النص المفهرس

صفحات 181-200

ربع المنجيات
كتاب المراقبة والمحاسبة حن
بههذا كلَّهِ ؟ وعزَّتي وجلالي ؛ لقدْ صعدَ حافظاكَ أربعينَ سنةً بصحيفتِكَ
ما فيها خطيئةٌ(١) .
وقيلَ : إنَّ قوماً أرادوا سفراً ، فحادوا عن الطريقِ ، فانتهوا إلى راهبٍ
منفردٍ عنِ الناسِ ، فنادَوهُ ، فأشرفَ عليهِمْ مِنْ صومعتِهِ ، فقالوا :
يا راهبُ ؛ إنَّا قَدْ أخطأنا الطريقَ ، فكيفَ هوَ الطريقُ ؟ قالَ : فأومأَ برأسِهِ
إلى السماءِ ، فعلمَ القومُ ما أرادَ ، فقالوا : يا راهبُ ؛ إنَّا سائلوكَ ، فهلْ
أنتَ مجيبُنا ؟ فقالَ : سلوا ولا تكثروا ؛ فإنَّ النهارَ لنْ يرجعَ ، والعمرَ
لا يعودُ، والطالبَ حثيثٌ ، فعجبَ القومُ مِنْ كلامِهِ ، فقالوا : يا راهبُ ؛
علامَ الخلْقُ غداً عندَ مليكِهِمْ؟ فقالَ : علىْ نِيَّتِهِمْ، فقالوا : أوصِنا ،
فقالَ : تزودوا على قدْرِ سفرِكُمْ، فإنَّ خيرَ الزادِ ما بلَّغَ البغيةَ، ثمَّ أرشدَهُمْ
إلى الطريقِ، وأدخلَ رأسَهُ في صومعتِهِ (٢).
وقالَ عبدُ الواحدِ بنُ زيدٍ : مررتُ بصومعةِ راهبٍ مِنْ رهبانِ الصينِ ،
فناديتُهُ : يا راهبُ ؛ فلمْ يجبْني ، فناديتُهُ الثانيةَ، فلمْ يجبْني، فناديتُهُ
الثالثةَ، فأشرفَ عليَّ وقالَ : يا هذا؛ ما أنا براهبٍ ، إنَّما الراهبُ مَنْ
رهبَ اللهَ في سمائِهِ ، وعظّمَهُ في كبريائِهِ ، وصبرَ على بلائِهِ ، ورضيَ
بقضائِهِ ، وحمدَهُ على آلائِهِ ، وشكرَهُ على نعمائِهِ ، وتواضعَ لعظمتِهِ ، وذلَّ
لعزَّتِهِ ، واستسلمَ لقدرتِهِ ، وخضعَ لمهابتِهِ ، وفكّرَ في حسابِهِ وعقابِهِ ،
(١) رواه ابن الجوزي في ((صفة الصفوة)) (١٢٧/٢/٢).
(٢) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) ( ص ١٢٦).
١٨١

كتاب المراقبة والمحاسبة ..
ربع المنجيات
فنهارُهُ صائمٌ، وليلُهُ قائمٌ ، قدْ أسهرَهُ ذكرُ النارِ ، ومسألةُ الجبّارِ ، فذلكَ هوَ
الراهبُ ، وأمَّا أنا .. فكلبٌ عقورٌ، حبستُ نفسي في هذهِ الصومعةِ عنِ
الناسِ لئلا أعقرَهُمْ ، فقلتُ : يا راهبُ ؛ فما الذي قطعَ الخلقَ عنِ اللهِ بعدَ
أنْ عرفوهُ؟ فقالَ : يا أخي ؛ لمْ يقطع الخلقَ عنِ اللهِ تعالى إلا حبُّ الدنيا
وزينتِها ؛ لأنَّها محلُّ المعاصي والذنوبِ ، فالعاقلُ مَنْ رمى بها عنْ قلبِهِ ،
وتابَ إلى اللهِ مِنْ ذنبِهِ ، وأقبلَ على ما يقرِّبُهُ مِنْ ربِّهِ .
وقيلَ لداوودَ الطائيّ: لو سرّحتَ لحيتكَ، فقالَ: إنِّي إذاً لفارغٌ (١).
وكانَ أويسٌ القرنيُّ يقولُ : هذهِ ليلةُ الركوعِ ، فيحيي الليلَ كلَّهُ في
ركعةٍ، وإذا كانَتِ الليلةُ الآتيةُ .. قالَ: هذهِ ليلةُ السجودِ ، فيحيي الليلَ
كلَّهُ في سجدةٍ(٢).
وقيلَ : لمَّا تابَ عتبةُ الغلامُ كانَ لا يتهنَّأُ بالطعام والشرابِ ، فقالَتْ لهُ
أُّهُ : لوْ رفقتَ بنفسِكَ، فقالَ : الرفقَ أطلبُ ، دعيني أتعبُ قليلاً وأتنعَّمُ
طويلاً(٣).
وقيلَ : حجَّ مسروقٌ ، فما نامَ قطُّ إلا ساجدا(٤)
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٣٩/٧).
(٢) رواه أبو نعيم في «الحلية)) ( ٢/ ٨٧).
(٣) بنحوه رواه أبو نعيم في «الحلية)) (٢٣٦/٦)، والناصح له هو عبد الواحد بن زيد .
(٤) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٩٧٥)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٩٥/٢).
١٨٢

ربع المنجيات
كتاب المراقبة والمحاسبة
وقالَ سفيانُ الثوريُّ : ( عندَ الصباحِ يحمدُ القومُ السُّرى ، وعندَ المماتِ
يحمدُ القومُ التقى)(١) .
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ داوودَ : ( كانَ أحدُهُمْ إذا بلغَ أربعينَ سنةً .. طوى
فراشَهُ)(٢) أيْ : كانَ لا ينامُ طولَ الليلِ .
وكانَ كهمسُ بنُ الحسنِ يصلِّي كلَّ يومٍ ألفَ ركعةٍ ، ثمَّ يقولُ لنفسِهِ:
قومي يا مأوى كلِّ شرِّ، فلمَّا ضعُفَ .. اقتصرَ على خمسٍ مئةٍ ، ثمَّ كانَ
يبكي ويقولُ : ذهبَ نصفُ عملي(٣).
وكانَتِ ابنةُ الربيعِ بنِ خُثيمٍ تقولُ لهُ : يا أبةٍ ؛ ما لي أرى الناسَ ينامونَ
وأراكَ لا تنامُ ؟ فيقولُ: يا بنتاهُ ؛ إنَّ أَباكِ يخافُ البياتَ(٤).
ولمَّا رَأَتْ أمّ الربيع ما يلقى الربيعُ مِنَ البكاءِ والسهرِ . . نادتُهُ : يا بنيَّ ؛
لعلَّكَ قتلت قتيلاً ؟! فقالَ : نعمْ يا أماهُ، قالَتْ : فمَنْ هوَ حتى نطلبَ أهلَهُ
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٥/١٠) عن أبي كريمة الكلبي ؛ من عباد أهل الشام ،
وقال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (١٢٧/١٠): (رواه البيهقي في ((الشعب))،
وأبو نعيم في « الحلية))) .
(٢) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) ( ص ٢٧).
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢١١/٦) مختصراً.
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) (٦٠)، وأبو نعيم في (( الحلية))
(١١٤/٢)، والبيات: أن يفجأه العدو ليلاً فيوقع به، واتفق رسم النسخ: ( يا أبة )
بالمربوطة ، وهي على لغة من يقلبها هاءً في الوقف ، وبها قرأ ابن كثير وابن عامر قوله
سبحانه : ﴿ يَكَبَتِ إِّ رَأَيْتُ أَعَدَ عَشَرَ كَوَكَبً ... ) الآية.
١٨٣

