النص المفهرس

صفحات 81-100

ربع المنجيات
كتاب النية والإخلاص
آدَمَ مِنْ دبيبِ النملةِ السوداءِ في الليلةِ الظلماءِ على الصخرةِ الصماءِ كما وردَ
بهِ الخبرُ(١)، ولا يسلمُ مِنَ الشيطانِ إلا مَنْ دَقَّ نظرُهُ، وسعِدَ بعصمةِ اللهِ
وتوفيقِهِ وهدايتِهِ ، وإلا .. فالشيطانُ ملازمٌ للمتشمِّرِينَ لعبادةِ اللهِ تعالى ،
لا يغفُلُ عنهُمْ لحظةً حتى يحملَهُمْ على الرياءِ في كلِّ حركةٍ مِنَ الحركاتِ ،
حتى في كخْلِ العينِ ، وقصِّ الشاربِ ، وطيبِ يومِ الجمعةِ ، ولبسٍ
الثيابِ ، فإنَّ هذهِ سننٌ في أوقاتٍ مخصوصةٍ ، وللنفسِ فيها حظّ خفيٌّ ؛
لارتباطِ نظرِ الخلقِ بها ، ولاستئناسِ الطبع بها ، فيدعو الشيطانُ إلى فعل
ذلكَ ، ويقولُ : هذهِ سنةٌ لا ينبغي أنْ تتركَها ، ويكونُ انبعاثُ القلبِ باطناً
لها لأجلِ تلكِ الشهواتِ الخفيَّةِ ، أوْ مشوبةً بها شوباً يخرجُ عنْ حدٍّ
الإخلاصِ بسببِهِ .
وما لا يسلمُ مِنْ هذهِ الآفاتِ كلُّها فليسَ بخالصٍ ، بلْ مَنْ يعتكفُ في
مسجدٍ معمورِ نظيفٍ حسنِ العمارةِ يأنسُ الطبعُ بهِ ، فالشيطانُ يرغُّبُهُ فِيهِ ،
ويكثرُ عليهِ مِنْ فضائلِ الاعتكافِ ، وقد يكونُ المحرِّكُ الخفيُّ في سرِّهِ هوَ
الأنْسَ بحسنِ صورةِ المسجدِ ، واستراحةَ الطبع إليهِ ، ويتبيَّنُ ذلكَ في میلِهِ
إلى أحدِ المسجدينِ أوْ أحدِ الموضعينِ إذا كانَ أحسنَ مِنَ الآخرِ ، وكلُّ ذلكَ
امتزاجٌ بشوائبِ الطبع وكدوراتِ النفسِ ، ومبطلٌ حقيقةَ الإخلاصِ .
لعمري ؛ الغشُّ الذي يُمزجُ بخالصِ الذهبِ لهُ درجاتٌ متفاوتةٌ ، فمنها
(١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٢/ ٢٩١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٦٨/٨).
٨١

كتاب النية والإخلاص
ربع المنجيات
ما يغلبُ ، ومنها ما يقلُّ ولكنْ يسهلُ دركُهُ ، ومنها ما يدقُّ بحيثُ لا يدركُهُ
إلا الناقدُ البصيرُ ، وغشُّ القلبِ ودَغَلُ الشيطانِ وخبثُ النفْسِ أغمضُ مِنْ
ذلكَ وأدقُّ كثيراً ، ولهذا قيلَ : ( ركعتانِ مِنْ عالمٍ أفضلُ مِنْ عبادةِ سنةٍ مِنْ
جاهلٍ)(١)، وأُريدَ بهِ العالمُ البصيرُ بدقائقِ آفاتِ الأعمالِ، حتى يخلصَ
عنها ، فإنَّ الجاهلَ نظرُهُ إلى ظاهرِ العبادةِ واغترارُهُ بها كنظرِ السواديِّ إلى
حمرةِ الدينارِ المموَّهِ واستدارتِهِ ، وهوَ مغشوشٌ زائفٌ في نفسِهِ ، وقيراطٌ مِنَ
الخالصِ الذي يرتضيهِ الناقدُ خيرٌ مِنْ دينارٍ يرتضيهِ الغِرُّ الغبيُّ .
فهكذا يتفاوتُ أمرُ العباداتِ ، بلْ أشدُ وأعظمُ ، ومداخلُ الآفاتِ
المتطرقةِ إلى فنونِ الأعمالِ لا يمكنُ حصرُها وإحصاؤها ، فلنقنعْ بما ذكرناهُ
مثالاً ، والفطنُ يغنيهِ القليلُ عنِ الكثيرِ ، والبليدُ لا يغنيهُ التطويلُ أيضاً ، فلا
فائدةَ في التفصيلِ .
(١) وقد روي في المرفوع نحوه ، روى ابن النجار عن موسى بن جعفر ، عن أبيه ، عن
جده: (( ركعتان من عالم أفضل من سبعين ركعة من غير عالم)) رواه الشيرازي في
((الألقاب)) من طريق مالك بن دينار، عن الحسن ، عن أنس ، عن علي رفعه :
(( ركعة من عالم بالله خير من ألف ركعة من متجاهل بالله))، وروى أبو نعيم من حديث
أنس - وهو عند الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٣٢٣٤) -: (( ركعتان من رجل ورع
أفضل من ألف ركعة من مخلط)). ((إتحاف)) (٥٩/١٠).
٨٢

