النص المفهرس

صفحات 301-320

ربع المنجيات
کتاب التفکر
طلوع أوَّل جزءٍ مِنْ كوكبٍ إلى تمامِهِ يسيرٌ ، وذلكَ الكوكبُ هوَ مثلُ الأرضِ
مئةَ مرَّةٍ وزيادةً ، فقدْ دارَ الفلكُ في هذهِ اللحظةِ مثلَ الأرضِ مئةَ مرَّةٍ ،
وهكذا يدورُ على الدوام وأنتَ غافلٌ عنهُ .
وانظرْ كيفَ عبَّرَ جبريلُ عليهِ السلامُ عنْ سرعةِ حركتِهِ إذْ قالَ لهُ النبيُّ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( هلْ زالَتِ الشمسُ؟ » فقالَ: لا نعمْ، فقالَ :
((كيفَ تقولُ: لا نعمْ؟ )) فقالَ: مِنْ حينَ قلتُ : لا إلى أنْ قلتُ: نعم ..
سارَتِ الشمسُ مسيرةَ خمسٍ مئةٍ عامٍ (١).
فانظرْ إلى عظمٍ شخصِها ، ثمَّ إلى خفّةِ حركتِها .
ثُمَّ انظرْ إلى قدرةِ الفاطرِ الحكيمِ كيفَ أثبتَ صورتها معَ اتساع أكنافِها في
حدقة العينِ معَ صغرِها ، حتى تجلسَ على الأرضِ وتفتحَ عينيكَ نحوها
فتری جمیعهَا .
فهذهِ السماءُ بعظمِها وكثرةِ كواكبِها لا تنظرْ إليها ، بلِ انظرْ إلى بارئها
كيفَ خلقَها ، ثمَّ أمسكَها مِنْ غيرِ عمدٍ ترونَها ، ومِنْ غيرِ علاقةٍ مِنْ فوقِها
تتدلَّى بها ، وكلُّ العالمِ كبيتٍ واحدٍ والسماءُ سقفُهُ، فالعجبُ منكَ أنَّكَ
تدخلُ بيتَ غنيٌّ فتراهُ مزوَّقاً بالصبغ ، مموَّهاً بالذهبِ ، فلا ينقطعُ تعجُّبُكَ
منهُ، ولا تزالُ تذكرُهُ وتصفُ حسنَهُ طولَ عمرِكَ ، وأنتَ أبداً تنظرُ إلى هذا
(١) كذا في ((القوت)) (٢٥/١)، وفيه: ( قطعت في الفلك خمسين ألف فرسخ ) ، وقال
الحافظ العراقي: ( لم أجد له أصلاً). ((إتحاف)) (٢١٥/١٠).
٣٠١

کتاب التفکر
ربع المنجيات
البيتِ العظيمِ ، وإلى أرضِهِ ، وإلى سقفِهِ ، وإلى هوائِهِ ، وإلى عجائبٍ
أمتعتِهِ ، وغرائبٍ حيواناتِهِ ، وبدائع نقوشِهِ ، ثمَّ لا تتحدَّثُ فيهِ ، ولا تلتفتُ
بقلبكَ إليهِ ، فما هذا البيتُ دونَ ذلكَ البيتِ الذي تصفُهُ ، بلْ ذلكَ البيتُ هوَ
أيضاً جزءٌ مِنَ الأرضِ التي هيَ أخسُّ أجزاءِ هذا البيتِ ، ومع هذا فلا تنظرُ
إليه! ليسَ لهُ سببٌ إلا أنَّهُ بيتُ ربِّكَ، هوَ الذي انفردَ ببنائِهِ وترتيبهِ ، وأنتَ
قدْ نسيتَ نفسَكَ وربّكَ وبيتَ ربِّكَ ، واشتغلتَ ببطنِكَ وفرجِكَ ، ليسَ لكَ
همٌّ إلا شهوتَكَ أوْ حشمتَكَ، وغايةُ شهوتِكَ أنْ تملأَ بطنَكَ ، ولا تقدرُ على
أنْ تأكلَ عُشْرَ ما تأكلُهُ بهيمةٌ ، فتكونُ البهيمةُ فوقَكَ بعشرِ درجاتٍ ، وغايةٌ
حشمتِكَ أنْ تقبلَ عليكَ عشرةٌ أوْ مئةٌ مِنْ معارفِكَ فينافقونَ بألسنتِهِمْ بينَ
يديكَ، ويضمرونَ خبائثَ الاعتقاداتِ عليكَ، وإنْ صدقوكَ في موذَّتِهِمْ
إِيَّاكَ .. فلا يملكونَ لكَ ولا لأنفسِهِمْ ضراً ولا نفعاً ، ولا موتاً ولا حياةً
ولا نشوراً ، وقدْ يكونُ في بلدِكَ مِنْ أغنياءِ اليهودِ والنصارىُ مَنْ يزيدُ جاهُهُ
على جاهِكَ ، وقدِ اشتغلتَ بهذا الغرورِ ، وغفلتَ عنِ النظرِ في جمالِ
ملكوتِ السماواتِ والأرضِ ، ثمَّ غفلتَ عنِ التنقُمِ بالنظرِ إلى جلالِ مالكِ
الملكوتِ والملكِ .
وما مثلُكَ ومثلُ عقلِكَ إلا كمثلِ النملةِ تخرجُ مِنْ جحرِها الذي حفرتُهُ في
قصرٍ مشيدٍ مِنْ قصورِ الملكِ ، رفيعِ البنيانِ ، حصينِ الأركانِ ، مزيَّنٍ
بالجواري والغلمانِ ، وأنواع الذخائرِ والنفائسِ، فإنَّها إذا خرجَتْ مِنْ
جحرِها ، ولقيَتْ صاحبتَها .. لمْ تتحدَّثْ - لوْ قدرَتْ على النطقِ - إلا عنْ
٣٠٢