كتاب المراقبة والمحاسبة
ربع المنجيات
فيعفوا عنكَ، فواللهِ ؛ لوْ يعلمونَ ما أنتَ فيهِ .. لرحموكَ وعفَوا عنكَ،
فيقول : يا والدتي ؛ هيَ نفسي(١).
وعنْ عمرَ ابنِ أختِ بشرِ بنِ الحارثِ قالَ : سمعتُ خالي بشرَ بنَ
الحارثِ يقولُ لأمِّي(٢) : يا أختي ؛ جوفي وخواصري تضربُ عليَّ، فقالَتْ
لهُ أمِّي : يا أخي ؛ تأذنُ لي حتى أصلحَ لكَ قليلَ حساءٍ بكفِّ دقيقٍ عندي
تتحسَّاهُ يرمُّ جوفَكَ ؟ فقالَ لها : ويحكِ ! أخافُ أنْ يقولَ : مِنْ أينَ لكَ هذا
الدقيقُ؟ فلا أدري أيشِ أقولُ لهُ، فبكَتْ أمِّي ، وبكى معَها ، وبِكَيتُ
معهُمْ ، قالَ عمرُ : ورأتْ أمِّي ما ببشرٍ مِنْ شدَّةِ الجوع ، وجعلَ يتنفَّسُ نفساً
ضعيفاً ، فقالَتْ لهُ أمِّي : يا أخي ؛ ليتَ أمَّكَ لمْ تلدني ؛ فقدْ واللهِ تقطّعَتْ
كبدي ممَّا أرىُ بكَ، فسمعتُهُ يقولُ لها : وأنا فليتَ أمَّكِ لمْ تلدْني ، وإذْ
ولدَتْني لمْ يدرَّ ثديُها عليَّ، قالَ عمرُ : وكانَتْ أمِّي تبكي عليهِ الليلَ
والنهارَ(٣) .
وقالَ الربيعُ : أتيتُ أويساً ، فوجدتُهُ جالساً قدْ صلَّى الفجرَ ، ثمَّ جلسَ
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١١٤/٢).
(٢) أخوات بشر هنَّ مضغةٌ، وهي أكبرهن وأكبر من بشر، وكانت أنيسه، ومخةٌ، وهي
صاحبة سؤال ابن حنبل في الغزل ، وزبدةٌ ، ولها روايات عنه ، وكلهنَّ من الخيِّرات
الزاهدات ، انظر طرفاً من خبرهن عند الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٤/ ٤٣٧).
(٣) قال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) ( ١٢٨/١٠): (رواه أبو الحسن بن جهضم) وذكر
إسناده، ورواه ابن الجوزي في ((صفة الصفوة)) (١٩٩/٢/١).
١٨٤

ربع المنجيات
كتاب المراقبة والمحاسبة
فجلستُ ، فقلتُ : لا أشغلُهُ عنِ التسبيح ، فمكثَ مكانَهُ حتى صلَّى
الظهرَ ، ثمَّ قامَ إلى الصلاةِ حتى صلَّى العصرَ ، ثمَّ جلسَ مكانَهُ حتى صلَّى
المغربَ ، ثمَّ ثبتَ مكانَهُ حتى صلَّى العشاءَ، ثمَّ ثبتَ مكانَةُ حتى صلَّى
الصبحَ، ثمَّ جلسَ ، فغلبتْهُ عيناهُ فقالَ: اللهمَّ ؛ إنِّي أعوذُ بكَ مِنْ عينٍ
نوَّامةٍ، ومِنْ بطنٍ لا تشبعُ ، فقلتُ : حسبي هذا منهُ، ثمَّ رجعتُ (١).
ونظرَ رجلٌ إلى أويسٍ فقالَ : يا أبا عبدِ اللهِ ؛ ما لي أرَاكَ كأنَّكَ مريضٌ ؟
فقالَ : وما لأويسٍ ألا يكونَ مريضاً ، يطعمُ المريضُ وأويسٌ غيرُ طاعمٍ ،
وينامُ المريضُ وأويسٌ غيرُ نائم ؟! وقالَ أحمدُ بنُ حربٍ : يا عجباً لمَنْ
يعرفُ أنَّ الجنةَ تُزْيَّنُ فوقَهُ، وأنَّ النارَ تُسعرُ تحتَهُ .. كيفَ ينامُ بِينَهُما ؟!
وقالَ رجلٌ مِنَ النَّاكِ : أتيتُ إبراهيمَ بنَ أدهمَ ، فوجدتُهُ قدْ صلَّى
العشاءَ ، فقعدتُ أرقُبُهُ ، فلفَّ نفسَهُ بعباءةٍ ، ثمَّ رمى بنفسِهِ ، فلمْ ينقلبْ مِنْ
جنبٍ إلى جنبِ الليلَ كلَّهُ حتى طلعَ الفجرُ وأَذَّنَ المؤذِّنُ ، فوثبَ إلى الصلاةِ
ولمْ يحدثْ وضوءاً ، فحاكَ ذلكَ في صدري ، فقلتُ لهُ: رحمَكَ اللهُ ، قدْ
نمتَ الليلَ كلَّهَ مضطجعاً ، ثمَّ لمْ تجدِّدِ الوضوءَ؟ فقالَ : كنتُ الليلَ
كلَّهُ جائلاً في رياض الجنةِ أحياناً ، وفي أوديةِ النارِ أحياناً ، فهلْ في ذلكَ
نومٌ ؟!
(١) رواه ابن حبيب في ((عقلاء المجانين)) (١٦٤)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
(٤٤٣/٩) .
١٨٥

