النص المفهرس
صفحات 61-80
ربع المنجيات کتاب النية والإخلاص وهذهِ الحكايةُ تصديقُ قولِهِ تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾، إذْ لا يتخلَّصُ العبدُ مِنَ الشيطانِ إلا بالإخلاصِ . ولذلكَ كانَ معروفٌ الكرخيُّ رحمهُ اللهُ تعالى يضربُ نفسَهُ ويقولُ : ( يا نفسُ ؛ أخلِصي وتخلَّصي)(١). وقالَ أبو يعقوبَ المكفوفُ : ( المخلصُ مَنْ یکتمُ حسناتِهِ کما یکتمُ سيئاتِهِ)(٢) . وقال أبو سليمانَ : ( طوبى لمَنْ صَتْ لهُ خطوةٌ واحدةٌ لا يريدُ بها إلا اللهَ تعالى)(٣). وكتبَ عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ إلى أبي موسى الأشعريِّ : ( مَنْ خلصَتْ نيتُهُ .. كفاهُ اللهُ تعالى ما بينَهُ وبينَ الناسِ ) (٤) . وكتبَ بعضُ الأولياءِ إلى أخ لهُ : ( أخلصِ النيةَ في أعمالِكَ .. يكفِكَ القليلُ مِنَ العملِ )(٥) . (١) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٨٥)، ورواه ابن الجوزي في ((صفة الصفوة)) (٢/١ / ١٩٤) . (٢) أورده الثعلبي في ((تفسيره)) (٧/٢) وأبو يعقوب: هو يوسف بن أحمد البغدادي المكفوف أحد أصحاب ذي النون المصري ، كما جاء مصرحاً باسمه في أحد أسانيد أبي نعيم في « الحلية)) (٩/ ٣٦٤) ، والله أعلم . (٣) نقله صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (١٠ /٤٧). (٤) رواه هناد في ((الزهد)) (٨٥٩)، والدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم)) (ص٥٩٦). (٥) قوت القلوب (١٥٩/٢) وفيه: ( وكتب بعض الأدباء ) . ٦١ کتاب النية والإخلاص ربع المنجيات وقال أيوبُ السِّخْتياني : ( تخليصُ النياتِ على العمّالِ أشدُّ عليهم مِنْ جميع الأعمالِ )(١) . وكانَ مطرِّفٌ يقولُ: (مَنْ صفا .. صُفِيَ لهُ، ومَنْ خلَّطَ .. خُلِّطَ عليهِ )(٢) . ورُرِيَ بعضُهُمْ في المنام ، فقيلَ لهُ : كيفَ وجدتَ أعمالَكَ ؟ فقالَ : كلُّ شيءٍ عملتُهُ للهِ وجدتُهُ ، حتى حبّةِ رمانٍ لقطتُها مِنْ طريقٍ ، وحتى هرَّةٍ ماتَتْ لنا فرأيتُها في كِفَّةِ الحسناتِ ، وكانَ في قلنسوتي خيطٌ مِنْ حريرٍ ، فرأيتُهُ في كِفَّةِ السيئاتِ ، وكانَ قدْ نفقَ حمارٌ لي قيمتُهُ مئةُ دينارٍ ، فما رأيتُ لهُ ثواباً ، فقلتُ : موتُ سِنَّورِ في كِفَّةِ الحسناتِ ، وموتُ حمارٍ ليسَ فيها ! فقيلَ لي : إِنَّهُ قدْ وُجِّهَ حيثُ بعثتَ بهِ ، فإنَّهُ لما قيلَ لكَ: قدْ ماتَ .. قلتَ : في لعنةِ اللهِ، فبطلَ أجرُكَ فيهِ ، ولوْ قلتَ : في سبيلِ اللهِ .. لوجدتَهُ في حسناتِكَ(٣). وفي روايةٍ : قالَ : وكنتُ قدْ تصدقتُ بصدقةٍ بينَ الناسِ ، فأعجبني نظرُهُمْ إليَّ، فوجدتُ ذلكَ لا عليَّ ولا