النص المفهرس
صفحات 101-120
ربع المنجيات كتاب النية والإخلاص ومولاءُ، إِنْ حَرَّكَهُ .. تحرَّكَ، وإن سَكَّنَهُ .. سكنَ، وإنِ ابتلاهُ .. رضيَ ، لمْ يبقَ فيهِ متسعٌ لطلبٍ والتماسِ واعتراضٍ ، بلْ هوَ بينَ يدي اللهِ تعالى كالميتِ بينَ يدي الغاسلِ ، وهذا منتهى الصدقِ في العبوديةِ اللهِ تعالى ، فالعبدُ الحقُّ هوَ الذي وجودُهُ لمولاهُ لا لنفسِهِ ، وهذهِ درجةُ الصدِّيقينَ ، وأمَّا الحريَّةُ عنْ غيرِ اللهِ .. فدرجاتُ الصادقينَ ، وبعدَها تتحقَّقُ العبوديةُ للهِ تعالى، وما قبلَ هذا فلا يستحقُّ صاحبُهُ أنْ يُسمَّى صادقاً ولا صدِّيقاً ، فهذا هوَ معنى الصدقِ في القولِ . الصدقُ الثاني : في النيةِ والإرادةِ : ويرجعُ ذلكَ إلى الإخلاصِ ، وهوْ ألا يكونَ لهُ باعثٌ في الحركاتِ والسكناتِ إلا اللهَ تعالى ، فإنْ مازجَهُ شوبٌ مِنْ حظوظِ النفسِ .. بطلَ صدقُ النيةِ ، وصاحبُهُ يجوزُ أنْ يُسمَّى كاذباً ؛ كما روينا في فضيلةِ الإخلاصِ مِنْ حديثِ الثلاثةِ، حينَ يُسألُ العالمُ: (( ما عملتَ فيما علمتَ ؟ فقالَ : فعلتُ كذا وكذا ، فقالَ اللهُ تعالى: كذبتَ، بلْ أردتَ أنْ يُقالَ: فلانٌ عالمٌ))(١) ، فإنَّهُ لمْ يكذبْهُ ولمْ يقلْ لهُ: لمْ تعملْ ، ولكنْ كذَّبهُ في إرادتِهِ ونيتِهِ . وقدْ قالَ بعضُهُمُ : ( الصدقُ صحةُ التوجُّهِ في القصدِ )(٢) . (١) رواه مسلم (١٩٠٥)، والترمذي (٢٣٨٢). (٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٩١)، وفي (ج، د): (صحة التوحيد) بدل ( صحة التوجه ) . ١٠١ کتاب النية والإخلاص ربع المنجيات وكذلكَ قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ﴾، وقدْ قالوا : إنَّكَ لرسولُ اللهِ ، وهذا صدقٌ ، ولكنْ كذَّبَهُمْ لا مِنْ حيثُ نطقُ اللسانِ ، بلْ مِنْ حيثُ ضميرُ القلبِ ، وكانَ التكذيبُ يتطرّقُ إلى الخبرِ ، وهذا القولُ يتضمّنُ إخباراً بقرينةِ الحالِ ؛ إذْ صاحبُهُ يظهرُ مِنْ نفسِهِ أنَّهُ يعتقدُ ما يقولُ ، فَكُذِّبَ في دلالتِهِ بقرينةِ الحالِ على ما في قلبِهِ ؛ فإنَّهُ كذبَ في ذلكَ وإنْ لمْ يكذبْ فيما يلفظُ بهِ ، فيرجعُ أحدُ معاني الصدقِ إلى خلوصٍ النيةِ ، وهوَ الإخلاصُ ، فكلُّ صادقٍ فلا بدّ وأنْ يكونَ مخلصاً . الصدقُ الثالثُ : صدقُ العزمِ : فإنَّ الإنسانَ قدْ يقدِّمُ العزمَ على العملِ ، فيقولُ في نفسِهِ: إِنْ رزقَني اللهُ مالاً .. تصدقتُ بجميعِهِ أوْ بشطرِهِ ، أوْ إنْ لقيتُ عدواً في سبيلِ اللهِ تعالى .. قاتلتُ ولمْ أبالٍ وإنْ قُتلتُ ، وإنْ أعطاني اللهُ تعالى ولايةً .. عدلتُ فيها ولمْ أعصِ اللهَ تعالى بظلمٍ وميلٍ إلى خلقٍ . فهذهِ العزيمةُ قدْ يصادفُها مِنْ نفسِهِ ، وهيَ عزيمةٌ جازمةٌ صادقةٌ ، وقدْ يكونُ في عزمِهِ نوعُ ميلٍ وتركُّدٍ وضعفٍ يضادُّ الصدقَ في العزيمةِ ، فكانَ الصدقُ هلهنا عبارةً عنِ التمام والقوَّةِ ؛ كما يُقالُ : لفلانٍ شهوةٌ صادقةٌ ، ويُقالُ : هذا المريضُ شهوتُهُ كاذبةٌ ؛ مهما لمْ تكنْ شهوتُهُ عنْ سببٍ ثابتٍ قويٍّ أوْ كانَتْ ضعيفةً ، فقدْ يُطلقُ الصدقُ ويُرادُ بهِ هذا المعنى ، فالصادقُ ١٠٢ ربع المنجيات كتاب النية والإخلاص والصدِّيقُ هوَ الذي تُصادَفُ عزيمتُهُ في الخيراتِ كلِّها قويَّةً تَامَّةً ، ليسَ فيها ميلٌ ولا ضعفٌ ولا تردُّدٌ ، بلْ تسخو نفسُهُ أبداً بالعزم المصممِ الجازمِ على الخيراتِ . وهوَ كما قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( لأنْ أُقدَّمَ فتُضربَ عنقي في غيرِ حدٍّ أحبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أتأمَّرَ على قومٍ فيهِمْ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ)(١) ، فإنَّهُ قَدْ وجدَ مِنْ نفسِهِ العزمَ الجازمَ والمحبَّةَ الصادقةَ بأنَّهُ لا يتأمَّرُ معَ وجودٍ أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ، وأكَّدَ ذلكَ بما ذكرَهُ مِنَ القتلِ . ومراتبُ الصدِّيقينَ في العزائمِ تختلفُ ، فقدْ يصادفُ العزمَ ولا ينتهي بهِ إلى أنْ يرضى بالقتلِ فيهِ ، ولكنْ إذا خُلُّيَ ورأيَهُ .. لمْ يقدمْ، ولوْ ذُكِرَ لهُ حديثُ القتلِ لانتقضَ عزمُهُ(٢) ، بلْ في الصادقينَ والمؤمنينَ مَنْ لَوْ خُيِّرَ بينَ أنْ يُقتلَ هوَ أوْ أبو بكرٍ .. كانَتْ حياتُهُ أحبَّ إليهِ مِنْ حياةِ أبي بكرٍ الصدِّيقِ رضيَ اللهُ عنهُ . الصدقُ الرابعُ : في الوفاءِ بالعزمِ : فإنَّ النفسَ قدْ تسخو بالعزم في الحالِ ، إذْ لا مشقّةَ في الوعدِ والعزم ، (١) رواه البخاري (٦٨٣٠) ضمن خبر طويل. (٢) وفي (ج، ص): ( لم ينقض ) بدل ( لانتقض ) ، وعليه يكون المعنى : ذكر حديث القتل لا ينقضُ عزمه ، ولكن لو طولب بالقتل .. لاحتاج إلى صدق آخر ، هو صدق الوفاء بالعزم . ١٠٣ كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات والمؤنةُ فيهِ خفيفةٌ، فإذا حقَّتِ الحقائقُ وحصلَ التمكُّنُ ، وهاجَتِ الشهواتُ .. انحلَّتِ العزيمةُ، وغلبَتِ الشهواتُ ، ولمْ يتفقِ الوفاءُ بالعزمِ ، وهذا يضادُّ الصدقَ فيهِ . ولذلكَ قالَ اللهُ تعالى: ﴿ رِجَالٌ صَدَقُوْمَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، فقدْ رُوِيَ عنْ أنس : أنَّ عمَّهُ أنسَ بنَ النضرِ لمْ يشهدْ بدراً معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علیهِ وسلَّمَ ، فشقَّ ذلكَ على قلبهِ ، وقالَ: أوَّلُ مشهدٍ شهدَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ غبتُ عنهُ! أما واللهِ لئنْ أراني اللهُ مشهداً معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. ليرينَّ اللهُ ما أصنعُ ، فشهدَ أحداً من العام القابلِ ، فاستقبلَهُ سعدُ بنُ معاذٍ، فقالَ : يا أبا عمرو ؛ إلى أينَ ؟(١) فقالَ: واهاً لربح الجنةِ ! إنِّي أجدُها دونَ أحدٍ ، فقاتلَ حتى قُتِلَ ، فوُجِدَ في جسدِهِ بضعٌ وثمانونَ ، ما بينَ رميةٍ وضربةٍ وطعنةٍ ، فقالَتْ أختُهُ بنتُ النضر (٢): ما عرفتُ أخي إلا ببنانِهِ ، ونزلَتْ هذهِ الآيَةُ: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (٣). ووقفَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على مصعبِ بنِ عميرٍ وقدْ سقطٌ (١) السائل هو أنس بن النضر رضي الله عنه، وأبو عمرو هي كنية سعد بن معاذ رضي الله عنه ، وسياق المصنف موهم أن السائل هو سعد ، وأنس لم ينتظر جواب سعد ، بل سرد كلامه . (٢) هي الرُّبَيِّع بنت النضر رضي الله عنها. (٣) رواه البخاري (٢٨٠٦)، ومسلم (١٩٠٣)، والترمذي (٣٢٠٠) واللفظ له . ١٠٤ ـن ربع المنجيات كتاب النية والإخلاص على وجهِهِ يومَ أحدٍ شهيداً ، وكانَ صاحبَ لواءِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنْتَظِرُ﴾(١) . وقالَ فضالةُ بنُ عبيدٍ : سمعتُ عمرَ بنَ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ : سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: ((الشهداءُ أربعةٌ: رجلٌ مؤمنٌ جَيِّدُ الإيمانِ ، لقيَ العدوَّ فصدقَ اللهَ حتى قُتِلَ ، فذلكَ الذي يرفعُ الناسُ إليهِ أعينَهُمْ يومَ القيامةِ هكذا - ورفعَ رأسَهُ حتَّى وقعَتْ قلنسوتُهُ ، قالَ الراوي : فلا أدري قلنسوةَ عمرَ أوْ قلنسوةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ - ورجلٌ جيّدُ الإيمانِ إذا لقيَ العدوَّ .. فكأنَّما يُضربُ وجهُهُ بشوكِ الطلحِ، أتاهُ سهمٌ عائرٌ فقتلَهُ، فهوَ في الدرجةِ الثانيةِ ، ورجلٌ مؤمنٌ خلطَ عملاً صالحاً وآخرَ سيئاً ، لقيَ العدوَّ فصدقَ اللهَ تعالى حتى قُتِلَ ، فذلكَ في الدرجةِ الثالثةِ ، ورجلٌ مؤمنٌ أسرفَ على نفسِهِ ، لقيَ العدوَّ فصدقَ اللهَ حتى قُتِلَ، فذاكَ في الدرجةِ الرابعةِ))(٢). وقالَ مجاهدٌ : ( رجلانِ خرجا على ملاٍ مِنَ الناسِ قعودٍ ، فقالا : إنْ رزقَنا اللهُ تعالى مالاً .. لنصَّدَقَنَّ فرُزقوا، فبخلوا بهِ ، فنزلَتْ: ﴿وَمِنْهُم (١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٢٤٨/٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٠٧/١) عن عبيد بن عمير مرسلاً . (٢) رواه الترمذي (١٦٤٤)، وسهم عائر: لا يعلم من أين هو ولا من رماه . ١٠٥ كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات ◌َّنْ عَهَدَ اللَّهَ لَإِنْ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَِّحِينَ﴾(١). وقالَ بعضُهُمْ: إنَّما هوَ شيءٌ نووهُ في أنفسهِمْ لمْ يتكلَّموا بهِ (٢)، فقالَ: وَمِنْهُمِ مَنْ عَهَدَ اللَّهَ لَإِنْ ءَاتَننَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ إِلَى فَلَمَآ ءَاتَنَّهُم مِّن فَضْلِهِ، بَخِلُواْ بِهِ، وَتَوَلَّواْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾، فجعلَ العزمَ عهداً ، وجعلَ الخلْفَ فيهِ كذباً والوفاءَ بهِ صدقاً . وهذا الصدقُ أشدُّ مِنَ الصدقِ الثالثِ ؛ فإنَّ النفسَ قدْ تسخو بالعزمِ ثمَّ تكيعُ (٣) عندَ الوفاءِ لشَّتِهِ عليها ، ولهيجانِ الشهواتِ عندَ التمكُّنِ وحصولٍ الأسبابِ ، ولذلكَ استثنى عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ فقالَ: ( لأنْ أُقدَّمَ فتُضربَ عنقي أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أَتأمَّرَ على قومٍ فيهِمْ أبو بكرٍ ، اللهمَّ إلا أنْ تسوِّلَ لي نفسي عندَ القتلِ شيئاً لا أجدُهُ الآنَ؛ لأنِّي لا آمنُ أنْ يثقلَ عليها ذلكَ فتتغيَّرَ عنْ عزمِها )(٤) ، أشارَ بذلكَ إلى شدَّةِ الوفاءِ بالعزمِ. وقالَ أبو سعيدِ الخرّازُ : رأيتُ في المنام كأنَّ ملكينٍ نزلا مِنَ السماءِ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٥١٩)، والطبري في ((تفسيره)) (٦ /٢٣٩/١٠ ) . (٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) (٦/ ١٠/ ٢٤٢) عن سعيد بن ثابت . (٣) تكيع : تجبن وتتلكًا . (٤) رواه البخاري ( ٦٨٣٠ ) . ١٠٦ ربع المنجيات کتاب النية والإخلاص فقالا لي : ما الصدقُ ؟ قلتُ : الوفاءُ بالعهدِ ، فقالا لي : صدقتَ ، وعرجا إلى السماء (١). الصدقُ الخامسُ : في الأعمالِ : وهوَ أنْ يجتهدَ حتى لا تدلَّ أعمالُهُ الظاهرةُ على أمرٍ في باطنِهِ لا يتصفُ هوَ بهِ ، لا بأنْ يتركَ الأعمالَ ، ولكنْ بأنْ يستجرَّ الباطنَ إلى تصديقٍ الظاهرِ ، وهذا يخالفُ ما ذكرناهُ مِنْ تركِ الرياءِ ؛ لأنَّ المرائيَ هوَ الذي يقصدُ ذلكَ لأجلِ الخلقِ ، وربَّ واقفٍ على هيئةِ الخشوع في صلاتِهِ ليسَ يقصدُ بهِ مشاهدةَ غيرِهِ ، ولكنْ قلبُهُ غافلٌ عنِ الصلاةِ ، فمَنْ ينظرُ إليهِ يراهُ قائماً بينَ يديِ اللهِ تعالى ، وهوَ بالباطنِ قائمٌ في السوقِ بينَ يدي شهوةٍ مِنْ شهواتِهِ ، فهذهِ أعمالٌ تعربُ بلسانِ الحالِ عنِ الباطنِ إعراباً هوَ فيهِ كاذبٌ ، وهوَ مطالبٌ بالصدقِ في الأعمالِ . وكذلكَ قدْ يمشي الرجلُ على هيئةِ السكونِ والوقارِ وليسَ باطنُهُ موصوفاً بذلكَ الوقارِ ، فهذا غيرُ صادقٍ في عملِهِ وإنْ لمْ يكنْ ملتفتاً إلى الخلقِ ولا مرائياً إيَّاهُمْ ، ولا ينجو مِنْ ههذا إلا باستواءِ السريرةِ والعلانيةِ ؛ بأنْ يكونَ باطنُهُ مثلَ ظاهرِهِ أَوْ خيراً مِنْ ظاهِرِهِ . ومِنْ خيفةِ ذلكَ اختارَ بعضُهُمْ تشويشَ الظاهرِ ، ولبسَ ثيابِ الأشرارِ ؛ (١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٩٣). ١٠٧ کتاب النية والإخلاص ربع المنجيات eG كي لا يُظنَّ بهِ الخيرُ بسببٍ ظاهرِهِ ، فيكونَ كاذباً في دلالةِ الظاهرِ على الباطنِ . فإذاً ؛ مخالفةُ الظاهرِ للباطنِ إنْ كانَتْ عنْ قصدٍ .. سُمِّيَتْ رياءً ، ويفوتُ بها الإخلاصُ ، وإنْ كانَ عنْ غيرِ قصدٍ .. فيفوتُ بها الصدقُ، ولذلكَ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اللهمَّ؛ اجعلْ سريرتي خيراً مِنْ علانيتي ، واجعلْ علانيتي صالحةً))(١). وقالَ زُبيدُ بنُ الحارثِ : ( إذا استوَتْ سريرةُ العبدِ وعلانيتُهُ .. فذلكَ النَّصَفُ، وإنْ كانَتْ سريرتُهُ أفضلَ مِنْ علانيتِهِ .. فذلكَ الفضلُ، وإنْ كانَتْ علانيتُهُ أفضلَ مِنْ سريرتِهِ .. فذلكَ الجورُ )(٢). وأنشدوا(٣) : [من الطويل] فَقَدْ عَزَّ فِي الدَّارَيْنِ وَأُسْتَوْجَبَ الثَّنَا إِذا السّزُ وَالإِعْلانُ فِي الْمُؤْمِنِ اسْتَوَى عَلَى سَعْيِهِ فَضْلٌ سِوَى الْكَدِّ وَأَلْعَنَا فَإِنْ خالَفَ الإِعْلانُ سِرّاً فمَا لَهُ وَمَغْشُوْشُهُ الْمَرْدُودُ لا يَقْتَضِي الْمُنَّى كَمَا خالِصُ الدِّينارِ فِي السُّوقِ نَافِقٌ وقالَ عقبةُ بنُ عبدِ الغافرِ : ( إذا وافقَتْ سريرةُ المؤمنِ علانيتَهُ .. (١) رواه الترمذي (٣٥٨٦)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٣٠٤٤٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٥٣/١ ) . (٢) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٦٥٨٤)، ووقع في النسخ: ( زيد) بدل (زبيد) . (٣) انظر ((الكشكول)) (٣٨٣/٢). ١٠٨ ربع المنجيات كتاب النية والإخلاص باهى اللهُ بهِ ملائكتَهُ، يقولُ: هذا عبدي حقّاً)(١) . وقالَ معاويةُ بنُ قرَّةَ : ( مَنْ يدلُني علىُ بَّاءٍ بالليلِ بِسَّامٍ بالنهارِ ؟)(٢) وقالَ عبدُ الواحدِ بنُ زيدٍ : ( كانَ الحسنُ إذا أمرَ بشيءٍ .. كانَ مِنْ أعملٍ الناسِ بهِ ، وإذا نهى عنْ شيءٍ .. كانَ مِنْ أتركِ الناسِ لهُ، ولمْ أرَ أحداً قطّ أشبهَ سريرةً بعلانيةٍ منهُ )(٣) . وكانَ أبو عبدِ الرحمنِ الزاهدُ يقولُ : ( إلهي ؛ عاملتُ الناسَ فيما بيني وبينَهُمْ بالأمانةِ ، وعاملتُكَ فيما بيني وبينَكَ بالخيانةِ ) ويبكي . وقالَ أبو يعقوبَ النهر جوريُّ : ( الصدقُ موافقةُ الحقِّ في السرِّ والعلانيةِ ) (٤) . فإذاً ؛ مساواةُ السريرةِ للعلانيةِ أحدُ أنواع الصدق . الصدقُ السادسُ - وهوَ أعلى الدرجاتِ وأعزُّها - : الصدقُ في مقاماتِ الدينِ : كالصدقِ في الخوفِ ، والرجاءِ ، والتعظيم ، والزهدِ ، والرضا ، (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦١/٢)، والبيهقي في ((الشعب)) (٦٥٥١)، ووقع في النسخ : ( عطية ) بدل ( عقبة ) . (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٩٨/٢)، والبيهقي في (الشعب)) ( ٦٥٨٣). (٣) رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (٢/ ١٤٧) عن خالد بن صفوان ، وهو عند ابن أبي الدنيا في (( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) (ص٩١ ) من وصية الحسن نفسه . (٤) رواه الأزدي في ((طبقات الصوفية)) (ص ٢٨٦). ١٠٩ كتاب النية والإخلاص 0 ربع المنجيات والحبّ ، والتوُّلِ ، وسائرِ هذهِ الأمورِ ، فإنَّ هذهِ الأمورَ لها مبادٍ ينطلقُ الاسمُ بظهورِها ، ثمَّ لها غاياتٌ وحقائقُ، والصادقُ المحقِّقُ مَنْ نالَ حقيقتَها . وإذا غلبَ الشيءُ وتمَّتْ حقيقتُهُ .. سُمِّيَ صاحبُهُ صادقاً فيهِ ، كما يُقالُ: فلانٌ صدقَ القتالَ(١) ، ويقالُ: هذا هوَ الخوفُ الصادقُ، وهذهِ هيَ الشهوةُ الصادقةُ . وقالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ﴾ إلىُ قولِهِ: ﴿أُوْلَتِكَ هُمُ الصَدِفُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ اَلْآَخِرِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿أُوْلَكَ اُلَّذِينَ صَدَقُواْ﴾. وسُئِلَ أبو ذرٍّ عنِ الإيمانِ، فقرأَ هذهِ الآيةَ، فقيلَ لهُ : سألناكَ عنِ الإيمانِ ! فقالَ : سألتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنِ الإيمانِ ، فقرأَ هذهِ الآيةَ(٢). ولنضربْ للخوفِ مثلاً ، فما مِنْ عبدٍ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ إلا وهوَ خائفٌ مِنَ اللهِ خوفاً ينطلقُ عليهِ الاسمُ ، ولكنَّهُ خوفٌ غيرُ صادقٍ ؛ أيْ : غيرُ (١) يقال: فلان صدقَ القتالَ؛ إذا بذل الجد، وكذَّب عنه ؛ إذا جبن . (٢) رواه المروزي في (( تعظيم قدر الصلاة)) (٤٠٨، ٤٠٩)، وقال السيوطي في (( الدر المنثور)) (٤١٠/١) ( أخرجه ابن أبي حاتم وصححه )، وساق له روايات عن غير أبي ذر رضي الله عنه . ١١٠ ربع المنجيات كتاب النية والإخلاص بالغ درجةَ الحقيقةِ ، أما تراهُ إذا خافَ سلطاناً أوْ قاطعَ طريقٍ في سفرِهِ كيفَ يصفرُّ لونُهُ، وترتعدُ فرائصُهُ، ويتنغَّصُ عليهِ عيشُهُ، ويتعذَّرُ عليهِ أكلُّهُ ونومُهُ ، وينقسمُ عليهِ فكرُهُ حتَّى لا ينتفعُ بهِ أهلُهُ وولدُهُ ، وقدْ ينزعجُ عنِ الوطنِ فيستبدلُ بالأنسِ الوحشةَ ، وبالراحةِ التعبَ والمشقَّةَ والتعرُّضَ للأخطارِ ، كلُّ ذلكَ خوفاً مِنْ درْكِ المحذورِ ، ثمَّ إنَّهُ يخافُ النارَ ، ولا يظهرُ عليهِ شيءٌ مِنْ ذلكَ عندَ جريانِ معصيةٍ عليهٍ ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لمْ أرَ مثلَ النارِ نامَ هاربُها ، ولا مثلَ الجنةِ نامَ طالبُها ))(١). فالتحقيقُ في هذهِ الأمورِ عزيزٌ جداً ، ولا غايةَ لهذهِ المقاماتِ حتى يُنالَ تمامُها ، ولكنْ لكلِّ عبدٍ منهُ حظّ بحسَبِ حالِهِ ؛ إمَّا ضعيفٌ وإمَّا قويٌّ، فإذا قويَ .. سُمِّيَ صادقاً فیهِ . فمعرفةُ اللهِ تعالى وتعظيمُهُ والخوفُ منهُ لا نهايةَ لهُ، ولذلكَ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لجبريلَ: ((أحبُّ أنْ أراكَ في صورتِكَ التي هيَ صورتُكَ))، فقالَ: لا تطيقُ ذلكَ، قالَ: ((بلى، أرني)) ، فواعدَهُ البقيعَ في ليلةٍ مقمرةٍ ، فأتاهُ، فنظرَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فإذا هوَ بهِ قدْ سدًّ الأفقَ - يعني : جوانبَ السماءِ - فوقعَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مغشيّاً عليهِ ، فأفاقَ وقدْ عادَ جبريلُ لصورتِهِ الأولى، فقال النبي صلَّى اللهُ عليهِ (١) رواه الترمذي (٢٦٠١)، والبيهقي في ((الشعب)) (٣٨٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٧٨/٨ ) . كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات وسلَّمَ : (( ما ظننتُ أنَّ أحداً مِنْ خلقِ اللهِ هكذا))، قالَ: كيفَ لوْ رأيتَ إسرافيلَ ؟ إنَّ العرشَ لعلى كاهِلِهِ ، وإنَّ رجليهِ قدْ مرقتا تخومَ الأرضينَ السفلى ، وإنَّهُ ليتصاغرُ مِنْ عظمةِ اللهِ تعالى حتى يصيرَ كالوَصَع ؛ يعني : كالعصفورِ الصغيرِ(١) . فانظرْ ما الذي يغشاهُ مِنَ العظمةِ والهيبةِ حتى يرجعَ إلى ذلكَ الحدِّ ، وسائرُ الملائكةِ ليسوا كذلكَ ؛ لتفاوتِهِمْ في المعرفةِ ، فهذا هوَ الصدقُ في التعظيمِ . وقالَ جابرٌ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مررتُ ليلةَ أُسريَ بي وجبريلَ بالملأِ الأعلى كالحِلْسِ البالي مِنْ خشيةِ اللهِ تعالى))(٢)؛ يعني الكساءَ الذي يُلقى على ظهر البعيرِ . وكذلكَ الصحابةُ كانوا خائفينَ ، وما كانوا بلغوا خوفَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ولذلكَ قالَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما : لنْ يبلغَ الرجلُ حقيقةَ الإيمانِ حتَّى يرى الناسَ كلَّهُمْ حمقى في دينِ اللهِ)(٣). (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٢٢١) عن ابن شهاب مرسلاً، والثعلبي في ((تفسيره)) (١٤٢/١٠) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وقد تقدم أنه صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام على صورته مرتين ، وهو ما رواه البخاري (٤٨٥٥)، ومسلم ( ١٧٧ ) . (٢) رواه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (٦٣٤)، والطبراني في (( الأوسط)) ( ٤٦٧٦). (٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٢٩٦)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٣٠٦/٦). ١١٢ ربع المنجيات کتاب النية والإخلاص وقالَ مطرِّفٌ : ( ما مِنَ الناس أحدٌ إلا وهوَ أحمقُ فيما بينَهُ وبينَ ربِّهِ ، إلا أنَّ بعضَ الحمقِ أهونُ مِنْ بعضٍ )(١) . وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا يبلغُ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ حتى ينظرَ إلى الناسِ كالأباعرِ في جنبِ اللهِ تعالى، ثمَّ يرجعَ إلى نفسِهِ فيجدَها أحقرَ حقيرٍ))(٢). فالصادقُ إذاً في جميع هذهِ المقاماتِ عزيزٌ ، ثمَّ درجاتُ الصدقِ لا نهايةَ لها ، وقدْ يكونُ للعبدِ صدقٌ في بعضِ الأمورِ دونَ بعضٍ ، فإنْ كانَ صادقاً في الجميع .. فهوَ الصدِّيقُ حقّاً ، قالَ سعدُ بنُ معاذٍ : ( ثلاثةٌ أنا فيهنَّ قويٌّ ، وفيما سواهُنَّ ضعيفٌ : ما صليتُ صلاةً قطُّ منذُ أسلمتُ فحدثتُ نفسي حتَّى أَفرِغَ منها ، ولا