ربع المنجيات
كتاب النية والإخلاص
بيان حكم عمل المثوب واستحقاق الثواب به
اعلمْ : أنَّ العملَ إذا لمْ يكنْ خالصاً لوجهِ اللهِ تعالىُ ، بلِ امتزجَ بهِ شوبٌ
مِنَ الرياءِ أو حظوظِ النفسِ .. فقدِ اختُلفَ في أنَّ ذلكَ هلْ يقتضي ثواباً ، أمْ
يقتضي عقاباً ، أمْ لا يقتضي شيئاً أصلاً ، فلا يكونُ لهُ ولا عليهِ ؟
أمَّا الذي لمْ يُردْ بهِ إلا الرياءَ .. فهوَ عليهِ قطعاً ، وهوَ سببُ المقتِ
والعقاب ، وأمَّا الخالصُ لوجهِ اللهِ تعالى .. فهوَ سببُ الثوابِ، وإنَّما النظرُ
في المشوبِ، وظاهرُ الأخبارِ تدلُّ على أنَّهُ لا ثوابَ لهُ(١) ، وليسَ تخلو
الأخبارُ عنْ تعارضٍ فیهِ .
(١) منها ما رواه النسائي (٢٥/٦) عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى
النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ، ما له ؟ فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا شيء له))، فأعادها ثلاث مرات ، يقول له
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا شيء له))، ثم قال: (( إن الله لا يقبل من العمل
إلا ما كان له خالصاً وابتُغي به وجهُهُ))، ومما ظاهره المعارضة ما رواه الترمذي
(٢٣٨٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رجل : يا رسول الله ؛ الرجل
يعمل العمل فيسرُّه ، فإذا اطلع عليه .. أعجبه ذلك ؟ قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (( له أجران؛ أجر السر، وأجر العلانية ))، وقد بيَّن المصنف فيما سبق أن
لا تعارض، ومنها أيضاً ما رواه أحمد في ((المسند)) (١٧٩/٤) من حديث سهل بن
الحنظلية رضي الله عنه وقد سأله أبو الدرداء رضي الله عنه عِظَةً ، فقال : بعث رسول الله
صلى الله عليه وسلم سرية فقدمت ، فجاء رجل منهم فجلس في المجلس الذي فيه
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لرجل إلى جنبه : لو رأيتنا حين التقينا نحن
والعدو ، فحمل فلان فطعن فقال : خذها وأنا الغلام الغفاري ، كيف ترى في قوله ؟ =
٨٣

كتاب النية والإخلاص
ربع المنجيات
والذي ينقدحُ لنا فيهِ - والعلمُ عندَ اللهِ - : أنْ ينظرَ إلى قدْرِ قوَّةِ البواعثِ ،
فإنْ كانَ الباعثُ الدينيُّ مساوياً للباعثِ النفسيِّ .. تقاوما وتساقطا، وصارَ
العملُ لا لهُ ولا علیهِ .
وإنْ كانَ باعثُ الرياءِ أغلبَ وأقوى .. فهوَ ليسَ بنافع ، بل هوَ مِعَ ذلكَ
مضرٌّ ومقتضٍ للعقابِ ، نعم ، العقابُ الذي فيهِ أخفُّ مِنْ عقابِ العملِ الذي
تجرَّدَ للرياءِ ولمْ يمتزجْ بهِ شائبةُ التقرُّبِ .
وإنْ كانَ قصدُ التقرُّبِ أغلبَ بالإضافةِ إلى الباعثِ الآخرِ .. فلهُ ثوابٌ
بقدرِ ما فضلَ مِنْ قوَّةِ الباعثِ الدينيِّ، وهذا لقولِهِ تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ ﴿﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَزَّايَرَهُ﴾، ولقولِهِ
تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، فلا ينبغي أنْ يضيعَ قصدُ الخيرِ ، بلْ
إنْ كانَ غالباً على قصدِ الرياءِ .. حبطَ منهُ القدْرُ الذي يساويِهِ وبقيَتْ زيادةٌ ،
وإنْ كانَ مغلوباً .. أُسقطَ بسببهِ شيءٌ مِنْ عقوبةِ القصدِ الفاسدِ .
وكشفُ الغطاءِ عنْ هذا : أنَّ الأعمالَ تأثيرُها في القلوبِ بتأكيدِ
صفاتِها ، فداعيةُ الرياءِ مِنَ المهلكاتِ ، وإنَّما غذاءُ هذا المهلكِ وقوتُهُ
العملُ علىُ وَفْقِهِ ، وداعيةُ الخيرِ مِنَ المنجياتِ ، وإنَّما قوَّتها بالعملِ على
قال : ما أُراه إلا قد أبطل أجره، فسمع ذلك آخر ، فقال : ما أرى بذلك بأساً ، فتنازعا
حتى سمع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (( سبحان الله! لا بأس أن يُحمد
ويُؤجر)).
٨٤

ربع المنجيات
كتاب النية والإخلاص
وَفْقِها ، فإذا اجتمعَتِ الصفتانِ في القلبِ .. فهما متضادتانِ ، فإذا عملَ على
وَفْقِ مقتضى الرياءِ .. فقدْ قوَّى تلكَ الصفةَ، وإذا كانَ العملُ على وَفْقٍ
مقتضى التقرُّبِ .. فقدْ قوَّى أيضاً تلكَ الصفةً، وأحدُهُما مهلكٌ والآخرُ
منجٍ ، فإنْ كانَ تقويةُ هذا بقدْرِ تقويةِ الآخرِ .. فقدْ تقاوما، فكانَ
كالمستضرِّ بالحرارةِ إذا تناولَ ما يضرُّهُ ، ثمَّ تناولَ مِنَ المبرداتِ ما يقاومُ قَدْرَ
قوَّتِهِ ، فيكونُ بعدَ تناولِهِما كأنَّهُ لمْ يتناولْهُما، وإنْ كانَ أحدُهُما غالباً .. لمْ
يخلُ الغالبُ عنْ أثرٍ ، فكما لا يضيعُ مثقالُ ذرّةٍ مِنَ الطعامِ والشرابِ
والأدويةِ ، ولا ينفكُ عنْ أثرٍ في الجسدِ بحكمٍ سنَّةِ اللهِ تعالى .. فكذلكَ
لا يضيعُ مثقالُ ذرّةٍ مِنَ الخيرِ والشرِّ ، ولا ينفكُ عنْ تأثيرِ في إنارةِ القلبِ أوْ
تسويدِهِ ، وفي تقريبهِ مِنَ اللهِ أوْ إبعادِهِ ، فإذا جاءَ بما يقرِّبُهُ شبراً معَ ما يبعدُهُ
شبراً .. فقدْ عادَ إلى ما كانَ، فلمْ يكنْ لهُ ولا عليهِ ، وإنْ كانَ الفعلُ ممَّا
يقرِّبُهُ شبرينٍ والآخرُ يبعدُهُ شبراً واحداً .. فضلَ لهُ - لا محالةَ - شبرٌ، وقدْ
قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أتبع السيئةَ الحسنةَ .. تمحُها)) (١) ، فإذا
كانَ الرياءُ المحضُ يمحوهُ الإخلاصُ المحضُ عقيبَهُ ؛ فإذا اجتمعا جميعاً ..
فلا بدّ وأنْ يتدافعا بالضرورةِ .
ويشهدُ لهذا إجماعُ الأمَّةِ على أنَّ مَنْ خرِجَ حاجّاً ومعَهُ تجارةٌ صحَّ حجُّهُ
وأُثيبَ عليهِ ، وقدِ امتزجَ بهِ حظٌّ مِنْ حظوظِ النفسِ(٢).
(١) رواه الترمذي ( ١٩٨٧) .
(٢) وقد روى البخاري (٢٠٩٨) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت عكاظٌ ومَجَنَّةُ =
٨٥

