةِ فسلَّمَ عليهِ فلمْ يردّ علیهِ
السَّلامَ ، فأخذَ بلجامِ دابتِهِ فقالَ : أرسلِ اللجامَ ؛ فقدْ تعاطيتَ أمراً
عظيماً ، فقالَ : إنَّ لي إليكَ حاجةٌ ، قالَ : اصبرْ حتى أنزلَ ، قالَ : لا ،
الآنَ ، فقهرَهُ على لجام دابتِهِ ، فقالَ : اذكرْها ، قالَ : هوَ سرٍّ ، فأدنى لهُ
رأسَهُ ، فسارَّهُ وقالَ : أنا ملكُ الموتِ ، فتغيّرَ لونُ الملكِ واضطربَ لسانُهُ ،
ثمّ قالَ : دعْني حتى أرجعَ إلى أهلي فأقضيَ حاجتي وأودِّعَهم ، قالَ : لا ،
واللهِ؛ لا ترىُ أهلَكَ وثقَلَكَ أبداً(١) ، فقبضَ روحَهُ، فخرَّ كأنَّهُ خشبةٌ ، ثمّ
مضىُ فلقيّ عبداً مؤمناً في تلكَ الحالِ ، فسلَّمَ عليهِ فردَّ عليهِ السَّلامَ ،
فقالَ: إنَّ لي حاجةٌ أذكرُهَا في أذنِكَ ، فقالَ : هاتِ ، فسارَّهُ وقالَ : أنا
ملكُ الموتِ ، فقالَ : مرحباً وأهلاً بمَنْ طالَتْ غيبتُهُ عليَّ ، فواللهِ ؛ ما كانَ
في الأرضِ غائبٌ أحبّ إليَّ أنْ ألقاهُ مِنْكَ، فقالَ لهُ ملكُ الموتِ : اقضٍ
حاجتكَ التي خرجتَ لها ، فقالَ : ما لي حاجةٌ أكبرُ عندي ولا أحبُّ إليَّ مِنْ
لقاءِ اللهِ تعالى ، قالَ : فاخترْ على أيّ حالٍ شئتَ أنْ أقبضَ روحَكَ ، فقالَ :
وتقدرُ على ذلكَ ؟ قالَ : نعمْ، إنِّي أُمرتُ بذلكَ ، قالَ : فدعْني حتى
أتوضأَ وأُصليَ فاقبضْ روحي وأنا ساجدٌ، فقبضَ روحَهُ وهوَ ساجدٌ(٢).
وقالَ بكرُ بنُ عبدِ اللهِ المزنيُّ : جمعَ رجلٌ مِنْ بني إسرائيلَ مالاً ، فلمَّا
(١) الثَّقَلُ : متاع المسافر وحشمه وكل شيء نفيس مصون .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في «الموت)). («إتحاف)) (٢٨٠/١٠)، وأبو نعيم في (( الحلية)»
(٢٠٢/٦ - ٢٠٣ ) .
٣٧٨

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
أشرفَ على الموتِ .. قالَ لبنيهِ : أروني أصنافَ أموالي، فأَتَيَ بشيءٍ كثيرٍ
مِنَ الخيلِ والإبلِ والرقيقِ وغيرِها ، فلمَّا نظرَ إليهِ .. بكى تحسُّراً عليهِ ، فرآهُ
ملكُ الموتِ وهو يبكي فقالَ لهُ : ما يبكيكَ ؟ فوالذي خوَّلَك ؛ ما أنا بخارجِ
مِن منزلِكَ حتى أفرِّقَ بينَ روحِكَ وبدنِكَ ، قَالَ : فالمهلةَ حتى أفرِّقَهُ ،
قالَ : هيهاتَ ! انقطعَتْ عنكَ المهلةُ ، فهلاً كانَ ذلكَ قبلَ حضورِ أجلِكَ ؟!
فقبض روحَهُ(١) .