كتاب المراقبة والمحاسبة
ربع المنجيات
وقالَ ثابتٌ البنانيُّ : ( أدركتُ رجالاً كانَ أحدُهُمْ يصلِّي ، فيعجزُ حتى
ما يأتي فراشَهُ إلا حبواً)(١) .
وقيل : مكثَ أبو بكرِ بنُ عياشٍ أربعينَ سنةً لا يضعُ جنبَهُ على
فراشٍ(٢) .
ونزلَ الماءُ في إحدى عينيهِ ، فمكثَ عشرينَ سنةً لا يعلمُ بهِ أهلُهُ(٣).
وقيلَ : كانَ ورْدُ سمنونٍ في كلِّ يومٍ وليلةٍ خمس مئةِ ركعةٍ (٤).
وعنْ أبي بكرِ المُطَّوِّعيِّ قالَ : كانَ وردي في شبيبتي كلَّ يوم وليلةٍ أقرأ
فيهِ : ( قلْ هوَ اللهُ أحدٌ) إحدى وثلاثينَ ألفَ مرَّةٍ، أَوْ أربعينَ ألفَ مرَّةٍ ،
شكَّ الراوي(٥) .
وكانَ منصورُ بنُ المعتمرِ إذا رأيتَهُ .. قلتَ: رجلٌ أُصيبَ بمصيبةٍ ،
منكسرُ الطرْفِ ، منخفضُ الصوتِ، رطْبُ العينينِ، إنْ حرَّكتَهُ .. جاءَتْ
عيناهُ بأربع(٦) ، ولقدْ قالَتْ لهُ أمُّهُ: ما هذا الذي تصنعُ بنفسِكَ ؟ تبكي
الليلَ عامَّتَهُ لا تسكتُ ؟! لعلَّكَ يا بنيَّ أصبتَ نفساً، لعلَّكَ قتلتَ قتيلاً ؟
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٢١٧) من زيادات نعيم بن حماد.
(٢) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٤ / ٣٨٢).
(٣) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٤/ ٣٨٣).
(٤) رواه الخطيب في (( تاريخ بغداد)) (٢٣٤/٩).
(٥) رواه الخطيب في (( تاريخ بغداد)) (١٤/ ٢٩١) .
(٦) لغزارة دمعه، فهو يسيل من اللحظين والموقين، وانظر ((أساس البلاغة)) (رب ع ).
١٨٦

ربع المنجيات
كتاب المراقبة والمحاسبة
فيقولُ : يا أمَّهْ ؛ أنا أعلمُ بما صنعتُ بنفسي(١).
وقيلَ لعامرِ بنِ عبدِ اللهِ : كيفَ صبرُكَ على سهرِ الليلِ وظمأ الهواجرِ ؟
فقالَ : هلْ هوَ إلا أنِّي صرفتُ طعامَ النهارِ إلى الليلِ ، ونومَ الليلِ إلى
النهارِ ؟! وليسَ في ذلكَ خطيرُ أمرٍ !
وكانَ يقولُ : ما رأيتُ مثلَ الجنةِ نامَ طالبُها ، وما رأيتُ مثلَ النارِ نامَ
هاربُها ، وكانَ إذا جاءَ الليلُ .. قالَ : أذهبَ حرُّ النارِ النومَ ، فما ينامُ حتى
يصبحَ ، فإِذا جاءَ النهارُ .. قالَ: أذهبَ حُّ النارِ النومَ ، فما ينامُ حتى
يمسي ، فإذا جاءَ الليلُ .. قالَ: مَنْ خافَ .. أدلجَ، عندَ الصباحِ يحمدُ
القومُ الشُّرى(٢).
وقالَ بعضُهُمْ : صحبتُ عامرَ بنَ عبدٍ قيسٍ أربعةَ أشهرٍ ، فما رأيتُهُ نامَ
بليلٍ ولا نهارٍ (٣).
ويُروى عنْ رجلٍ مِنْ أصحابٍ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ :
صلَّيتُ خلفَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ الفجرَ ، فلمَّا سلِّمَ . . انفتلَ عنْ يمينِهِ وعلیهِ
كآبةٌ ، فمكثَ حتى طلعَتِ الشمسُ، ثمَّ قَلَّبَ يدَهُ وقالَ : واللهِ ؛ لقدْ رأيتُ
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) (٩٠) ولم يذكر صدره ، وبتمامه ابن الجوزي
في ((صفة الصفوة)) (٥٥/١/٢) .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) (٥٧) عن عامر بن عبد الله بن
عبد قيس ، وهو الآتي ذكره .
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) (٥٨).
١٨٧

كتاب المراقبة والمحاسبة
ربع المنجيات
أصحابَ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وما أرى اليومَ شيئاً يشبهُهُمْ ، كانوا
يصبحونَ شعثاً غبراً صفراً ، قدْ باتوا للهِ سُجَّداً وقياماً ، يتلونَ كتابَ اللهِ ،
يراوحونَ بينَ أقدامِهِمْ وجباهِهِمْ، وكانوا إذا ذكروا اللهَ .. مادوا كما يميدُ
الشجرُ في يومِ الريح ، وهملَتْ أعينُهُمْ حتى تبلَّ ثيابَهُمْ ، وكأنَّ القومَ باتوا
غافلينَ ؛ يعني مَنْ كانَ حولَهُ(١) .
وكانَ أبو مسلم الخولانيُّ قدْ علَّقَ سوطاً في مسجدٍ بيتِهِ يخوِّفُ بهِ نفسَهُ ،
وكانَ يقولُ لنفسِهِ : قومي ، فواللهِ ؛ لأزحفنَّ بكِ زحفاً حتى يكونَ الكللُ
منكِ لا مني ، فإذا دخلَتْهُ الفترةُ .. تناولَ سوطَهُ وضربَ بهِ ساقَهُ ويقولُ :
أنتِ أولى بالضربِ مِنْ دابتي(٢).
وكانَ يقولُ : أيظنُّ أصحابُ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنْ يستأثروا بهِ
دونَنَا، كلا، واللهِ ؛ لنزاحمنَّهُمْ عليهِ زحاماً حتى يعلموا أنَّهُمْ قدْ خلَّفوا
وراءَهُمْ رجالاً(٣).
وكانَ صفوانُ بنُ سليمٍ قدْ تعقَّدَتْ ساقاهُ مِنْ طولِ القيامِ ، وبلغَ مِنَ
الاجتهادِ ما لوْ قيلَ لهُ : يوم القيامةِ غداً .. ما وجدَ متزيَّداً(٤) .
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) (٢٠٥)، والدينوري في (( المجالسة
وجواهر العلم)) ( ص ٢٥٥)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٧٦/١).
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢/ ١٢٧).
(٣) أورده ابن الجوزي في (( التبصرة)) (٥٠٠/١).
(٤) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ( ١٥٩/٣).
١٨٨