ربع المنجيات
كتاب التفكر
بيتِها وغذائِها ، وكيفيةِ ادخارها ، فأمَّا حالُ القصرِ والملكِ الذي في
القصرِ .. فهيَ بمعزلٍ عنهُ وعنِ التفكّرِ فيهِ ، بلْ لا قدرةَ لها على المجاوزةِ
بالنظرِ عنْ نفسِها وغذائِها وبيتِها إلى غيرِها .
وكما غفلَتِ النملةُ عنِ القصرِ وعنْ أرضِهِ وسقفِهِ وحيطانِهِ وسائرٍ بنيانِهِ ،
وغفلَتْ أيضاً عنْ سكَّانِهِ .. فأنتَ أيضاً غافلٌ عنْ بيتِ اللهِ تعالى ، وعنْ
ملائكتِهِ الذينَ هُمْ سكَّانُ سماواتِهِ ، فلا تعرفُ مِنَ السماءِ إلا ما تعرفُهُ النملةُ
مِنْ سقفِ بيتِكَ ، ولا تعرفُ مِنْ ملائكةِ السماواتِ إلا ما تعرفُهُ النملةُ منكَ
ومِنْ سگَّانِ بیتِكَ !
نعمْ ، ليسَ للنملةِ طريقٌ إلى أنْ تعرفَكَ وتعرفَ عجائبَ قصرِكَ وبدائعَ
صنعةِ الصانع فيهِ ، وأمَّا أنتَ .. فلكَ قدرةٌ على أنْ تجولَ في الملكوتِ
وتعرفَ من عجائبهِ ما الخلقُ غافلونَ عنهُ .
ولتقبضْ عِنانَ الكلام عن هذا النمطِ ، فإنَّهُ مجالٌ لا آخرَ لهُ ، ولوٍ
استقصينا أعماراً طويلةً .. لمْ نقدرْ على شرحِ ما تفضَّلَ اللهُ تعالى علينا
بمعرفتِهِ ، وكلُّ ما عرفناهُ قليلٌ نزْرٌ حقيرٌ بالإضافةِ إلى ما عرفَهُ جملةُ العلماءِ
والأولياءِ ، وما عرفوهُ قليلٌ نزْرٌ حقيرٌ بالإضافةِ إلى ما عرفَهُ الأنبياءُ عليهِمُ
السلامُ، وجملةُ ما عرفوهُ قليلٌ بالإضافةِ إلى ما عرفَهُ نبينا محمدٌ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ ، وما عرفَهُ الأنبياءُ كلُّهُمْ قليلٌ بالإضافةِ إلى ما عرفَهُ الملائكةُ
المقرَّبونَ ؛ كإسرافيلَ وجبريلَ وغيرِهما ، ثمَّ جميعُ علوم الملائكةِ والجنِّ
٣٠٣

