النص المفهرس
صفحات 281-300
ربع المنجيات
کتاب التفکر
مشغولٌ ببطنِكَ وفرجِكَ ، لا تعرفُ مِنْ نفسِكَ إلا أنْ تجوعَ فتأكلَ ، وتشبعَ
فتنامَ ، وتشتهيَ فتجامعَ ، وتغضبَ فتقاتلَ ، والبهائمُ كلُّها تشاركُكَ في
معرفةِ ذلكَ ، وإنَّما خاصِّيَّهُ الإنسانِ التي حُجبَتِ البهائمُ عنها معرفةُ اللهِ تعالى
بالنظرِ في ملكوتِ السماواتِ والأرضِ ، وعجائبِ الآفاقِ والأنفسِ ؛ إذْ بها
يدخلُ العبدُ في زمرةِ الملائكةِ المقرَّبينَ ، ويُحشرُ في زمرةِ النبيِّينَ والصدِّيقينَ
مقرَّباً مِنْ حضرةِ ربِّ العالمينَ ، وليسَتْ هذهِ المنزلةُ للبهائمِ ، ولا لإنسانٍ
رضيَ مِنَ الدنيا بشهواتِ البهائمِ ، فإنَّهُ شرٌّ مِنَ البهيمةِ بكثيرٍ ؛ إذْ لا قدرةَ
للبهيمةِ على ذلكَ، وأمَّا هوَ .. فقدْ خلقَ اللهُ لهُ القدرةَ، ثمَّ عطَّلَها، وكفرَ
نعمةَ اللهِ فيها ، فأولئكَ كالأنعامِ بِلْ هُمْ أضلُّ سبيلاً .
وإذا عرفتَ طريقَ الفكرِ في نفسِكَ .. فتفكّرْ في الأرضِ التي هيَ مقرِكَ ،
ثُمَّ في أنهارِها وبحارِها ، وجبالِها ومعادنِها ، ثمَّ ارتفعْ منها إلى ملكوتِ
السماواتِ .
أمَّا الأرضُ .. فمِنْ آيَاتِهِ : أنْ خلقَ الأرضَ فراشاً ومهاداً ، وسلكَ فيها
سبلاً فجاجاً ، وجعلَها ذلولاً لتمشوا في مناكبها ، وجعلَها قارَّةً لا تتحرَّكُ ،
وأرسى فيها الجبالَ أوتاداً لها تمنعُها مِنْ أنْ تميدَ ، ثمَّ وسَّعَ أكنافَها حتى عجزَ
الآدميونَ عنْ بلوغ جميع جوانبها وإنْ طالَتْ أعمارُهُمْ وكثُرَ تطوافُهُمْ ، فقالَ
تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءَ بَيْتَهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ : ٤١، وَأَلْأَرْضَ فَرَشْتَهَا فَنِعْمَ الْمَدِهِدُونَ﴾،
٢٨١
کتاب التفکر
ربع المنجيات
وقال تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُوْلًا فَأَمْشُواْ فِ مَنَاكِهَا﴾، وقالَ
تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا﴾ .
وقدْ أكثرَ في كتابِهِ العزيزِ مِنْ ذكرِ الأرضِ ليُفكّرَ في عجائبها ، فظهرُها
مقرّ للأحياءِ ، وبطنُها مرقدٌ للأمواتِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿أَرْ تَجْعَلِ اَلْأَرْضَ كِفَانًا
أَحْيَاءُ وَأَمْوَتَا﴾ . .
فانظرْ إلى الأرضِ وهيَ ميتةٌ، فإذا أنزلَ عليها الماءَ اهتزَّتْ وربَتْ ،
واخضرَّتْ وأنبتَتْ عجائبَ النباتِ ، وخرجَتْ منها أصنافُ الحيواناتِ .
ثمَّ انظرْ كيفَ أحكمَ جوانبَ الأرضِ بالجبالِ الراسياتِ ، الشوامخِ الصمِّ
الصلابِ ، وكيفَ أودعَ المياهَ تحتَها ، ففجَّرَ العيونَ ، وأسالَ الأنهارَ تجري
على وجهِها ، وأخرجَ مِنَ الحجارةِ اليابسةِ ومِنَ الترابِ الكدرِ ماءً رقيقاً ،
عذباً صافياً زلالاً ، وجعلَ بهِ كلَّ شيءٍ حِيٍّ، فأخرجَ بهِ فنونَ الأشجارِ
والنباتِ ؛ مِنْ حبِّ ، وعنبٍ وقضّبٍ ، وزيتونٍ ونخلٍ ورمانٍ وفواكهَ كثيرةٍ
لا تُحصى ، مختلفةَ الأشكالِ والألوانِ ، والطعومِ والصفاتِ والروائحِ ،
يفضِّلُ بعضَها على بعضٍ في الأَكُلِ ، تُسقىُ جميعُها بماءٍ واحدٍ ، وتخرجُ مِنْ
أرضٍ واحدةٍ .
وإنْ قلتَ : إِنَّ اختلافَها باختلافِ بذورِها وأصولِها .. فمتى كانَ في
النواةِ نخلةٌ مطوَّقٌ بعناقيدِ الرطبِ ؟ ومتى كانَ في حبَّةٍ واحدةٍ سبعُ سنابلَ ،
في كلِّ سنبلةٍ مئةُ حبَّةٍ ؟!
٢٨٢
ربع المنجيات
کتاب التفکر
ثُمَّ انظرْ إلى أرضِ البوادي ، وفتّشْ ظاهرَها وباطنَها ، فتراها تراباً
متشابهاً ، فإذا أنزلَ عليها الماءَ .. اهتزَّتْ وربَتْ، وأنبتَتْ مِنْ كلِّ زوجٍ
بهيج ، ألواناً مختلفةٌ ، ونباتاً متشابهاً وغيرَ متشابهٍ ، لكلِّ واحدٍ طعمٌ وريحٌ
ولونٌ وشكلٌ يخالفُ الآخرَ .
ثُمَّ انظرْ إلى كثرتِها ، واختلافِ أصنافِها ، وكثرةِ أشكالِها ، ثمَّ اختلافٍ
طبائع النباتِ وكثرةٍ منافعِهِ ، وكيفَ أودعَ اللهُ تعالى العقاقيرَ المنافعَ الغريبةَ ،
فههذا النباتُ يغذّي، وهذا يقوِّي ، وهذا يحيي ، وهذا يقتلُ، وهذا يبرِّدُ ،
وهذا يسخِّنُ ، وهذا إذا حصلَ في المعدةِ .. قمعَ الصفراءَ مِنْ أعماقِ
العروقِ ، وهذا يستحيلُ إلى الصفراءِ ، وهذا يقمعُ البلغمَ والسوداءَ ، وهذا
يستحيلُ إليهما ، وهذا يصفّ الدمَ ، وهذا يستحيلُ دماً ، وهذا يفرِحُ،
وهذا ينوِّمُ، وهذا يقوِّي ، وهذا يضعِفُ ، فلمْ تنبتْ مِنَ الأرضِ ورقةٌ
ولا نبتةٌ إلا وفيها منافعُ لا يقوى البشرُ على الوقوفِ على كنهِها .
وكلُّ واحدٍ مِنْ هذا النباتِ يحتاجُ الفلاحُ في تربيتِهِ إلى عملٍ
مخصوصٍ ؛ فالنخلُ تُؤْثَرُ، والكرمُ يكسحُ(١) ، والزرعُ ينقَّى عنهُ الحشيشُ
والدَّغَلُ ، وبعضُ ذلكَ يُستنبتُ ببثِّ البذرِ في الأرضِ ، وبعضُهُ بغرسٍ
الأغصانِ ، وبعضُهُ يُركَّبُ في الشجرِ ، ولَوْ أردنا أنْ نذكرَ اختلافَ أجناسٍ
النباتِ وأنواعِهِ ومنافعِهِ وأحوالِهِ وعجائبهِ .. لانقضَتِ الأيَّامُ في وصفٍ
(١) أي: يقطع وينقى ويقلَّم. ((إتحاف)) (٢٠٠/١٠).
٢٨٣
کتاب التفکر
ربع المنجيات
ذلكَ ، فيكفيكَ مِنْ كلِّ جنسٍ نبذةٌ يسيرةٌ تدلُّكَ على طريقِ الفكرِ ، فهذهِ
عجائبُ النباتِ .
ومِنْ آيَاتِهِ : الجواهرُ المودعةُ تحتَ الجبالِ ، والمعادنُ الحاصلةُ مِنَ
الأرضِ ، ففي الأرضِ قطعٌ متجاوراتٌ مختلفةٌ ، فانظرْ إلى الجبالِ كيفَ
يخرجُ منها الجواهرُ النفيسةُ ؛ مِنَ الذهبِ ، والفضةِ ، والفيروزجِ ،
واللعلِ(١) وغيرِها، بعضُها منطبعةٌ تحتَ المطارقِ ؛ كالذهبِ والفضةِ
والنحاسِ والرصاصِ والحديدِ، وبعضُها لا ينطبعُ ؛ كالفيروزجِ واللعلِ ،
وكيفَ هدى اللهُ تعالى الناسَ إلى استخراجِها وتنقيتِها ، واتخاذِ الأواني
والآلاتِ والنقودِ والحليِّ منها .
ثمَّ انظرْ إلىّ معادنِ الأرضِ ؛ مِنَ النفطِ ، والكبريتِ ، والقارِ ،
وغيرها ، وأقلُّها الملحُ ، ولا يُحتاجُ إليهِ إلا لتطييب الطعام ، ولوْ خلتْ عنهُ
بلدةٌ .. لتسارعَ الهلاكُ إليها ، فانظرْ إلى رحمةِ اللهِ تعالى كيفَ خلقَ بعضَ
الأراضي سبخةً بجوهرِها ، بحيثُ يجتمعُ فيها الماءُ الصافي مِنَ المطرِ
فيستحيلُ ملحاً مالحاً محرقاً ، لا يمكنُ تناولُ مثقالٍ منهُ ؛ ليكونَ ذلكَ تطييباً
الطعامِكَ إذا أكلتَهُ، فيهنأَ عيشُكَ .
وما مِنْ جمادٍ ولا حيوانٍ ولا نباتٍ إلا وفيهِ حكمةٌ وحكمٌ مِنْ هذا
(١) وهو حجر أحمر شبه الياقوت، يجلب من معادن أرض بذخشان. «إتحاف)) (٢٠١/١٠).
٢٨٤
ربع المنجيات
کتاب التفکر
الجنسِ ، ما خُلِقَ شيءٌ منها عبثاً ولا لعباً ولا هزلاً ، بلْ خُلِقَ الكلُّ بالحقِّ ،
وكما ينبغي وعلى الوجهِ الذي ينبغي ، وكما يليقُ بجلالِهِ وكرمِهِ ولطفِهِ ،
ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِبِينَ ﴿٤: مَا خَلَقْنَهُمَا
إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ .
ومِنْ آيَاتِهِ : أصنافُ الحيواناتِ وانقسامُها إلى ما يطيرُ وإلى ما يمشي ،
وانقسامُ ما يمشي إلى ما يمشي على رجْلينِ ، وإلى ما يمشي على أربع ،
وعلى عشرٍ ، وعلى مئةٍ كما يُشاهدُ في بعضِ الحشراتِ ، ثمَّ انقسامُها في
المنافع والصورِ والأشكالِ والأخلاقِ والطباع .
فانظرْ إلى طيورِ الجوِّ ، وإلى وحوشِ البرِّ ، وإلى البهائمِ الأهليةِ، ترى
فيها مِنَ العجائبِ ما لا تشكُّ معهُ في عظمةِ خالقِها وقدرةِ مقدِّرِها ، وحكمةٍ
مصوِّرِها ، وكيفَ يمكنُ أنْ يُستقصىُ ذلكَ ؟! بلْ لوْ أردنا أنْ نذكرَ عجائبَ
البقَّةِ أوِ النملةِ أوِ النحلةِ أَوِ العنكبوتِ وهيَ مِنْ صغارِ الحيواناتِ ؛ في بنائِها
بيتَها ، وفي جمعِها غذاءَها ، وفي إلفِها لزوجِها ، وفي ادخارِها لنفسِها ،
وفي حذقِها في هندسةِ بيتِها ، وفي هدايتِها إلى حاجاتِها .. لمْ نقدرْ على
ذلكَ .
فترى العنكبوتَ يبني بيتَهُ على طرفِ طريقٍ أَوْ نهرٍ ، فيطلبُ أوّلاً
موضعينٍ متقاربينٍ بينَهُما فرجةٌ بمقدارِ ذراع فما دونَهُ ، حتى يمكنَهُ أنْ يصلَ
ـو
٢٨٥
کتاب التفکر
ربع المنجيات
بالخيطِ بينَ طرفيهِ ، ثمَّ يبتدىُ فيلقي اللعابَ الذي هوَ خيطُهُ على جانبٍ
ليلتصقَ بهِ ، ثمَّ يغدو إلى الجانبِ الآخرِ فيحكمُ الطرفَ الآخرَ مِنَ الخيطِ ،
ثُمَّ كذلكَ يتردَّدُ ثانياً وثالثاً ، ويجعلُ بعْدَ ما بينَهُما متناسباً تناسباً هندسياً ،
حتى إذا أحكمَ معاقدَ القِمْطِ ، ورتَّبَ الخيوطَ كالسَّدى .. اشتغلَ باللحمةِ ،
فيضعُ اللحمةَ على السَّدى، ويضيفُ بعضَهُ إلى بعضٍ، ويحكمُ العقدَ على
موضع التقاءِ اللحمةِ بالسَّدى ، ويرعى في جميع ذلكَ تناسبَ الهندسةِ ،
ويجعلُ ذلكَ شبكةً يقعُ فيها البقُّ والذبابُ ، ويقعدُ في زاويةٍ مترصِّداً لوقوع
الصيدِ في الشبكةِ ، فإذا وقعَ الصيدُ .. بادرَ إلى أخذِهِ وأكلِهِ ، فإنْ عجزَ عنِ
الصيدِ كذلكَ .. طلبَ لنفسِهِ زاويةٌ مِنْ حائطٍ، ووصلَ بينَ طرفيٍ الزاويةِ
بخيطٍ ، ثمَّ علَّقَ نفسَهُ منها بخيطٍ آخرَ ، وبقي منتكساً في الهواءِ ينتظرُ ذبابةً
تطيرُ ، فإذا طارَ ذبابٌ . . رمى بنفسِهِ إليهِ فأخذَهُ ، ولفَّ خيطَهُ على رجليهِ
وأحكمَهُ ثمَّ أكلَهُ .