لي، قالَ سفيانُ لمَّا سمعَ هذا : ما أحسنَ حالَهُ ! إذْ لمْ يكنْ عليهِ .. فقدْ أحسنَ إليهِ(٤). (١) قوت القلوب (١٥٩/٢). (٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٣٦٧٤٠). (٣) قوت القلوب (١٥١/٢) . (٤) قوت القلوب (٢/ ١٥٢) . ٦١ ربع المنجيات محر کتاب النية والإخلاص وقالَ يحيىُ بنُ معاذٍ : ( الإخلاصُ يميزُ العملَ مِنَ العيوبِ كتمييزِ اللبنِ مِنَ الفرثِ والدم)(١) . وقيلَ : كانَ رجلٌ يخرجُ في زيِّ النساءِ ويحضرُ كلَّ موضع يجتمعُ فيهِ النساءُ مِنْ عرسٍ أوْ مأتمٍ ، فاتفقَ أنْ حضرَ يوماً موضعاً فيهِ مجمعٌ للنساءِ ، فسُرقَتْ دُرَّةٌ ، فصاحوا أن أغلقوا البابَ حتى نفتِّشَ ، فكانوا يفتشونَ واحدةً واحدةً ، حتى بلغَتِ النوبةُ إليهِ وإلى امرأةٍ معَهُ ، فدعا اللهَ تعالى بالإخلاصِ وقالَ : إِنْ نجوتُ مِنْ هذهِ الفضيحةِ .. لا أعودُ إلى مثلِ هذا ، فوُجدَتِ الدرَّةُ معَ تلكَ المرأةِ ، فصاحوا أنْ أطلقوا الحرَّةَ ؛ فقد وجدنا الدُّرَّةَ(٢). وقالَ بعضُ الصوفيةِ : كنتُ قائماً معَ أبي عبيدِ البُسْريِّ وهوَ يحرثُ أرضَهُ بعدَ العصرِ مِنْ يوم عرفةَ، فمرَّ بهِ بعضُ إخوانِهِ مِنَ الأبدالِ ، فسارَّهُ بشيءٍ ، فقالَ أبو عبيدٍ : لا ، فمرَّ كالسحابِ يمسحُ الأرضَ حتى غابَ عنْ عيني ، فقلتُ لأبي عبيدٍ : ما قالَ لكَ ؟ فقالَ : سألَني أنْ أحجَّ معَهُ ، فقلتُ : لا ، قلتُ : فهلا فعلتَ ، قالَ : ليسَ لي في الحجِّ نيةٌ ، وقدْ نويتُ أنْ أتمِّمَ هذهِ الأرضَ العشيةَ، فأخافُ إنْ حججتُ معَهُ لأجلِهِ .. تعرضتُ لمقتِ اللهِ تعالى ؛ لأنِّي أدخلُ في عملِ اللهِ تعالى شيئاً غيرَهُ ، (١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٨٠). (٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٨٠). ٦٣ كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات فيكونُ ما أنا فيهِ أعظمَ عندي مِنْ سبعينَ حجةً(١) . ويُروىُ عنْ بعضِهِمْ قالَ : غزوتُ في البحرِ ، فعرضَ بعضُنا مخلاةً ، فقلتُ : أشتريها فأنتفعُ بها في غزوتي ، فإذا دخلتُ مدينةَ كذا .. بعتُها فربحتُ فيها ، فاشتريتُها ، فرأيتُ تلكَ الليلةَ في النوم كأن شخصينٍ قدْ نزلا مِنَ السماءِ فقالَ أحدُهُما لصاحبهِ : اكتبِ الغزاةَ ، فأملى عليهِ : خرجَ فلانٌ متنزِّهاً ، وفلانٌ مرائياً ، وفلانٌ تاجراً ، وفلانٌ في سبيلِ اللهِ ، ثمَّ نظرَ إليَّ وقالَ : اكتب خرجَ فلانٌ تاجراً ، فقلتُ : اللهَ اللهَ في أمري ، فواللهِ ؛ ما خرجتُ أتجرُ ، ولا معي تجارةٌ أتجرُ فيها ، ما خرجتُ إلا للغزوِ ، فقال لي : يا شيخُ ؛ قدِ اشتريتَ أمسٍ مخلاةً تريدُ أنْ تربحَ فيها ، فبكيتُ وقلتُ : لا تكتبوني تاجراً ، فنظرَ إلى صاحبِهِ وقال : ما ترى ؟ فقالَ : اكتبْ : خرجَ فلانٌ غازياً إلا أنَّهُ اشترى في طريقِهِ مخلاةً ليربحَ فيها، حتَّى يحكمَ اللهُ عَزَّ وجلَّ فيهِ بما يرى(٢) . وقالَ سريُّ السقطيُّ رحمهُ اللهُ تعالى : ( لأنْ تصليَ ركعتينٍ في خلوةٍ تخلصُهُما خيرٌ لكَ مِنْ أَنْ تكتبَ سبعينَ حديثاً أوْ سبعَ مئةٍ بعلوٍ إسنادٍ )(٣). (١) قوت القلوب (١٥٢/٢)، ورواه مختصراً القشيري في ((رسالته)) (ص٩٠)، والبُشْري : نسبة إلى قرية بُصرى بحوران، وأبدلت الصاد بالسين، انظر ((الأنساب)) (٣٥٠/١ ) . (٢) قوت القلوب (١٥٥/٢). (٣) قوت القلوب (١٦٤/٢). ٦٤ ربع المنجيات كتاب النية والإخلاص وقالَ بعضُهُمْ: ( في إخلاصِ ساعةٍ نجاةُ الأبدِ ، ولكنِ الإخلاصُ عزيزٌ)(١) . ويُقالُ : ( العلمُ بذرٌ، والعملُ زرعٌ، وماؤُهُ الإخلاصُ)(٢). وقالَ بعضُهُمْ: ( إذا أبغضَ اللهُ عبداً .. أعطاهُ ثلاثاً، ومنعَهُ ثلاثاً ، أعطاهُ صحبةَ الصالحينَ ، ومنعَهُ القبولَ منهُمْ، وأعطاهُ الأعمالَ الصالحةَ ، ومنعَهُ الإخلاصَ فيها، وأعطاهُ الحكمةَ ، ومنعَهُ الصدقَ فيها)(٢). وقالَ السوسيُّ : ( مرادُ اللهِ تعالىُ مِنْ عملِ الخلقِ الإخلاصُ فقط )(٢) وقالَ الجنيدُ : (إنَّ للهِ عباداً عقلوا، فلمَّا عقلوا .. عملوا، فلمَّا عملوا .. أخلصوا ، فاستدعاهمُ الإخلاصُ إلى أبوابِ البرِّ أجمعَ)(٢). وقالَ محمدُ بنُ سعيدِ المروزيُّ: ( الأمرُ كلُّهُ يرجعُ إلى أصلينِ : فعلٌ منهُ بكَ ، وفعلٌ منكَ لهُ ، فترضى ما فعلَ ، وتخلصُ فيما تعملُ ، فإذا أنتَ قدْ سعدتَ بهذينٍ .. فزتَ في الدارينِ)(٣). ٨٠٠ (١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ٢٨٣). (٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٨٦). (٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٨٧) . ٦٥ كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات بيان حقيقة الإخلاص اعلمْ : أَنَّ كلَّ شيءٍ يُتصوَّرُ أَنْ يشوبَهُ غيرُهُ ، فإذا صفا عنْ شوبِهِ وخلصَ عنهُ .. سُمِّيَ خالصاً، ويُسمَّى الفعلُ المصفَّى المخلَصُ إخلاصاً، قَالَ اللهُ تعالى: ﴿مِنْ بَيِنِ فَرَّتٍ وَدَمٍ لََّنَا خَالِصًا سَأَبِغَا لِلشَّرِبِينَ﴾، وإنَّما خلوصُ اللبنِ ألا يكونَ فيهِ شوبٌ مِنَ الدم والفرثِ ، ومِنْ كلّ ما يمكنُ أنْ يمتزِجَ بهِ . ٧٠٠ والإخلاصُ يضادُّهُ الإشراكُ(١) ، فمَنْ ليسَ مخلصاً .. فهوَ مشركٌ، إلا أنَّ للشركِ درجاتٍ ، فالإخلاصُ في التوحيدِ يضادُّهُ التشريكُ في الإلهيةِ ، والشركُ منهُ خفيٌّ ومنهُ جليٍّ ، وكذا الإخلاصُ ، فالإخلاصُ وضدُهُ يتواردانِ على القلبِ ، فمحلُّهُ القلبُ ، وإنَّما يكونُ ذلكَ في القصودِ والنياتِ ، وقدْ ذكرنا حقيقةً النية ، وأنَّها ترجعُ إلى إجابةِ البواعثِ ، فمهما كانَ الباعثُ واحداً على التجرُّدِ .. سُمِّيَ الفعلُ الصادرُ عنهُ إخلاصاً بالإضافةِ إلى المنويِّ، فمَنْ تصدَّقَ وغرضُهُ محضُ الرياءِ .. فهوَ مخلصٌ، ومَنْ كانَ غرضُهُ محضَ التقرُّبِ إلى اللهِ تعالى .. فهوَ مخلصٌ، ولكنَّ العادةَ جاريةٌ بتخصيصِ اسمِ الإخلاصِ بتجريدِ قصدِ التقرُّبِ إلى اللهِ تعالىُ عنْ جميع الشوائبِ ؛ كما أنَّ الإلحادَ عبارةٌ عنِ الميلِ، ولكنْ خصَّصَتْهُ العادةُ بالميلِ عنِ الحقِّ . ـدة (١) وهو أن يشترك باعثان. ((إتحاف)) (٤٩/١٠). ٦٦ ٠٠- ربع المنجيات كتاب النية والإخلاص 3 ومَنْ كانَ باعتُهُ مجرَّدَ الرياءِ .. فهوَ معرَّضٌ للهلاكِ ، ولسنا نتكلُّمُ فيهِ ؛ إذْ قدْ ذكرنا ما يتعلَّقُ بهِ في كتابِ الرياءِ مِنْ ربع المهلكاتِ ، وأقلُّ أمورِهِ ما وردَ في الخبرِ مِنْ أنَّ المرائيَ يُدعىُ يومَ القيامةِ بأربع أسامٍ : يا مرائي ، يا مخادعُ، يا مشركُ، يا كافرُ(١)، وإنَّما نتكلّمُ الآنَ فيمَنِ انبعثَ لقصدٍ التقرُّبِ ، ولكنِ امتزجَ بهذا الباعثِ باعثٌ آخرُ ؛ إمَّا مِنَ الرياءِ ، أَوْ مِنْ غيرِهِ مِنْ حظوظِ النفسِ . ومثالُ ذلكَ : أنْ يصومَ لينتفعَ بالحميةِ الحاصلةِ بالصومِ معَ قصدٍ التقرُّبِ ، أوْ يعتقَ عبداً ليتخلَّصَ مِنْ مؤنِهِ وسوءِ خُلُقِهِ ، أَوْ يحجَّ ليصحَّ مزاجُهُ بحركةِ السفرِ ، أوْ ليتخلَّصَ مِنْ شرٍّ يعرضُ لهُ في بلدِهِ ، أَوْ ليهربَ عنْ عدوٍّ لهُ في منزِلِهِ ، أَوْ يتبرَّمَ(٢) بأهلِهِ وولدِهِ أوْ بشغلٍ هوَ فيهِ فأرادَ أنْ يستريحَ منهُ أياماً ، أوْ يغزوَ ليمارسَ الحربَ ويتعلَّمَ أسبابَهُ ويقدرَ بهِ على تهيئةٍ العساكرِ وجرِّها ، أوْ يصلِّيَ بالليلِ ولهُ غرضٌ في دفع النعاسِ عنْ نفسِهِ بهِ ليراقبَ أهلَهُ أوْ رحلَهُ ، أوْ يتعلَّمَ العلمَ ليسهلَ عليهِ طلبُ ما يكفيهِ مِنَ المالِ ، أَوْ ليكونَ عزيزاً بينَ العشيرةِ ، أوْ ليكونَ عقارُهُ ومالُهُ محروساً بعزٌّ العلمِ عنِ الأطماع ، أوِ اشتغلَ بالدرسِ والوعظِ ليتخلَّصَ عنْ كربِ الصمتِ ويتفرَّجَ بلذَّةِ الحديثِ ، أوْ تكفَّلَ بخدمةِ العلماءِ أوِ الصوفيةِ لتكونَ حرمتُهُ (١) رواه الديلمي في (( مسند الفردوس)" (٦٦١٩) بنحوه . (٢) يتبرَّم : يملُّ ويضجر . ٦٧ كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات وافرةً عندَهُمْ وعندَ الناسِ ، أوْ لينالَ بهِ رِفْقاً في الدنيا (١) ، أوْ كتبَ مصحفاً ليجوِّدَ بالمواظبةِ على الكتابةِ خطَّهُ ، أوْ حجَّ ماشياً ليخفِّفَ عنْ نفسِهِ الكراءَ ، أوْ توضَّأَ ليتنظَّفَ أَوْ يتبرَّدَ ، أَوِ اغتسلَ لتطيبَ رائحتُهُ ، أَوْ روى الحديثَ ليُعرفَ بعلوِّ الإسنادِ ، أوِ اعتكفَ في المسجدِ ليخفِّفَ عليهِ كراءَ المسكنِ ، أوْ صامَ ليخفِّفَ عنْ نفسِهِ الترذُّدَ في طبخِ الطعامِ أَوْ ليتفرَّغَ لأشغالِهِ فلا يشغلُهُ الأكلُ عنها ، أوْ تصدَّقَ على السائلِ ليقطعَ إبرامَهُ في السؤالِ عنْ نفسِهِ ، أَوْ يعودَ مريضاً ليُعادَ إذا مرضَ ، أَوْ يشيِّعَ جنازةٌ لِتُشْيَّعَ جنائزُ أهلِهِ ، أوْ يفعلَ شيئاً مِنْ ذلكَ ليُعرفَ بالخيرِ ويُذكرَ بهِ ويُنظرَ إليهِ بعينِ الصلاحِ والوقارِ . فمهما كانَ باعتُهُ هوَ التقرُّبَ إلى اللهِ تعالى ، ولكنِ انضافَ إليهِ خطرةٌ مِنْ هذهِ الخطراتِ حتى صارَ العملُ أخفَّ عليهِ بسببِ هذهِ الأمورِ .. فقدْ خرجَ عملُهُ عنْ حدِّ الإخلاصِ ، وخرجَ عنْ أنْ يكونَ خالصاً لوجِهِ اللهِ تعالى ، وتطرّقَ الشركُ إليهِ، وقَدْ قالَ تعالى: ((أنا أغنى الشركاءِ عنِ الشركِ))(٢). وبالجملةِ : كُّ حظٍّ مِنْ حظوظِ الدنيا تستريحُ إليهِ النفسُ ، ويميلُ إليهِ القلبُ، قلَّ أمْ كثُرَ، إذا تطرّقَ إلى العملِ .. تكدَّرَ بِهِ صفوُهُ، وزالَ بهِ إخلاصُهُ. والإنسانُ مرتبطٌ في حظوظِهِ ، منغمسٌ في شهواتِهِ ، قلَّما ينفكُ فعلٌ مِنْ أفعالِهِ وعبادةٌ مِنْ عباداتِهِ عنْ حظوظٍ وأغراضٍ عاجلةٍ مِنْ هذهِ الأجناسِ ، فلذلكَ قيلَ : ( مَنْ سلمَ لهُ في عمرِهِ خطوةٌ واحدةٌ خالصةٌ لوجهِ اللهِ تعالى .. (١) الرِّفْق هنا: اسم لما يستعان به من مال أو متاع ونحوه. (٢) رواه مسلم (٢٩٨٥)، وابن ماجه (٤٢٠٢). ٦٨ ربع المنجيات كتاب النية والإخلاص نجا)(١) ، وذلكَ لعزَّةِ الإخلاصِ ، وعسْرِ تنقيةِ القلبِ عنْ هذهِ الشوائبِ ، بلِ الخالصُ هوَ الذي لا باعثَ عليهِ إلا طلبُ القرْبِ مِنَ اللهِ تعالى ، وهذهِ الحظوظُ إنْ كانَتْ هيَ الباعثةَ وحدَها .. فلا يخفى شدَّةُ الأمرِ على صاحبِهِ فيها، وإنَّما نظرُنا فيما إذا كانَ القصدُ الأصليُّ هوَ التقرُّبَ وانضافَتْ إليهِ هذهِ الأمورُ ، ثمَّ هذهِ الشوائبُ إمَّا أنْ تكونَ في رتبةِ الموافقةِ ، أوْ في رتبةٍ المشاركةِ ، أوْ في رتبةِ المعاونةِ كما سبقَ في بيانِ النيةِ . وبالجملةِ : فإمَّا أنْ يكونَ الباعثُ النفسيُّ مثلَ الباعثِ الدينيِّ ، أَوْ أقوى منهُ، أوْ أضعفَ، ولكلِّ واحدٍ حكمٌ آخرُ كما سنذكرُهُ، وإنَّما الإخلاصُ تخليصُ العملِ عنْ هذهِ الشوائبِ كلِّها ، قليلِها وكثيرِها ؛ حتى يتجرَّدَ فيهِ قصدُ التقُّبِ ، فلا يكونُ فيهِ باعثٌ سواهُ . وهذا لا