ربع المنجيات
كتاب المراقبة والمحاسبة
وكانَ إذا جاءَ الشتاءُ .. اضطجعَ على السطح ليضرَّ بهِ البردُ ، وإذا كانَ
في الصيفِ .. اضطجعَ داخلَ البيوتِ ليجدَ الحَّ والغمَّ فلا ينامُ، وإنَّهُ ماتَ
*(١)
وهوَ ساجد
وكانَ يقولُ: اللهمَّ؛ إنِّي أحبُّ لقاءَكَ فأحبَّ لقائي(٢).
وقالَ القاسمُ بنُ محمدٍ : غدوتُ يوماً ، وكنتُ إذا غدوتُ .. بدأتُ
بعائشةَ رضيَ اللهُ عنها أسلُّمُ عليها ، فغدوتُ يوماً إليها ، فإذا هيَ تصلِّي
صلاةَ الضحى وهيَ تقرأُ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَتْنَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ وتبكي
وتدعو وتردِّدُ الآيةَ ، فقمتُ حتىْ مللتُ وهيَ كما هيَ ، فلمَّا رأيتُ ذلكَ ..
ذهبتُ إلى السوقِ ، فقلتُ : أفرغُ مِنْ حاجتي ثمَّ أرجعُ ففرغتُ مِنْ حاجتي
ثُمَّ رجعتُ وهيَ كما هيَ تردِّدُ الآيَةَ وتدعو وتبكي(٣).
وقالَ محمدُ بنُ إسحاقَ : لمَّا وردَ علينا عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ
حاجّاً .. اعتلَّتْ إحدى قدميهِ، فقامَ يصلِّي على قدمٍ واحدةٍ حتى صلَّى
الصبحَ بوضوءِ العشاءِ(٤).
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ( ١٥٩/٣) بنحوه ضمن خبرين .
(٢) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٣٥/٢٤) .
(٣) رواه ابن الجوزي في ((صفة الصفوة)) (١٥/٢/١)، وعزاه لابن أبي الدنيا ابنُ رجب
في (( فتح الباري)) (٤/ ٢٤٧).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) (١٠٧)، وابن عساكر في ((تاريخ
دمشق)) ( ٣٤ /٢٣١).
١٨٩

كتاب المراقبة والمحاسبة
ربع المنجيات
وقالَ بعضُهُمْ : ( ما أخافُ مِنَ الموتِ إلا مِنْ حيثُ يحولُ بيني وبينَ قِيامِ
الليلِ)(١) .
وقالَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ : ( سيما الصالحينَ صفرةٌ
الألوانِ مِنَ السهرِ ، وعمشُ العيونِ مِنَ البكاءِ ، وذبولُ الشفاءِ مِنَ الصومِ ،
عليهِمْ غبرةُ الخاشعينَ)(٢).
وقيلَ للحسنِ : ما بالُ المتهجدينَ أحسنُ الناسِ وجوهاً ؟ فقالَ : إِنَّهُمْ
خلوا بالرحمنِ ، فألبسَهُمْ نوراً مِنْ نورِهِ (٣).
وكانَ عامرُ بنُ عبدِ قيسٍ يقولُ : إلهي ؛ خلقتَي ولمْ تؤامرْني ، وتميتُي
ولا تعلمُني ، وخلقتَ معي عدوّاً، وجعلتَهُ يجري منِي مجرى الدم ،
وجعلتَهُ يراني ولا أراهُ، ثمَّ قلتَ لي : استمسكْ ، إلهي ؛ كيفَ أستمسكُ
إنْ لمْ تمسكّنِي ؟ إلهي ؛ في الدنيا الهمومُ والأحزانُ ، وفي الآخرةِ العقابُ
والحسابُ ، فأينَ الراحةُ والفرحُ؟(٤).
وقالَ جعفرُ بنُ محمدٍ : كانَ عتبةُ الغلامُ يقطعُ الليلَ بثلاثٍ صيحاتٍ ،
كانَ إذا صلّى العتمةَ وضعَ رأسَهُ بينَ ركبتيهِ يتفكّرُ ، فإذا مضى ثلثُ الليلِ ..
(١) فقد روى أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٧٥/٩) عن أبي سليمان الداراني قوله : ( لأهل
الطاعة بالهمِّ ألذ من أهل اللهو بلهوهم ، ولولا الليل .. ما أحببت البقاء في الدنيا).
(٢) روى أبو نعيم في «الحلية)) (٨٦/١) عن مجاهد قال: ( شيعة علي الحلماء العلماء،
الذبل الشفاه ، الأخيار الذين يعرفون بالرهبانية من أثر العبادة ) .
(٣) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص ٢٨).
(٤) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢/ ٨٧).
١٩٠

ربع المنجيات
كتاب المراقبة والمحاسبة
صاحَ صيحةً ثمَّ يضعُ رأسَهُ بينَ ركبتيهِ يتفكّرُ، فإذا مضىُ ثلثُ الليلِ .. صاحَ
صيحةً ثمَّ يضعُ رأسَهُ بينَ ركبتيهِ يتفكّرُ، فإذا كانَ السحرُ .. صاحَ صيحةٌ ،
قالَ جعفرُ بنُ محمدٍ : فحدثتُ بهِ بعضَ البصريينَ ، فقالَ : لا تنظرُ إلى
صياحِهِ ، ولكنِ انظرْ إلى ما كانَ فيهِ بينَ الصيحتينِ حتى صاحَ (١) .
وعنِ القاسمِ بنِ راشدِ الشيبانيٍّ قالَ : كانَ زمعةُ نازلاً عندنا بالمحصَّبِ ،
وكانَ لهُ أهلٌ وبناتٌ ، وكانَ يقومُ فيصلِّي ليلاً طويلاً، فإذا كانَ السحرُ ..
نادى بأعلى صوتِهِ : أيُّها الركبُ المعرسونَ ؛ أكلَّ هذا الليلِ ترقدونَ ؟!
أفلا تقومونَ فترحلونَ ؟ فيتواثبونَ ، فيُسمِعُ مِنْ هُهنا باكِ ، ومِنْ هُهنا داع ،
ومِنْ ههنا قارىءٌ، ومِنْ هُهنا متوضىءٌ، فإذا طلعَ الفجرُ .. نادى بأعلىُ
صوتِهِ : عندَ الصباحِ يحمدُ القومُ السُّرى (٢).
وقالَ بعضُ الحكماءِ : ( إنَّ اللهِ عباداً أنعمَ عليهِمْ فعرفوهُ ، وشرحَ
صدورَهُمْ فأطاعوهُ، وتوكَّلوا عليهِ فسلَّموا الخلقَ والأمرَ إليهِ ، فصارَتْ
قلوبُهُمْ معادنَ لصفاءِ اليقينِ ، وبيوتاً للحكمةِ ، وتوابيتَ للعظمةِ ، وخزائنَ
للقدرةِ ، فَهُمْ بينَ الخلائقِ مقبلونَ ومدبرونَ ، وقلوبُهُمْ تجولُ في
الملكوتِ ، وتلوذُ بمحجوبِ الغيوبِ ، ثمَّ ترجعُ ومعها طرائفُ مِنْ لطيفٍ
الفوائدِ ما لا يمكنُ واصفاً أنْ يصفَهُ ، فهُمْ في باطنِ أمورِهِمْ كالديباجِ حسناً ،
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٣٤/٦).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) (٦٨).
١٩١