وما مِنْ حيوانٍ صغيرٍ ولا كبيرٍ إلا وفيهِ مِنَ العجائبِ ما لا يُحصى ، أفترىُ
أنَّهُ تعلَّمَ هذهِ الصنعةَ مِنْ نفسِهِ ، أوْ تكوَّنَ بنفسِهِ ، أوْ كوَّنَهُ آدميٌّ وعلَّمَهُ ، أوْ
لا هاديَ لهُ ولا معلُّمَ ؟!
أفيشكُ ذو بصيرةٍ في أنَّهُ مسكينٌ ضعيفٌ عاجزٌ ، بلِ الفيلُ العظيمُ شخصُهُ
الظاهرةُ قوتُهُ عاجزٌ عنْ أمرِ نفسِهِ ، فكيفَ هذا الحيوانُ الضعيفُ ؟! أفلا
يشهدُ هوَ بشكلِهِ وصورتِهِ وحركتِهِ وهدايتِهِ وعجائبٍ صنعتِهِ لفاطرِهِ الحكيمِ ،
وخالقِهِ القادرِ العلیمِ ؟!
٢٨٦
ربع المنجيات
كتاب التفکر
فالبصيرُ يرى في هذا الحيوانِ الصغيرِ مِنْ عظمةِ الخالقِ المدبِرِ وجلالِهِ ،
وكمالٍ قدرتِهِ وحكمتِهِ .. ما تتحيَّرُ فيهِ الألبابُ والعقولُ، فضلاً عنْ سائرِ
الحيواناتِ .
وهذا البابُ أيضاً لا حصرَ لهُ ؛ فإنَّ الحيواناتِ وأشكالَها وأخلاقَها
وطباعها غيرُ محصورةٍ ، وإنَّما سقطَ تعجُّبُ القلوبِ منها لأنسِها بكثرةِ
المشاهدة .
نعمْ، إذا رأى حيواناً غريباً ولوْ دوداً .. تجدَّدَ تعجُّبُهُ، وقالَ:
سبحانَ اللهِ ما أعجبَهُ ! والإنسانُ أعجبُ الحيواناتِ وليسَ يتعجّبُ مِنْ نفسِهِ ،
بلْ لو نظرَ إلى الأنعام التي ألفَها ، ونظرً إلى أشكالِها وصورِها ، ثمَّ إلى
منافعِها وفوائدِها ؛ مِنْ جلودِها ، وأصوافِها ، وأوبارِها ، وأشعارِها ، التي
جعلها اللهُ لباساً لخلقِهِ ، وأكناناً لُهُمْ في ظعنِهِمْ وإقامتِهِمْ، وآنيةً لأَشربتِهِمْ،
وأوعيةً لأغذيتِهِمْ ، وصواناً لأقدامِهِمْ ، وجعلَ ألبانَها ولحومَها أغذيةً لهُمْ ،
ثمَّ جعلَ بعضَها زينةً للركوبِ ، وبعضَها حاملةً للأثقالِ ، قاطعةً للبوادي
والمفازاتِ البعيدةِ .. لأكثرَ الناظرُ التعُّبَ مِنْ حكمةِ خالقِها ومُصوِّرِها ؛
فإنَّهُ ما خلقَها إلا بعلمٍ محيطٍ بجميعِ منافعِها ، سابقٍ على خلقِهِ إِيَّاها .
فسبحانَ مَنِ الأمورُ مكشوفةٌ في علمِهِ مِنْ غيرِ تفكّرٍ ، ومِنْ غيرِ تَأْمُّلٍ
وتدبُّرٍ ، ومِنْ غيرِ استعانةٍ بوزيرٍ أوْ مشيرٍ ، فهوَ العليمُ الخبيرُ ، الحكيمُ
القديرُ ، فلقدِ استخرجَ بأقلِّ القليلِ ممَّا خلقَهُ صدْقَ الشهادةِ مِنْ قلوبِ
٢٨٧
كتاب التفكر
ربع المنجيات
العارفينَ بتوحيدِهِ ، فما للخلقِ إلا الإذعانُ لقهرِهِ وقدرتِهِ ، والاعترافُ
بربوبيتِهِ ، والإقرارُ بالعجزِ عنْ معرفةٍ جلالِهِ وعظمتِهِ ، فمَنْ ذا الذي يُحصي
ثناءَ عليهِ ؟! بلْ هوَ كما أثنى على نفسِهِ ، وإنَّما غايةُ معرفتِنا الاعترافُ بالعجزِ
عنْ معرفتِهِ ، فنسألُ اللهَ تعالى أنْ يكرمَنا بهدايتِهِ بمنِّهِ ورأفتِهِ .
ومِنْ آيَاتِهِ : البحارُ العميقةُ المكتنفةُ لأقطارِ الأرضِ التي هيَ قطعٌ مِنَ
البحرِ الأعظمِ المحيطِ بجميعِ الأرضِ ، حتى إنَّ جميعَ المكشوفِ مِنَ
البوادي والجبالِ عنِ الماءِ بالإضافةِ إلى الماءِ كجزيرةٍ صغيرةٍ في بحرٍ
عظيم ، وبقيةُ الأرضِ مستورةٌ بالماءِ ، قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((الأرضُ في البحرِ كالإصطبلِ في الأرضِ))(١)، فانسبْ إصطبلاً إلى جميع
الأرضِ ، واعلمْ أنَّ الأرضَ بالإضافةِ إلى البحرِ مثلُهُ ، وقدْ شاهدتَ عجائبَ
الأرضِ وما فيها ، فتأمَّلِ الآنَ عجائبَ البحرِ ، فإنَّ عجائبَ ما فيهِ منَ
الحيوانِ والجواهرِ أضعافُ عجائبٍ ما تشاهدُهُ على وجهِ الأرضِ ، كما أنَّ
سعتَهُ أضعافُ سعةِ الأرضِ .