کتاب النية والإخلاص
ربع المنجيات
نعمْ ، يمكنُ أنْ يقالَ : إنَّما يُثابُ على أعمالِ الحجِّ عندَ انتهائِهِ إلى
مَكَّةَ ، وتجارتُهُ غيرُ موقوفةٍ عليهِ ، فهوَ خالصٌ ، وإنَّما المشتركُ طولُ
المسافةِ ، ولا ثوابَ فيهِ مهما قصدَ تجارةٌ ، ولكنَّ الصوابَ أنْ يُقالَ : مهما
كانَ الحجُّ هوَ المحرِّكَ الأصليَّ، وكانَ غرضُ التجارةِ كالمعينِ والتابع .. فلا
ينفكُ نفسُ السفرِ عنْ ثوابٍ ، وما عندي أنَّ الغزاةَ لا يدركونَ في أنفسِهِمْ
تفرقةٌ بينَ غزوِ الكفارِ في جهةٍ تكثرُ فيها الغنائمُ وبينَ جهةٍ لا غنيمةَ فيها(١) ،
ويبعدُ أنْ يُقالَ : إدراكُ هذهِ التفرقةِ يحبطُ بالكليّةِ ثوابَ جهادِهِمْ ، بلِ العدلُ
أنْ يُقالَ : إذا كانَ الباعثُ الأصليُّ والمزعجُ القويُّ هوَ إعلاءَ كلمةِ اللهِ ،
وإنَّما الرغبةُ في الغنيمةِ على سبيلِ التبعيةِ .. فلا يحبطَ بهِ الثوابُ .
نعمْ ، لا يساوي ثوابُهُ ثوابَ مَنْ لا يلتفتُ قلبُهُ إلى الغنيمةِ أصلاً ، فإنَّ
هذا الالتفاتَ نقصانٌ لا محالةَ .
فإِنْ قلتَ : فالآياتُ والأخبارُ تدلُّ على أنَّ شوبَ الرياءِ محبطٌ للثوابِ ،
وفي معناهُ شوبُ طلبِ الغنيمةِ والتجارةِ وسائرِ الحظوظِ ، فقدْ روى طاووسٌ
وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية ، فلما كان الإسلام .. تأثَّموا من التجارة فيها ،
=
فأنزل الله : ( ليس عليكم جناح أن تتبغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج ) ، قرأ ابن
عباس كذا .
(١) فالتفرقة بينهما حاصلة، و( ما) في صدر الجملة نافية، والعبارة في ( ب): ( وما
عندي إلا أن الغزاة يدركون في أنفسهم ... )، والجملتان بمعنىَ.
٨٦

ربع المنجيات
كتاب النية والإخلاص
وعدَّةٌ مِنَ التابعينَ : أَنَّ رجلاً سألَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عمَّنْ يصطنعُ
المعروفَ - أوْ قالَ: يتصدَّقُ - فيحبُّ أن يُحمدَ ويُؤجرَ ، فلمْ يدرِ ما يقولُ لهُ
حتَّى نزلَ قولُهُ تعالى: ﴿فَ كَانَ يَرَحُواْ لِقَآَ رَيِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَِحًا وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ
رَيِِّ أَحَدًا﴾ (١)، وقدْ قصدَ الأجرَ والحمدَ جميعاً.
وروى معاذٌ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: ((أدنى الرياءِ
شركٌ» (٢) .
وقالَ أبو هريرةَ: قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «يُقالُ لمَنْ أشركَ في
عملِهِ : خذْ أجرَكَ ممَّنْ عملتَ لهُ))(٣).
ورُويَ عنْ عبادةَ بنِ الصامتِ : ( أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ : أنا أغنى
(١) رواه من حديث طاووس مرسلاً ابنُ المبارك في ((الجهاد)) (١٢)، وأشار إلى هذه
الرواية البيهقي في (( الشعب)) (٦٤٣٨) بعد أن رواه عن طاووس عن ابن عباس
رضي الله عنهما موقوفاً عليه ، ولفظه : قال رجل : يا رسول الله ؛ إني أقف الموقف
أريد وجه الله وأريد أن يرى موطني ؟ فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى
نزلت: ﴿فَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ رَّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَِحًا وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَيِّ أَحَدًا﴾ .
(٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٢٧٠/٣)، والطبراني في ((الكبير)) (٣٦/٢٠).
(٣) أورده الحارث المحاسبي في ((الرعاية)) (ص٢٣٨) عن أبي هريرة رضي الله عنه ،
وروى نحوه الترمذي (٣١٥٤)، وابن ماجه ( ٤٢٠٣ ) عن أبي سعد بن أبي فضالة
الأنصاري رضي الله عنه، وعند مسلم ( ٢٩٨٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
أيضاً: ((قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملاً أشرك فيه
معي غيري .. تركته وشركه » .
٨٧