كتاب التفكر
ربع المنجيات
والإنسِ إذا أضيفَ إلى علمِ اللهِ سبحانَهُ وتعالىُ لمْ يستحقَّ أنْ يُسمَّى علماً ،
بلْ هوَ إلى أنْ يُسمَّى دهشاً وحيرةً وقصوراً وعجزاً أقربُ .
فسبحانَ مَنْ عَّفَ عبادَهُ ما عرَّفَ، ثمَّ خاطبَ جميعَهُمْ فقالَ: ﴿وَمَآ
أُوْتِبِثُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
فهذا بيانُ معاقدِ الجملِ التي يجولُ فيها فكرُ المتفكِّرِينَ في خلقِ اللهِ
تعالى ، وليسَ فيها فكرٌّ في ذاتِ اللهِ تعالى، ولكنْ يُستفادُ مِنَ الفكرِ في
الخلقِ - لا محالةَ - معرفةُ الخالقِ وعظمتِهِ ، وجلالِهِ وقدرتِهِ ، وكلما
استكثرتَ مِنْ معرفةِ عجيبٍ صنْعِ اللهِ تعالى .. كانَتْ معرفتُكَ بجلالِهِ وعظمتِهِ
أتمَّ ، وهذا كما أنَّكَ تعظَّمُ عالماً بسببٍ معرفتِكَ بعلمِهِ ، فلا تزالُ تطلعُ على
غريبةٍ غريبةٍ مِنْ تصنيفِهِ أوْ شعرِهِ فتزدادُ بهِ معرفةٌ، وتزدادُ محبَّةً لهُ وتوقيراً
وتعظيماً واحتراماً ، حتى إنَّ كلَّ كلمةٍ مِنْ كلماتِهِ ، وكلَّ بيتٍ عجيبٍ مِنْ
أبياتٍ شعرِهِ .. يزيدُهُ محلاًّ في قلبكَ ، ويستدعي التعظيمَ لهُ في نفسِكَ.
فهكذا تأمّلْ في خلقِ اللهِ تعالى وتصنيفِهِ وتأليفِهِ ، وكلُّ ما في الوجودِ مِنْ
خلقِ اللهِ تعالى وتصنيفِهِ ، والنظرُ والفكرُ فيهِ لا يتناهى أبداً، وإنَّما لكلِّ عبدٍ
منهُ بقدْرِ ما رُزِقَ ، فلنقتصرْ على ما ذكرناهُ، ولنضفْ إلى هذا ما فصَّلناهُ في
كتابِ الشكرِ ، فإنَّا نظرنا في ذلكَ الكتابِ في فعلِ اللهِ تعالىُ مِنْ حيثُ هوَ
إحسانٌ إلينا وإنعامٌ علينا ، وفي هذا الكتابِ نظرُنا فيهِ مِنْ حيثُ إنَّهُ فعلُ اللهِ
تعالى فقطْ .
٣٠٤

ربع المنجيات
كتاب التفكر
وكلُّ ما نظرنا فيهِ فإنَّ الطبيعيّ(١) ينظرُ فيهِ ويكونُ نظرُهُ سببَ ضلالِهِ
وشقاوتِهِ ، والموفَّقُ ينظرُ فيهِ فيكونُ سببَ هدايتِهِ وسعادتِهِ ، وما مِنْ ذرّةٍ في
السماءِ والأرضِ إلا واللهُ سبحانَهُ وتعالى يضلُّ بها مَنْ يشاءُ ، ويهدي بها مَنْ
يشاءُ ، فمَنْ نظرَ في هذهِ الأمورِ مِنْ حيثُ إنَّها فعلُ اللهِ تعالى وصنعُهُ ..
استفادَ منهُ المعرفةَ بجلالِ اللهِ تعالى وعظمتِهِ واهتدى بهِ ، ومَنْ نظرَ فيها
قاصراً للنظرِ عليها مِنْ حيثُ تأثيرُ بعضِها في بعضٍ ، لا مِنْ حيثُ ارتباطُها
بمسبِّبِ الأسبابِ .. فقدْ شقيَ وارتدى ، فنعوذُ باللهِ مِنَ الضلالِ، ونسألُهُ أنْ
يجنبنا مزلَّةً أقدام الجهَّالِ بمنِّهِ وكرمِهِ وفضلِهِ ، وجودِهِ ورحمتِهِ .
تم كتاب الفكر
وهو الكتاب التاسع من ربع المنجيات من كتب إحياء علوم الذين
والحم شهد أولاً وآخراً، والصّلاة والسّلام على نبيّه وآله باطنًا وظاهرًاً
يتلون كتاب ذكر الموت وما بعده
(١) الذي يذهب إلى تأثير الطبائع في الأشياء. ((إتحاف)) (٢١٩/١٠).
٣٠٥

ڪْكِتَابُ
ذِكْرِ المُنْوَ مَا لَعَدُ
٠
وهو الكتاب العاشر من ربع المنجيات
من كتب إحياء علوم الدين
٠
.
٣٠٧