ولعظمِ البحرِ كانَ فيهِ مِنَ الحيواناتِ العظامِ ما تُرى ظهورُها في البحرِ
فتُظُرُّ أنَّها جزيرةٌ ، فينزلُ الرَكَّابُ عليها ، فربَّما تحسُّ بالنيرانِ إذا اشتعلَتْ
فتتحرَّكَ ، فيُعلمُ أنَّها حيوانٌ ، وما مِنْ صنفٍ مِنْ أصنافِ حيوانِ البرِّ ؛ مِنْ
(١) قال الحافظ العراقي: ( لم أجد له أصلاً). ((إتحاف)) (٥٨٩/٩).
٢٨٨
ربع المنجيات
کتاب التفکر
فرسٍ ، أَوْ طيرٍ ، أوْ بقرٍ ، أوْ إنسانٍ .. إلا وفي البحرِ أمثالُهُ وأضعافُهُ ، وفيهِ
أجناسٌ لا يُعهدُ لها نظيرٌ في البرِّ ، وقدْ ذُكرَتْ أوصافُها في مجلَّداتٍ ،
وجمعَها أقوامٌ عُنوا بركوبِ البحرِ وجمْع عجائبِهِ .
ثمَّ انظرْ كيفَ خلقَ اللهُ سبحانَهُ وتعالى اللؤلؤَ ودوَّرَهُ في صدفِهِ تحتَ
الماءِ ، وانظرْ كيفَ أنبتَ المرجانَ مِنْ صمِّ الصخورِ تحتَ الماءِ ، وإنَّما هوَ
نباتٌ على هيئةِ شجرٍ ينبتُ مِنَ الحجرِ .
ثمَّ تأمَّلْ ما عداهُ مِنَ العنبرِ وأصنافِ النفائسِ التي يقذفُها البحرُ وتستخرجُ
منهُ .
ثمَّ انظرْ إلى عجائبِ السفنِ كيفَ أمسكَها اللهُ تعالى على وجهِ الماءِ ،
وسيَّرَ فيها التجارَ وطلابَ الأموالِ وغيرَهُمْ، وسخَّرَ لهُمُ الفلكَ لتحملَ
أثقالَهُمْ، ثمّ أرسلَ الرياحَ لتسوقَ السفنَ ، ثمَّ عرَّفَ الملأَّحينَ مواردَ الرياحِ
ومهائَّها ومواقيتَها .
ولا يُستقصى على الجملةِ عجائبُ صنع اللهِ في البحرِ في مجلداتٍ .
وأعجبُ مِنْ ذلكَ كلِّهِ ما هوَ أظهرُ مِنْ كلِّ ظاهرٍ ، وهوْ كيفيةُ قطرةِ
الماءِ ، وهوَ جسمٌ رقيقٌ لطيفٌ سيَّالٌ مُشِفٍّ، متصلُ الأجزاءِ كأنَّهُ شيءٌ
واحدٌ ، لطيفُ التركيبِ ، سريعُ القبولِ للتقطيع كأنَّهُ منفصلٌ، مسخَّرٌ
للتصرُّفِ ، قابلٌ للانفصالِ والاتصالِ ، بهِ حياةُ كلِّ ما على وجهِ الأرضِ مِنْ
حيوانٍ ونباتٍ ، فلوِ احتاجَ العبدُ إلى شربةِ ماءٍ ومُنِعَ منها .. لبذلَ جميعَ
خزائنِ الأرضِ وملكِ الدنيا في تحصيلها لو ملكَ ذلكَ، ثمَّ إذا شربَها ومُنعَ
٢٨٩
يجن
کتاب التفکر
ربع المنجيات
مِنْ إخراجِها .. لبذلَ جميعَ خزائنِ الأرضِ وملكِ الدنيا في إخراجِها ،
فالعجبُ مِنَ الآدميِّ كيفَ يستعظمُ الدينارَ والدرهمَ ونفائسَ الجواهرِ ويغفُلُ
عنْ نعمةِ اللهِ تعالى في شربةِ ماءٍ إذا احتاجَ إلى شربِها أوِ الاستفراغ عنها ..
بذلَ جمیعَ الدنیا فیها !
فتأمَّلْ في عجائبِ المياهِ والأنهارِ ، والآبارِ والبحارِ ، ففيها متسعٌ للفكرِ
ومجالٌ .
وكلُّ ذلكَ شواهدُ متظاهرةٌ ، وآياتٌ متناصرةٌ ، ناطقةٌ بلسانِ حالِها ،
مفصحةٌ عنْ جلالِ بارِئِها ، معربةٌ عنْ كمالِ حكمتِهِ فيها ، مناديةٌ أربابَ
القلوبِ بنغماتِها ، قائلةٌ لكلِّ ذي لبِّ : أما تراني وترى صورتي وتركيبي
وصفاتي ، ومنافعي واختلافَ حالاتي وكثرةَ فوائدي ؟ أتظنُّ أنِّي تكوَّنتُ
بنفسي أوْ خلقَني أحدٌ مِنْ جنسي ؟! أوَما تستحيي أنْ تنظرَ في كلمةٍ مرقومةٍ
مِنْ ثلاثةِ أحرفٍ ، فتقطعَ بأنَّها صنعةُ آدميٍّ عالمٍ قادرٍ مريدٍ متكلُّمٍ ، ثمَّ تنظرَ
إلى عجائبِ الخطوطِ الإلهيةِ المرقومةِ على صفحاتِ وجهي بالقلمِ الإلهي
الذي لا تدركُ الأبصارُ ذاتَهُ ولا حركتَهُ ولا اتصالَهُ بمحلِّ الخطِّ .. ثمَّ ينفكَّ
قلبُكَ عنْ جلالةِ صانِعِهِ ؟!
وتقولُ النطفةُ لأربابِ السمع والقلبٍ ، لا للذينَ هُمْ عنِ السمعِ
معزولونَ : توهمْني في ظلمةِ الأحشاءِ مغموسةً في دم الحيضِ ، في الوقتِ
الذي يظهرُ التخطيطَ والتصويرُ على وجهي ، فينقشُ النقَّاشُ حدقتي ،
وأجفاني وجبهتي ، وخدي وشفتي ، فترى النقوشَ تظهرُ شيئاً فشيئاً على
٢٩٠
ربع المنجيات
کتاب التفكر
التدريج ، ولا ترى داخل النطفةِ نقَّاشاً ولا خارجَها ، ولا داخلَ الرحمِ
ولا خارجَها ، ولا خبرَ منها للأم ولا للأبِ ، ولا للنطفةِ ولا للرحمِ ، أفما
هُذا النقاشُ بأعجبَ ممَّنْ تشاهدُهُ ينقشُ بالقلمِ صورةٌ عجيبةٌ لوْ نظرتَ إليها
مرَّةً أَوْ مرتينٍ لتعلمتَها (١) ، فهلْ تقدرُ على أنْ تتعلَّمَ هذا الجنسَ مِنَ النقشِ
والتصويرِ الذي يعمُّ ظاهرَ النطفةِ وباطَها وجميعَ أجزائِها ، مِنْ غيرِ ملامسةٍ
للنطفةِ ، ومِنْ غيرِ اتصالٍ بها لا مِنْ داخلٍ ولا مِنْ خارجٍ ؟!
فإنْ كنتَ لا تتعجبُ مِنْ هذهِ العجائبِ ، ولا تفهمُ منها أنَّ الذي صوَّرَ
ونقشَ وقدَّرَ لا نظيرَ لهُ، ولا يساويهِ سبحانَهُ نقَّاشٌ ولا مصوِّرٌ ، كما أنَّ نقشَهُ
وصنعَهُ لا يساويهِ نقشٌ وصنعٌ ، فبينَ الفاعلينِ مِنَ المباينةِ والتباعدِ ما بينَ
الفعلين، فإنْ كنتَ لا تتعجَّبُ مِنْ هذا .. فتعجَّبْ مِنْ عدم تعجّبكَ؛ فإنَّهُ
أعجبُ مِنْ كلِّ عجبٍ ، فإنَّ الذي أعمى بصيرتكَ معَ هذا الوضوحِ ومنعَكَ
اليقينَ معَ هذا البيانِ .. جديرٌ بأنْ تتعجَّبُ منهُ .
فسبحانَ مَنْ هدى وأضلَّ، وأغوى وأرشدَ ، وأشقى وأسعدَ ، وفتحَ
بصائرَ أحبابِهِ فشاهدوهُ في جميعِ ذرَّاتِ العالمِ وأجزائِهِ ، وأعمى قلوبَ
أعدائِهِ واحتجبَ عنهُمْ بعزِّهِ وعلائِهِ! فلهُ الخلقُ والأمرُ ، والامتنانُ
والفضلُ ، واللطفُ والقهرُ، لا رادَّ لحكمِهِ ، ولا معقُّبَ لقضائِهِ .
eG
(١) في غير (ب): (لتعلمته) بدل ( لتعلمتها ) .
٢٩١
'وريا
کتاب التفکر
ربع المنجيات
ومِنْ آيَاتِهِ : الهواءُ اللطيفُ المحبوسُ بينَ مقعَّرِ السماءِ ومحدَّبِ
الأرضِ ، يُدركُ بحسِّ اللمسِ عندَ هبوبِ الرياحِ جسمُهُ ، ولا يُرى بالعينِ
شخصُهُ، وجملتُهُ مثلُ البحرِ الواحدِ ، والطيورُ محلّقةٌ في جوِّ السماءِ
ومستبقةٌ ، سباحةٌ فيهِ بأجنحتها كما تسبحُ حيواناتُ البحرِ في الماءِ ،
وتضطربُ جوانبُهُ وأمواجُهُ عندَ هبوبِ الرياحِ كما تضطربُ أمواجُ البحرِ ،
فإذا حرَّكَ اللهُ الهواءَ وجعلَهُ ريحاً هائَّةً؛ فإنْ شاءَ . . جعلَهُ بشراً بينَ يدَيْ
رحمتِهِ ؛ كما قالَ سبحانَهُ: ﴿وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَحَ لَوَقِحَ﴾ ، فيصلُ بحركتِهِ رَوْحُ
الهواءِ إلى الحيواناتِ والنباتاتِ، فتستعدُّ للنماءِ ، وإنْ شاءَ .. جعلَهُ عذاباً
على العصاةِ مِنْ خليقتِهِ ؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيَحَا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَخْسِ
مُسْتَمِّرِّ ٤٨: تَنزِعُ النَّاسَ كَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾.
ثُمَّ انظرْ إلى لطفِ الهواءِ ، ثمَّ شدَّتِهِ وقوَّتِهِ مهما ضغطَ في الماءِ ، فالزقُّ
المنفوخُ يتحاملُ عليهِ الرجلُ القويُّ ليغمسَهُ في الماءِ فيعجزُ عنهُ ، والحديدُ
الصلبُ تضعُهُ على وجهِ الماءِ فيرسبُ فيهِ ، فانظرْ كيفَ ينقبضُ الهواءُ مِنَ
الماءِ بقوَّتِهِ معَ لطافتِهِ ! وبهذهِ الحكمةِ أمسكَ اللهُ تعالى السفنَ على وجهِ
الماءِ ، وكذلكَ كلُّ مجوَّفٍ فيهِ هواءٌ لا يغوصُ في الماءِ ؛ لأنَّ الهواءَ ينقبضُ
عنِ الغوصٍ في الماءِ ، فلا ينفصلُ عنِ السطح الداخلِ مِنَ السفينةِ ، فتبقى
السفينةُ الثقيلةُ معَ قوَّتِها وصلابتِها معلّقةً مِنَ الهواءِ اللطيفِ ، كالذي يقعُ في
بئرٍ فيتعلَّقُ بذيلِ رجلٍ قويٍّ ممتنعِ عنِ الهويِّ في البئرِ ، فالسفينةُ بمقعَّرِها
تتشبّثُ بأذيالِ الهواءِ القويِّ حتى تمتنعَ مِنَ الهويِّ والغوصِ في الماءِ ،
ـجة:
٢٩٢
ربع المنجيات
کتاب التفکر
فسبحانَ مَنْ علَّقَ المركبَ الثقيلَ في الهواءِ اللطيفِ مِنْ غيرِ علاقةٍ تُشَاهِدُ
وعقدةٍ تُشُدُّ !
ثُمَّ انظرْ إلى عجائبِ الجوِّ وما يظهرُ فيهِ مِنَ الغيومِ ، والرعودِ والبروقِ ،
والأمطارِ والثلوجِ ، والشهبِ والصواعقِ ، فهيَ عجائبُ ما بينَ السماءِ
والأرضِ ، وقدْ أشارَ القرآنُ إلى جملةِ ذلكَ في قولهِ تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا
اُلْسَمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِبِينَ﴾، وهذا هوَ الذي بينَهُما، وأشارَ إلى
تفصيلِهِ في مواضعَ شتى حيثُ قالَ عَزَّ مِنْ قائلِ: ﴿ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ
الشَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، وحيثُ تعرَّضَ للرعدِ والبرقِ ، والسحابِ والمطرِ ، فإذا
لمْ يكنْ لكَ حظٌّ مِنْ هذهِ الجملةِ إلا أنْ ترى المطرَ بعينِكَ ، وتسمعَ الرعدَ
بأذنِكَ .. فالبهيمةُ تشاركُكَ في هذهِ المعرفةِ ، فارتفعْ مِنْ حضيضِ عالمٍ
البهائمِ إلى عالمِ الملأ الأعلى ، فقدْ فتحتَ عينَكَ فأدركتَ ظاهرَها ، فغمُضْ
عينَكَ الظاهرةَ وانظرْ ببصيرتِكَ الباطنةِ لترىُ عجائبَ باطنِها وغرائبَ
أسرارها .