كتاب المراقبة والمحاسبة
ربع المنجيات
وهمْ في الظاهرِ مناديلُ مبذولونَ لمَنْ أرادَهُمْ تواضعاً) ، وهذهِ طريقةٌ
لا يبلغُ إليها بالتكلُّفِ، وإنَّما هوَ فضلُ اللهِ يؤتيهِ مَنْ يشاءُ .
وقالَ بعضُ الصالحينَ : بينما أنا أسيرُ في بعضٍ جبالِ بيتِ المقدسِ ، إذْ
هبطتُ إلى وادٍ هنالكَ ، فإذا أنا بصوتٍ قدْ علا ، وإذا تلكَ الجبالُ تجيبُهُ لها
دويٌّ عالٍ ، فاتبعتُ الصوتَ ، فإذا أنا بروضةٍ عليها شجرٌ ملتفتّ، وإذا أنا
برجلٍ قائمٍ فيها يردِّدُ هذهِ الآية : ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ تُحْضَرًا﴾
إلىُ قولِهِ: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، قالَ: فجلستُ خلفَهُ أسمعُ كلامَهُ وهوَ
يردِّدُ هذهِ الآيةَ؛ إذْ صاحَ صيحةً خرّ منها مغشياً عليهِ ، فقلتُ : وا أسفاهُ ،
هذا لشقائي ، ثمَّ انتظرتُ إفاقتَهُ، فأفاقَ بعدَ ساعةٍ ، فسمعتُهُ وهوَ يقولُ :
أعوذُ بكَ مِنْ مقام الكذَّابينَ ، أعوذُ بكَ مِنْ أعمالِ البطَّالينَ ، أعوذُ بكَ مِنْ
إعراضٍٍ الغافلينَ ، ثمّ قالَ: لكَ خشعَتْ قلوبُ الخائفينَ ، وإليكَ فزعَتْ آمالُ
المقصرينَ ، ولعظمتِكَ ذلَّتْ قلوبُ العارفينَ، ثمَّ نفضَ يدَهُ فقالَ : ما لي
وللدنيا ، وما للدنيا ولي ؟! عليكِ يا دنيا بأبناءِ جنسِكِ، وأَلَّفِ نعيمِكِ، إلى
محبيكٍ فاذهبي ، وإِيَّاهُمْ فاخدعي، ثمَّ قالَ : أينَ القرونُ الماضيةُ، وأهلُ
الدهورِ السالفةِ ؟ في الترابِ ييلونَ، وعلى الزمانِ يفنونَ، فناديتُهُ :
يا عبدَ اللهِ؛ أنا منذُ اليومِ خلفَكَ أنتظرُ فراغَكَ، فقالَ : وكيفَ يفرغُ مَنْ يبادرُ
الأوقاتَ وتبادرُهُ ، يخافُ سبقَها بالموتِ إلى نفسِهِ؟! أمْ كيفَ يفرغُ مَنْ ذهبتْ
أيامُهُ وبقيَتْ آثامُهُ؟! ثمَّ قالَ : أنتَ لها ولكلِّ شدّةٍ أتوقَّعُ نزولَها ، ثمَّ لها عنِّي
ساعةً وقرأَ: ﴿ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾، ثمَّ صاحَ صيحةً أخرى
١٩٢

ربع المنجيات
كتاب المراقبة والمحاسبة
أشدَّ مِنَ الأولىُ ، فخرَّ مغشياً عليهِ ، فقلتُ : قدْ خرجَتْ نفسُهُ ، فدنوتُ
منهُ ، فإذا هوَ يضطربُ ، ثمَّ أفاقَ وهوَ يقولُ : مَنْ أنا ؟ ما خطري ؟ هب لي
إساءتي مِنْ فضلِكَ، وجلَّلْني بسترِكَ، واعفُ عنْ ذنوبي بكرم وجهِكَ إذا
وقفتُ بينَ يديكَ ، فقلتُ لهُ : بالذي ترجوهُ لنفسِكَ وتثقُ بهِ إلا كلَّمْتَنَي ،
فقالَ : عليكَ بكلام مَنْ ينفعُكَ كلامُهُ ، ودعْ كلامَ مَنْ أوبقتْهُ ذنوبُهُ ، إنِّي لفي
هذا الموضع مُذْ شاءَ اللهُ أجاهدُ إبليسَ ويجاهدُني ، فلمْ يجدْ عوناً عليّ
ليخرجَني ممَّا أنا فيهِ غيرَكَ، فإليكَ عنِّي يا مخدوعُ، فقدْ عطّلتَ عليَّ
لساني ، وميَّلتَ إلى حديثِكَ شعبةً مِنْ قلبي، فأنا أعوذُ باللهِ مِنْ شرِّكَ ، ثمَّ
أرجو أنْ يعيذَني مِنْ سخطِهِ ، ويتفضَّلَ عليَّ برحمتِهِ ، قالَ : فقلتُ: هذا
وليٌّ للهِ ؛ أخافُ أنْ أشغلَهُ فأُعاقبَ في موضعي هذا ، فانصرفتُ وتركتُهُ .
وقالَ بعضُ الصالحينَ : بينما أنا أسيرُ في مسيرٍ لي إذ ملتُ إلى شجرةٍ
لأستريحَ تحتَها ، فإذا أنا بشيخ قدْ أشرفَ عليَّ، فقالَ لي : يا هذا؛ قُمْ ،
فإنَّ الموتَ لمْ يمتْ، ثمَّ هامَ على وجهِهِ ، فاتبعتُهُ، فسمعتهُ وهوَ يقولُ :
﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوَّتِ﴾، اللهمَّ؛ باركْ لي في الموتِ ، فقلتُ : وفيما بعدَ
الموتِ(١) ، فقالَ: مَنْ أيقنَ بما بعدَ الموتِ شمَّرَ مئزرَ الحذرِ ، ولمْ يكنْ لهُ
(١) إذ روى الطبراني في «الأوسط)) (٧٦٧٢) من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت :
يا رسول الله؛ ليس الشهيد إلا من قتل في سبيل الله؟ فقال: (( يا عائشة ؛ إن شهداء
أمتي إذاً لقليل ، من قال في يومٍ خمساً وعشرين مرة : اللهم ؛ بارك في الموت وفيما
بعد الموت ، ثم مات على فراشه ، أعطاه الله أجر شهيد)» .
١٩٣