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
كتاب ذكر الموت وما بعده
بِسِْلهِ الرَّمِ الرَّحَيَّةِ
جر
الحمدُ للهِ الذي قصمَ بالموتِ رقابَ الجبابرةِ ، وكسرَ بهِ ظهورَ الأكاسرةِ ،
وقصرَ بهِ آمالَ القياصرةِ ، الذينَ لَمْ تزلْ قلوبُهُم عنْ ذكرِ الموتِ نافرةٌ ، حتى
جاءَهَمُ الوعدُ الحقُّ فأرداهُمْ في الحافرةِ، فتُقُلُوا مِنَ القصورِ إلى القبورِ ، ومِنْ
ضياءِ المهودِ إلى ظلمةِ اللحودِ ، ومِنْ ملاعبةِ الجواري والغلمانِ إلى مصاحبةٍ
الهوامٌ والديدانِ ، ومِنَ التنقُمِ بالطعامِ والشرابِ إلى التمرُّغِ في الترابِ ، ومِنْ
أُنْسِ العشرةِ إلى وحشةِ الوحدةِ ، ومِنَ المضجعِ الوثيرِ إلى المصرعِ الوبيلِ ،
فانظرْ هلْ وجدوا مِنَ الموتِ حصناً وعزّاً ، أوِ اتخذوا مِنْ دونِهِ حجاباً وحرزاً ؟!
وانظرْ هلْ تحسُّ منهُمْ مِنْ أحدٍ أوْ تسمعُ لهُمْ رِكْزاً ؟!
فسبحانَ مَن تفرَّدَ بالقهرِ والاستيلاءِ ، واستأثرَ باستحقاقِ البقاءِ ، وأذلَّ
أصنافَ الخلقِ بما كتبَ عليهِمْ مِنَ الفناءِ ، ثمَّ جعلَ الموتَ مخلصاً للأتقياءِ ،
وموعداً في حقُّهمْ للَّقاءِ ، وجعلَ القبرَ سجناً للأشقياءِ ، وحبساً ضيقاً عليهِمْ
إلى يوم الفصلِ والقضاءِ ، فلهُ الإنعامُ بالنعم المتظاهرةِ(١)، ولهُ الانتقامُ
ـو
(١) أي: العديدة المعاونة بعضها بعضاً. («إتحاف)) (٢٢١/١٠).
٣٠٩
TG

G
کتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
بالنقمِ القاهرةِ ، ولهُ الشكرُ في السماواتِ والأرضِ ، ولهُ الحمدُ في الأولى
والآخرةِ .
والصلاةُ على محمدٍ ذي المعجزاتِ الظاهرةِ ، والآياتِ الباهرةِ ، وعلى
آلِهِ وأصحابِهِ وسلَّمَ تسليماً كثيراً .
أما بعتَّد:
فجديرٌ بمَنِ الموتُ مصرعُهُ ، والترابُ مضجعُهُ، والدودُ أنيسُهُ ، ومُنْكَرٌ
ونَكِيرٌ جليسُهُ، والقبرُ مقرُّهُ، وبطنُ الأرضِ مستقرُّهُ، والقيامةُ موعدُهُ،
والجنَّةُ أوِ النارُ موردُهُ .. ألاَّ يكونَ لهُ فكرٌ إلَّ في الموتِ، ولا ذكرٌ إلَّ لهُ،
ولا استعدادٌ إلاَّ لأجلِهِ ، ولا تدبيرٌ إلاَّ فيهِ، ولا تطلُّعٌ إلَّ إليهِ ، ولا تعريجٌ
إلَّ عليهِ ، ولا اهتمامٌ إلَّ بهِ ، ولا حومٌ إلاَّ حولَهُ، ولا انتظارٌ وتربُّصٌ إلاَّ
لهُ، وحقيقٌ بأَنْ يعُدَّ نفسَهُ مِنَ الموتى ويراها في أصحابِ القبورِ ؛ فإنَّ كلَّ
ما هوَ آتٍ قريبٌ ، والبعيدُ ما ليسَ بآتٍ .
وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((الكيُِّ مَنْ دانَ نفسَهُ وعملَ لما بعدَ
الموتِ ))(١)، ولنْ يتيسَّرَ الاستعدادُ للشيءٍ إلَّ عندَ تجذُّدِ ذكرِهِ على القلبِ ،
ولا يتجدَّدُ ذكرُهُ إلاَّ عندَ التذكُّرِ بالإصغاءِ إلى المذكِّراتِ لهُ ، والنظرِ في
المنبِّهاتِ عليهِ .
(١) رواه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه ( ٤٢٦٠ ) من حديث شدّاد بن أوس رضي الله
عنه .
٣١٠

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
ونحنُ نذكرُ مِنْ أمرِ الموتِ ومقدماتِهِ ولواحقِهِ ، وأحوالِ الآخرةِ
والقيامةِ، والجنَّةِ والنارِ .. ما لا بدَّ للعبدِ مِنْ تذكارِهِ على التكرارِ ،
وملازمتِهِ بالافتكارِ والاستبصارِ ؛ ليكونَ ذلكَ مستحثاً على الاستعدادِ فقدْ
قرُبَ لما بعدَ الموتِ الرحيلُ ، فما بقيَ مِنَ العمرِ إلَّ قليلٌ ، والخلقُ عنهُ
غافلونَ، ﴿اقْتَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾، ونحنُ نذكرُ
ما يتعلَّقُ بالموتِ في شطرينِ .
٣١١

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
الشَّظرُ الأَوَّلُ
في مقدمات الموت وتوابعه إلى نفخة الصور
وفيه ثمانية أبواب
البابُ الأوَّلُ : في فضلٍ ذكرِ الموتِ والترغيبِ فيهِ .
البابُ الثاني : في ذكرِ طولِ الأملِ وقصرِهِ .
البابُ الثالثُ : في سكراتِ الموتِ وشدَّتِهِ ، وما يُستحبُّ مِنَ الأحوالِ
عندَ الموتِ .
البابُ الرابعُ: في وفاةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ والخلفاءِ
الراشدينَ مِنْ بعدِهِ .
البابُ الخامسُ : في كلام المحتضرينَ مِنَ الخلفاءِ والأمراءِ والصالحينَ .
البابُ السادسُ : في أقاويلِ العارفينَ على الجنائزِ والمقابرِ ، وحكمٍ
زيارة القبورِ .
البابُ السابعُ : في حقيقةِ الموتِ وما يلقاهُ المَيِّتُ في القبرِ إلى نفخةِ
الصورِ .
البابُ الثامنُ : فيما عُرِفَ مِنْ أحوالِ الموتى بالمكاشفةِ في المنامِ .
٣١٢

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
البَابُ الْأَوَكُ
في فضل ذكر الموت والشّغيب في الإكثار من ذكره
اعلمْ : أنَّ المنهمكَ في الدنيا ، المكبَّ على غرورِها ، المحبَّ
لشهواتِها .. يغفُلُ قلبُهُ - لا محالةَ - عنْ ذكرِ الموتِ فلا يذكرُهُ، وإذا ذُكِّرَ
بهِ .. كرهَهُ ونفرَ منهُ، أولئكَ همُ الذينَ قالَ اللهُ تعالى فيهِمْ: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ
الَّذِى تَفِرُونَ مِنَّهُ فَإِنَّهُ مُلَقِيكُمْ ثُمَّ تُذُونَ إِلَى عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنَبِئُّكُمْ بِمَا
كُ تَعْمَلُونَ﴾ .
ثُمَّ الناسُ إمَّا منهمكٌ، أو تائبٌّ مبتدىءٌ، أَوْ عارفٌ منتهٍ .
أمَّا المنهمكُ: فلا يذكرُ الموتَ، وإنْ ذكرَهُ .. فيذكرُهُ للتأسُّفِ على
دنياهُ، ويشتغلُ بمذمَّتِهِ ، وهذا يزيدُهُ ذكرُ الموتِ مِنَ اللهِ بعداً .
وأمَّا التائبُ : فإنَّهُ يكثرُ ذكرَ الموتِ ؛ لينبعثَ بهِ مِنْ قلبهِ الخوفُ
والخشيةُ ، فيفيَ بتمام التوبةِ ، وربَّما يكرهُ الموتَ خيفةً مِنْ أَنْ يختطفَهُ قبلَ
تمامِ التوبةِ وقبلَ إصلاحِ الزادِ ، وهوَ معذورٌ في كراهةِ الموتِ ، ولا يدخلُ
هذا تحتَ قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ كرهَ لقاءَ اللهِ .. كرهَ اللهُ
٣١٣