ورُويَ أنَّ رجلاً جمعَ مالاً فأوعى ، ولم يدَعْ صنفاً مِنَ المالِ إلَّ اتخذَهُ،
وابتنى قصراً ، وجعلَ عليهِ بابينٍ وثيقينِ ، وجمعَ عليهِ حرساً من غلمانِهِ ، ثمَّ
جمعَ أهلَهُ وصنعَ لهم طعاماً ، وقعدَ على سريرِهِ ورفعَ إحدى رجليهِ على
الأخرى وهم يأكلونَ ، فلمَّا فرغوا .. قالَ : يا نفسُ ؛ انعمي لسنينَ ؛ فقدْ
جمعتُ لكِ ما يكفيكِ ، فلم يفرغْ مِنْ كلامِهِ حتى أقبلَ إليهِ ملكُ الموتِ في
هيئةِ رجلٍ عليهِ خُلقانٌ مِنَ الثيابِ ، في عنقِهِ مخلاةٌ يتشبّهُ بالمساكينِ ، فقرعَ
البابَ بشدةٍ عظيمةٍ قرعاً أفزعَهُ وهوَ على فراشِهِ ، فوثبَ إليهِ الغلمانُ وقالوا :
ما شأنُكَ ؟ فقالَ : ادعوا لي مولاكم ، فقالوا : وإلى مثلِكَ يخرجُ مولانا ؟!
قالَ : نعمْ، فأخبَرُوهُ بذلكَ، فقالَ : هلاَّ فعلتُمْ بهِ وفعلتُمْ ، فقرعَ البابَ
قرعةً أشدَّ مِنَ الأولىُ ، فوثبَ إليهِ الحرسُ ، فقالَ : أخبروهُ أَنِّي ملكُ
الموتِ ، فلمَّا سمعوهُ .. أَلقيَ عليهمُ الرعبُ، ووقعَ على مولاهمُ الذُّ
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الموت)). ((إتحاف)) (٢٨١/١٠).
٣٧٩

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
والتخشعُ ، فقالَ : قولوا لهُ قولاً ليناً ، وقولوا لهُ : هلْ تأخذُ بهِ أحداً ؟
فدخلَ عليهِ وقالَ : اصنعْ في مالِكَ ما أنتَ صانعٌ ؛ فإنِّي لستُ بخارج منها
حتى أخرجَ نفسَكَ ، فأمرَ بمالِهِ حتى وُضِعَ بينَ يديهِ ، فقالَ حينَ رآهُ :
لعنَكَ اللهُ مِنْ مالٍ ؛ أنتَ شغلتَي عَنْ عبادةِ ربي ، ومنعتَي أنْ أتخلَّى لربي ،
فأنطقَ اللهُ المالَ فقالَ : لِمَ تسبِّي وقدْ كنتَ تدخلُ على السُّلطانِ بي ويُرةُ
المتَّقُونَ عَنْ بابِهِ ، وكنتَ تنكحُ المتنعماتِ بي ، وتجلسُ مجالسَ الملوكِ
بي ، وتردُّ المتقينَ ، وتنفقُني في سبيلِ الشرِّ فلاً أمتنعُ منكَ ، ولوْ أنفقتني في
سبيلِ الخيرِ .. نفعتُكَ ؟! خُلقتُ وابنَ آدمَ مِنْ ترابٍ ، فمنطلقٌ بِيرٌّ ومنطلقٌ
بإثمٍ ، ثمَّ قبضَ ملكُ الموتِ روحَهُ فسقطَ (١) .
وقالَ وهبُ بنُ منبهٍ : قبضَ ملكُ الموتِ روحَ جبارٍ مِنَ الجبابرةِ ما في
الأرضِ مثلُهُ ، ثمَّ عرجَ إلى السماءِ ، فقالتِ الملائكةُ: لمَنْ كنتَ أشدَّ رحمةٌ
ممَّنْ قبضتَ روحَهُ ؟ قالَ أُمرتُ بقبضٍ نفسِ امرأةٍ في فلاةٍ مِنَ الأرضِ ،
فأتيتُها وقد ولدَتْ مولوداً ، فرحمتُها لغربتِها ورحمتُ ولدَها لصغرِهِ وکونِهِ
في الفلاةِ لا متعهدَ لهُ بها ، فقالتِ الملائكةُ : الجبارُ الذي قبضتَ الآنَ روحَهُ
هوَ ذلكَ المولودُ الذي رحمتَهُ ، فقالَ ملكُ الموتِ : سبحانَ اللطيفِ لما
يشاءُ!(٢).
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الموت)). («إتحاف)) (٢٨١/١٠)، وأبو نعيم في (( الحلية)»
(٥ /٢٤٠ - ٢٤١ ) .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الموت)). ((إتحاف)) (٢٨١/١٠).
٣٨٠