النص المفهرس
صفحات 161-180
ربع المنجيات قـ كتاب المراقبة والمحاسبة واللهِ لا أعذرُ بههذا، واللهِ لا أعودُ لهذا أبداً إنْ شاءَ اللهُ)(١). وقالَ أنسُ بنُ مالكِ : سمعتُ عمرَ بنَ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ يوماً وقدْ خرجتُ معَهُ حتى دخلَ حائطاً ، فسمعتُهُ يقولُ وبيني وبينَهُ جدارٌ وهوَ في الحائط : ( عمرُ بنُ الخطابِ أميرُ المؤمنينَ ! بخ بخ ، واللهِ ؛ لتتقيَنَّ اللهَ أَوْ ليعذّبَنَّكَ)(٢). وقالَ الحسنُ في قولِهِ تعالى: ﴿ وَلَّ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اَللََّّامَةِ﴾، قال: ( لا يُلقى المؤمنُ إلا يعاتبُ نفسَهُ ؛ ماذا أردتُ بكلمتي ؟ ماذا أردتُ بشربتي ؟ ماذا أردتُ بأكلتي ؟ والفاجرُ يمضي قدماً لا يعاتبُ نفسَهُ)(٣). وقالَ مالكُ بنُ دينارِ رحمهُ اللهُ تعالى : ( رحمَ اللهُ عبداً قالَ لنفسِهِ : ألستِ صاحبةَ كذا؟ ألستِ صاحبةَ كذا ؟ ثمَّ ذمَّها، ثمَّ خطمَها ، ثمَّ ألزمَها كتابَ اللهِ تعالى فكانَ لهُ قائداً )(٤) ، وهذا مِنْ معاتبةِ النفسِ كما سيأتي في موضعِهِ . وقالَ ميمونُ بنُ مهرانَ : ( التقيُّ أشدُّ محاسبةً لنفسِهِ مِنْ سلطانٍ غاشمٍ ، ومِنْ شريكِ شحيحٍ)(٥) . 2 (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٣٠٧)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٦٣٥٧). (٢) رواه مالك في ((الموطأ)) (٩٩٢/٢)، وابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) (٣) . (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) (٤). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) (٨). (٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) (٩). --------- - - - ١٦١ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات وقالَ إبراهيمُ التيميُّ : ( مثَّلْتُ نفسي في الجنةِ ، آكلُ مِنْ ثمارِها ، وأشربُ مِنْ أنهارِها، وأعانقُ أبكارَها ، ثمَّ مثلتُ نفسي في النارِ ، آكلُ مِنْ زقُّومِها ، وأشربُ مِنْ صديدِها ، وأعالجُ سلاسلَها وأغلالَها ، فقلتُ لنفسي : يا نفسُ ؛ أيَّ شيءٍ تريدينَ؟ فقالَتْ: أريدُ أنْ أُردَّ إلى الدنيا فأعملَ صالحاً ، قلتُ : فأنتِ في الأمنيّةِ فاعملي)(١). وقالَ مالكُ بنُ دينارِ : ( سمعتُ الحجَّاجَ يخطبُ وهوَ يقولُ: رحمَ اللهُ امرأً حاسبَ نفسَهُ قبلْ أنْ يصيرَ الحسابُ إلى غيرِهِ ، رحمَ اللهُ امرأً أخذَ بعنانِ عملِهِ فنظرَ ماذا يريدُ بهِ ، رحمَ اللهُ امرأً نظرَ في مكيالِهِ ، رحمَ اللهُ امرأً نظرَ في ميزانِهِ ، فما زالَ يقولُ: رحمَ اللهُ امرأً، رحمَ اللهُ امراً حتى أبكاني)(٢). وحكى صاحبٌ للأحنفِ بنِ قيسٍ قالَ : (كنتُ أصحبُّهُ ، فكانَ عامَّةُ صلاتِهِ بالليلِ الدعاءَ ، وكانَ يجيءُ إلى المصباحِ فيضعُ إصبعَهُ فيهِ حتى يحسَّ بالنارِ ، ثمَّ يقولُ لنفسِهِ : يا حنيفُ ؛ ما حملَكَ على ما صنعتَ يومَ كذا ؟ ما حملَكَ على ما صنعتَ يومَ كذا؟)(٣). (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) (١٠). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) (١١). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) (١٣)، وفيه: ( فيضع إصبعه فيه ثم يقول : حسِّ ... )، وهو اسم صوت يقال لمن تألم من نحو جمرة. ١٦٢ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات بيان حقيقة المحاسبة بعد العمل اعلمْ : أَنَّ العبدَ كما يكونُ لهُ وقتٌ في أوَّلِ النهارِ يشارطُ فيهِ نفسَهُ على سبيلِ التوصيةِ بالحقِّ .. فينبغي أنْ يكونَ لهُ في آخرِ النهارِ ساعةٌ يطالبُ فيها النفسَ ويحاسبها على جميع حركاتِها وسكناتِها ؛ كما يفعلُ التجارُ في الدنيا مع الشركاءِ في آخرِ كلِّ سنةٍ أوْ شهرٍ أوْ يومٍ ؛ حرصاً منهُمْ على الدنيا ، وخوفاً مِنْ أنْ يفوتَهُمْ منها ما لوْ فاتَهُمْ .. لكانَتِ الخيرةُ لهم في فواتِهِ ، ولوْ حصلَ ذلكَ لهُمْ . . فلا يبقى إلا أياماً قلائلَ، فكيفَ لا يحاسبُ العاقلُ نفسَهُ فيما يتعلَّقُ بهِ خطرُ الشقاوةِ والسعادةِ أبدَ الآبادِ ؟! ما هذِهِ المساهلةُ إلا عنٍ الغفلةِ والخذلانِ وقلَّةِ التوفيقِ ، نعوذُ باللهِ مِنْ ذلكَ . ومعنى المحاسبةِ معَ الشريكِ : أنْ ينظرَ في رأسِ المالِ ، وفي الربحِ والخسرانِ ؛ ليتبيَّنَ لهُ الزيادةُ مِنَ النقصانِ، فإنْ كانَ مِنْ فضْلٍ حاصلٍ .. استوفاهُ وشكرَهُ، وإنْ كانَ مِنْ خسرانٍ .. طالبَهُ بضمانِهِ وكلَّفَهُ تداركَهُ في المستقبلِ ؛ فكذلكَ رأسُ مالِ العبدِ في دينِهِ الفرائضُ، وربحُهُ النوافلُ والفضائلُ، وخسرانُهُ المعاصي ، وموسمُ هذهِ التجارةِ جملةُ النهارِ ، ومعاملةُ نفسِهِ الأمارة بالسوءِ ، فيحاسبُها على الفرائضِ أوَّلاً ، فإنْ أَدَّاها على وجهِها .. شكرَ اللهَ تعالىُ عليهِ، ورغَّبَها في مثلِها ، وإنْ فوَّتَها مِنْ أصلِها .. طالبَها بالقضاءِ ، وإنْ أدَّاها ناقصةً .. كلَّفَها الجبرانَ بالنوافلِ ، وإنْ ارتكبَ ١٦٣ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات معصيةً .. اشتغلَ بعقابها وتعذيبها ومعاتبتِها ؛ ليستوفي منها ما يتداركُ بهِ ما فرطَ ، كما يصنعُ التاجرُ بشریکِهِ . وكما أنَّهُ يفتِّشُ في حسابِ الدنيا عنِ الحبَّةِ والقيراطِ ، فيحفظُ مداخلَ الزيادة والنقصانِ ؛ حتى لا يُغبنَ في شيءٍ منها .. فينبغي أنْ يتقيَ غبينةً النفسِ ومكرَها ، فإنَّها خدَّاعةٌ ملبّسةٌ مَكَّارةٌ ، فليطالبْها أوَّلاً بتصحيحِ الجوابِ عنْ جميع ما تكلَّمَ بهِ طولَ نهارِهِ ، وليتكفَّلْ بنفسِهِ مِنَ الحسابِ ما سيتولاَهُ غيرُهُ في صعيدِ القيامةِ ، وهكذا عنْ نظرِهِ ، بلْ عنْ خواطرِهِ وأفكارِهِ ، وقيامِهِ ، وقعودِهِ ، وأكلِهِ وشربِهِ ونومِهِ ، وحتىُ عنْ سكوتِهِ أنَّهُ لِمَ سكتَ ؟ وعنْ سكونِهِ لِمَ سكنَ ؟ فإذا عرفَ مجموعَ الواجبِ على النفسِ ، وصحَّ عندَهُ قدْرٌ أدى الواجبَ فيهِ .. كانَ ذلكَ القدْرُ محسوباً لهُ، فيظهرُ لهُ الباقي على نفسِهِ ، فليثبتْهُ عليها ، وليكتبْهُ على صحيفةِ قلبهِ كما يكتبُ الباقي الذي على شریکه على قلبِهِ وفي جريدةِ حسابِهِ . 2 ثمَّ النفسُ غريمٌ يمكنُ أنْ يُستوفى منهُ الديونُ، أمَّا بعضُها .. فبالغرامةِ والضمانِ ، وبعضُها بردِّ عينِهِ ، وبعضُها بالعقوبةِ لها على ذلكَ ، ولا يمكنُ شيءٌ مِنْ ذلكَ إلا بعدَ تحقيقِ الحسابِ ، وتمييزِ الباقي مِنَ الحقِّ الواجبِ عليهِ ، فإذا حصلَ ذلكَ .. اشتغلَ بعدَهُ بالمطالبةِ والاستيفاءِ . ثمَّ ينبغي أنْ يحاسبَ النفسَ على جميع العمرِ يوماً يوماً ، وساعةً ساعةٌ ، في جميع الأعضاءِ الظاهرةِ والباطنةِ ، كما نُقِلَ عنْ توبةَ بنِ الصمَّةِ وكانَ ١٦٤ ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة بالرقَّةِ ، وكانَ محاسباً لنفسِهِ ، فحسَبَ يوماً فإذا هوَ ابنُ ستينَ سنةً ، فحسبَ أيَّامَها فإذا هيَ أحدٌ وعشرونَ ألفَ يومٍ وخمسُ مئةِ يومٍ ، فصرخَ وقالَ : يا ويلتي ! ألقى الملكَ بأحدٍ وعشرينَ ألفَ ذنبٍ ؟! كيفَ وفي كلِّ يوم عشرةُ آلافِ ذنبٍ ؟! ثمَّ خرَّ مغشياً عليهِ ، فإذا هوَ ميتٌ ، فسمعوا قائلاً يقولُ : يا لكِ ركضةً إلى الفردوسِ الأعلى!(١) . فهكذا ينبغي أنْ يحاسبَ نفسَهُ على الأنفاسِ ، وعلى معصيتِهِ بالقلبِ والجوارحِ في كلِّ ساعةٍ ، ولوْ رمى العبدُ بكلِّ معصيةٍ حجراً في دارِهِ .. لامتلأَتْ دارُهُ في مدَّةٍ يسيرةٍ قريبةٍ مِنْ عمرِهِ ، ولكنَّهُ يتساهلُ في حفظِ المعاصي ، والملكانِ يحفظانِ عليهِ ذلكَ، ﴿أَحْصَنَهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾. (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) (٧٦)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ٩١٦). ١٦٥ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات المُرابطة الرّابعَة في معاقبة النفس على تقصيرها eG مهما حاسبَ نفسَهُ ، فلمْ تسلمْ عنْ مقارفةِ معصيةٍ ، وارتكابٍ تقصيرٍ في حقِّ اللهِ تعالى .. فلا ينبغي أنْ يهملَها، فإنَّه إنْ أهملَها .. سهُلَ عليهِ مقارفةُ المعاصي ، وأنسَتْ بها نفسُهُ ، وعسُرَ عليهِ فطامُها ، وكانَ ذلكَ سببَ هلاكِها ، بلْ ينبغي أنْ يعاقبَها ، فإذا أكلَ لقمةَ شبهةٍ بشهوةٍ نفسٍ .. فينبغي أنْ يعاقبَ البطنَ بالجوع ، وإذا نظرَ إلى غيرِ مَحْرمٍ ينبغي أنْ يعاقبَ العينَ بمنع النظرِ ، وكذلكَ يعاقبُ كلَّ طرفٍ من أطرافٍ بدِنِهِ بمنعِهِ عنْ شهواتِهِ ، هكذا كانَتْ عادةُ سالكي طريقِ الآخرةِ . فقدْ رُوِيَ عنْ منصورِ بنِ إبراهيمَ : أنَّ رجلاً مِنَ العبَّادِ كلَّمَ امرأةً ، فلمْ يزلْ حتى وضعَ يدَهُ على فخذِها، ثُمَّ ندمَ، فوضعَ يدَهُ على النارِ حتى نشَّتْ(١). ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في بني إسرائيلَ رجلٌ يتعبَّدُ في صومعتِهِ ، فمكثَ كذلكَ زماناً طويلاً ، فأشرفَ ذاتَ يوم فإذا هوَ بامرأةٍ ، فافتتنَ بها ، وهمَّ بها ، فأخرجَ رجلَهُ لينزلَ إليها ، فأدركَهُ اللهُ بسابقةٍ ، فقالَ : ما هذا الذي أريدُ أنْ (١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٦٥٣٩)، وابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) (٥٢)، ونشّت: يبست، والخبر عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي، ولكن في النسخ ما أثبت ، والله أعلم . ١٦٦ ء ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة أصنعَ؟! فرجعَتْ إليهِ نفسُهُ وعصمَهُ اللهِ، فندمَ ، فلمَّا أرادَ أنْ يعيدَ رجلَهُ إلى الصومعةِ .. قالَ : هيهات هيهاتَ! رجْلٌ خرجَتْ تريدُ أنْ تعصيَ اللهَ تعودُ معي في صومعتي ؟! لا يكونُ واللهِ ذلكَ أبداً ، فتركَها معلَّقَةً في الصومعةِ تصيبُها الأمطارُ والرياحُ والثلجُ والشمسُ حتى تقطّعَتْ فسقطَتْ ، فشكرَ اللهُ تعالى لهُ ذلكَ، وأنزلَ في بعضٍ كتبهِ ذكرَهُ(١) . ويُحكى عنِ الجنيدِ قالَ: سمعتُ ابنَ الكَرَنْبِيِّ يقولُ: أصابَتْني ليلةً جنابةٌ، فاحتجتُ أنْ أُغتسلَ ، وكانَتْ ليلةً باردةً ، فوجدتُ في نفسي تأخّراً وتقصيراً ، فحدثتني نفسي بالتأخيرِ حتى أصبحَ وأسخنَ الماءَ أوْ أدخلَ الحمَّامَ ولا أعينُ على نفسي ، فقلتُ: واعجباهُ! أنا أعاملُ اللهَ تعالى في طولِ عمري ، فيجبُ لهُ عليَّ حقٌّ، فلا أجدُ في المسارعةِ ، وأجدُ الوقوفَ والتأخّرَ ؟! آليتُ ألا أغتسلَ إلا في مرقعتي هذهِ، وآليتُ ألا أنزعَها ولا أعصرَها ولا أجففَها في الشمسِ (٢). ويُحكى أنَّ غزوانَ وأبا موسى كانا في بعضٍ مغازيهِمْ، فتكشَّفَتْ جاريةٌ ، فنظر إليها غزوانُ ، فرفعَ يدَهُ فلطمَ عينَهُ حتى نفرَتْ وقالَ : إِنَّكِ للخَاظةٌ إلى ما يضرُّكِ(٣). (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) (٥٣). (٢) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٤١٥/١٤). (٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦١/١) عن عتبة بن غزوان الرقاشي قال : قال لي أبو موسى الأشعري : ما لي أرى عينك نافرة ؟ فقلت : إني التفت التفاتة، = ١٦٧ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات ونظرَ بعضُهُمْ نظرةً واحدةً إلى امرأةٍ ، فجعلَ على نفسِهِ ألا يشربَ الماءَ الباردَ طولَ حياتِهِ ، فكانَ يشربُ الماءَ الحارّ لينغِّصَ على نفسِهِ العيشَ (١). ويُحكى أنَّ حسانَ بنَ أبي سنانٍ مرَّ بغرفةٍ فقالَ : متى بنيَتْ هذهِ ؟ ثمَّ أقبلَ على نفسِهِ فقالَ: تسألينَ عمَّا لا يعنيكِ ؟! لأعاقبنَّكِ بصوم سنةٍ ، فصامَها(٢) . وقالَ مالكُ بنُ ضيغم : جاءَ رباحٌ القيسيُّ يسألُ عنْ أبي بعدَ العصرِ ، فقلنا : إنَّهُ نائمٌ، فقالَ : نومٌ هذهِ الساعةَ ؟! أهذا وقتُ نوم؟! ثمَّ ولَّى منصرفاً، فأتبعناهُ رسولاً وقلنا : ألا نوقظُهُ لكَ، فجاءَ الرسولُ وقالَ : هوَ أشغلُ مِنْ أنْ يفهمَ عنِّي شيئاً ، أدركتُهُ وهوَ يدخلُ المقابرَ وهوَ يعاتبُ نفسَهُ ويقولُ : أَقُلْتِ : نومٌ هذهِ الساعةً؟ أفكانَ هذا عليكِ ؟ ينامُ الرجلُ متى شاءَ، وما يدريكِ أنَّ هذا ليسَ وقتَ نوم ؟! تتكلمينَ بما لا تعلمينَ ، أما إنَّ للهِ عليَّ عهداً لا أنقضُهُ أبداً؛ لا أوسِّدُكِ الأرضَ لنوم حولاً إلا لمرضٍ حائلٍ ، أَوْ لعقلٍ زائلٍ ، سوءةٌ لكِ سوءَةً لكِ، أما تستحينَ ؟! كمْ تُوبَّخِينَ ، فرأيت جارية لبعض الجيش ، فلحظتها لحظة ، فصككتها صكة ، فنفرت ، = فصارت إلى ما ترى ، فقال : استغفر ربك ، ظلمت عينك؛ إن لها أول نظرة وعليك ما بعدها . (١) أورده ابن الجوزي في ((صفة الصفوة)) (١٤١/٣)، وصاحب الخبر هو ضيغم بن مالك الراسبي ، والدمالك بن ضيغم الآتي ذكره . (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ( ١١٥/٣). ١٦٨ ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة وعنْ غيِّكِ لا تنتهينَ ؟! قالَ : وجعلَ يبكي وهوَ لا يشعرُ بمكاني ، فلمَّا رأيتُ ذلكَ .. انصرفتُ وتركتُهُ(١). ويُحكى أنَّ تميماً الداريَّ نامَ ليلةٌ لمْ يقمْ فيها يتهجَّدُ ، فقامَ سنةً لمْ ينمْ فيها عقوبةً للذي صنعَ(٢) . وعنْ طلحةَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : انطلقَ رجلٌ ذاتَ يوم فنزعَ ثيابَهُ وتمرَّغَ في الرمضاءِ ، وكانَ يقولُ لنفسِهِ : ذوقي ، نارُ جهنَّمَ أشدُّ حرّاً ، أجيفةٌ بالليلِ بطّالةٌ بالنهارِ ؟! قالَ : فبينا هوَ كذلكَ .. إذْ أبصرَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في ظلِّ شجرةٍ ، فأتاهُ فقالَ : غلبَتْي نفسي ، فقالَ لهُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((ألمْ يكنْ لكَ بدُّ مِنَ الذي صنعتَ؟ أما لقدْ فُتَحَتْ لكَ أبوابُ السماءِ، ولقدْ باهى اللهُ بكَ الملائكةَ))، ثمَّ قالَ لأصحابِهِ: ((تزوَّدوا مِنْ أخيكُمْ)) ، فجعلَ الرجلُ يقولُ لهُ : يا فلانُ ؛ ادعُ لي ، يا فلانُ ؛ ادعُ لي ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((عُمَّهُمْ))، فقالَ: اللهمَّ، اجعلِ التقوى زادَهُمْ ، واجمعْ على الهدى أمرَهُمْ، فجعلَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقول: ((اللهمَّ، سدِّدْهُ))، فقالَ الرجلُ: اللهمَّ، اجعل الجنَّةَ مَآبَهُمْ(٣) (١) رواه ابن أبي الدنيا في (( محاسبة النفس)) (٥٤). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) (٥٥)، والبيهقي في ((الشعب)) (٢٩٣٥ ) . (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) ( ٥٧)، إذ رواه عن ليث بن أبي سليم عن طلحة ، ولم يعيِّن ، فإن كان الصحابي طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه .. فالحديث منقطع، فليث لم يدركه، وإن كان هو طلحة بن مصرف .. فالحديث مرسل، إذ روايته = ١٦٩ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات وقالَ حذيفةُ بنُ قتادةَ : قيلَ لرجلٍ : كيفَ تصنعُ بنفسِكَ في شهواتِها ؟ فقالَ: ما على وجهِ الأرضِ نفسٌ أبغضَ إليَّ منها، فكيفَ أعطيها شهواتِها؟!(١). ودخلَ ابنُ السمَّاكِ على داوودَ الطائيِّ حينَ ماتَ وهوَ في بيتِهِ على الترابِ ، فقالَ : يا داوودُ ؛ سجنتَ نفسَكَ قبلَ أنْ تُسجنَ ، وعذَّبتَ نفسَكَ قبلَ أنْ تُعذَّبَ، فاليومَ ترى ثوابَ مَنْ كنتَ تعملُ لهُ(٢). وعنْ وهبٍ بنٍ منبهٍ: أنَّ رجلاً تعبَّدَ زماناً، ثمَّ بدتْ لهُ إلى اللهِ تعالى حاجةٌ ، فصامَ سبعينَ سبتاً يأكلُ في كلِّ سبتٍ إحدى عشرةَ تمرةً ، ثمّ سألَ حاجتهُ ، فلمْ يُعطَها ، فرجعَ إلى نفسِهِ وقالَ : منكِ أتيتُ ، لَوْ كانَ فيكِ خيرٌ . . لأُعطيتٍ حاجتكٍ، فنزلَ إليهِ ملكٌ وقالَ : يا بنَ آدَمَ ؛ ساعتُكَ هذِهِ خيرٌ مِنْ عبادِتِكَ التي مضَتْ ، وقدْ قضى اللهُ حاجتكَ(٣). وقالَ عبدُ اللهِ بنُ قيسٍ : كثَّا في غزاةٍ لنا ، فحضرَ العدوُّ ، فصيحَ في عن الصحابة وكبار التابعين، انظر بيان هذا في ((الإتحاف)) (١١٧/١٠)، والحديث = رواه عن بريدة رضي الله عنه الروياني في ((مسنده)) (١)، والطبراني في (( الكبير)) (٢٢/٢)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٤٣٥/١). (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) (٥٨)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (٢٦٨/٨ ) . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) (٥٩)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (٣٤٠/٧) . (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) (٦٠)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ٦٧٧٠ ) . ١٧٠ ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة الناسِ ، فقاموا إلى المصافِّ في يومٍ شديدِ الريحِ ، وإذا رجلٌ أمامي وهوَ يخاطبُ نفسَهُ ويقولُ : أَيْ نفسي ؛ ألمْ أشهدْ مشهدَ كذا وكذا فقلتِ لي : أهلَكَ وعيالَكَ، فأطعتُكِ ورجعتُ ، ألمْ أشهدْ مشهدَ كذا وكذا ، فقلتٍ لي : أهلَكَ وعيالَكَ، فأطعتُكِ ورجعتُ ، واللهِ ؛ لأعرضنَّكِ اليومَ على اللهِ أخذَكِ أوْ تركَكِ، فقلتُ : لأرمقنَّهُ اليومَ، فرمقتُهُ، فحملَ الناسُ على عدوِّهِمْ ، فكانَ في أوائلِهِمْ، ثمّ إنَّ العدوَّ حملَ على الناسِ فانكشفوا ، فكانَ في موضعِهِ حتى انكشفوا مرَّاتٍ وهوَ ثابتٌ يقاتلُ ، فواللهِ ؛ ما زالَ ذاكَ دأبَهُ حتى رأيتُهُ صريعاً، فعددتُ بهِ وبدابتِهِ ستينَ أوْ أكثرَ مِنْ ستينَ طعنةً(١). وقدْ ذكرنا حديثَ أبي طلحةَ لمَّا اشتغلَ قلبُهُ في الصلاةِ بطائرٍ في حائطِهِ، فتصدَّقَ بالحائطِ كفَّارةً لذلكَ(٢) ، وأَنَّ عمرَ كانَ يضربُ قدميهِ بالدِّرَّةِ كلَّ ليلةٍ ويقولُ : ماذا عملتِ اليومَ ؟ . وعنْ مجمع أنّهُ رفعَ رأسَهُ إلى السطح ، فوقعَ بصرُهُ على امرأةٍ ، فجعلَ على نفسِهِ ألا يرفعَ رأسَهُ إلى السماءِ ما دامَ في الدنيا(٣). وكانَ الأحتفُ بنُ قيسٍ لا يفارقُهُ المصباحُ بالليلِ ، فكانَ يضعُ إصبعَهُ عليهِ ويقولُ لنفسِهِ : ما حملَكِ على أنْ صنعتِ يومَ كذا كذا؟(٤). (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) (٢٥). (٢) رواه مالك في ((الموطأ)) (٩٨/١). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)). ((إتحاف)) (١١٨/١٠). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) (١٣). ١٧١ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات وأنكرَ وهيبُ بنُ الوردِ شيئاً على نفسِهِ ، فنتفَ شعراتٍ على صدرِهِ حتى عظُمَ ألمُهُ، ثمَّ جعلَ يقولُ لنفسِهِ: ويحَكِ! إنَّما أريدُ بكِ الخيرَ(١). ورأى محمدُ بنُ بشرٍ داوودَ الطائيَّ وهوَ يأكلُ عندَ إفطارِهِ خبزاً بغيرِ ملحٍ ، فقالَ لهُ : لوْ أكلتَهُ بملح ، فقالَ : إنَّ نفسي لتدعوني إلى الملح منذ و سنةٍ ، ولا ذاقَ داوودُ ملحاً ما دامَ في الدنيا (٢) . فهكذا كانَتْ عقوبةُ أولي الحزم لأنفسِهِمْ ، والعجبُ أنَّكَ تعاقبُ عبدَكَ وأمتَكَ وأهلَكَ وولدَكَ على ما يصدرُ منهُمْ مِنْ سوءِ خلقٍ وتقصيرٍ في أمرٍ ، وتخافُ أنَّكَ لوْ تجاوزتَ عنْهُمْ .. لخرجَ أمرُهُمْ عنِ الاختيارِ وبغوا عليكَ ؛ ثمَّ تهملُ نفسَكَ وهيَ أعظمُ عدوٍّ لكَ، وأشدُّ طغياناً عليكَ، وضررُكَ مِنْ طغيانِها أعظمُ مِنْ ضررِكَ مِنْ طغيانِ أهلِكَ ، فإنَّ غايتَهُمْ أنْ يشوِّشوا عليكَ معيشةَ الدنيا ، ولوْ عقلتَ .. لعلمتَ أنَّ العيشَ عيشُ الآخرةِ ؛ وأنَّ فيهِ النعيمَ المقيمَ الذي لا آخرَ لهُ؛ ونفسُكَ هيَ التي تنغِّصُ عليكَ عيشَ الآخرةِ ، فهيَ بالمعاقبةِ أولى مِنْ غيرِها . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)). ((إتحاف)) (١١٩/١٠). (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤٩/٧). ١٧٢ ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة المرابطة الخَامِسَة المجاهدة وهوَ أنَّهُ إذا حاسبَ نفسَهُ فرآها قدْ قارفَتْ معصيةً .. فينبغي أنْ يعاقبَها بالعقوباتِ التي مضَتْ ، وإنْ رآها تتوانى بحكمِ الكسلِ في شيءٍ مِنَ الفضائلِ أوْ وردٍ مِنَ الأورادِ .. فينبغي أنْ يؤدِّبَها بتثقيلِ الأورادِ عليها ، ويلزمَها فنوناً مِنَ الوظائفِ جبراً لما فاتَ منهُ، وتداركاً لما فرطَ ، فهكذا كانَ يعملُ عمّالُ الله تعالى . فقدْ عاقبَ عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ نفسَهُ حينَ فاتَتْهُ صلاةُ العصر في جماعةٍ بأنْ تصدَّقَ بأرضٍ كانَتْ لهُ قيمتُها مئتا ألفِ درهمٍ . وكانَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما إذا فاتَتُهُ صلاةٌ في جماعةٍ .. أحيا تلكَ الليلةَ(١)، وأخَّرَ ليلةٌ صلاةَ المغربِ حتى طلعَ كوكبانِ، فأعتقَ رقبتينٍ(٢). وفاتَ ابنَ أبي ربيعةَ ركعتا الفجرِ، فأعتقَ رقبةً(٣) . وكانَ بعضُهُمْ يجعلُ على نفسِهِ صومَ سنةٍ ، أوِ الحجَّ ماشياً ، أوِ التصدُّقَ (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٠٣/١) أنه كان إذا فاتته صلاة العشاء في جماعة .. أحيا تلك الليلة . (٢) قوت القلوب (٢٦/١) . (٣) رواه عبد الرزاق فى ((المصنف)) (٥٧/٣). ١٧٣ كتاب المراقبة والمحاسبة في ربع المنجيات بجميع مالِهِ ، كلَّ ذلكَ مرابطةً للنفسِ ومؤاخذةً لها بما فيهِ نجاتُها . فإنْ قلتَ : إنْ كانَتْ نفسي لا تطاوعُني على المجاهدةِ والمواظبة على الأورادِ .. فما سبيلُ معالجتها ؟ فأقولُ: / سبيلُكَ في ذلكَ أنْ تسمعَها ما وردَ في الأخبارِ مِنْ فضلٍ المجتهدينَ (١) ، ومِنْ أنفع أسبابِ العلاج: أنْ تطلبَ صحبةَ عبدٍ مِنْ عبادِ اللهِ مجتهدٍ في العبادةِ ، فتلاحظَ أحوالَهُ، وتقتديَ بهِ ، كانَ بعضُهُمْ يقولُ : ( كنتُ إذا اعترتّني فترةٌ في العبادةِ .. نظرتُ إلى محمدِ بنِ واسعٍ وإلى اجتهادِهِ ، فعملتُ على ذلكَ أسبوعاً )(٢) . إلا أنَّ هذا علاجٌ قدْ تعذَّرَ ؛ إذْ قدْ فُقِدَ في هذا الزمانِ مَنْ يجتهدُ في العبادةِ اجتهادَ الأوَّلينَ ، فينبغي أنْ يعدلَ مِنَ المشاهدةِ إلى السماع ، فلا شيءَ أنفعُ مِنْ سماع أحوالِهِمْ ، ومطالعةِ أخبارِهِمْ ، وما كانوا فيهِ مِنَ الجهدِ الجهيدِ ، وقدِ انقضى تعبُهُمْ، وبقيَ ثوابُهُمْ ونعيمُهُمْ أبدَ الآبادِ لا ينقطعُ ، (١) كذا في جميع النسخ، وصُحِّفتْ في نسخة الحافظ العراقي إلى ( المتهجدين)، فأورد أخباراً في فضائل التهجد، انظر (( الإتحاف)) (١٢٠/١٠)، أما أخبار المجتهدين .. فسيوردها المصنف قريباً . (٢) كذا في ((القوت)) (٢١٩/٢)، والقائل هو جعفر بن سليمان، وعنه رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢/ ٣٤٧) قال: (كنت إذا وجدت من قلبي قسوة .. نظرت إلى وجه محمد بن واسع نظرة ، وكنت إذا رأيت وجه محمد بن واسع .. حسبت أن وجهه وجه ٹكلى ) . ١٧٤ ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة فما أعظمَ ملكَهُمْ! وما أشدَّ حسرةَ مَنْ لا يقتدي بهِمْ ! فيمتِّعُ نفسَهُ أياماً قلائلَ بشهواتٍ مكذَّرةٍ ، ثمَّ يأتيهِ الموتُ، ويُحالُ بينَهُ وبينَ كلِّ ما يشتهيهِ أبدَ الآبادِ ، نعوذُ باللهِ تعالىُ مِنْ ذلكَ . ونحنُ نوردُ مِنْ أوصافِ المجتهدينَ وفضائلِهِمْ ما يحرِّكُ رغبةَ المريدِ في الاجتهادِ ؛ اقتداءً بِهِمْ : فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((رحمَ اللهُ أقواماً يحسبُهُمُ الناسُ مرضى وَمَا هُمْ بمرضىٌ ))، قالَ الحسنُ: أجهدَتُهُمُ العبادةُ(١) . وقالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْثُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، قالَ الحسنُ : يعملونَ ما عملوا مِنْ أعمالِ البرِّ، ويخافونَ ألا ينجيَهُمْ ذلكَ مِنْ عذابِ اللهِ تعالى . وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((طوبى لمَنْ طالَ عمرُهُ وحسُنَ عملُهُ)) (٢) . ويُروى أنَّ اللهَ تعالى يقولُ لملائكتِهِ : ما بالُ عبادي مجتهدينَ ؟ فيقولونَ : إِلهنا؛ خوَّفتَهُمْ شيئاً فخافوهُ ، وشوَّقَتَهُمْ إلى شيءٍ فاشتاقوا إليهِ ، فيقولُ اللهُ (١) كذا روى المرفوع مرسلاً من قول الحسن وعقبه قول الحسن هنا ابنُ المبارك في ((الزهد)) (٩٢)، وفيه: (قوماً) بدل ( أقواماً) . (٢) رواه ابن الجعد في ((مسنده)) (٣٥٥٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١١١/٦) عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه مرفوعاً، وروى الترمذي (٢٣٣٠) عن أبي بكرة رضي الله عنه نحوه مرفوعاً . ١٧٥ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات تباركَ وتعالى: فكيفَ لوْ رآني عبادي؛ لكانوا أشدَّ اجتهاداً(١) . وقالَ الحسنُ : ( أدركتُ أقواماً وصحبتُ طوائفَ منهُمْ ما كانوا يفرحونَ بشيءٍ مِنَ الدنيا أقبلَ ، ولا يتأسَّفونَ على شيءٍ منها أدبرَ ، ولهي كانَتْ أهونَ في أعينِهِمْ مِنْ هذا الترابِ الذي تطؤونَهُ بأرجلِكُمْ ، إنْ كانَ أحدُهُمْ ليعيشُ عمرَهُ كلَّهُ ما طُوِيَ لهُ ثوبٌ، ولا أمرَ أهلَهُ بصنعةِ طعام قطُّ، ولا جعلَ بينَهُ وبينَ الأرضِ شيئاً قطَّ ، وأدركتُهُمْ عاملينَ بكتابِ ربِّهِمْ وسنة نبيِّهِمْ، إذا جنَّهُمُ الليلُ .. فقيامٌ على أطرافِهِمْ، يفترشونَ وجوهَهُمْ، تجري دموعُهُمْ على خدودِهِمْ ، يناجونَ ربَّهُمْ في فكاكِ رقابِهِمْ، إذا عملوا الحسنةَ .. فرحوا بها ، ودأبوا في شكرِها ، وسألوا اللهَ أنْ يتقبّلَها ، وإذا عملوا السيئةَ .. أحزنَتْهُمْ، وسألوا اللهَ أنْ يغفرَها لهُمْ، واللهِ؛ ما زالوا كذلكَ وعلى ذلكَ، وواللهِ، ما سلموا مِنَ الذنوبِ ولا نجوا إلا بالمغفرةِ)(٢). ويُحكى أنَّ قوماً دخلوا على عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ يعودونَهُ في مرضِهِ ، وإذا فيهِمْ شابٌ ناحلُ الجسم ، فقالَ لهُ عمرُ : يا فتى ؛ ما الذي بلغَ بكَ ما أرى ؟ فقالَ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ أسقامٌ وأمراضٌ ، فقالَ: سألتُكَ باللهِ إلا صدقتَي ، فقالَ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ ذقتُ حلاوةَ الدنيا فوجدتُها مرَّةً ، (١) نقله صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (١٢١/١٠)، وبنحوه أبو نعيم في «الحلية)) (٦٠/٤) عن وهب بن منبه، والمعنى في حديث البخاري (٦٤٠٨)، ومسلم (٢٦٨٩)، وفيه: (( وكيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك .. كانوا أشد لك عبادة ، وأشهد تمجيداً وتحميداً ، وأكثر لك تسبيحاً ... )) الحديث. (٢) رواه أحمد في ((الزهد)) ( ١٦٤٣). ١٧٦ ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة وصغُرَ عندي زهرتُها وحلاوتُها ، واستوى عندي ذهبُها وحجرُها ، وكأني أنظرُ إلى عرشِ ربِّ والناسُ يُساقونَ إلى الجنةِ والنارِ ، فأظمأتُ لذلكَ نهاري ، وأسهرتُ لهُ ليلي، وقليلٌ حقيرٌ كلُّ ما أنا فيهِ في جنبٍ ثوابِ اللهِ تعالى وعقابِهِ (١). وقالَ أبو نعيمٍ (٢): كانَ داوودُ الطائيُّ يشربُ الفتيتَ، ولا يأكلُ الخبزَ ، فقيلَ لهُ في ذلكَ ، فقالَ : ( بينَ مضْغ الخبزِ وشربِ الفتيتِ قراءةُ خمسينَ آيةً ) ، ودخلَ رجلٌ عليهِ يوماً فقالَ: إنَّ في سقفِ بيتِكَ جذْعاً مكسوراً ، فقالَ : يا بنَ أخي ؛ إنَّ لي في البيتِ منذُ عشرينَ سنةً ما نظرتُ إلى السقفِ ، وكانوا يكرهونَ فضولَ النظرِ كما يكرهونَ فضولَ الكلام(٣). وقالَ محمدُ بنُ عبدِ العزيزِ : جلسنا إلى أحمدَ بنِ رزينٍ مِنْ غدوةٍ إلى العصرِ ، فما التفتَ يمنةً ولا يسرةٌ ، فقيلَ لهُ في ذلكَ، فقالَ : إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ خلقَ العينينِ لينظرَ بهما العبدُ إلى عظمةِ اللهِ تعالى ، فكلُّ مَنْ نظرَ بغيرِ اعتبار .. كُتَبَتْ عليهِ خطيئةٌ(٤) . (١) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص ٦٧)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) ( ٦٨ /١٩١ ) . (٢) هو الفضل بن دكين، لا صاحب ((الحلية)). (٣) الخبر بتمامه رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص ١٦) عن أبي إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي ، عن أبي نعيم الفضل بن دكين ، والجملة الأخيرة رويت له مفردة أيضاً ، ونحوها عند أبي نعيم في (( الحلية)) (٧/ ٣٥٢). (٤) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) ( ص ٢٣). ١٧٧ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات وقالَتْ امرأةُ مسروقٍ : ما كانَ يوجدُ مسروقٌ إلا وساقاهُ منتفختانٍ مِنْ طولِ الصلاةِ، وقالَتْ: واللهِ ؛ إنْ كنتُ لأجلسُ خلفَهُ فأبكي رحمةً لهُ(١). وقالَ أبو الدرداءِ : ( لولا ثلاثٌ .. ما أحببتُ العيشَ يوماً واحداً : الظمأُ للهِ بالهواجرِ ، والسجودُ للهِ في جوفِ الليلِ ، ومجالسةُ أقوام ينتقونَ أطايبَ الكلام كما يُنتقى أطايبُ الثّمرِ)(٢) . وكانَ الأسودُ بنُ يزيدَ يجتهدُ في العبادةِ ، ويصومُ في الحرِّ ، حتى يخضرَّ جسدُهُ ويصفرَّ ، وكانَ علقمةُ بنُ قيسٍ يقولُ لهُ: لِمَ تعذِّبُ نفسَكَ ؟ فيقولُ : كرامتها أُريدُ(٣). وكانَ يصومُ حتى يخضرَّ جسدُهُ ، ويصلِّي حتى يسقطَ ، فدخلَ عليهِ أنسُ بنُ مالكٍ والحسنُ ، فقالا لهُ: إنَّ اللهَ تباركَ وتعالى لمْ يأمرُكَ بكلٌ هذا، فقالَ : إنَّما أنا عبدٌ مملوكٌ، لا أدعُ مِنَ الاستكانةِ شيئاً إلا جئتُ (٤) به (٤) . وكانَ بعضُ المجتهدينَ يصلِّي كلَّ يومٍ ألفَ ركعةٍ حتى أقعدَ مِنْ (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٩٥). (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) ( ٢٧٧). (٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٥٠٢)، وابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس ) ( ٦٦ ) . (٤) الضمير في قوله : ( وكان ) يومىء أن صاحب الخبر هو الأسود بن يزيد ، وإنما صاحبه هو العلاء بن زياد؛ كما رواه ابن المبارك في (( الزهد)» ( ٩٦٥) ، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢ /٢٤٣) . ١٧٨ ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة رجليهِ(١) ، فكانَ يصلِّي جالساً ألفَ ركعةٍ، فإذا صلَّى العصرَ .. احتبى ثمَّ قالَ: ( عجبتُ للخليقةِ كيفَ أرادَتْ بكَ بدلاً منكَ ! عجبتُ للخليقةِ كيفَ أنسَتْ بسواكَ! بلْ عجبتُ للخليقةِ كيفَ استنارَتْ قلوبُها بذكرٍ سواكَ! )(٢). وكانَ ثابتٌ البنانيُّ قدْ حُبِّبَ إليهِ الصلاةُ ، فكانَ يقولُ : ( اللهمَّ ؛ إنْ كنتَ أذنتَ لأحدٍ أنْ يصليَ لكَ في قبرِهِ .. فأُذَنْ لي أنْ أصلِّيَ في قبري)(٣) . وقالَ الجنيدُ : ( ما رأيتُ أعبدَ مِنَ السريِّ، أَتَتْ عليهِ ثمانٌ وتسعونَ سنةً ما رُئِيَ مضطجعاً إلا في علَّةِ الموتِ)(٤). 3 وقالَ الحارثُ بنُ سعدٍ : مرَّ قومٌ براهبٍ ، فرأوا ما يصنعُ بنفسِهِ مِنْ شدَّةِ اجتهادِهِ ، فكلَّموهُ في ذلكَ ، فقالَ : وما هذا عندَ ما يُرادُ بالخلقِ مِنْ ملاقاةِ الأهوالِ وهمْ غافلونَ ؟! قدِ اعتكفوا على حظوظِ أنفسِهِمْ، ونسوا حظَّهُمُ الأكبرَ مِنْ ربِّهِمْ ، فبكى القومُ عنْ آخرِهِمْ . (١) منهم عامر بن عبد الله بن عبد قيس؛ كما روى ذلك ابن أبي الدنيا في (( محاسبة النفس)) (٩٩)، والبيهقي في ((الشعب)) (٢٩١٠)، ومنهم كهمس بن الحسن كما سيأتي قريباً . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) (١٤٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٩٥/٦) عن بعضهم . (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) (٤١٤)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (٣١٩/٢)، والبيهقي في ((الشعب)) (٢٩١٨). (٤) رواه القشيري في (( رسالته )) (ص ٥٢) . ١٧٩ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات وعنْ أبي محمدٍ المغازليِّ قالَ : جاورَ أبو محمدٍ الجريريُّ بمكةَ سنةً ، فلمْ ينمْ ، ولمْ يتكلَّمْ ، ولمْ يستند إلى عمودٍ ولا إلى حائطٍ ، ولمْ يمدَّ رجليهِ ، فعبرَ عليهِ أبو بكرِ الكتَّانِيُ، فسلَّمَ عليهِ وقالَ لهُ : يا أبا محمدٍ ؛ بِمَ قدرتَ على اعتكافِكَ هذا؟ فقالَ : عَلِمَ صدْقَ باطني ، فأعانَي علىُ ظاهري ، فأطرقَ الكتانيُّ ومشى مفكِّراً(١) . وعنْ بعضِهِمْ قالَ : دخلتُ على فتحِ الموصليِّ ، فرأيتُهُ قدْ مَّ كفيهِ يبكي حتى رأيتُ الدموعَ تنحدرُ مِنْ بينِ أصابعِهِ ، فدنوتُ منهُ ، فإذا دموعُهُ قدْ خالطَها صفرةٌ ، فقلتُ لهُ : باللهِ يا فتحُ ؛ بكيتَ الدمَ ؟ فقالَ : لولا أنَّكَ حلَّفْتَني باللهِ ما أخبرتُكَ ، نعمْ، بكيتُ دماً ، فقلتُ لهُ : على ماذا بكيتَ الدموعَ ؟ فقالَ : على تخلُّفي عنْ واجبٍ حقِّ اللهِ تعالى ، وبكيتُ الدمَ على الدموع لئلا يكونَ لمْ تصحَّ ليّ الدموعُ (٢)، قالَ: فرأيتُهُ بعدَ موتِهِ في المنام ، فقلتُ لهُ : ما صنعَ اللهُ بكَ ؟ قالَ : غفرَ لي ، فقلتُ لهُ : فماذا صنعَ في دموعِكَ ؟ فقالَ : قَرَّبَني ربِّي عزَّ وجلَّ وقالَ لي : يا فتحُ ؛ الدمعُ على ماذا؟ قلتُ : يا ربِّ ؛ على تخلُّفي عنْ واجبٍ حقُّكَ، فقالَ : والدمُ على ماذا ؟ قلتُ : على دموعي ألا تصحَّ لي ، فقالَ لي : يا فتحُ ؛ ما أردتَ (١) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٩٨/٥). (٢) أي: خوفاً من أن تكون دموعي ضاعت سدىّ، وفي غير (ب): ( صحَت ) بدل ( لم تصحّ ) . ١٨٠