. .. ..
:
.....
كتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
لقاءَهُ))(١) فإنَّ هذا ليسَ يكرهُ الموتَ ولقاءَ اللهِ، وإنَّما يخافُ فوتَ لقاءِ اللهِ
لقصورِهِ وتقصيرِهِ ، وهو كالذي يتأخّرُ عنْ لقاءِ الحبيبِ مشتغلاً بالاستعدادِ
للقائِهِ على وجهٍ يرضاهُ ، فلا يُعدُّ كارهاً للقائِهِ، وعلامةُ هذا : أنْ يكونَ دائمَ
الاستعدادِ لهُ، لا شغلَ لهُ سواهُ ، وإلا .. التحقَ بالمنهمكِ في الدنيا.
وأمَّا العارفُ : فإنَّهُ يذكرُ الموتَ دائماً؛ لأنَّهُ موعدُ لقائِهِ بحبيبهِ ،
والمحبُّ لا ينسى قطّ موعدَ لقاءِ الحبيبِ ، وهذا في غالبِ الأمرِ يستبطىءُ
مجيءَ الموتِ ويحبُّ مجيئَةُ؛ ليتخلَّصَ مِنْ دارِ العاصينَ ، وينتقلَ إلى جوارِ
ربِّ العالمينَ ، كما رُوِيَ عنْ حذيفةَ: أَنَّهُ لمَّا حضرَتُهُ الوفاةُ .. قالَ :
( حبيبٌ جاءَ على فاقةٍ ، لا أفلحَ مَنْ ندمَ ، اللهمَّ؛ إنْ كنتَ تعلمُ أنَّ الفقرَ
أحبُّ إليَّ مِنَ الغنى، والسقمَ أحبُّ إليَّ مِنَ الصحةِ ، والموتَ أحبُّ إليَّ مِنَ
الحياةِ .. فسهُلْ عليَّ الموتَ حتى ألفاكَ)(٢).
فإذاً ؛ التائبُ معذورٌ في كراهةِ الموتِ ، وهذا معذورٌ في حبِّ الموتِ
وتمنِّيهِ ، وأعلى منهما رتبةً مَنْ فوَّضَ أمرَهُ إلى اللهِ تعالى، فصارَ لا يختارُ
لنفسِهِ موتاً ولا حياةً ، بلْ يكونُ أحبُّ الأشياءِ إليهِ أحبَّها إلى مولاهُ ، فهذا
(١) رواه البخاري (٦٥٠٧)، ومسلم ( ٢٦٨٣) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله
عنه .
(٢) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (٢٨٢/١) بنحوه .
٣١٤

ربع المنجيات
كتاب ذكر الموت
قدِ انتهى بفرطِ الحبِّ والولاءِ إلى مقام التسليمِ والرضا ، وهوَ الغايةُ
والمنتهى(١) .
وعلى كلِّ حالٍ : ففي ذكرِ الموتِ ثوابٌ وفضلٌ ؛ فإنَّ المنهمكَ أيضاً
يستفيدُ بذكرِ الموتِ التجافيَ عنِ الدنيا ؛ إذْ يتنغَّصُ عليهِ نعيمُهُ ، ويتكدَّرُ
عليهِ صفوُ لَّتِهِ ، وكلُّ ما يكدِّرُ على الإنسانِ اللذاتِ والشهواتِ .. فهوَ مِنْ
أسبابِ النجاةِ .
(١) لأنه لا يتصور وقوع ذلك إلا بعد كمال المحبة ، فلو تمنى أهل النهى من أولي الألباب
غاية الأماني ، فكونت لهم على ما تمنوا .. لكان رضاهم عن الله في تدبيره ومعرفتهم
بحسن تقديره خيراً لهم من تحري أمانيهم ، وأفضل لهم عند الله من قِبَلٍ أن الله أحكم
الحاكمين. ((إتحاف)) (٢٢٣/١٠) .
٣١٥

کتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
بيان فضل ذكر الموت كيفما كان
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أكثروا مِنْ ذكرِ هاذم اللذَّاتِ))(١)
أي : نغُّصوا بذكرِهِ اللذاتِ حتى ينقطعَ ركونُكُمْ إليها، فتقبلوا على اللهِ
تعالى .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( لَوْ تعلمُ البهائمُ مِنَ الموتِ ما يعلمُ ابنُ
آدَمَ .. ما أكلتُمْ منها سميناً))(٢).
وقالتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : يا رسولَ اللهِ ؛ هلْ يُحشرُ معَ الشهداءِ
أحدٌ؟ قالَ : (( نعمْ؛ مَنْ يذكرُ الموتَ في اليوم والليلةِ عشرينَ مرَّةً ))(٣).
وإنَّما سببُ هذهِ الفضيلةِ كلِّها أنَّ ذكرَ الموتِ يوجبُ التجافيَ عنْ دارِ
الغرورِ ، ويتقاضى الاستعدادَ للآخرةِ ، والغفلةً عنِ الموتِ تدعو إلى
الانهماك في شهوات الدنيا .
(١) رواه الترمذي (٢٣٠٧)، والنسائي (٤/٤)، وابن ماجه (٤٢٥٨) عن أبي هريرة
رضي الله عنه .
(٢) رواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٤٣٤)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ١٠٠٧٣)
عن أم صُبَيّة الجهنية رضي الله عنها مرفوعاً .
(٣) رواه الطبراني في (( الأوسط)) (٧٦٧٢) ولفظه: أنها قالت : يا رسول الله ؛ ليس
الشهيد إلا من قتل في سبيل الله؟ فقال: (( يا عائشة؛ إن شهداء أمتي إذاً لقليل ، من
قال في يوم خمسة وعشرين مرة : اللهم ؛ بارك لي في الموت وفيما بعد الموت ، ثم
مات على فراشه .. أعطاه الله أجر شهيد)).
٣١٦