شيّعتُ جنازةً فحدثتُ نفسي بغيرِ ما هيَ قائلةٌ وما هوَ مقولٌ لها حتى يُفرِغَ مِنْ دفنِها ، وما سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ قولاً إلا علمتُ أنَّهُ حقٌّ ) ، فقالَ ابنُ المسيَّبِ : ( ما ظننتُ أنَّ هذهِ الخصالَ تجتمعُ إلا في النبيِّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ)(٣). ٨٠٠ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٢٨)، وابن المبارك في ((الزهد)) ( ١٤٩٧). (٢) رواه الحكيم الترمذي في (( نوادر الأصول)) (ص١٧٤) مرفوعاً ، ورواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٢٩٥)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢١٢/٥) من طريقه عن خالد بن معدان ، وروى ابن أبي شيبة في ((المصنف )) ( ٣٥٧٢٦) عن أبي الدرداء رضي الله عنه : ( لا تفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في جنب الله ، ثم ترجع إلى نفسك فتكون أشد لها مقتاً ) . (٣) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٢٨٩٤)، وقول سعيد بن المسيب عنده من قول الزهري ، وعنده أيضاً (٢٨٩٥) من قول ابن عباس رضي الله عنهما. ١١٣ كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات فهذا صدقٌّ في هذهِ الأمورِ ، وكمْ مِنْ جِلَّةِ الصحابةِ قدْ أدوا الصلاةَ واتبعوا الجنائزَ ولمْ يبلغوا هذا المبلغَ ! فهذهِ هيَ درجاتُ الصدقِ ومعانيهِ ، والكلماتُ المأثورةُ عنِ المشايخ في حقيقةِ الصدقِ في الأغلبِ لا تتعرَّضُ إلا لآحادِ هذهِ المعاني . نعمْ ، قَدْ قالَ أبو بكرِ الورَّاقُ : ( الصدقُ ثلاثةٌ : صدقُ التوحيدِ ، وصدقُ الطاعةِ ، وصدقُ المعرفةِ ، فصدقُ التوحيدِ لعامَّةِ المؤمنينَ ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْبِاللَّهِ وَرُسُلِّ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾، وصدقُ الطاعةِ لأهلِ العلمِ والورعِ ، وصدقُ المعرفةِ لأهلِ الولايةِ الذينَ هُمْ أوتادُ الأرضِ)(١) . وكلُّ هذا يدورُ على ما ذكرناهُ في الصدقِ السادسِ ، ولكنَّهُ ذكرُ أقسامٍ ما فيهِ الصدقُ ، وهوَ أيضاً غيرُ محيطٍ بجميع الأقسامِ . وقالَ جعفرٌ الصادقُ: ( الصدقُ هوَ المجاهدةُ، وألا تختارَ على اللهِ غيرَ اللهِ؛ كما لمْ يخترْ عليكَ غيرَكَ، فقالَ تعالى: ﴿هُوَ أَحْتَبَنَكُمْ﴾﴾(١). وقيلَ : أوحى اللهُ تعالى إلى موسى عليهِ السلامُ: ( إنِّي إذا أحببتُ عبداً .. ابتليتُهُ بيلايا لا تقومُ بها الجبالُ؛ لأنظرَ كيفَ صدقُهُ، فإنْ وجدتُهُ صابراً .. اتخذتُهُ وليّاً وحبيباً ، وإنْ وجدتُهُ جزوعاً يشكوني إلى خلقي .. خذلتُهُ ولمْ أبالِ )(٢) . (١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٩٦). (٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٩٨). ١١٤ سـ ربع المنجيات کتاب النية والإخلاص فإذاً ؛ مِنْ علاماتِ الصدقِ كتمانُ المصائبِ والطاعاتِ جميعاً ، وكراهةٌ اطلاع الخلقِ عليها ، واللهُ أعلمُ . D ثم كتاب النّيّة والإخلاص والصدق وهو الكتاب التابع من تبع المنجيات من كتب إحياء علوم الدين ولله الحمد والمنة، وصلى الله على خير خلقه محمد الشّبيّ وآله الطاهرين وسلم تسليماً يتلوه كتاب المراقبة والمحاسبة ١١٥ كِتَّابُ ظُرَاقَةِ وَالْحَاسِيَّة ٨٥٠٠ وهو الكتاب الثامن من ربع المنجيات من كتب إحياء علوم الذين ١١٧ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة 7 ٦ الحمدُ للهِ القائمِ على كلِّ نَفْسٍ بما كسبَتِ ، الرقيبِ على كلِّ جارحةٍ بما اجترحَتِ ، المطّلع على ضمائرِ القلوبِ إذا هجسَتِ ، الحسيبِ على خواطرٍ عبادِهِ إذا اختلجَتِ ، الذي لا يعزبُ عنْ علمِهِ مثقالُ ذرّةٍ في السماواتِ والأرضِ تحرَّكَتْ أَوْ سكنَتِ ، المحاسبِ على النقيرِ والقطميرِ والقليلِ والكثيرِ مِنَ الأعمالِ وإِنْ خفيَتِ ، المتفضِّلِ بقبولِ طاعاتِ العبادِ وإِنْ صغرَتِ ، المتطوِّلِ بالعفوِ عنْ معاصيهِمْ وإِنْ كثرَتْ، وإنَّما يحاسبُهُمْ لتعلمَ كلُّ نفْسٍ ما أحضرَتْ ، وتنظرَ فيما قدَّمَتْ وأَخَّرَتْ ، فتعلمَ أنَّهُ لولا لزومُها للمراقبةِ والمحاسبةِ في الدنيا .. لشقيَتْ في صعيدِ القيامةِ وهلكَتْ ، وبعدَ المجاهدةِ والمحاسبةِ والمراقبةِ لولا فضْلُ اللهِ بقبولِ بضاعتِها المزجاةِ .. لخابَتْ وخسرَتْ، فسبحانَ مَنْ عمَّتْ نعمتُهُ كافَّةَ العبادِ وشمَلَتْ ، واستغرقَتْ رحمتُهُ الخلائقَ في الدنيا والآخرةِ وغمرَتْ ، فبنفحاتِ فضلِهِ اتسعَتِ القلوبُ للإيمانِ وانشرحَتْ، وبيُمْنِ توفيقِهِ تقيَّدَتِ الجوارحُ بالعباداتِ وتأدَّبَتْ ، وبحسنِ هدايتِهِ انجلَتْ عنِ القلوبِ ظلماتُ الجهلِ وانقشعَتْ ، وبتأييدِهِ ونصرتِهِ انقطعَتْ مكايدُ الشيطانِ واندفعَتْ ، وبلطفٍ عنايتِهِ تترجَّحُ كِفَّةُ الحسناتِ إِذَا ثقلَتْ ، وبتيسيرِهِ تيسَّرَتْ مِنَ الطاعاتِ ١١٩ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات ما تيسّرَتْ ، فمنهُ العطاءُ والجزاءُ ، والإبعادُ والإدناءُ ، والإسعادُ والإشقاءُ . والصلاةُ على محمدٍ سيِّدِ الأنبياءِ ، وعلى آلِهِ سادةِ الأصفياءِ ، وعلى أصحابِهِ قادةِ الأتقياءِ ، وسلَّمَ كثيراً . أما بعد: فقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوْزِينَ الْقِسْطَ لِيَؤْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَأْ وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ اُلْكِنَبُ فَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيِّلَنَّنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنَهَاأَ وَوَجَدُ واْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّتُهُمِ بِمَا عَمِلُواْ أَحْصَنَهُ اللَّهُ وَنَوَةُ ج وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ . وقال تعالى: ﴿يَوْمَبِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْنَانًا لِيُرَوْاْ أَعْمَلَهُمْ ﴾، فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًايَرَهُ ﴾ ﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّايَرَهُ﴾. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ تُوَلَّ كُلُّ نَفْسِ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. وقالَ تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ تُخْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ: أَمَدَأَ بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. وقالَ تعالى: ﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّاللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ . . فعرفَ أربابُ البصائرِ مِنْ جملةِ العبادِ أنَّ اللهَ تعالى لهُمْ بالمرصادِ ، ١٢٠