النص المفهرس
صفحات 121-140
ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة وأنهُمْ سيُناقشونَ في الحسابِ ، ويُطالبونَ بمثاقيلِ الذرِّ مِنَ الخطراتِ واللحظاتٍ ، وتحقَّقوا أنَّهُ لا ينجيهِمْ مِنْ هذهِ الأخطارِ إلا لزومُ المحاسبةِ ، وصدْقُ المراقبةِ ، ومطالبةُ النفسِ في الأنفاسِ والحركاتِ ، ومحاسبتُها في الخطراتِ واللحظاتِ ، فَمَنْ حاسبَ نفسَهُ قبلَ أَنْ يُحاسبَ .. خفَّ في القيامةِ حسابُهُ، وحضرَ عندَ السؤالِ جوابُهُ، وحسُنَ منقلبُهُ ومَآئُهُ، ومَنْ لمْ يحاسبْ نفسَهُ .. دامَتْ حسراتُهُ، وطالَتْ في عرصاتِ القيامةِ وقفاتهُ ، وقادَتْهُ إلى الخزى والمقتِ سيئاتُهُ . فلمَّا انكشفَ لهُمْ ذلكَ .. علموا أنَّهُ لا ينجيهِمْ منهُ إلا طاعةُ اللهِ تعالى ، وقدْ أمرَهُمْ بالصبرِ والمرابطةِ فقالَ عَّ مِنْ قائلٍ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْأَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾، فرابطوا أَنفسَهُمْ أَوَّلاً بالمشارطةِ، ثمَّ بالمراقبةِ، ثمَّ بالمحاسبةِ ، ثمَّ بالمعاقبةِ ، ثمَّ بالمجاهدةِ ، ثمَّ بالمعاتبةِ ، فكانَ لهُمْ في المرابطةِ ستُّ مقاماتٍ ، ولا بدَّ مِنْ شرحِها وبيانِ حقيقتِها وفضيلتِها ، وتفصيلِ الأعمالِ فيها ، وأصلُ ذلكَ المحاسبةُ ، ولكنْ كلُّ حسابٍ فبعدَ مشارطةٍ ومراقبةٍ ، ويتبعُهُ عندَ الخسرانِ معاتبةٌ ومعاقبةٌ ، فلنذكرْ شرحَ هذهِ المقاماتِ ، وباللهِ التوفيقُ . ١٢١ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات المقامُ الأَوَلُ مِنَ المُرابطة المُشارطة اعلمْ : أنَّ مطلبَ المتعاملينَ في التجاراتِ ، المشتركينَ في البضائعِ عندَ المحاسبةِ .. سلامةُ الربح، وكما أنَّ التاجرَ يستعينُ بشريكِهِ فيسلُمُ إِليهِ المالَ حتى يتَّجرَ ثمَّ يحاسبُهُ .. فكذلكَ العقلُ هوَ التاجرُ في طريقِ الآخرةِ (١) ، وإنَّما مطلبُهُ وربحُهُ تزكيةُ النفسِ إذْ بهِ فلاحُها . قالَ اللهُ تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنَهَ لَ﴾ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّنِهَا﴾، وإنَّما فلاحُها بالأعمالِ الصالحةِ ، والعقلُ يستعينُ بالنفسِ في هذهِ التجارةِ ، إذْ يستعملُها ويستسخرُها فيما يزكِّيها ؛ كما يستعينُ التاجرُ بشريكِهِ وغلامِهِ الذي يتَّجرُ في مالِهِ . وكما أنَّ الشريكَ يصيرُ خصماً منازعاً يجاذبُهُ في الربح ، فيحتاجُ إلى أنْ يشارطَهُ أَوَّلاً، ويراقبَهُ ثانياً ، ويحاسبَهُ ثالثاً، ويعاتبَهُ أو يعاقبَهُ رابعاً .. فكذلكَ العقلُ يحتاجُ إلى مشارطةِ النفسِ أوَّلاً ، فيوظّفُ عليها الوظائفَ ، ويشرطُ عليها الشروطَ ، ويرشدُها إلى طريقِ الفلاحِ ، ويجزمُ عليها الأمرَ بسلوكِ تلكَ الطريقِ، ثمَّ لا يغفُلُ عنْ مراقبتِها لحظةً، فإنَّهُ لوْ أهملَها .. لمْ (١) في (ب ) زيادة: (ورأس ماله إنما هو العمر ). ١٢٢ ء ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة يرَ منها إلا الخيانةَ وتضييعَ رأسِ المالِ ؛ كالعبدِ الخائنِ إذا خلا لهُ الجوُّ وانفردَ بالمالِ . ثمَّ بعدَ الفراغ ينبغي أنَّ يحاسبَها ويطالبَها بالوفاءِ بما شرطً عليها ، فإنَّ هذهِ تجارةٌ ربحُها الفردوسُ الأعلىُ ، وبلوغُ سدرة المنتهى معَ الأنبياءِ والشهداءِ ، فتدقيقُ الحسابِ في هذا معَ النفسِ أهمُّ كثيراً مِنْ تدقيقِهِ في أرباحِ الدنيا ، معَ أنَّها محتقرةٌ بالإضافةِ إلى نعيمِ العقبى، ثمَّ كيفما كانَتْ فمصيرُها إلى التصرُّم والانقضاءِ ، ولا خيرَ في خيرٍ لا يدومُ ، بلْ شؤٌ لا يدومُ خيرٌّ مِنْ خيرٍ لا يدومُ؛ لأنَّ الشرّ الذي لا يدومُ إذا انقطعَ .. بقيَ الفرحُ بانقطاعِهِ دائماً وقدِ انقضى الشرُّ، والخيرَ الذي لا يدومُ يبقى الأسفُ على انقطاعِهِ دائماً وقدِ انقضى الخيرُ ، ولذلكَ قيلَ (١): [من الوافر] أَشَدُّ الْغَمِّ عِنْدِي فِي سُرُورٍ تَيَّقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ أَنْتِقِالا فحتمٌ على كلِّ ذي حزمٍ آمنَ باللهِ واليومِ الآخرِ ألا يغفُلَ عنْ محاسبةِ نفسِهِ ، والتضييقِ عليها في حركاتِها وسكناتِها ، وخطراتِها وخطواتِها ؛ فإنَّ كلَّ نفَسٍ مِنْ أنفاسِ العمرِ جوهرةٌ نفيسةٌ لا عوضَ لها ، يمكنُ أنْ يُشترى بها كنزٌ مِنَ الكنوزِ لا يتناهى نعيمُهُ أبد الآبادِ ، فانقضاءُ هذه الأنفاس ضائعةً أوْ مصروفةً إلى ما يجلبُ الهلاكَ خسرانٌ عظيمٌ هائلٌ ، لا تسمحُ بهِ نفسُ عاقلٍ . فإذا أصبحَ العبدُ وفرغَ مِنْ فريضةِ الصبحِ .. ينبغي أنْ يفرغَ قلبَهُ ساعةً (١) البيت للمتنبي في ((ديوانه بشرح العكبري)) (٢٢٤/٣). ١٢٣ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات المشارطةِ النفسِ ؛ كما أنَّ التاجرَ عندَ تسليم البضاعةِ إلى الشريكِ العاملِ يفرغُ المجلسَ لمشارطتِهِ ، فيقولُ للنفسِ : ما لي بضاعةٌ إلا العمرُ ، ومهما فنيَ .. فقدْ فنيَ رأسُ المالِ ، ووقعَ اليأسُ عنِ التجارةِ وطلبِ الربحِ ، وهذا اليومُ الجديدُ قدْ أمهلَنِي اللهُ تعالى فيهِ ، وأنسأَني أجلي(١) ، وأنعمَ عليَّ بهِ ، ولوْ توفَّاني .. لكنتُ أتمنَّى أَنْ يرجعَني إلى الدنيا يوماً واحداً حتى أعملَ فيهِ صالحاً ، فاحسبي أنَّكِ قدْ تُوفيتِ، ثمَّ رُددتِ ، فإِيَّاكِ ثمُّ إِيَّاكِ أنْ تضيِّعي هذا اليومَ، فإِنَّ كلَّ نفَسٍ مِنَ الأنفاسِ جوهرةٌ لا قيمةً لها ، واعلمي يا نفسُ ؛ أنَّ اليومَ والليلةَ أربعٌ وعشرونَ ساعةً، وقدْ وردَ في الخبرِ أنَّهُ يُنشرُ للعبدِ بكلِّ يومٍ وليلةٍ أربعٌ وعشرونَ خزانةٌ مصفوفةٌ ، فيُفْتحُ لهُ منها خزانةٌ ، فيراها مملوءةٌ نوراً مِنْ حسناتِهِ التي عملها في تلكَ الساعةِ ، فينالُهُ مِنَ الفرح والسرورِ والاستبشارِ بمشاهدةِ تلكَ الأنوارِ التي هيَ وسيلةٌ عندَ الملكِ الجبارِ ما لوْ وُزُّعَ على أهلِ النارِ .. لأدهشَهُمْ ذلكَ الفرحُ عنِ الإحساسِ بألمِ النارِ ، ويُفتحُ لهُ خزانةٌ أخرىُ سوداءُ مظلمةٌ ، يفوحُ نَتُْها ، ويتغشاهُ ظلامُها ، وهيَ الساعةُ التي عصى اللهَ تعالى فيها ، فينالُهُ مِنَ الهولِ والفزع ما لوْ قُسمَ على أهلِ الجنةِ لتنَغَّصَ عليهم نعيمُها ، ويُفتحُ لهُ خزانةٌ أخرى فارغةٌ ليسَ فيها ما يسرُّهُ ولا ما يسوءُهُ، وهي الساعةُ التي نامَ فيها، أوْ غفَلَ، أوِ اشتغلَ بشيءٍ مِنْ مباحاتِ الدنيا ، فيتحسَّرُ على خلوِّها ، وينالُهُ مِنْ غبنِ ذلكَ ما ينالُ (١) يقال: أنسأه الله أجله ونسأه في أجله بمعنىّ؛ أخّره وفسح له فيه . ١٢٤ ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة القادرَ على الربح الكثيرِ والملكِ الكبيرِ إذا أهملَهُ وتساهلَ فيهِ حتى فاتَةُ ، وناهيكِ بهِ حسرةً وغبناً ، وهكذا تُعرضُ عليهِ خزائنُ أوقاتِهِ طولَ عمرِهِ (١). فيقولُ لنفسِهِ : اجتهدي اليومَ في أنْ تعمُري خزانتكِ ، ولا تدعيها فارغةٌ عنْ كنوزِكِ التي هيَ أسبابُ ملكِكِ ، ولا تميلي إلى الكسلِ والدعةِ والاستراحةِ فيفوتَكِ مِن درجاتٍ علِّينَ ما يدركُهُ غيرُكِ ، وتبقى عندَكِ حسرةٌ لا تفارقُكِ وإنْ دخلتِ الجنةَ، فألمُ الغبنِ والحسرةِ لا يُطاقُ وإنْ كانَ دونَ ألمِ النارِ . وقدْ قالَ بعضُهُمْ: هبْ أنَّ المسيءَ قدْ عُفِيَ عنهُ؛ أليسَ قدْ فاتَهُ ثوابُ المحسنينَ؟!(٢) أشارَ بهِ إلى الغبنِ والحسرةِ، وقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمَّعَ ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابُنِ﴾. (١) كذا بألفاظ مقاربة في ((القوت)) (١٠٦/١)، ولم يذكر رفعه، بل قال : (ويقال ... )، ورواه مختصراً البيهقي في ((الشعب)) (٥٠٨) من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً: (( ما من ساعة تمر بابن آدم لم يذكر الله فيها إلا تحسَّر عليها يوم القيامة ))، وعنده ( ٥٠٩، ٥١٠) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعاً أيضاً: (( ليس يتحسَّر أهل الجنة إلا على ساعة مرَّت بهم لم يذكروا الله فيها))، وروى أبو نعيم في ((الحلية)) (٦/ ١٤١) عن الأوزاعي: ( ليس ساعة من ساعات الدنيا إلا وهي معروضة على العبد يوم القيامة ، يوماً فيوماً ، وساعة فساعة ، ولا تمرُّ به ساعة لم يذكر الله تعالى فيها إلا تقطّعت نفسه عليها حسرات ، فكيف إذا مرت به ساعة مع ساعة ، ويوم مع يوم ، وليلة مع ليلة ؟! ) . (٢) كذا في ((القوت)) (١٠٦/١)، ورواه ابن أبي الدنيا في ((التوبة)) (٦٩)، والدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) ( ص ٧٤) . ١٢٥ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات فهذهِ وصيتُهُ لنفسِهِ في أوقاتِهِ . ثمَّ ليستأنفْ لها وصيةً في أعضائِهِ السبعةِ ؛ وهيَ العينُ ، والأذنُ ، واللسانُ ، والبطنُ ، والفرجُ ، واليدُ ، والرجْلُ ، ويسلِّمُها إليها ؛ فإِنَّها رعايا خادمةٌ لنفسِهِ في هذهِ التجارةِ ، وبها تتمُّ أعمالُ هذهِ التجارةِ ، وإنَّ لجهنَّمَ سبعةَ أبوابٍ ، لكلِّ بابٍ منهُمْ جزءٌ مقسومٌ ، وإنَّما تتعيَّنُ تلكَ الأبوابُ لمَنْ عصى اللهَ تعالى بهذهِ الأعضاءِ ، فيوصيها بحفظِها عنْ معاصيها . أمَّا العينُ: فيحفظُها عنِ النظرِ إلى وجهِ مَنْ ليسَ لهُ بمحرمٍ ، أوْ إلى عورةِ مسلمٍ ، أوِ النظرِ إلى مسلمٍ بعينِ الاحتقارِ ، بلْ عنْ كلِّ فضولٍ مستغنىّ عنهُ ، فإِنَّ اللهَ تعالى يسألُ عبدَهُ عنْ فضولِ النظرِ كما يسألُهُ عنْ فضولِ الكلامِ (١) . ثُمَّ إذا صرفَها عنْ هذا لمْ تقنعْ بهِ حتى يشغلَها بما فيهِ نجاتُها وربحُها ، وهوَ ما خُلقَتْ لهُ مِنَ النظرِ إلى عجائبٍ صنعِ اللهِ تعالى بعينِ الاعتبارِ ، والنظرِ إلى أعمالِ الخيرِ للاقتداءِ ، والنظرِ في كتابِ اللهِ تعالى وسنةِ رسولِهِ ، ومطالعةِ كتبِ الحكمةِ للاتعاظِ والاستفادةِ . وهكذا ينبغي أنْ يفضِّلَ الأمرَ عليها في عضوٍ عضوٍ ، لا سيما اللسانُ والبطنُ . (١) كذا أورده المحاسبي في ((رسالة المسترشدين)) (ص ١٧٩) عن داوود الطائي بلاغاً، قال : ( وقال داوود الطائي لرجل وقد أحدَّ النظر إلى بعض من ينظر إليه : يا هذا؛ اردد نظرك عليك ؛ فإنه بلغني أن الرجل يسأل عن فضول نظره كما يسأل عن فضول عمله ) . ١٢٦ ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة أمَّا اللسانُ : فلأنَّهُ منطلقٌ بالطبع ، ولا مؤنةَ عليهِ في الحركةِ ، وجنايتُهُ عظيمةٌ بالغيبةِ ، والكذبِ ، والنميمةِ ، وتزكية النفسِ ، ومذمَّةِ الخلْقِ والأطعمةِ ، واللعنِ ، والدعاءِ على الأعداءِ ، والمماراةِ في الكلام ، وغيرِ ذلكَ ممَّا ذكرناهُ في كتابٍ آفاتِ اللسانِ، فهوَ بصددِ ذلكَ كلَّهِ ، معَ أنَّهُ خُلِقَ للذكرِ والتذكيرِ ، وتكرارِ العلمِ والتعليمِ ، وإرشادِ عبادِ اللهِ إلى طريقِ اللهِ ، وإصلاحِ ذاتِ البينِ ، وسائرٍ خيراتِهِ ، فليشترطُ على نفسِهِ ألا يحرِّك اللسانَ طولَ نهارِهِ إلا في الذكرِ ، فنطقُ المؤمنِ ذكرٌ ، ونظرُهُ عبرةٌ، وصمتُهُ فكرةٌ ، ءُ وما يلفظُ مِنْ قولٍ إلا لديهِ رقيبٌ عتيدٌ . وأمَّا البطنُ : فيكلِّفُهُ تركَ الشرهِ ، وتقليلَ الأكلِ مِنَ الحلالِ ، واجتنابَ الشبهاتِ ، ويمنعُهُ مِنَ الشهواتِ ، ويقتصرُ على قدْرِ الضرورةِ ، ويشرطُ على نفسِهِ أنَّها إنْ خالفَتْ شيئاً مِنْ ذلكَ .. عاقبَها بالمنع عنْ شهواتِ البطنِ ؛ ليفوتَها أكثرَ ممَّا نالَتْهُ بشهوتِها . وهكذا يشترطُ عليها في جميع الأعضاءِ ، واستقصاءُ ذلكَ يطولُ ، ولا تخفى معاصي الأعضاءِ وطاعاتُهاَ . ثمَّ يستأنفُ وصيّتَها في وظائفِ الطاعاتِ التي تتكرَّرُ عليهِ في اليومِ والليلةِ ، ثُمَّ في النوافلِ التي يقدرُ عليها ، ويقدرُ على الاستكثارِ منها ، ويرتِّبُ لها تفصيلَها ، وكيفيتَها وكيفيةَ الاستعدادِ لها بأسبابِها . وهذهِ شروطٌ يفتقرُ إليها في كلٌّ يوم ، ولكنْ إذا تعوَّدَ الإنسانُ شرْطَ ذلكَ ١٢٧ ـدو كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات على نفسِهِ أياماً ، وطاوعتْهُ نفسُهُ في الوفاءِ بجميعِها .. استغنى عنِ المشارطةِ فيها ، وإنْ أطاعَ في بعضِها .. بقيَتِ الحاجةُ إلى تجديد المشارطةِ فيما بقيَ ، ولكن لا يخلو كلُّ يومٍ عنْ مهمٍّ جديدٍ ، وواقعةٍ حادثةٍ لها حكمٌ جديدٌ ، وللهِ عليهِ في ذلكَ حقٌّ ، ويكثرُ هذا على مَنْ يشتغلُ بشيءٍ مِنْ أعمالِ الدنيا ؛ مِنْ ولايةٍ ، أَوْ تجارةٍ ، أَوْ تدريسٍٍ ؛ إذْ قلّما يخلو يومٌ عنْ واقعةٍ جديدةٍ يحتاجُ إلى أنْ يقضيَ حقَّ اللهِ فيها ، فعليهِ أنْ يشترطَ على نفسِهِ الاستقامةَ فيها ، والانقيادَ للحقِّ في مجاريها ، ويحذِّرَها مغبّةَ الإهمالِ ، ويعظَها كما يُوعظُ العبدُ الآبقُ المتمرِّدُ ؛ فإنَّ النفسَ بالطبع متمردةٌ عنِ الطاعاتِ ، مستعصيةٌ عنِ العبوديةِ ، ولكنَّ الوعظَ والتأديبَ يؤثِّرُ فيها، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَذَّكِرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى نَنَفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . فهذا وما يجرى مجراهُ هوَ أوَّلُ مقام المرابطةِ معَ النفسِ ، وهيَ المحاسبةُ قبلَ العملِ ، والمحاسبةُ تارةً تكونُ بعدَ العملِ ، وتارةً قبلَهُ للتحذيرِ ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيَّ أَنْفُسِكُمْ فَأَحْذَرُوهُ﴾، وهذا للمستقبلِ . وكلُّ نظرٍ في كثرةٍ ومقدارٍ لمعرفةِ زيادةٍ ونقصانٍ فإنَّهُ يُسمَّى محاسبةً ، فالنظرُ فيما بينَ يدي العبدِ في نهارِهِ ليعرفَ زيادتَهُ مِنْ نقصانِهِ مِنَ المحاسبةِ ، وقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿يََّّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَبِيَّنُواْ﴾ ، وقال تعالى: ﴿ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَ كُمْ فَاسِقٌ بِنَبَلٍ فَتَبَيَُّواْ﴾، وقال تعالى : ١٢٨ ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنِسَنَ وَنَعْلَمُ مَا نُوَسِّوِسُ بِهِ، نَفْسُهُ﴾، ذكرَ ذلكَ تحذيراً وتنبيهاً للاحترازِ منهُ في المستقبلِ . وروى عبادةُ بنُ الصامتِ أنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ قالَ لرجلٍ سألَهُ أنْ يوصيّهُ ويعظَهُ: ((إذا أردتَ أمراً .. فتدبَرْ عاقبتَهُ؛ فإنْ كانَ رشداً .. فأمضِهِ، وإنْ كانَ غيّاً .. فانتهِ عنهُ)) (١). وقالَ بعضُ الحكماءِ : ( إذا أردتَ أنْ يكونَ العقلُ غالباً للهوى .. فلا تعملْ بقضاءِ الشهوةِ حتى تنظرَ العاقبةَ ، فإنَّ مكثَ الندامةِ في القلبِ أكثرُ مِنْ مكثِ خفةِ الشهوةِ ) . وقالَ لقمانُ : ( إنَّ المؤمنَ إذا أبصرَ العاقبةَ .. أمنَ الندامةً). وروىَ شدادُ بنُ أوسٍ عنهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: ((الكيِّرُ مَنْ دانَ نفسَهُ وعملَ لما بعدَ الموتِ ، والأحمقُ مَنْ أتبعَ نفسَهُ هواها وتمنَّى على اللهِ))(٢)، دانَ نفسَهُ؛ أيْ: حاسبَها ، ويومُ الدينِ هوَ يومُ الحسابِ ، وقولُهُ: ﴿ أَيِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ أيْ: لمحاسبونَ . (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٤١) عن عبد الله بن مسور أبي جعفر مرسلاً ، ورواه أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) (٣٥٩/١) عن أبي جعفر ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هل أنت مستوصٍ إن أوصيتك؟)) قلت: نعم، قال: ((إذا هممت بأمر .. فتدبر عاقبته؛ فإن كان رشداً .. فأمضه، وإن كان غيّاً .. فانتهِ )" . (٢) رواه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه ( ٤٢٦٠) . ١٢٩ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات وقالَ عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ: ( حاسبوا أنفسَكُمْ قبلَ أَنْ تُحاسبوا، وزنوها قبلَ أنْ تُوزنوا، وتهيَّؤوا للعرضِ الأكبرِ)(١) . وكتبَ إلى أبي موسى الأشعريِّ : ( حاسبْ نفسَكَ في الرخاءِ قبلَ حسابِ الشدّةِ )(٢) . وقالَ لكعبِ الأحبارِ : كيفَ تجدُنا في كتابِ اللهِ - يعني التوراةَ -؟ قالَ : ويلٌ لديَّانِ الأرضِ مِنْ ديَّانِ السماءِ ، فعلاهُ بالدِّرَّةِ وقالَ : إلا مَنْ حاسبَ نفسَهُ ، فقالَ كعبٌ : واللهِ يا أميرَ المؤمنينَ ؛ إنَّها إلى جنبها في التوراةِ ، ما بينَهُما حرفٌ: إلا مَنْ حاسبَ نفسَهُ(٣). %G وهذا كلُّهُ إشارةٌ إلى المحاسبةِ للمستقبل؛ إذْ قالَ: ((مَنْ دانَ نفسَهُ فعملَ لما بعدَ الموتِ))، ومعناهُ: وزنَ الأمورَ أوَّلاً، وقدَّرَها ، ونظرَ فيها ، وتدبّرَها ، ثمَّ أقدمَ عليها فباشرَها . (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٣٠٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١ / ٥٢). (٢) رواه البيهقي في ((الزهد الكبير)) (٤٦٢)، وفيه: ( إلى بعض عمَّاله). (٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٨٩/٥)، والبيهقي في (( الشعب)) (٧٠٠٨) دون قوله : ( كيف تجدنا)، وسؤاله عن نفسه : ( كيف تجدني ) عند أبي داوود ( ٤٦٥٦ ) . ١٣٠ ربع المنجيات حر كتاب المراقبة والمحاسبة المُرابطة الثّانية المراقبة إذا أوصى الإنسانُ نفسَهُ، وشرطَ عليها ما ذكرناهُ .. فلا يبقى إلا المراقبةٌ لها عندَ الخوضِ في الأعمالِ ، وملاحظتُها بالعينِ الكالئةِ ؛ فإنَّها إنْ تُركَتْ .. طَغَتْ وفسدَتْ . ولنذكرْ فضيلةَ المراقبةِ ثمَّ درجاتِها . ١٣١ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات فضيلة المراقبة(١) أمّا الفضيلةُ : فقدْ سألَ جبريلُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنِ الإحسانِ ، فقالَ: ((أنْ تعبدَ اللهَ كأنَّكَ تراهُ، فإنْ لمْ تكنْ تراهُ فإنَّهُ يراكَ))(٢). وقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿أَفَمَّنْ هُوَ قَائٌِ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾. وقال تعالى: ﴿أَّ ◌َعْلَم ◌ِأَنَّ اللَّهَ يَرَ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ . وقال تعالى: ﴿وَلَِّنَ هُمْ لِأَمََِّهِمْ وَعَهْدِ رَعُونَ ﴾ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَدَتِهِمْ قَِّمُونَ﴾. وقالَ ابنُ المباركِ لرجلٍ : راقبِ اللهَ تعالى ، فسألَّهُ عنْ تفسيرِهِ ، فقالَ : كُنْ أبداً كأنَّكَ ترى اللهَ عزَّ وجلَّ (٣). وقالَ عبدُ الواحدِ بنُ زيدٍ : ( إذا كانَ سيِّدي رقيباً عليَّ .. فما أبالي بغيرِهِ) (٤) . وقالَ أبو عثمانَ المغربيُّ : ( أفضلُ ما يُلزمُ الإنسانُ نفسَهُ في هذهِ (١) العنوان زيادة من اللجنة العلمية . (٢) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩)، وفي غير (أ) و(ج) جاء السياق: ( ... كأنك تراه))، وقال عليه الصلاة والسلام: (( اعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه .. فإنه يراك )))، ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٠٢/٨). (٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ١٦٣)، وسياق المصنف عنده. (٤) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ١٦٣). ١٣٢ ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة الطريقةِ المحاسبةُ والمراقبةُ، وسياسةُ عملِهِ بالعلمٍ)(١). وقالَ ابنُ عطاءٍ : ( أفضلُ الطاعاتِ مراقبةُ الحقِّ على دوامِ الأوقاتِ)(١). وقالَ الجريريُّ : ( أمرُنا هذا مبنيٌّ على أصلينِ : أنْ تلزمَ نفسَكَ المراقبةَ للهِ عزَّ وجلَّ، ويكونَ العلمُ على ظاهرِكَ قائماً)(١). وقالَ أبو عثمانَ : قالَ لي أبو حفصٍ : ( إذا جلستَ للناسِ .. فكُنْ واعظاً لنفسِكَ وقلبكَ، ولا يغرَّنَّكَ اجتماعُهُمْ عليكَ ؛ فإنَّهُمْ يراقبونَ ظاهرَكَ، واللهُ رقيبٌ على باطِكَ)(٢). وحُكِيَ أنَّهُ كانَ لبعضٍ مشايخ هذهِ الطبقةِ تلميذٌ شابٌ، وكانَ يكرمُهُ ويقدمُهُ ، فقالَ لهُ بعضُ أصحابِهِ : كيفَ تكرمُ هذا وهوَ شابٌّ ونحنُ شيوخٌ؟! فدعا بعدَّةِ طيورٍ ، وناولَ كلَّ واحدٍ منهُمْ طائراً وسكِّيناً وقالَ : ليذبحْ كلُّ واحدٍ منكُمْ طائرَهُ في موضع بحيثُ لا يراهُ أحدٌ ، ودفعَ إلى الشابٌ مثلَ ذلكَ، وقالَ : اذبحْهُ حيثُ لا يراكَ أحدٌ ، فرجعُ كلُّ واحدٍ بطائِرِهِ مذبوحاً ، ورجعَ الشابُ والطائرُ حيٍّ في يدِهِ ، فقالَ : ما لكَ لمْ تذبحْ وقدْ ذبحَ أصحابُكَ ؟ فقالَ : لمْ أجدْ موضعاً لا يراني فيهِ أحدٌ؛ إذِ اللهُ مطّلعٌ عليَّ (١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ١٦٤)، ورواه القشيري في (( رسالته)) ( ص ٣٣٥) . (٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ١٦٤). ١٣٣ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات في كلِّ مكانٍ ، فاستحسنوا منهُ مراقبتَهُ، وقالوا: حُقَّ لكَ أنْ تُكُرمَ(١). وحُكِيَ أنَّ زليخا لمَّا خلَتْ بيوسفَ عليهِ السلامُ .. قامَتْ فغطّتْ وجهَ صنعِها ، فقالَ يوسفُ : ما لكِ ، أتستحيينَ مِنْ مراقبةِ جمادٍ ولا أستحيي مِنْ مراقبةِ الملكِ الجبّارِ؟!(٢). وحُكِيَ عنْ بعضِ الأحداثِ أنَّهُ راودَ جاريةً عنْ نفسِها، فقالَتْ لهُ : ألا تستحيي ؟ فقالَ : ممَّنْ أستحيي وما يرانا إلا الكواكبُ ؟ قالَتْ : وأينَ مُكَوْكِبُها ؟!(٣) . وقالَ رجلٌ للجنيدِ : بِمَ أستعينُ على غضِّ البصرِ ؟ قالَ : بعلمِكَ أنَّ نظرَ الناظرِ إليكَ أسبقُ مِنْ نظرِكَ إلى المنظورِ إليهِ (٤) . وقالَ الجنيدُ : ( إنَّما يتحقَّقُ بالمراقبةِ مَنْ يخافُ على فوتِ حظّهِ مِنْ رِبِّهِ عزَّ وجلَّ)(٥) . وعنْ مالكِ بنِ دينارٍ قالَ : جنَّاتُ عدنٍ مِنْ جنَّاتِ الفردوس ، وفيها حورٌ خُلقنَ مِنْ ورْدِ الجنةِ ، قيلَ لهُ : ومَنْ يسكنُها ؟ قالَ : يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ : (١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ١٦٤)، والقشيري في (( رسالته )) ( ص ٣٣٤ ) . (٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ١٦٥). (٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ١٦٥)، ورواه الخرائطي في ((اعتلال القلوب)) ( ٨٣ ) . (٤) رواه الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ١٦٦). (٥) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ١٦٦). ١٣٤ ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة إنَّما يسكنُ جنَّاتِ عدنٍ الذينَ إذا هُّوا بالمعاصي .. ذكروا عظمتي فراقبوني ، والذين انثنَتْ أصلابُهُمْ مِنْ خشيتي ، وعزَّتي وجلالي ؛ إنِّي لأهُمُّ بعذابِ أهل الأرضِ ، فإذا نظرتُ إلى أهلِ الجوعِ والعطشِ مِنْ مخافتي .. صرفتُ عنهُمُ العذابَ(١) . وسُئِلَ المحاسبيُّ عنِ المراقبةِ فقالَ: أوَّلُها علمُ القلبِ بقرْبِ الربِّ تعالى(٢). وقالَ المرتعشُ : ( المراقبةُ مراعاةُ السرِّ بملاحظةِ الغيبِ معَ كلِّ لحظةٍ ولفظةٍ)(٣). ويُروى أنَّ اللهَ تعالى قالَ لملائكتِهِ : أنتمْ موكَّلونَ بالظواهرِ ، وأنا الرقيبُ على البواطنِ (٤) . وقالَ محمدُ بنُ عليٍّ الترمذيُّ : ( اجعلْ مراقبتَكَ لمَنْ لا تغيبُ عنْ نظرِهِ إليكَ، واجعلْ شكرَكَ لمَنْ لا تنقطعُ نعمُهُ عنكَ، واجعلْ طاعتَكَ لمَنْ لا تستغني عنهُ، واجعلْ خضوعَكَ لمَنْ لا تخرجُ عنْ ملكِهِ وسلطانِهِ )(٥) . (١) رواه ابن أبي حاتم في (( تفسيره)) (٦٥٩٤)، وهو عند الخركوشي في ((تهذيب الأسرار )) (ص ١٦٦ ). (٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ١٦٧). (٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ١٦٧)، ورواه القشيري في ((رسالته)) (ص ٣٣٥) . (٤) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ١٦٨). (٥) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ١٦٨)، ورواه أبو نعيم في (( الحلية )) (٢٣٥/١٠ ) . ١٣٥ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات وقالَ سهلٌ : ( لمْ يتزيَّنِ القلبُ بشيءٍ أفضلَ ولا أشرفَ مِنْ علمِ العبدِ بأنَّ اللهَ شاهدُهُ حيثُ كانَ)(١) . وسُئِلَ بعضُهُمْ عنْ قولِهِ تعالى: ﴿رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ﴾، فقالَ: معناهُ: ذلكَ لمَنْ راقبَ ربَّهُ عزَّ وجلَّ، وحاسبَ نفسَهُ ، وتزوَّدَ لمعادِهِ(٢). وسُئِلَ ذو النونِ : بمَ ينالُ العبدُ الجنةَ ؟ فقالَ : بخمس : استقامةٌ ليسَ فيها روغانٌ ، واجتهادٌ ليسَ معهُ سهوٌ، ومراقبةُ اللهِ تعالى في السرِّ والعلانيةِ ، وانتظارُ الموتِ بالتأهُّبِ لهُ، ومحاسبةُ نفسِكَ قبلَ أنْ تُحاسبَ(٣) . وقدْ قيلَ(٤): [من الطويل] خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ إِذا ما خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْماً فَلاَ تَقُلْ وَلا أَنَّ مَا تُخْفِي عَلَيْهِ يَغِيبُ وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ يَغْفُلُ ساعَةٌ وَأَنَّ غَداً لِلنَّاظِرِينَ قَرِيبُ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْيَوْمَ أَسْرَعُ ذاهِبٍ (١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ١٦٨). (٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ١٦٨). (٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ١٦٨)، ورواه بنحوه أبو نعيم في ((الحلية)) ( ١١٧/١٠) . (٤) الأبيات متنازع في نسبتها وهي في ((روضة العقلاء)) (١٢٣/١)، وانظر تخريجها ثمة . ١٣٦ ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة وقالَ حميدٌ الطويلُ لسليمانَ بنِ عليٍّ : عظّني ، فقالَ : لئنْ كنتَ إذا عصيتَ اللهَ خالياً ظننتَ أنَّهُ يراكَ .. لقدِ اجترأتَ على أمرٍ عظيمٍ ، ولئنْ كنتَ تظرُّ أنَّهُ لا يراكَ .. فلقدْ كفرتَ(١). وقالَ سفيانُ الثوريُّ : ( عليكَ بالمراقبةِ ممَّنْ لا تخفى عليه خافيةٌ ، وعليكَ بالرجاءِ ممَّنْ يملكُ الوفاءَ، وعليكَ بالحذرِ ممَّنْ يملكُ العقوبةَ )(٢). وقالَ فرقدٌ السبخيُّ : ( إنَّ المنافقَ ينظرُ، فإذا لمْ يرَ أحداً .. دخلَ مدخلَ السوءِ ، وإنَّما يراقبُ الناسَ ولا يراقبُ اللهَ تعالى ) . وقالَ عبدُ اللهِ بنُ دينارٍ : خرجتُ معَ عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ الله عنهُ إلى مكَّةَ ، فعرَّسْنا في بعضِ الطريقِ ، فانحدرَ علينا راعٍ مِنَ الجبلِ ، فقالَ لهُ : يا راعي ؛ بعني شاةً مِنْ هذهِ الغنمِ ، فقالَ : إنِّي مملوكٌ، فقالَ : قَلْ السيِّدِكَ : أكلها الذئبُ، قالَ: فأينَ اللهُ؟! قالَ: فبكى عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ ، ثمَّ غدا إلى المملوكِ فاشتراهُ مِنْ مولاهُ وأعتقَهُ ، وقالَ : أعتقتْكَ في الدنيا هذهِ الكلمةُ، وأرجو أنْ تعتقَكَ في الآخرةِ(٣). (١) أورده الراغب في ((محاضرات الأدباء)) (٩٢/٤)، وسليمان بن علي يومها والي البصرة . (٢) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)). ((إتحاف)) (٩٨/١٠). (٣) روى الخبر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أبو داوود في ((الزهد)) (٣٠٦)، والطبراني في ((الكبير)) (١٢/ ٢٦٣). ١٣٧ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات بيان حقيقة المراقبة ودرجاتها اعلمْ : أنَّ حقيقةَ المراقبةِ هيَ ملاحظةُ الرقيبِ ، وانصرافُ الهمِّ إليهِ ، فمَنِ احترزَ مِنْ أمرٍ مِنَ الأمورِ بسببٍ غيرِهِ يُقالُ : إنَّهُ يراقبُ فلاناً ويراعي جانبَهُ ، ونعني بهذهِ المراقبةِ حالةً للقلبِ يثمرُها نوعٌ مِنَ المعرفةِ ، وتثمرُ تلكَ الحالةُ أعمالاً في الجوارحِ وفي القلبِ . أمَّا الحالةُ .. فهيَ مراعاةُ القلبِ للرقيبِ، واشتغالُهُ بهِ ، والتفاتُهُ إليهِ ، وملاحظتُهُ إِيَّاهُ ، وانصرافُهُ إليهِ . وأمَّا المعرفةُ التي تثمرُ هذهِ الحالةَ .. فهوَ العلمُ بأنَّ اللهَ مطلعٌ على الضمائرِ ، عالمٌ بالسرائرِ ، رقيبٌ على أعمالِ العبادِ ، قائمٌ على كلٌّ نفسٍ بما كسبَتْ ، وأنَّ سرَّ القلبِ في حقِّهِ مكشوفٌ ؛ كما أنَّ ظاهرَ البشرةِ للخلقِ مكشوفٌ ، بلْ أشدُّ مِنْ ذلكَ ، فهذهِ المعرفةُ إذا صارَتْ يقيناً ؛ أعني : أنَّها خلَتْ عنِ الشكِّ، ثمَّ استولَتْ بعدَ ذلكَ على القلبِ وقهرَتُهُ ، فربَّ علمٍ لا شكَّ فيهِ لا يغلبُ على القلبِ ؛ كالعلمِ بالموتِ ، فإذا استولَتْ على القلبِ .. استجرَّتِ القلبَ إلى مراعاةِ جانبِ الرقيبِ، وصرفَتْ همَّهُ إليهِ . والموقنونَ بهذهِ المعرفةِ هُمُ المقرَّبونَ ، وهمْ ينقسمونَ إلى الصدِّيقينَ ، وإلى أصحابِ اليمينِ ، فمراقبتُهُمْ على درجتينِ : ١٣٨ ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة الدرجةُ الأولى : مراقبةُ المقرّبينَ مِنَ الصدِّيقينَ : وهيَ مراقبةُ التعظيمِ والإجلالِ ، وهوَ أنْ يصيرَ القلبُ مستغرقاً بملاحظةٍ ذلكَ الجلالِ ، ومنكسراً تحتَ الهيبةِ ، فلا يبقى فيهِ متسعٌ للالتفاتِ إلى الغيرِ أصلاً ، وهذهِ مراقبةٌ لا نطوِّلُ النظرَ في تفصيلِ أعمالِها ؛ فإنَّها مقصورةٌ على القلبِ ، أمَّ الجوارحُ .. فإِنَّها تتعطَّلُ عنِ الالتفاتِ إلى المباحاتِ فضلاً عنِ المحظوراتِ ، وإذا تحرَّكَتْ بالطاعاتِ .. كانَتْ كالمستعملةِ بها ، فلا تحتاجُ إلى تدبيرٍ وتثبيتٍ في حفظِها على سننِ السدادِ ، بلْ يسدِّدُ الرعيةَ مَنْ ملكَ كلِّيّةَ الراعي ، والقلبُ هوَ الراعي ، فإذا صارَ مستوفىّ بالمعبودِ .. صارَتِ الجوارحُ كلُّها مستعملةً جاريةً على السدادِ والاستقامةِ مِنْ غيرِ تكلُّفٍ . وهذا هوَ الذي صارَ هُّهُ همّاً واحداً ، فكفاهُ اللهُ سائرَ الهموم ، ومَنْ نالَ هذهِ الدرجةَ .. فقدْ يغفُلُ عنِ الخلقِ ، حتى لا يبصرُ مَنْ يحضرُ عندَهُ وهوَ فاتحٌ عينيهِ ، ولا يسمعُ ما يُقالُ لهُ معَ أنَّه لا صممَ بهِ ، وقدْ يمُّ على ابنهِ مثلاً فلا يكلِّمُهُ ، حتى كانَ بعضُهُمْ يجري عليهِ مثلُ ذلكَ ، فقالَ لمَنْ عاتبَهُ : إذا مررتَ بي .. فحرِّكْني(١) . ولا تستبعدْ هذا ؛ فإنَّكَ تجدُ نظيرَ هذا في القلوبِ المعظّمةِ لملوك الأرضِ ، حتى إنَّ خدمَ الملوكِ قدْ لا يحسُّونَ بما يجري عليهِمْ في مجالسٍ (١) أورده المحاسبي في ((القصد والرجوع إلى الله)) والمطبوع باسم «الوصايا)) (ص٣١٤). ١٣٩ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات الملوكِ لشدَّةِ استغراقِهِمْ بِهِمْ، بلْ قدْ يشتغلُ القلبُ بمهمٌّ حقيرٍ مِنْ مهمَّاتٍ الدنيا ، فيغوصُ الرجلُ في الفكرِ فيهِ ويمشي ، فربّما يخطئُّ الموضعَ الذي قصدَهُ ، وينسى الشغلَ الذي نهضَ لهُ . وقدْ قيلَ لعبدِ الواحدِ بنِ زيدٍ : هلْ تعرفُ في زمانِكَ هذا رجلاً قدٍ اشتغلَ بحالِهِ عن الخلقِ ؟ فقالَ: ما أعرفُ(١) إلا رجلاً واحداً سيدخلُ عليكُمُ الساعةَ ، فما كانَ إلا سريعاً حتى دخلَ عتبةُ الغلامُ ، فقالَ لهُ عبدُ الواحدِ بنُ زيدٍ: مِنْ أينَ جئتَ يا عتبةُ ؟ فقالَ : مِنْ موضع كذا ، وكانَ طريقُهُ على السوقِ ، فقالَ : مَنْ لقيتَ في الطريقِ ؟ فقالَ: ما رأيتُ أحداً(٢). ورُوِيَ عنْ يحيى بنِ زكريا عليهما السلامُ : أنَّهُ مرَّ بامرأةٍ ، فدفعَها ، فسقطَتْ على وجهِها ، فقيلَ لهُ : لمَ فعلتَ هذا؟ فقالَ : ما ظنتُها إلا جداراً(٣) . وحُكِيَ عنْ بعضِهِمْ أَنَّهُ قالَ : مررتُ بجماعةٍ يترامونَ وواحدٌ جالسٌ بعيداً منهُمْ ، فتقدمتُ إليهِ ، فأردتُ أنْ أكلِّمَهُ ، فقالَ : ذكرُ اللهِ تعالى أشهى ، فقلتُ : أنتَ وحدَكَ ؟ فقالَ : معي ربِّي وملكايَ ، فقلتُ : مَنْ سبقَ مِنْ هؤلاءِ ؟ فقالَ : مَنْ غفرَ اللهُ تعالى لهُ، فقلتُ : أينَ الطريقُ ؟ فأشارَ نحوَ (١) في النسخ : ( ما أعرفه)، والمثبت من (ق) . (٢) كذا أورده المحاسبي في ((الوصايا)) (ص ٣١٤) واللفظ له ، ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٣٣/٦ ) . (٣) أورده المحاسبي في ((الوصايا)) (ص ٣١٤). ١٤٠