وهذا أيضاً بابٌ يطولُ الفكرُ فيهِ ، ولا مطمعَ في استقصائِهِ ، فَتَأْمَّلِ
السحابَ الكثيفَ المظلمَ كيفَ تراهُ يجتمعُ في جوٍّ صافٍ لا كدورةَ فيهِ ،
وكيفَ يخلقُهُ اللهُ تعالى إذا شاءَ ومتى شاءَ، وهوَ معَ رخاوتِهِ حاملٌ للماءِ
الثقيلِ ، وممسكٌ لهُ في جوِّ السماءِ ، إلى أنْ يأذنَ اللهُ في إرسالِ الماءِ
وتقطيع القطراتِ ، كلٌّ قطرةٍ بالقدْرِ الذي أرادَهُ اللهُ تعالى ، وعلى الشكلِ
الذي شاءَهُ، فترى السحابَ يرشُّ الماءَ على الأرضِ، ويرسلُهُ قطراتٍ
٢٩٣
کتاب التفکر
ربع المنجيات
متفاصلةٌ لا تدركُ قطرةٌ منها قطرةً ، ولا تتصلُ واحدةٌ بأخرى ، بلْ تنزلُ كلُّ
واحدةٍ في الطريقِ الذي رُسِمَ لها لا تعدلُ عنهُ ، فلا يتقدَّمُ المتأخِّرُ ،
ولا يتأخَّرُ المتقدِّمُ ، حتى يصيبَ الأرضَ قطرةً قطرةً، فلو اجتمعَ الأوَّلونَ
والآخرونَ على أنْ يخلقوا منها قطرةً ، أوْ يعرفوا عددَ ما ينزلُ منها في بلدةٍ
واحدةٍ ، أو قريةٍ واحدةٍ .. لعجزَ حسابُ الجنِّ والإنسِ عنْ ذلكَ ، فلا يعلمُ
عددَها إلا الذي أوجدَها .
ثمُّ كلُّ قطرةٍ منها عُيِّنَتْ لكلِّ جزءٍ مِنَ الأرضِ مخصوصٍ ، ولكلِّ حيوانٍ
فيها مِنْ طيرٍ ووحشٍ وجميع الحشراتِ والدوابِ ، مكتوبٌ على تلكَ القطرةِ
بخطّ إلهيٍّ لا يُدركُ بالبصرِ الظاهرِ أنَّها رزقُ الدودةِ الفلانيَّةِ التي في ناحيةٍ
الجبلِ الفلانيِّ ، تصلُ إليها عندَ عطشِها في الوقتِ الفلانيِّ ، هذا معَ ما في
انعقادِ البرَدِ الصلبِ مِنَ الماءِ اللطيفِ ، وفي تناثرِ الثلوجِ كالقطنِ المندوفِ
مِنَ العجائبِ التي لا تُحصى .
كلُّ ذلكَ فضْلٌ مِنَ الجبارِ القادرِ ، وقهرٌ مِنَ الخلَّقِ القاهرِ ، ما لأحدٍ مِنَ
الخلقِ فيهِ شرْكٌ ولا مدخلٌ ، بلْ ليسَ للمؤمنينَ مِنْ خلقِهِ إلا الاستكانةُ
والخضوعُ تحتَ جلالِهِ وعظمتِهِ (١) ، ولا للعميانِ الجاحدينَ إلا الجهلُ
بكيفيتِهِ ، ورجمُ الظنونِ بذكرِ سببهِ وعلَّتِهِ ، فيقولُ الجاهلُ المغرورُ : إنَّما
ينزلُ الماءُ لأنَّهُ ثقيلٌ بطبعِهِ ، وإنَّما هذا سببُ نزولِهِ ، ويظنُ أنَّ هذهِ معرفةٌ
(١) في جميع النسخ : ( تحت جماله وعظمته )، والمثبت من (ق) .
٢٩٤
ربع المنجيات
٠٨٠
کتاب التفكر
انكشفَتْ لهُ، ويفرحُ بها ، ولوْ قيلَ لهُ : ما معنى الطبع؟ وما الذي خلقَهُ ؟
وما الذي خلقَ الماءَ الذي طبعُهُ الثقلُ ؟ وما الذي رقَّى الماءَ المصبوبَ في
أسافلِ الشجرِ إلى أعالي الأغصانِ وهوَ ثقيلٌ بطبعِهِ ؟ فكيفَ هوى إلى أسفلَ
ثمَّ ارتفعَ إلى فوقٍ في داخلِ تجاويفِ الأشجارِ شيئاً شيئاً بحيثُ لا يُرى
ولا يُشاهدُ حتى ينتشرَ في جميع أطرافِ الأوراقِ، فيغذّيَ كلَّ جزءٍ مِنْ كلِّ
ورقةٍ ، ويجريَ إليها في تجاويفِ عروقٍ شعريّةٍ صغارٍ ، يُرى منهُ العرقُ الذي
هوَ أصلُ الورقةِ ، ثمَّ ينتشرَ مِنْ ذلكَ العرقِ الكبيرِ الممدودِ في طولِ الورقةِ
عروقٌ صغارٌ ، فكأنَّ الكبيرَ نهرٌ ، وما انشعبَ عنهُ جداولُ ، ثمَّ ينشعبَ مِنَ
الجداولِ سواقٍ أصغرُ منها ، ثمَّ ينتشرَ منها خيوطٌ عنكبوتيَّةٌ دقيقةٌ تخرجُ عنْ
إدراكِ البصرِ ، حتى تنبسطَ في جميعٍ عرضٍ الورقةِ ، فيصلَ الماءُ في أجوافِها
إلى سائرِ أجزاءِ الورقةِ ليغذيَها وينميّها ويزينَها ، وتبقى طراوتُها ونضارتها ،
وكذلكَ إلى سائرِ أجزاءِ الفواكهِ ، فإنْ كانَ الماءُ يتحرَّكُ بطبعِهِ إلى أسفلَ ..
فكيفَ تحرَّكَ إلى فوقٍ ؟ فإنْ كانَ ذلكَ بجذبِ جاذبٍ .. فما الذي سخّرَ ذلكَ
الجاذبَ ؟ فإنْ كانَ ينتهي بالآخرةِ إلى خالقِ السماواتِ والأرضِ ، وجبَّارِ
الملكِ والملكوتِ .. فلِمَ لا يُحالُ عليهِ في أوَّلِ الأمرِ ؟! فنهايةُ الجاهلِ بدايةٌ
العاقلِ .