كتاب النية والإخلاص
ربع المنجيات
الأغنياءِ عنِ الشركةِ ، مَنْ عملَ لي عملاً فأشركَ معي غيري .. ودعتُ نصيبي
لشريكي) (١).
وروى أبو موسى : أنَّ أعرابياً أتى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
فقالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ الرجلُ يقاتلُ حميةً ، والرجلُ يقاتلُ شجاعةٌ ،
والرجلُ يقاتلُ ليُرىُ مكانُهُ، فَمَنْ في سبيل اللهِ ؟ فقالَ عليهِ الصلاةُ
والسلامُ: «مَنْ قاتلَ لتكونَ كلمةُ اللهِ هيَ العليا .. فهوَ في سبيلِ اللهِ))(٢) .
وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( تقولونَ: فلانٌ شهيدٌ، ولعلَّهُ أنْ يكونَ قدْ
ملاَ دفتي راحلتِهِ وَرِقاً )(٣).
وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
(( مَنْ هاجرَ يبتغي شيئاً مِنَ الدنيا .. فهوَ لهُ))(٤).
فنقولُ : هذهِ الأحاديثُ لا تناقضُ ما ذكرناهُ ، بلِ المرادُ بها مَنْ لمْ يرد
بذلكَ إلا الدنيا ؛ كقولهِ : ((مَنْ هاجرَ يبتغي شيئاً مِنَ الدنيا ... ))، وكانَ
ذلكَ هوَ الأغلبَ على همِّهِ ، وقدْ ذكرنا أنَّ ذلكَ عصيانٌ وعدوانٌ ، لا لأنَّ
(١) كذا هو عند المحاسبي في ((الرعاية)) (ص١٦٦، ٢٣٨)، ورواه هناد في ((الزهد))
(٨٥١)، وفيه: (فمن كان له معي شريك .. فهو له كله، لا حاجة لي فيه) ،
وودعت : تركت .
(٢) رواه البخاري (٧٤٥٨)، ومسلم (١٩٠٤/ ١٥٠).
(٣) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٣٢/٦).
(٤) رواه الطبراني في ((الكبير)" (١٠٣/٩).
٨٨

ربع المنجيات
كتاب النية والإخلاص
طلبَ الدنيا حرامٌ ، ولكنْ طلبُها بأعمالِ الدينِ حرامٌ ؛ لما فيهِ مِنَ الرياءِ
وتغييرِ العبادةِ عنْ وضعِها .
وأمَّا لفظُ الشركةِ حيثُ وردَ .. فمطلقُهُ للتساوي، وقدْ بينًا أنَّهُ إذا تساوى
القصدانِ .. تقاوما ، ولمْ يكنْ لهُ ولا عليهِ ، فلا ينبغي أنْ يُرجى عليهِ
ثوابٌ .
ثمَّ إنَّ الإنسانَ عندَ الشركةِ أبداً في خطرٍ ، فإنَّهُ لا يدري أيُّ الأمرينِ
أغلبُ على قصدِهِ، فربما يكونُ عليهِ وبالاً، ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿فَن كَانَ
يَرْجُوْ لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَِلِحًا وَلَّا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ أيْ: لا يُرجى اللقاءُ معَ
الشركةِ التي أحسنُ أحوالِها التساقطُ .
ويجوزُ أنْ يُقالَ أيضاً : منصبُ الشهادةِ لا يُنالُ إلا بالإخلاصِ في الغزوِ ،
وبعيدٌ أنْ يُقالَ : مَنْ كانَتْ داعيتُهُ الدينيّةُ بحيثُ تزعجُهُ إلى مجرَّدِ الغزوِ وإِنْ
لمْ تَكِنْ غنيمةٌ ، وقدرَ على غزوٍ طائفتينِ مِنَ الكفارِ ؛ إحداهما غنيةٌ ،
والأخرى فقيرةٌ ، فمالَ إلى جهةِ الأغنياءِ لإعلاءِ كلمةِ اللهِ تعالى وللغنيمةِ ..
لا ثوابَ لهُ على غزوِهِ ألبتةَ، ونعوذُ باللهِ أنْ يكونَ الأمرُ كذلكَ، فإنَّ هذا
حرجٌ في الدينِ ، ومدخلٌ لليأسِ على المسلمينَ ؛ لأنَّ أمثالَ هذهِ الشوائبِ
التابعةِ قطُّ لا ينفكُ الإنسانُ عنها إلا على الندورِ ، فيكونُ تأثيرُ هذا في
نقصانِ الثوابِ ، فأمَّا أنْ يكونَ في إحباطِهِ .. فلا .
نعمٍ ، الإنسانُ فيهِ على خطرٍ عظيمٍ ؛ لأنَّهُ ربما يظنُّ أنَّ الباعثَ الأقوى
٨٩