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( تحفةُ المؤمنِ الموتُ))(١) .
وإنَّما قالَ هذا لأنَّ الدنيا سجنُ المؤمنِ ؛ إذْ لا يزالُ فيها في عناءٍ مِنْ
مقاساةِ نفسِهِ ، ورياضةِ شهواتِهِ ، ومدافعةِ شيطانِهِ ، فالموتُ إطلاقٌ لهُ مِنْ
هذا العذابِ ، والإطلاقُ تحفةٌ في حقِّهِ .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الموتُ كفارةٌ لكلِّ مسلم))(٢).
وأرادَ بهذا المسلمَ حقّاً ، المؤمنَ صدقاً ، الذي سلمَ المسلمونَ مِنْ
لسانِهِ ويدِهِ ، وتحقَّقَتْ فيهِ أخلاقُ المؤمنينَ ، ولمْ يتدَّسْ مِنَ المعاصي إلا
باللممِ والصغائرِ ، فالموتُ يطهِّرُهُ منها ويكفِّرُها بعدَ اجتنابِهِ الكبائرَ ، وإقامتِهِ
.(٣)
الفرائضَ (٣).
وقالَ عطاءٌ الخراسانيُّ : مرَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلّمَ بمجلسٍ قدِ
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٥٩٩)، والحاكم في ((المستدرك)) (٣١٩/٤) عن
عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما مرفوعاً، والتحفة : ما أُطرف به الرجل من البر
واللطف ، فالموت خير تحفة يهديها الحق سبحانه لعباده المؤمنين .
(٢) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص٧)، وأبو نعيم في (( الحلية))
(١٢١/٣)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٧١)، والبيهقي في ((الشعب))
(٩٤٢٠) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً، قال الحافظ السخاوي في «المقاصد
الحسنة)) (١٢٠٩): ( وصححه أبو بكر ابن العربي، وقال العراقي في ((أماليه)): إنه
ورد من طرق يبلغ بها رتبة الحسن ) .
(٣) أو يحمل الحديث على موت مخصوص، كما روى البخاري (٢٨٣٠)، ومسلم
(١٩١٦) من حديث أنس رضي الله عنه أيضاً مرفوعاً: ((الطاعون شهادة لكل
مسلم )) .
٣١٧

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
استعلاهُ الضحكُ، فقالَ: (( شُوبوا مجلسَكمْ بذكرِ مكدِّرِ اللذَّاتِ))،
قالوا: وما مكدِّرُ اللذَّاتِ؟ قالَ: ((الموتُ))(١).
وقالَ أنسٌ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((أكثروا مِنْ ذكرِ الموتِ؛ فإنَّهُ يمخِّصُ الذنوبَ ويزهِّدُ في الدنيا))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((كفى بالموتِ مفرّقاً)»(٣).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( كفى بالموتِ واعظاً » (٤) .
وخرجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى المسجدِ ؛ فإذا قومٌ يتحدَّثونَ
ويضحكونَ، فقالَ: ((اذكروا الموتَ، أما والذي نفسي بيدهِ ؛ لوْ تعلمونَ
ما أعلمُ .. لضحكتُمْ قليلاً، ولبكيتُمْ كثيراً)) (٥).
(١) قال الحافظ العراقي: (رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ((الموت)) هكذا مرسلاً ، ورويناه
في ((أمالي الخلال)) من حديث أنس، ولا يصح). ((إتحاف)) (٢٢٨/١٠)، وقد
روى نحوه أبو نعيم في (( الحلية)) (٢٥٢/٩)، والبيهقي في ((الشعب)) (٨٠٢) من
حديث أنس رضي الله عنه قال : مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم يضحكون أو
يمزحون ، فقال : (( أكثروا ذكر هاذم اللذات)).
(٢) قال الحافظ العراقي: (رواه ابن أبي الدنيا في ((الموت)) بإسناد ضعيف جداً).
(«إتحاف)) ( ٢٢٨/١٠) .
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((مكارم الأخلاق)) (٣٢٨)، والحارث بن أبي أسامة في
((مسنده)) (٩٠٨ ) .
(٤) رواه القضاعي في (( مسند الشهاب)) (١٤١٠)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ١٠٠٧٢)
من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنهما مرفوعاً ، ورواه ابن المبارك في (( الزهد )»
(١٤٨) من زيادات نعيم بن حماد موقوفاً على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(٥) قال الحافظ العراقي: (رواه ابن أبي الدنيا في ((الموت)) من حديث ابن عمر بإسناد = ١
٣١٨