ومِنْ آيَاتِهِ : ملكوتُ السماواتِ ، وما فيها مِنَ الكواكبِ ، وهوَ الأمرُ
كلُّهُ ، ومَنْ أدركَ الكلَّ وفاتَهُ عجائبُ السماواتِ .. فقدْ فاتَهُ الكلُّ تحقيقاً ؛
٢٩٥
کتاب التفکر
ربع المنجيات
فالأرضُ والبحارُ والهواءُ وكلُّ جسم سوى السماواتِ بالإضافةِ إلى
السماواتِ .. كقطرةٍ في بحرٍ وأصغرَ ، ثمَّ انظرْ كيفَ عظّمَ اللهُ تعالى أمرَ
السماواتِ والنجوم في كتابِهِ ، فما مِنْ سورةٍ إلا وتشتملُ على تفخيمِها في
مواضعَ ، وكمْ مِنْ قَسَمِ في القرآنِ بها ؛ كقولهِ تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِذَاتِ الْبُرُوجِ﴾،
﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُّكِ﴾، ﴿ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَلَنَّهَا﴾، وكقولهِ تعالى:
﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا :﴿ وَالْقَمَرِ إِذَا ثَنْهَا﴾، وكقولِهِ تعالى: ﴿فَلَّ أُقْسِمُ بِلْنَسِ
الْجَوَارِ الْكُتَسِ﴾، وقولِهِ تعالى: ﴿وَالنَّحْمِ إِذَا هَوَى﴾، وقولِهِ تعالى: ﴿فَلَآَ
أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ : ﴿﴿ وَإِنَّهُ لَفَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمُ﴾. فقدْ علمتَ أنَّ
عجائبَ النطفةِ القذرةِ عجزَ عنْ معرفتِها الأولونَ والآخرونَ ، وما أقسمَ اللهُ
بها ، فما ظنُّكَ بما أقسمَ اللهُ تعالى بهِ ، وأحالَ الأرزاقَ عليهِ ، وأضافَها
إليهِ ؟ فقالَ تعالى: ﴿ وَفِ السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾.
وأثنى على المتفكُّرينَ فيهِ فقالَ: ﴿وَيَنَّفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ
وَاُلْأَرْضِ﴾، وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ويلٌ لمَنْ قرأَ هذهِ
الآيةَ ثمّ مسحَ بها سبلتَهُ)) (١) أيْ : تجاوزَها مِنْ غير فكرٍ .
وذمّ المعرضينَ عنها فقالَ: ﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا تَّحْفُوظَا وَهُمْ عَنْ ءَايَتِهَا
مُعْرِضُونَ﴾ .
فأيُّ نسبةٍ لجميع البحارِ والأرضِ إلى السماءِ ، وهيَ متغيِّراتٌ على
(١) قوت القلوب (٢٥٤/١)، وروى ابن حبان في ((صحيحه)) (٦٢٠) نحوه.
٢٩٦
ربع المنجيات
کتاب التفکر
القرْب والسماواتُ صلابٌ شدادٌ ، محفوظاتٌ عنِ التغيُّرِ إلى أنْ يبلغَ الكتابُ
أجلَهُ، ولذلكَ سمَّاهُ اللهُ تعالى محفوظاً فقالَ: ﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا
◌َّحْفُوظَا﴾، وقالَ: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾، وقالَ: ﴿،َأَنْتُمْ أَشَّدُّ خَلْقًّا أَمِ
السَّمَاءُ بَهَا: {يَ: رَفَعَ سَمَّكَهَا فَسَوَّنَهَا﴾؟!
فانظرْ إلى الملكوتِ لترى عجائبَ العزِّ والجبروتِ ، ولا تظنَّنَّ أنَّ معنى
النظرِ إلى الملكوتِ بأنْ تمدَّ البصرَ إليهِ ، فترى زرقة السماءِ وضوءَ الكواكبِ
وتفرّقَها ، فإنَّ البهائمَ تشاركُكَ في هذا النظرِ ، فإنْ كانَ هذا هوَ المرادَ ..
فِلِمَ مدحَ اللهُ تعالى إبراهيمَ عليهِ السلامُ بقولِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِنْزَهِيمَ مَلَكُوتَ
اُلسَمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾؟! لا بلْ كلُّ ما يُدركُ بحاسَّةِ البصرِ فالقرآنُ يعبِّرُ عنهُ
بالملكِ والشهادةِ ، وما غابَ عنِ الأبصارِ فيعبِّرُ عنهُ بالغيبِ والملكوتِ ،
واللهُ تعالى عالمُ الغيبِ والشهادةِ ، وجبَّارُ الملكِ والملكوتِ، ولا يحيطُ
أحدٌ بشيءٍ مِنْ علمِهِ إلا بما شاءَ، وهوَ عالمُ الغيبِ فلا يظهرُ على غيبهِ أحداً
إلا مَنِ ارتضىْ مِنْ رسولٍ .
فأطلْ أيُّها العاقلُ فكرَكَ في الملكوتِ ، فعسى يُفتحُ لكَ أبوابُ السماءِ ،
فتجولَ بقلبكَ في أقطارِها ، إلى أنْ يقومَ قلبُكَ بينَ يدي عرشِ الرحمنِ ،
فعندَ ذلكَ ربَّما يُرجى لكَ أنْ تبلغَ رتبةَ عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ حيثُ
قالَ : ( رأى قلبي ربِّي)، وهذا لأنَّ بلوغَ الأقصى لا يكونُ إلا بعدَ مجاوزةٍ
الأدنىُ ، وأدنى شيءٍ إليكَ نفسُكَ، ثمَّ الأرضُ التي هيَ مقرُّكَ، ثم الهواءُ
المكتنفُ لكَ، ثمّ النباتُ والحيوانُ وما على وجهِ الأرضِ ، ثمَّ عجائبُ
٢٩٧
کتاب التفکر
ربع المنجيات
الجوٍّ وهوَ ما بينَ السماءِ والأرضِ ، ثمَّ السماواتُ السبعُ بكواكبِها ، ثمَّ
الكرسيُّ، ثمَّ العرشُ، ثمَّ الملائكةُ الذينَ هُمْ حملةُ العرشِ وخزَّانُ
السماواتِ ، ثمَّ منهُ تجاوزْ إلى النظرِ إلى ربِّ العرشِ والكرسيِّ والسماواتِ
والأرض وما بينَهُما ، فبينَكَ وبينَهُ هذهِ المفاوزُ الفيحُ ، والمسافاتُ
الشاسعةُ ، والعقباتُ الشاهقةُ، وأنتَ بعدُ لمْ تفرغْ مِنَ العقبةِ القريبةِ النازلةِ ،
وهي معرفةُ ظاهرِ نفسِكَ، ثمَّ صرتَ تطلقُ اللسانَ بوقاحتِكَ وتدَّعي معرفةً
ربِّكَ، وتقولُ : قدْ عرفتُهُ وعرفتُ خلقَهُ، ففيماذا أتفكّرُ؟ وإلى ماذا
أتطلَّعُ ؟
فارفع الآنَ رأسَكَ إلى السماءِ ، وانظرْ فيها وفي كواكبِها ، وفي
دورانِها ، وطلوعِها وغروبِها ، وشمسِها وقمرِها ، واختلافِ مشارقِها
ومغارِبِها ، ودؤوبِها في الحركةِ على الدوامِ مِنْ غيرِ فتورٍ في حركتِها ، ومِنْ
غيرِ تغيُّرٍ في مسيرِها ، بلْ تجري جميعاً في منازلَ مرتبةٍ ، بحسابٍ مقدَّرٍ ،
لا يزيدُ ولا ينقصُ ، إلى أنْ يطويَها اللهُ تعالى طيَّ السجلِ للكتابِ .