کتاب النية والإخلاص
ربع المنجيات
هوَ قصدُ التقرُّبِ إلى اللهِ ، ويكونُ الأغلبُ على سرِّهِ الحظَّ النفسيَّ، وذلكَ
ممَّا يخفى غايةَ الخفاءِ ، فلا يحصلُ الأمنُ إلا بالإخلاصِ ، والإخلاصُ قلَّما
يستيقنُهُ العبدُ مِنْ نفسِهِ وإِنْ بالغَ في الاحتياطِ .
فلذلكَ ينبغي أنْ يكونَ أبداً بعدَ كمالِ الاجتهادِ متردِّداً بينَ الردِّ والقبولِ ،
خائفاً أنْ تكونَ في عبادتِهِ آفةٌ يكونُ وبالُها أكثرَ مِنْ ثوابها فلا تقاومُها ،
وهكذا كانَ الخائفونَ مِنْ ذوي البصائرِ ، وهكذا ينبغي أنْ يكونَ كلُّ ذي
بصيرةٍ .
ولذلكَ قالَ سفيانُ رحمهُ اللهُ: ( لا أعتدُّ بما ظهرَ مِنْ عملي)(١) .
٠٥٧
وقالَ عبدُ العزيزِ بنُ أبي روادٍ : ( جاورتُ هذا البيتَ ستينَ سنةً ،
وحججتُ ستينَ حجةً ، فما دخلتُ في شيءٍ مِنْ أعمالِ اللهِ تعالى إلا
وحاسبتُ نفسي ، فوجدتُ نصيبَ الشيطانِ أوفىُ مِنْ نصيبِ اللهِ ، ليتَهُ لا لي
ولا عليَّ)(٢).
ومعَ هذا فلا ينبغي أنْ يُتركَ العملُ عندَ خوفِ الآفةِ والرياءِ ، فإنَّ ذلكَ
منتهى بغيةِ الشيطانِ منه ، إذِ المقصودُ ألا يفوتَ الإخلاصُ ، ومهما تُرِكَ
العملُ .. فقدْ ضُيِّعَ العملُ والإخلاصُ جميعاً .
حن:
وقدْ حُكِيَ أنَّ بعضَ الفقراءِ كانَ يخدمُ أبا سعيدٍ الخرَّازَ ويخفُّ في
(١) قوت القلوب (٢/ ١٥٧).
(٢) رواه ابن عدي فى (( الكامل)) (٢٩١/٥) ضمن خبرين .
٩٠

ربع المنجيات
حـ
كتاب النية والإخلاص
أعمالِهِ ، فتكلَّمَ أبو سعيدٍ يوماً في إخلاصِ الحركاتِ ، فأخذَ الفقيرُ يتفقَّدُ
قلبَهُ عندَ كلِّ حركةٍ ويطالبُهُ بالإخلاصِ ، فتعذّرَ عليهِ قضاءُ الحوائج ،
واستضرَّ الشيخُ بذلكَ ، فسألَهُ عنْ أمرِهِ ، فأخبرَهُ بمطالبتِهِ نفسَهُ بحقيقةٍ
الإخلاصِ ، وأنَّهُ يعجزُ عنها في أكثرِ أعمالِهِ فيتركُها ، فقالَ أبو سعيدٍ :
لا تفعلْ ؛ إنَّ الإخلاصَ لا يقطعُ المعاملةَ، فواظبْ على العملِ ، واجتهدْ
في تحصيلِ الإخلاصِ ، فما قلتُ لكَ : اتركِ العملَ ، وإنَّما قلتُ لكَ :
أخلصِ العملَ (١).
وقدْ قالَ الفضيلُ: ( تركُ العملِ بسببِ الخلقِ رياءٌ ، وفعلَهُ لأجلِ الخلقِ
شركٌ)(٢).
٠
As
(١) قوت القلوب (١٦٣/٢).
(٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٨٥)، ورواه القشيري في ((الرسالة))
(ص ٣٦٢) .
٩١

کتاب النية والإخلاص
ربع المنجيات
البَابُ الثَّالِثُ
في الصدق وفضيلة وحقيقته
فضيلة الصدق
قالَ اللهُ تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْمَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾.
وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ الصدقَ يهدي إلى البرِّ ، والبرَّ
يهدي إلى الجنةِ، وإِنَّ الرجلَ ليصدقُ حتى يُكتبَ عندَ اللهِ صدِّيقاً ، وإنَّ
الكذبَ يهدي إلى الفجورِ ، وإنَّ الفجورَ يهدي إلى النارِ ، وإنَّ الرجلَ
ليكذبُ حتى يُكتبَ عندَ اللهِ كذَّاباً)» (١) .
ويكفي في فضيلةِ الصدقِ أنَّ الصدِّيقَ مشتقٌّ منهُ ، واللهُ تعالى وصفَ بهِ
الأنبياءَ في معرضِ المدح والثناءِ فقالَ: ﴿وَأَذَّكُرْ فِى الْكِتَبِ إِبْرَهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا
نِّيًّا﴾.
وقالَ: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ الْكِتَبِ إِسْمَعِيلَ إِنَُّ كَنَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا بِيًّا﴾
وقال تعالى: ﴿ وَأَذْكُرُ فِي الْكِتَبِ إِدْرِسَ إِنَُّ كَانَ صِدِّيقًا نِّيًّا﴾ .
وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُ: ( أربعٌ مَنْ كنَّ فيهِ .. فقدْ ربحَ :
(١) رواه البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧) .
٩٢

ربع المنجيات
كتاب النية والإخلاص
الصدقُ، والحياءُ ، وحسنُ الخلُقِ ، والشكرُ)(١) .
وقالَ بشرُ بنُ الحارثِ : ( مَنْ عاملَ اللهَ بالصدقِ .. استوحشَ مِنَ
الناس )(٢) .
وقالَ أبو عبدِ اللهِ الرمليُّ : رأيتُ منصوراً الدينوريَّ في المنام ، فقلتُ
لهُ : ما فعلَ اللهُ بكَ ؟ فقالَ: غفرَ لي، ورحمَني ، وأعطاني ما لمْ أَؤمِّلْ ،
فقلتُ لهُ : أحسنُ ما توجّهَ العبدُ بهِ إلى اللهِ ماذا؟ قالَ : الصدقُ ، وأقبحُ
ما توجَّهَ بهِ الكذبُ(٣).
وقالَ أبو سليمانَ: ( اجعلِ الصدقَ مطيََّكَ، والحقَّ سيفَكَ، واللهَ
تعالى غايةَ طِلْبَتِكَ)(١) .
وقالَ رجلٌ لحكيم : ما رأيتُ صادقاً ، فقالَ لهُ : لوْ كنتَ صادقاً ..
لعرفتَ الصادقينَ(١) .
وعنْ محمدِ بنِ عليٍّ الكتانيِّ قالَ : ( وجدنا دينَ اللهِ تعالى مبنيّاً على
ثلاثةِ أركانٍ : على الحقِّ ، والصدقِ ، والعدلِ ، فالحقُّ على الجوارحِ ،
والعدْلُ على القلوبِ ، والصدقُ على العقولِ ) (٤).
(١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٩٠).
(٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٨٩)، ورواه أبو نعيم في (( الحلية))
(٣٤٧/٨) .
(٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٨٩).
(٤) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٩٠)، والحق على الجوارح بأن يكون =
٩٣

كتاب النية والإخلاص
ربع المنجيات
وقالَ النوريُّ في قولِهِ تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ
وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةُ﴾، قالَ: هُمُ الذينَ ادعَوا محبَّةَ الله تعالى ولمْ يكونوا فيها
صادقينَ(١).
وأوحى اللهُ تعالى إلى داوودَ عليهِ السلامُ : ( يا داوودُ ؛ مَنْ صدقَني في
سريرتِهِ .. صدقتُهُ عندَ المخلوقينَ في علانيتِهِ )(٢) .
وصاحَ رجلٌ في مجلسِ الشبليِّ ، ورمى بنفسِهِ في دجلةَ ، فقالَ
الشبليُّ: إنْ كانَ صادقاً .. فاللهُ تعالى ينجيهِ كما أنجى موسى عليهِ السلامُ،
وإنْ كانَ كاذباً .. فاللهُ تعالى يغرقُهُ كما أغرقَ فرعونَ(٣).
وقالَ بعضُهُمْ : ( أجمعَ الفقهاءُ والعلماءُ على ثلاثٍ خصالٍ أنَّها إذا
صحَّتْ .. ففيها النجاةُ ، ولا يتمُّ بعضُها إلا ببعضٍ: الإسلامُ الخالصُ عنِ
البدعةِ والهوى ، والصدقُ اللهِ تعالى في الأعمالِ ، وطيبُ المطعمِ)(٤) .
استعمالها في الطاعة على صريح الحق مما يطابق السنة ، والعدل في القلوب بأن تستوي
في المعرفة على سبيل الاعتدال ، والصدق في العقول بأن تصدق في الملاحظ فلا
تخالف السريرة العلانية. ((إتحاف)) (٦٩/١٠).
(١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٩٠)، وفي (أ، ب، ج) :
( الثوري ) بدل ( النوري ) .
(٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٩١)، والقشيري في ((رسالته))
(ص٣٦٨).
(٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٩١)، وفيه : ( فرمى به في دجلة ) .
(٤) أورده الخركوشي في (( تهذيب الأسرار)) (ص٢٩٢) ، والقول لأبي القاسم بن الختلي
الفقيه .
٩٤

ربع المنجيات
كتاب النية والإخلاص
وقالَ وهْبُ بنُ منبهٍ : ( وجدتُ على حاشيةِ التوراةِ اثنينٍ وعشرينَ
حرفاً ، كانَ صلحاءُ بني إسرائيلَ يجتمعونَ فيقرؤونَها ويتدراسونَها وهي :
لا كنزَ أنفعُ مِنَ العلمِ ، ولا مالَ أربحُ مِنَ الحلمِ ، ولا حسبَ أرفعُ مِنَ
الأدبِ ، ولا نسبَ أوضعُ مِنَ الغضبِ ، ولا قرينَ أزينُ مِنَ العقلِ ،
ولا رفيقَ أشينُ مِنَ الجهلِ ، ولا شرفَ أعزُّ مِنَ التقوى ، ولا كرمَ أوفىُ مِنْ
تركِ الهوى ، ولا عملَ أفضلُ مِنَ الفكرِ ، ولا حسنةَ أعلىُ مِنَ الصبرِ ،
ولا سيئةَ أخزىُ مِنَ الكِبْرِ ، ولا دواءَ ألينُ مِنَ الرفقِ ، ولا داءَ أوجعُ مِنَ
الخُرْقِ ، ولا رسولَ أعدلُ مِنَ الحقِّ ، ولا دليلَ أنصحُ مِنَ الصدقِ ،
ولا فقرَ أذُّ مِنَ الطمع ، ولا غنى أشقىُ مِنَ الجمع ، ولا حياةَ أطيبُ مِنَ
الصحةِ ، ولا معيشةَ أهنأُ مِنَ العفَّةِ ، ولا عبادةَ أحسنُ مِنَ الخشوعِ ،
ولا زهدَ خيرٌ مِنَ القُنوع ، ولا حارسَ أحفظُ مِنَ الصمتِ ، ولا غائبَ أقربُ
مِنَ الموتِ)(١).
وقالَ محمدُ بنُ سعيدِ المروزيُّ : ( إذا طلبتَ اللهَ تعالى بالصدقِ ..
أفادَكَ اللهُ تعالى مرآةٌ بيدِكَ حتى تبصرَ كلَّ شيءٍ مِنْ عجائبِ الدنيا
والآخرةِ )(٢).
(١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٩٤)، ورواه ابن عساكر في « تاريخ
دمشق )) (٢٤٢/٢٦)، والخُرْق : قلة العقل ، وسوء التصرف في الأمور ، والقنوع :
ضدٌّ، والمراد هنا الرضا ، وعند الخركوشي: ( أوضح) بدل ( أنصح ) .
(٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٩٦).
٩٥