٨
كتاب المراقبة والمحاسبة
ربع المنجيات
في الدنيا مستقرٌّ، ثمَّ قالَ : يا مَنْ لوجهِهِ عنتِ الوجوهُ ؛ بيِّضْ وجهي بالنظرِ
إليكَ، واملأْ قلبي مِنَ المحبةِ لكَ ، وأجرني مِنْ ذَلَّةِ التوبيخ غداً عندَكَ ،
فقدْ آن لي الحياءُ منكَ ، وحانَ لي الرجوعُ عنِ الإعراضِ عنكَ ، ثمّ قالَ :
لولا حلمُكَ .. لمْ يسعْني أجلي، ولولا عفوُكَ .. لمْ ينبسطْ فيما عندَكَ
أملي ، ثمّ مضى وتركني .
[من الوافر]
وقدْ أنشدوا في هذا المعنى :
تَراهُ بِقُنَّةٍ أَوْ بَطْنِ وادِي
نَحِيلُ الْجِسْمِ مُكْتِبُ الْقُؤادِ
يُكَدِّرُ ثِقْلُها صَفْوَ الرُّقادِ
يَنُوحُ عَلَى مَعاصٍ فادِحاتٍ
فَدَعْوَتُهُ أَغِيْنِي يا عِمادِي
كَثِيرُ الصَّفْحِ عَنْ زَلَلِ الْعِبادِ
فَإِنْ هَاجَتْ مَخاوِفُهُ وَزادَتْ
فَأَنْتَ بِمَا أُلاقِيهِ عَلِيمٌ
وقيلَ أيضاً(١):
[من الوافر]
إِذا أَقْبَلْنَ فِي حُلَلٍ حِسانِ
أَلَذُّ مِنَ التَّلَذُّذِ بِالْغَوانِي
مُنِيبٌ فَرَّ مِنْ أَهْلِ وَمَالٍ
لِيُخْمِلَ ذِكْرَهُ وَيَعِيشَ فَرْداً
تَلَذُّذُهُ الثّلاوَةُ أَيْنَ وَلَّى
وَعِنْدَ أَلْمَوْتِ يَأْتِيهِ بَشِيرٌ
يَسِيحُ إِلَى مَكانٍ مِنْ مَكانٍ
وَيَظْفَرَ فِي الْعِبادَةِ بِالأَمانِي
وَذِكْرٌ بِالْفُؤادِ وَبِأَللِسانِ
يُبَشِّرُ بِالنَّجاةِ مِنَ الْهَوانِ
مِنَ الرَّاحاتِ فِي غُرَفِ الْجِنانِ
فَيُدْرِكُ ما أَرادَ وَما تَمَّنَّى
(١) انظر ((الكشكول)) (٢٧٤/١) .
١٩٤

ربع المنجيات
كتاب المراقبة والمحاسبة
وكانَ كُرُزُ بنُ وبرةَ يختمُ القرآنَ في كلِّ يومٍ ثلاثَ مرَّاتٍ ، ويجاهدُ نفسَهُ
في العباداتِ غايةَ المجاهدةِ ، فقيلَ لهُ : قدْ أجهدتَ نفسَكَ ، فقالَ : كُمْ
عمرُ الدنيا ؟ فقيلَ : سبعةُ آلافِ سنةٍ ، فقالَ : كمْ مقدارُ يومِ القيامةِ ،
فقيلَ : خمسونَ ألفَ سنةٍ ، فقالَ : كيفُ يعجزُ أحدُكُمْ أنْ يعملَ سُبُعَ يومٍ
حتى يأمنَ ذلكَ اليومَ ؟! يعني: أنَّكَ لوْ عشتَ عمرَ الدنيا، واجتهدتَ سبعةً
آلافٍ سنةٍ ، وتخلّصتَ مِنْ يومٍ واحدٍ كانَ مقدارُهُ خمسينَ ألفَ سنةٍ .. لكانَ
ربحُكَ كثيراً ، وكنتَ بالرغبةِ فيهِ جديراً، فكيفَ وعمرُكَ قصيرٌ والآخرةُ
لا غايةَ لها؟!(١).
فهكذا كانَتْ سيرةُ السلفِ الصالحِينَ في مرابطةِ النفسِ ومراقبتِها ، فمهما
تمرَّدَتْ نفسُكَ عليكَ ، وامتنعَتْ مِنَ المواظبةِ على العبادةِ .. فطالعْ أحوالَ
هؤلاءِ ؛ فإنَّهُ قدْ عزَّ الآنَ وجودُ مثلِهِمْ، ولوْ قدرتَ على مشاهدةِ مَنِ اقتدى
بهِمْ .. فهوَ أنجعُ في القلبِ ، وأبعثُ على الاقتداءِ ، فليسَ الخبرُ
كالمعاينةِ، وإذا عجزتَ عنْ هذا .. فلا تغفُلْ عنْ سماع أحوالِ هؤلاءِ ، فإنْ
لمْ تكنْ إبل .. فمعزىّ .
وخيِّرْ نفسَكَ بينَ الاقتداءِ بِهِمْ والكونِ في زمرتِهِمْ وغمارِهِمْ وهُمُ العقلاءُ
والحكماءُ وذوو البصائرِ في الدينِ ، وبينَ الاقتداءِ بالجهلةِ الغافلينَ مِنْ أهلِ
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)) (٤١٨)، والدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم)»
(ص ١٥٨)، وكونه يختم القرآن في كل يوم ثلاث مرات رواه ابن أبي الدنيا في
((التهجد وقيام الليل)) ( ١٥٧).
١٩٥
Q

كتاب المراقبة والمحاسبة
ربع المنجيات
عصرِكَ ، ولا ترضَ لها أنْ تنخرطَ في سلكِ الحمقى ، وتقنعَ بالتشُّهِ
بالأغبياءِ ، وتؤثرَ مخالفةَ العقلاءِ .
فإِنْ حدثَتْكَ نفسُكَ بأنَّ هؤلاءِ رجالٌ أقوياءُ لا يُطاقُ الاقتداءُ بهِم .. فطالعْ
أحوالَ النساءِ المجتهداتِ وقلْ لها : يا نفسُ ؛ ألا تستنكفي أنْ تكوني أقلَّ
مِنِ امرأةٍ ؟! فأخسسْ برجلٍ يقصرُ عنِ امرأةٍ في أمرٍ دينِها ودنياها !
ولنذكرِ الآنَ نبذةً مِنْ أحوالِ المجتهداتِ :
فقدْ رُوِيَ عنْ حبيبةَ العدويَّةِ أنَّها كانَتْ إذا صلَّتِ العتمةَ .. قامَتْ على
سطحِ لها ، وشدَّتْ عليها درعَها وخمارَها ، ثمَّ قالَتْ : إلهي ؛ قدْ غارَتِ
النجومُ، ونامَتِ العيونُ، وغلَّقَتِ الملوكُ أبوابَها ، وخلا كلُّ حبيبٍ
بحبيبهِ ، وهذا مقامي بينَ يديكَ . ثمَّ تقبلُ على صلاتِها ، فإذا كانَ السحرُ
وطلعَ الفجرُ .. قالَتْ: إلهي ؛ هذا الليلُ قدْ أدبرَ ، وهذا النهارُ قَدْ
أسْفَر ، فليتَ شعري أقبلتَ منِّي ليلتي فأهناً ، أمْ رددتَها عليَّ فأُعزَّى ؟
وعزَّتِكَ ؛ لهذا دأبي ودأبُكَ ما أبقيتَنَي ، وعزتِكَ ؛ لوِ انتهرتَنِي عَنْ بابِكَ ..
ما برحتُ ؛ لما وقعَ في نفسي مِنْ جودِكَ وكرمِكَ (١).
ويُروى عنْ عَجْرَدَةَ أنَّها كانَتْ تحبي الليلَ ، وكانَتْ مكفوفةَ البصرِ ، فإذا
كانَ في السحرِ .. نادَتْ بصوتٍ لها محزونٍ : إليكَ قطعَ العابدونَ دجى
(١) رواه السلمي في ((ذكر النسوة المتعبدات الصوفيات)) (ص ٩٣).
١٩٦

ربع المنجيات
فى:
كتاب المراقبة والمحاسبة
الليالي ، يستبقونَ إلى رحمتِكَ وفضْلِ مغفرتِكَ ، فبكَ يا إلهي أسألُكَ
لا بغيرِكَ أنْ تجعلَني في أوَّلِ زمرةِ السابقينَ ، وأنْ ترفعَني لديكَ في عليينَ في
درجةِ المقرَّبينَ ، وأنْ تلحقَني بعبادِكَ الصالحينَ ، فأنتَ أرحمُ الرحماءِ ،
وأعظمُ العظماءِ ، وأكرمُ الكرماءِ يا كريمُ ، ثمَّ تخرُّ ساجدةً فيُسمعُ لها
وَجْبةٌ ، ثمَّ لا تزالُ تدعو وتبكي إلى الفجرِ(١) .
وقالَ يحيى بنُ بسطام : كنتُ أشهدُ مجلسَ شَعْوانةَ ، فكنتُ أرى
ما تصنعُ مِنَ النياحةِ والبكاءِ ، فقلتُ لصاحبٍ لي : لوْ أتيناها إذا خلتْ
فأمرناها بالرفقِ بنفسِها ، فقالَ : أنتَ وذاكَ ، قَالَ : فأتيناها ، فقلتُ لها :
لوْ رفقتِ بنفسِكِ وأقصرتِ عنْ هذا البكاءِ شيئاً ، فكانَ أقوىُ لكِ على
ما تريدينَ ، قالَ: فبكَتْ ثمَّ قالَتْ : واللهِ، لوددتُ أنِّي أبكي حتى تنفدَ
دموعي ، ثمَّ أبكي دماً حتى لا تبقى قطرةٌ مِنْ دم في جارحةٍ مِنْ جوارحِي ،
وأنَّى لي بالبكاءِ ، وأنَّى لي بالبكاءِ ؟! فلمْ تزلْ تردِّدُ: (وأنَّى لي بالبكاءِ )
حتى غُشِيَ عليها(٢) .
وقالَ محمدُ بنُ معاذٍ : حدثَتْني امرأةٌ مِنَ المتعبِّداتِ قالَتْ : رأيتُ في
منامي كأنِّي أُدخلتُ الجنةَ ، فإذا أهلُ الجنَّةِ قيامٌ على أبوابِهِمْ، فقلتُ :
ما شأنُ أهلِ الجنةِ قيامٌ ؟ فقالَ لي قائلٌ : خرجوا ينظرونَ إلى هذهِ المرأةِ
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) (٤٥)، وعجردة هي العمية ، ذكرها
السلمي في (( المتعبدات الصوفيات)) ( ص ٥٣ ).
(٢) رواه ابن الجوزي في ((صفة الصفوة)) (٣٣/٢/٢).
١٩٧
ـهـ

كتاب المراقبة والمحاسبة زوجة
مقار
ربع المنجيات
التي زُخرِفَتِ الجنانُ لقدومِها ، فقلتُ: ومَنْ هذهِ المرأةُ ؟ فقيلَ : أمةٌ
سوداءُ مِنْ أهلِ الأُبُلَّةِ يُقالُ لها شَعْوانةُ ، قالَتْ : فقلتُ : أختي واللهِ ،
قالَتْ : فبينا أنا كذلكَ .. إذْ أُقبلَ بها على نجيبةٍ تطيرُ بها في الهواءِ ، فلما
رأيتُها .. ناديتُ : يا أختي ؛ أما ترينَ مكاني مِنْ مكانِكِ ، فلوْ دعوتِ لي
مولاكِ فألحقَني بكِ ، قالَتْ: فتبسَّمَتْ إليَّ وقالَتْ : لمْ يأْنِ لقدومِكِ ،
ولكنِ احفظي عنِّي اثنتينِ : ألزمي الحزنَ قلبَكِ ، وقدِّمي محبَّةَ اللهِ على
هواكِ ، ولا يضرُّكِ متى متِّ(١) .
وقالَ عبيدُ اللهِ بنُ الحسنِ : كانَتْ لي جاريةٌ روميَّةٌ ، وكنتُ بها معجباً ،
فكانَتْ في بعض الليالي نائمةٌ إلى جنبي ، فانتبهَتْ، فالتمستُها(٢) ، فلمْ
أجدها ، فقمتُ أطلبُها ، فإذا هيَ ساجدةٌ وهيَ تقولُ : بحبِّكَ لي إلا
ما غفرتَ لي ذنوبي ، فقلتُ لها : لا تقولي : بحبِّكَ لي ، ولكنْ قولي :
بحبِّي لكَ، فقالَتْ: لا يا مولايَ، بحبِّهِ لي أخرجَني مِنَ الشركِ إلى
الإسلام، وبحبِّهِ لي أيقظَ عيني وكثيرٌ مِنْ خلقِهِ نيامٌ(٣) .
وقالَ أبو هاشم القرشيُّ : قدمَتْ علينا امرأةٌ مِنْ أهلِ اليمنِ يُقالُ لها
سريةُ، فنزلَتْ في بعضٍ ديارِنا ، قالَ : فكنتُ أسمعُ لها مِنَ الليلِ أنيناً
(١) رواه ابن أبي الدنيا. ((إتحاف)) (١٣٩/١٠).
(٢) أي : طلبتها، وفي غالب النسخ: ( لمستها).
(٣) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٣٠٩/١٠)، وعبيد الله بن الحسن بن الحصين
العنبري قاضي البصرة .
١٩٨