وتدبَّرْ عددَ كواكبها وكثرتِها واختلافِ ألوانِها ، فبعضُها يميلُ إلى
الحمرةِ ، وبعضُها إلى البياضِ ، وبعضُها إلى اللونِ الرصاصيِّ .
ثمَّ انظرْ كيفيةَ أشكالِها ، فبعضُها على صورةِ العقربِ ، وبعضُها على
صورةِ الحملِ والثورِ والأسدِ والإنسانِ ، وما مِنْ صورةٍ في الأرضِ إلا ولها
مثالٌ في السماءِ .
ثمَّ انظرْ إلى مسيرِ الشمسِ في فلكِها في مدَّةٍ سنةٍ ، ثمَّ هيَ تطلعُ في كلِّ
٢٩٨
ربع المنجيات
کتاب التفکر
يومٍ وتغربُ بسيرٍ آخرَ سخّرَها لهُ خالقُها ، ولولا طلوعُها وغروبُها ..
لما اختلفَ الليلُ والنهارُ ، ولمْ تُعرفِ المواقيتُ، ولأطبقَ الظلامُ على
الدوام ، أوِ الضياءُ على الدوام ، وكانَ لا يتميّزُ وقتُ المعاشِ عنْ وقتٍ
الاستراحةِ .
فانظرْ كيفَ جعلَ اللهُ تعالى الليلَ لباساً ، والنومَ سباتاً ، والنهارَ معاشاً ،
وانظرْ إلى إيلاجِهِ الليلَ في النهارِ ، والنهارَ في الليلِ ، وإدخالِهِ الزيادةَ
والنقصانَ عليهما على ترتيبٍ مخصوصٍ .
وانظرْ إلى إمالتِهِ مسيرَ الشمسِ عنْ وسطِ السماءِ(١) حتى اختلفَ بسببهِ
الصيفُ والشتاءُ ، والربيعُ والخريفُ ، فإذا انخفضَتِ الشمسُ مِنْ وسطٍ
السماءِ في سيرِها .. بردَ الهواءُ، وظهرَ الشتاءُ ، وإذا استوَتْ في وسطٍ
السماءِ .. اشتدَّ القيظُ، وإذا كانَتْ فيما بينَهُما .. اعتدلَ الزمانُ.
وعجائبُ السماواتِ لا مطمعَ في إحصاءِ عُشْرِ عَشِيرٍ جزءٍ مِنْ أجزائِها ،
وإنَّما هذا تنبيهٌ على طريقِ الفكرِ .
واعتقدْ على الجملةِ أنَّهُ ما مِنْ كوكبٍ مِنَ الكواكبِ إلا وللهِ تعالى حكمٌ
كثيرةٌ في خلقِهِ ، ثمَّ في مقدارِهِ ، ثمَّ في شكلِهِ ، ثمَّ في لونِهِ ، ثمَّ في وضعِهِ
مِنَ السماءِ وقربِهِ مِنْ وسطِ السماءِ وبعْدِهِ ، وقربِهِ مِنَ الكواكبِ التي بجنبِهِ
(١) والمراد بوسط السماء : المجرة المسماة بأم النجوم ، وهي دائرة متصلة اتصال الطوق ،
وتسمى أيضاً: منطقة الفلك. ((إتحاف)) ( ١٠/ ٢١٣).
٢٩٩
کتاب التفكر
ربع المنجيات
وبعْدِهِ ، وقسْ ذلكَ بما ذكرناهُ مِنْ أعضاءِ بدنِكَ؛ إِذْ ما مِنْ جزءٍ إلا وفيهِ حكمٌ
بلْ حكمٌ كثيرةٌ ، وأمرُ السماءِ أعظمُ، بلْ لا نسبةَ لعالمِ الأرضِ إلى عالمٍ
السماءِ ، لا في كبرِ جسمِهِ ، ولا في كثرةِ معانيهِ ، وقسِ التفاوتَ الذي بينَهما
في كثرةٍ المعاني بما بينَهُما مِنَ التفاوتِ في كبرِ الأرضِ ، فأنتَ تعرفُ مِنْ کبرِ
الأرضِ واتساعٍ أطرافِها أنَّهُ لا يقدرُ آدميٌّ على أنْ يدركَها ويدورَ بجوانبِها .
وقدٍ اتفقَ الناظرونَ على أنَّ الشمسَ مثلُ الأرضِ مئةَ مرَّةٍ ونيِّقاً وستينَ
مرةً ، وفي الأخبارِ ما يدلُّ على عظمِها(١) ، والكواكبُ التي تراها أصغرُها
مثلُ الأرضِ ثمانيَ مرَّاتٍ ، وأكبرُها ينتهي إلى قريبٍ مِنْ مئةٍ وعشرينَ مرَّةً مثلَ
الأرضِ ، وبهذا تعرفُ ارتفاعَها وبعدَها ؛ إذْ للبعدِ صارتْ تُرى صغاراً ،
ولذلكَ أشارَ تعالى إلى بعدِها فقالَ: ﴿رَفَعَ سَمَّكَهَا فَوَّنَهَا﴾، وفي الأخبارِ أنَّ
بينَ كلِّ سماءٍ إلى الأخرى مسيرةَ خمس مئةٍ عامٍ (٢).
فإذا كانَ هذا مقدارَ كوكبٍ واحدٍ مِنَ الأرضِ .. فانظر إلى كثرةٍ
الكواكبِ ، ثمَّ انظرْ إلى السماءِ التي الكواكبُ مركوزةٌ فيها وإلى عظمِها ، ثمَّ
انظرْ إلى سرعةِ حركتِها وأنتَ لا تحسنُّ بحركتِها فضلاً عنْ أنْ تدركَ سرعتَها ،
لكنْ لا تشكُّ في أنَّها في لحظةٍ تسيرُ مقدارَ عرضٍ كوكبٍ ؛ لأنَّ الزمانَ مِنْ
(١) منها ما رواه أحمد في ((المسند)) (٢٠٧/٢) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما
قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الشمس حين غربت، فقال: ((في نار الله
الحامية ، لولا ما يزعها من أمر الله .. لأهلكت ما على الأرض)).
(٢) رواه الترمذي ( ٢٥٤٠) .
٣٠٠