كتاب النية والإخلاص
ربع المنجيات
وقالَ أبو بكرِ الورَّاقُ : ( احفظِ الصدقَ فيما بينَكَ وبينَ اللهِ تعالى ،
والرفقَ فيما بينَكَ وبينَ خلقِ اللهِ)(١) .
وقيلَ لذي النونِ: هلْ للعبدِ إلى صلاحِ أمورِهِ سبيلٌ؟ فقالَ(٢): [من الخفيف]
قَدْ بَقِينا مُذَبْذَبِينَ حَيارَى نَطْلُبُ الصِّدْقَ مَا إِلَيْهِ سَبِيلُ
وَخِلافُ الْهَوَى عَلَيْنا ثَقِيلُ
فَدَعاوَى الْهَوَىُ تَخِفُّ عَلَيْنا
وقيل لسهلِ: ما أصلُ هذا الأمرِ الذي نحنُ عليهِ؟ فقالَ: الصدقُ،
والسخاءُ، والشجاعةُ، فقيلَ: زدْنا، فقالَ: التقى، والحياءُ، وطيبُ الغذاءِ(٣).
وعنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما: أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ سُئِلَ عنِ
الكمالِ، فقالَ: ((قولُ الحقِّ، والعملُ بالصدقِ)) (٤).
وعنِ الجنيدِ في قولهِ تعالى: ﴿لِيَسْئَلَ الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾، قالَ :
يسألُ الصادقينَ عندْ أنفسِهِمْ عنْ صدقِهِمْ عندَ ربِّهِمْ، وهذا أمرٌ على
خطرٍ (٥).
(١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٩٧).
(٢) البيتان للسهروردي في ((ديوانه)) (ص٥٤).
(٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٩٩).
(٤) كذا هو عند الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص٢٩٩)، وقال الحافظ العراقي :
( لم أجده بهذا اللفظ ). ((إتحاف)) ( ٧٠/١٠).
(٥) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٩٩).
٩٦
٠

ربع المنجيات
كتاب النية والإخلاص
بيان حقيقة الصّدق ومعناه ومراتبه
اعلمْ : أنَّ لفظَ الصدقِ يُستعملُ في ستةِ معانٍ : صدقٌ في القولِ ،
وصدقٌ في النيةِ والإرادةِ ، وصدقٌ في العزم ، وصدقٌ في الوفاءِ بالعزمِ ،
وصدقٌ في العملِ ، وصدقٌ في تحقيقِ مقاماتِ الدينِ كلِّها ، فمَنِ اتصفَ
بالصدقِ في جميع ذلكَ .. فهوَ صدِّيقٌ؛ لأنَّهُ مبالغةٌ في الصدقِ ، ثمَّ همْ
أيضاً على درجاتٍ ، ومَنْ كانَ لهُ حظَّ في الصدقِ في شيءٍ مِنَ الجملةِ .. فهوَ
صادقٌ بالإضافةِ إلى ما فيهِ صدقُهُ .
الصدقُ الأوَّلُ : صدقُ اللسانِ :
وذلكَ لا يكونُ إلا في الإخبارِ ، أوْ فيما يتضمَّنُ الإخبارَ وينبَّهُ عليهِ (١) ،
والخبرُ إمَّا أنْ يتعلَّقَ بالماضي أوْ بالمستقبلِ ، وفيهِ يدخلُ الوفاءُ بالوعدِ
والخلفُ فيهِ ، وحقٌّ على كلِّ عبدٍ أنْ يحفظَ ألفاظَهُ ، فلا يتكلَّمَ إلا
بالصدقِ ، وهذا هوَ أشهرُ أنواع الصدقِ وأظهرُها ، فمَنْ حفظَ لسانَهُ عن
(١) أي: بالعرض لا بالقصد الأول ، فقد يدخل في أنواع الكلام من الاستفهام والأمر
والدعاء ، وذلك أن قول القائل : أزيدٌ في الدار .. في ضمنه إخبار بكونه جاهلاً بحال
زيد، وكذلك إذا قال: واسني .. في ضمنه أنه محتاج إلى المواساة ، وإذا قال :
لا تؤذني .. في ضمنه أنه يؤذيه. («إتحاف)) ( ١٠/ ٧٢).
٩٧

كتاب النية والإخلاص
ربع المنجيات
الإخبارِ عنِ الأشياءِ على خلافِ ما هيَ عليهِ .. فهوَ صادقٌ ، ولكنْ لههذا
الصدقِ کمالانٍ :
G
أحدُهُما : الاحترازُ عنِ المعاريضِ : فقدْ قيلَ : ( في المعاريضِ
مندوحةٌ عنِ الكذبِ )(١) ، وذلكَ لأنَّها تقومُ مقامَ الكذبِ ، إذِ المحذورُ مِنَ
الكذبِ تفهيمُ الشيءِ على خلافِ ما هوَ عليهِ في نفسِهِ ، إلا أنَّ ذلكَ ممَّا تمسُ
إليهِ الحاجةُ ، وتقتضيه المصلحةُ في بعضِ الأحوالِ ، وفي تأديبِ الصبيانِ
والنسوانِ ومَنْ يجري مجراهُمْ ، وفي الحذر عنِ الظلمةِ ، وفي قتالِ الأعداءِ
والاحترازِ عنِ اطلاعِهِمْ على أسرارِ الملكِ ، فمَنِ اضطرَّ إلى شيءٍ مِنْ
ذلكَ .. فصدقُهُ فيهِ أنْ يكونَ نطقُهُ فيهِ للهِ تعالى فيما يأمرُهُ الحقُّ بهِ ويقتضيهِ
الدينُ ، فإذا نطقَ بهِ .. فهوَ صادقٌ وإنْ كانَ كلامُهُ مفهماً غيرَ ما هوَ عليهِ ؛
لأنَّ الصدقَ ما أُرِيدَ لذاتِهِ ، بلْ للدلالةِ على الحقِّ والدعاءِ إليهِ ، فلا ينظرُ
إلى صورتِهِ بلْ إلى معناهُ .
نعمْ ، في مثلِ هذا الموضع ينبغي أنْ يعدلَ إلى المعاريضِ ما وجدَ إلیهِ
سبيلاً، كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا توجَّهَ إلى سفرٍ .. ورَّى
بغيرِهِ (٢)، وذلكَ كي لا ينتهيَ الخبرُ إلى الأعداءِ فيُقْصدَ، وليسَ هذا مِنَ
الكذبِ في شيءٍ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ليسَ بكذَّابٍ
(١) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٩٩/١٠) عن عمران بن حصين رضي الله عنه
مرفوعاً وموقوفاً .
(٢) رواه البخاري (٢٩٤٧)، ومسلم ( ٢٧٦٩) .
٩٨