ربع المنجيات
كتاب المراقبة والمحاسبة
وشهيقاً ، فقلتُ يوماً لخادم لي : أشرفي على هذهِ المرأةِ فانظري ماذا
تصنعُ ، قالَ : فأشرفَتْ عليها ، فما رأتْها تصنعُ شيئاً غيرَ أنَّها لا تردُّ طرفَها
عنِ السماءِ وهيَ مستقبلَةٌ القبلةَ تقولُ : خلقتَ سريةً ، ثمَّ غذَّيتَها بنعمتِكَ مِنْ
حالٍ إلى حالٍ ، وكلُّ أحوالِكَ لها حسنةٌ ، وكلُّ بلائِكَ عندَها جميلٌ ، وهيَ
معَ ذلكَ متعرِّضةٌ لسخطِكَ بالتوثُّبِ على معاصيكَ فلتةً بعدَ فلتةٍ ، أتراها تظنُّ
أنَّكَ لا ترى سوءَ فعالِها وأنتَ عليمٌ خبيرٌ، وأنتَ على كلِّ شيءٍ
قديرٌ؟!(١).
وقالَ ذو النونِ المصريُّ : خرجتُ ليلةٌ مِنْ وادي كنعانَ ، فلمَّا علوتُ
الواديَ .. إذا سوادٌ مقبلٌ عليَّ وهوَ يقولُ: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ
يَحْتَسِبُونَ﴾ ويبكي ، فلمَّا قرُبَ منِّي السوادُ .. إذا هيَ امرأةٌ عليها جبَّةُ
صوفٍ ، وبيدِها ركوةٌ ، فقالَتْ لي : مَنْ أنتَ ؟ غيرَ فازعةٍ مِنِّي ، فقلتُ :
رجلٌ غريبٌ، فقالَتْ: يا هذا ؛ وهلْ يُوجدُ معَ اللهِ غربةٌ ، قالَ : فبكيتُ
لقولِها، فقالَتْ لي: ما الذي أبكاك ؟ فقلتُ: وقعَ الدواءُ على داءٍ قَدْ
قرحَ ، فأسرعَ في نجاحِهِ ، قالَتْ : فإنْ كنتَ صادقاً .. فلمَ بكَيتَ ؟ قلت :
(١) رواه ابن الجوزي في ((صفة الصفوة)) (١٨٢/٢/١)، والمتعبدة عنده اسمها
( سوية ) ، وتمام الخبر : ( ثم صرخت وسقطت ، فنزلت الجارية فأخبرتني بسقطتها ،
فلما أصبحنا .. نظرنا فإذا هي قد ماتت)، وعند السلمي في (( المتعبدات الصوفيات))
(ص ١١٧) متعبدة اسمها سُرَيرة الشرقية، ووقع في (ف): ( سريرة) بدل
( سرية ) .
١٩٩

كتاب المراقبة والمحاسبة
ربع المنجيات
يرحمُكِ اللهُ، والصادقُ لا يبكي ؟ قالَتْ: لا ، قلتُ : ولِمَ ذاكَ ؟ قالَتْ:
لأنَّ البكاءَ راحةُ القلبِ، فسكتُّ متعجباً مِنْ قولِها(١).
وقالَ أحمدُ بنُ عليٍّ: استأذنًا على عفيرةَ(٢) ، فحجبَتْنا، فلازمنا
البابَ ، فلمَّا علمَتْ ذلكَ .. قامَتْ لتفتحَ البابَ لنا، فسمعتُها وهيَ تقولُ :
اللهمَّ؛ إنِّي أعوذُ بكَ ممَّنْ جاءَ يشغلُني عنْ ذكرِكَ ، ثمَّ فتحَتِ البابَ ودخلنا
عليها ، فقلنا لها : يا أمةَ اللهِ ؛ ادعي لنا ، فقالَتْ : جعلَ اللهُ قراكُمْ في بيتي
المغفرةَ، ثمَّ قالَتْ لنا : مكثَ عطاءٌ السلميُّ أربعينَ سنةً لا ينظرُ إلى
السماءِ ، فحانَتْ منهُ نظرةٌ ، فخرَّ مغشياً عليهِ ، فأصابَهُ فتقٌ في بطنِهِ ، فيا
ليتَ عُفيرةَ إِذْ رفعَتْ رأسَها .. لمْ تعصٍ، ويا ليتَها إذْ عصَتْ .. لمْ تعدْ(٣).
وقالَ بعضُ الصالحينَ : خرجتُ يوماً إلى السوقِ ومعي جاريةٌ حبشيةٌ ،
فاحتبستُها في موضع بناحيةِ السوقِ ، وذهبتُ في بعضٍ حوائجي ، وقلتُ :
لا تبرحي حتى أنصرفَ إليكِ ، قالَ : فانصرفتُ ، فلمْ أجدها في الموضعِ ،
فانصرفتُ إلى منزلي وأنا شديدُ الغضبِ عليها ، فلمَّا رأتْني .. عرفَتِ
الغضبَ في وجهي ، فقالَتْ لي : يا مولايَ ؛ لا تعجلْ عليَّ، إنَّكَ
أجلستَي في موضع لمْ أرَ فيهِ ذاكراً للهِ تعالى ، فخفتُ أنْ يُخسفَ بذلكَ
(١) رواه مع زيادة أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤١/٩).
(٢) انظر بعض أخبارها عند ابن الجوزي في ((صفة الصفوة)) (٢٠/٤/٢)، وعند السلمي
في (( المتعبدات الصوفيات)) (ص ٣٩) عابدة باسم ( غُفيرة ) ، وهي في بعض نسخ
أشار إليها الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)» (١٠ / ١٤٠).
(٣) رواه مختصراً أبو نعيم في (( الحلية)) (٢٢١/٦).
٢٠٠