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
وذُكِرَ عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رجلٌ ، فأحسنوا الثناءَ عليهِ ،
فقالَ : (( كيفَ ذكرُ صاحبكُمْ للموتِ؟ » قالوا: ما كنَّا نكادُ نسمعُهُ يذكرُ
الموتَ، قالَ: « فإنَّ صاحبَكُمْ ليسَ هناكَ)) (١).
1
وقالَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما : أتيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عاشرَ
عشرةٍ ، فقالَ رجلٌ مِنَ الأنصارِ : مَنْ أكيسُ الناسِ وأكرمُ الناسِ
يا رسولَ اللهِ؟ فقالَ: ((أكثرُهُمْ ذكراً للموتِ، وأشدُّهُمُ استعداداً لهُ،
أولئكَ هُمُ الأكياسُ، ذهبوا بشرفِ الدنيا وكرامةِ الآخرةِ)) (٢).
وأمَّا الآثارُ :
فقدْ قالَ الحسنُ رحمَهُ اللهُ تعالى : فضحَ الموتُ الدنيا ، فلمْ يتركْ لذي
لبٌّ فرحاً(٣) .
٠٥٨
وقالَ الربيعُ بنُ خُثَيمِ : ما غائبٌ ينتظرُهُ المؤمنُ خيراً لهُ مِنَ الموتِ (٤)،
ضعيف). ((إتحاف)) (٢٢٩/١٠)، ورواه تمام في ((فوائده )) (٤٨٤) من حديثه أيضاً .
=
(١) رواه البزار في ((مسنده)) (٦٩٤٩)، وابن عدي في ((الكامل)) (١٥٣/٧) من حديث
أنس رضي الله عنه .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في (( مكارم الأخلاق)) (٣)، والطبراني في (( الكبير))
(٤١٧/١٢)، ورواه مختصراً ابن ماجه (٤٢٥٩).
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٤٩/٢).
(٤) رواه ابن أبي شيبة (٣٥٩٨٩)، وابن المبارك في ((الزهد)) (٢٧٣)، وأبو نعيم في
((الحلية )) ( ٢ / ١١٤ ) .
٣١٩

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
وكانَ يقولُ: لا تشعروا بي أحداً ، وسلّوني إلى ربِّي سلاً(١).
وكتبَ بعضُ الحكماءِ إلى رجلٍ مِنْ إخوانِهِ : يا أخي ؛ احذرِ الموتَ في
هذهِ الدارِ قبلَ أنْ تصيرَ إلى دارٍ تتمنَّى فيها الموتَ فلا تجدُهُ (٢).
وكانَ ابنُ سيرينَ إذا ذُكِرَ عندَهُ الموتُ .. ماتَ كلُّ عضوٍ منهُ(٣).
وكانَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يجمعُ كلَّ ليلةٍ الفقهاءَ ، فيتذاكرونَ الموتَ
والقيامةَ والآخرةَ ، ثمَّ يبكونَ حتى كأنَّ بينَ أيديهِمْ جنازةٌ (٤).
وقالَ إبراهيمُ التيميُّ : شيئانِ قطعا عنِّي لذاذةَ الدنيا : ذكرُ الموتِ ،
والوقوفُ بينَ يديِ اللهِ تعالى(٥) .
وقالَ كعبٌ : مَنْ عرفَ الموتَ .. هانَتْ عليهِ مصائب الدنيا
وهمومُها(٦) .
وقالَ مطرِّفٌ : رأيتُ فيما يرى النائمُ كأنَّ قائلاً يقولُ في وسَطِ مسجدٍ
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٤٣٣)، وفي (أ): (إذا أنا متُّ .. فلا
تشعروا . .. ) .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا. ((إتحاف)) (٢٣١/١٠).
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٧٢/٢)، والبيهقي في ((الزهد الكبير)) (٥٥٧،
٥٥٨ ) .
(٤) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٣٩/٤٥).
(٥) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٨٨/٥) عن عبد الأعلى التيمي.
(٦) رواه أبو نعيم في (( الحلية)) ( ٤٤/٦).
حن
٣٢٠