ربع المنجيات
کتاب النية والإخلاص
مَنْ أصلحَ بينَ اثنينِ ، فقالَ خيراً أوْ نمى خيراً)) (١).
ورخَّصَ في النطقِ على وَفْقِ المصلحةِ في ثلاثةِ مواضعَ : مَنْ أصلحَ بينَ
اثنينِ، ومَنْ كانَ لهُ زوجتانِ، ومَنْ كانَ في مصالح الحربِ (٢).
والصدقُ هلهنا يتحوَّلُ إلى النيةِ ، فلا يُراعىُ فيهِ إلا صدقُ النيةِ وإرادةٌ
الخيرِ ، فمهما صحَّ قصدُهُ وصدقَتْ نِيَتُهُ وتجرَّدَتْ للخير إرادتُهُ .. كانَ صادقاً
وصدِّيقاً كيفَما كانَ لفظُهُ .
ثمَّ التعريضُ فيهِ أولى، وطريقُهُ ما حُكِيَ عنْ بعضِهِمْ أَنَّهُ كانَ يطلبُهُ بعضُ
الظلمةِ وهوَ في دارِهِ ، فقالَ لزوجتِهِ : خُطِّي بإصبعِكِ دائرةً ، وضعي الإصبعَ
عليها ، وقولي : ليسَ هوَ ههنا(٣) . واحترزَ بذلكَ عنِ الكذبِ ، ودفعَ
الظالمَ عنْ نفسِهِ ، فكانَ قولُهُ صدقاً ، وأفهمَ الظالمَ أنَّهُ ليسَ في الدارِ .
فالكمالُ الأوَّلُ في اللفظِ : أنْ يحترزَ عنْ صريح اللفظِ وعنِ المعاريضِ
أيضاً إلا عندَ الضرورةِ .
G
والكمالُ الثاني : أنْ يراعيَ معنى الصدقِ في ألفاظِهِ التي يناجي بها ربَّهُ عزَّ
وجلَّ : كقولِهِ : ( وجهتُ وجهيَ للذي فطرَ السماواتِ والأرضَ ) ، فإنَّ
قلبَهُ إنْ كانَ منصرفاً عنِ اللهِ تعالى ، مشغولاً بأمانيٍّ الدنيا وشهواتِها .. فهوَ
(١) رواه البخاري (٢٦٩٢)، ومسلم ( ٢٦٠٥) .
(٢) روى ذلك أبو داوود (٤٩٢١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٠٧٥).
(٣) أورده النووي في ((الأذكار)) (ص٦١٣) عن الشعبي.
٩٩

کتاب النية والإخلاص
ربع المنجيات
كاذبٌ، وكقولِهِ : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيدٌ﴾، وقولِهِ: أنا
عبدُ اللهِ ؛ فإنَّهُ إذا لمْ يتصفْ بحقيقةِ العبوديةِ ، وكانَ لهُ مطلبٌ سوى اللهِ ..
لمْ يكنْ كلامُهُ صدقاً ، ولوْ طُولِبَ يومَ القيامةِ بالصدقِ في قولِهِ : أنا
عبدُ اللهِ .. لعجزَ عنْ تحقيقِهِ ، فإنَّهُ إنْ كانَ عبداً لنفسِهِ أوْ عبداً لدنيا ، أوْ
عبداً لشهواتِهِ .. لمْ يكنْ صادقاً في قولِهِ .
وكلُّ ما تقيَّدَ العبدُ بهِ فهوَ عبدٌ لهُ ، كما قالَ عيسى عليهِ السلامُ : ( يا
عبيدَ الدنيا)(١)، وقالَ نبيًّا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( تعسَ عبدُ الدينارِ،
تعسَ عبدُ الدرهم ، وعبدُ الحلَّةِ، وعبدُ الخميصةِ))(٢)، سمَّى كلَّ مَنْ تقيَّدَ
قلبُهُ بشيءٍ عبداً لهُ، وإنَّما العبدُ الحقُّ للهِ عزَّ وجلَّ مَنْ عتقَ أوَّلاً عنْ غيرِ اللهِ
تعالى ، فصارَ حرّاً مطلقاً، فإذا تقدمَتْ هذهِ الحريَّةُ .. صارَ القلبُ فارغاً ،
فحلَّتْ فيهِ العبوديةُ للهِ، فتشغلُهُ باللهِ وبمحبتِهِ ، وتقيِّدُ باطنَهُ وظاهرَهُ
بطاعتِهِ ، فلا يكونُ لهُ مرادٌ إلا اللهَ تعالى .
ثمَّ قدْ يجاوزُ هذا إلى مقام آخرَ أسنى منهُ يُسمَّى الحريةَ ، وهوَ أنْ يعتقَ
أيضاً عنْ إرادتِهِ للهِ مِنْ حيثُ هوَ ، بلْ يقنعُ بما يريدُ اللهُ تعالى لهُ مِنْ تقريبٍ أوْ
إبعادٍ ، فتفنى إرادتُهُ في إرادةِ اللهِ تعالى ، وهذا عبدٌ عتقَ عنْ غيرِ اللهِ فصارَ
حرّاً ، ثمَّ عادَ وعتقَ عنْ نفسِهِ فصارَ حرّاً ، وصارَ مفقوداً لنفسِهِ موجوداً لسيِّدِهِ
(١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق )) (٤٦٠/٤٧) (٦٤/٦٨) ضمن خبر طويل .
(٢) رواه البخاري (٦٤٣٥) .
١٠٠