يُتصوَّرُ إلا مِنْ محبّ اللهِ تعالى مستهتَرِ بهِ ، مستغرقِ الهمِّ بالآخرةِ ، بحيثُ لمْ يبقَ لحبِّ الدنيا في قلبِهِ قرارٌ ، حتى لا يحبَّ الأكلَ والشربَ أيضاً ، بلْ تكونُ رغبتُهُ فيهِ كرغبتِهِ في قضاءِ الحاجةِ مِنْ حيثُ إنَّهُ ضرورةُ الجبلةِ ، فلا يشتهي الطعامَ لأنَّهُ طعامٌ ، بلْ لأنَّهُ يقوِّيهِ على عبادةِ اللهِ تعالى ، ويتمنَّى أنْ لَوْ كُفْيَ شرَّ الجوع ؛ حتى لا يحتاجَ إلى الأكلِ ، فلا يبقى في قلبِهِ حظٍّ مِنَ الفضولِ الزائدةِ على الضرورةِ ، ويكونُ قَدْرُ الضرورةِ مطلوباً عندَهُ ؛ لأنَّهُ ضرورةُ دينِهِ ، فلا يكونُ لهُ همّ إلا الله تعالى . (١) تقدم قريباً بنحوه قولُ أبي سليمان ، وهو : ( طوبى لمن صحت له خطوة واحدة لا يريد بها إلا الله تعالى ) . ٦٩ كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات ٥٠ فمثلُ هذا الشخصِ لو أكل أو شربَ أوْ قضى حاجتهُ .. كانَ خالصَ العملِ صحيحَ النيةِ في جميع حركاتِهِ وسكناتِهِ ، فلوْ نامَ مثلاً ليريحَ نفسَهُ فيتقوَّى على العبادةِ بعدَهُ .. كانَ نومُهُ عبادةٌ، وكانَ لهُ درجةُ المخلصينَ فيهٍ، ومَنْ ليسَ كذلكَ .. فبابُ الإخلاصِ في الأعمالِ كالمسدودِ عليهِ إلا على الندورِ ، وكما أنَّ مَنْ غلبَ عليهِ حبُّ اللهِ وحبُّ الآخرةِ ، فاكتسبَتْ حركاتُهُ الاعتياديَّةُ صفةَ همِّهِ وصارَتْ إخلاصاً .. فالذي يغلبُ على نفسِهِ حبُّ الدنيا والعلوُّ والرئاسةُ ، وبالجملةِ : غيرُ اللهِ تعالىُ .. فقدِ اكتسبَتْ جميعُ حركاتِهِ تلكَ الصفةَ ، فلا تسلمُ لهُ عباداتُهُ مِنْ صومٍ وصلاةٍ وغيرِ ذلكَ إلا نادراً . فإذاً ؛ علاجُ الإخلاصِ كسرُ حظوظِ النفسِ ، وقطعُ الطمع عنِ الدنيا ، والتجزُّدُ للآخرةِ ؛ بحيثُ يغلبُ ذلكَ على القلبِ ، فإذْ ذاكَ يتيسَّرُ الإخلاصُ . وكَمْ مِنْ أعمالٍ يتعبُ الإنسانُ فيها ويظرُّ أنَّها خالصةٌ لوجهِ اللهِ تعالى ، ويكونُ فيها مغروراً ؛ لأنَّهُ لا يدري وجهَ الآفةِ فيها ؛ كما حُكِيَ عنْ بعضِهِمْ أنَّهُ قالَ : ( قضيتُ صلاةَ ثلاثينَ سنةً كنتُ صلَّيتُها في المسجدِ في الصفُ الأوَّلِ ؛ لأَنِّي تأخّرتُ يوماً لعذرٍ ، فصليتُ في الصفِّ الثاني ، فاعترَتني خجلةٌ مِنَ الناسِ حيثُ رأوني في الصفِّ الثاني ، فعرفتُ أنَّ نظرَ الناسِ إليَّ في الصفِّ الأوَّلِ كانَ مسرَّتي وسببَ استراحةِ قلبي مِنْ حيثُ لا أشعرُ ) . وهذا دقيقٌ غامضٌ ، قلَّما تسلمُ الأعمالُ مِنْ أمثالِهِ ، وقلَّ مَنْ يتنبّهُ لهُ ٧٠ ربع المنجيات حر كتاب النية والإخلاص إلا مَنْ وفَّقَهُ اللهُ تعالى ، والغافلونَ عنهُ يرونَ حسناتِهِمْ كلَّها في الآخرةِ سيئاتٍ ، وهُمُ المرادونَ بقولِهِ تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾، وبقولِهِ تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِئُ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا ، اُلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْخَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَخْسَبُونَ أَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْمًا﴾ . وأشدُّ الخلقِ تعرُّضاً لهذهِ الفتنةِ العلماءُ ، فإنَّ الباعثَ للأكثرينَ على نشرٍ العلم لذَّةُ الاستيلاءِ ، والفرحُ بالاستتباع ، والاستبشارُ بالحمدِ والثناءِ ، والشيطانُ يلُّ عليهِمْ ذلكَ، ويقولُ: إنَّما غرضُكُمْ نشرُ دينِ اللهِ ، والنضالُ عنِ الشرع الذي شرعَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وترى الواعظَ يمنُّ على اللهِ تعالى بنصحِهِ للخلقِ ووعظِهِ للسلاطينِ ، ويفرحُ بقبولِ الناسِ قولَهُ وإقبالِهِمْ عليهِ ، وهوَ يدَّعي أنَّهُ يفرحُ بما يُسِّرَ لهُ مِنْ نصرةِ الدينِ ، ولوْ ظهرَ مِنْ أقرانِهِ مَنْ هوَ أحسنُ منهُ وعظاً ، وانصرفَ الناسُ عنهُ وأقبلوا عليهِ .. ساءَهُ ذلكَ وغمَّهُ، ولوْ كانَ باعتُهُ الدينَ .. لشكرَ اللهَ تعالى؛ إذْ كفاهُ اللهُ تعالى هذا المهمَّ بغيرِهِ ، ثمَّ الشيطانُ معَ ذلكَ لا يخلِّيهِ ، ويقولُ : إنَّما غمُّكَ لانقطاع الثوابِ عنكَ ، لاَ لانصرافِ وجوهِ الناسِ عنكَ إلى غيرِكَ؛ إذْ لوٍ اتعظوا بقولِكَ .. لكنتَ أنتَ المثابَ ، واغتمامُكَ لفوتِ الثوابِ محمودٌ ، ولا يدري المسكينُ أنَّ انقيادَهُ للحقِّ، وتسليمَهُ الأمرَ للأفضلِ (١) .. أجزلُ ثواباً ، وأعودُ عليهِ في الآخرةِ مِنِ انفرادِهِ . (١) أي: تسليمه أمر الوعظ ودعوة الخلق لمن هو أعلم وأفضل وأقدر على نفعهم وجلب قلوبهم للحق ، وإنما هو مشارك له ، متطوٍ تحت جناحه . ٧١ كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات وليتَ شعري لوٍ اغتمَّ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ بتصدي أبي بكرٍ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ للإمامةِ .. أكانَ غتُّهُ محموداً أوْ مذموماً؟ ولا يستريبُ ذو دينِ أنْ لوْ كانَ ذلكَ .. لكانَ مذموماً ؛ لأنَّ انقيادَهُ للحقِّ وتسليمَهُ الأمرَ إلى مَنْ هوَ أصلحُ منهُ .. أعودُ عليهِ في الدينِ مِنْ تكفُّلِهِ بمصالح الخلقِ ، معَ ما فيهِ مِنَ الثوابِ الجزيلِ ، بلْ فرحَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ باستقلالٍ مَنْ هوَ أولىُ منهُ بالأمرِ(١)، فما بالُ العلماءِ لا يفرحونَ بمثلِ ذلكَ ؟! وقدْ ينخدعُ بعضُ أهلِ العلمِ بغرورِ الشيطانِ ، فيحدِّثُ نفسَهُ بأنَّهُ لوْ ظهرَ مَنْ هوَ أولىُ منهُ بالأمرِ .. لفرحَ بهِ ، وإخبارُهُ بذلكَ عنْ نفسِهِ قبلَ التجربةِ والامتحانِ محضُ الجهلِ والغرورِ ، فإنَّ النفسَ سهلةُ القيادِ في الوعدِ بأمثالِ ذلكَ قبلَ نزولِ الأمرِ ، ثمَّ إذا دهاهُ الأمرُ تغيَّرَ ورجعَ ، ولمْ يفِ بالوعدِ ، وذلكَ لا يعرفُهُ إلا مَنْ عرفَ مكايدَ الشيطانِ والنفسِ ، وطالَ اشتغالُهُ بامتحانِها . فمعرفةُ حقيقةِ الإخلاصِ والعملُ بهِ بحرٌ عميقٌ ، يغرقُ فيهِ الجميعُ ، إلا الشاذَّ النادرَ والفردَ الفذَّ، وهوَ المستثنى في قولهِ تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ اُلْمُخْلَصِينَ﴾، فليكن العبدُ شديدَ التفقَّدِ والمراقبةِ لهذهِ الدقائقِ ، وإلا .. التحقَ بأتباع الشياطينِ وهوَ لا يشعرُ . (١) كما دلَّ على ذلك الآثار الواردة في قصة البيعة. ((إتحاف)) (٥٣/١٠). ٧٢ ربع المنجيات كتاب النية والإخلاص بيان أقاويل الشيوخ في الإخلاص قالَ السوسيُّ: ( الإخلاصُ فقْدُ رؤيةِ الإخلاصِ ؛ لأنَّ مَنْ شاهدَ في إخلاصِهِ الإخلاصَ .. فقد احتاجَ إخلاصُهُ إلى إخلاصٍ)(١). وما ذكرَهُ إشارةٌ إلى تصفيةِ العملِ عنِ العجبِ بالعملِ ، فإنَّ الالتفاتَ إلى الإخلاصِ والنظرَ إليهِ عجبٌ ، وهوَ مِنْ جملةِ الآفاتِ ، والخالصُ ما صفا عنْ جميع الآفاتِ ، فهذا تعرُّضٌ لآفةٍ واحدةٍ(٢). وقالَ سهلٌ رحمَهُ اللهُ تعالى : ( الإخلاصُ أنْ يكونَ سكونُ العبدِ وحركاتُهُ للهِ تعالى خاصَّةً)(٣) . وهذهِ كلمةٌ جامعةٌ محيطةٌ بالغرضِ ، وفي معناهُ قولُ إبراهيمَ بنِ أدهمَ : ( الإخلاصُ صدقُ النيةِ معَ اللهِ تعالى)(٤) . وقيلَ لسهلٍ : أيُّ شيءٍ أشدُّ على النفسِ ؟ فقالَ : الإخلاصُ ؛ إِذْ ليسَ لها فیهِ نصيبٌ(٥) . (١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٨٠). (٢) أي: فلا تكون حقيقته جامعة لأفراده. («إتحاف)) (٥٤/١٠). (٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٨٠). (٤) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٨٠). (٥) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٨٠)، والقشيري في (( رسالته)) (ص٣٦٢) . ٧٣ كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات وقالَ رويمٌ : ( الإخلاصُ في العملِ هوَ ألا يريدَ صاحبُهُ عليهِ عوضاً في الدارينِ)(١) . وهذا إشارةٌ إلى أنَّ حظوظَ النفسِ آفةٌ آجلاً وعاجلاً، والعابدُ لأجلِ تنغُمٍ النفسِ بالشهواتِ في الجنةِ معلولُ العبادةِ ، بلِ الحقيقةُ ألا يُرادَ بالعملِ إلا وجهُ اللهِ تعالى ، وهوَ إشارةٌ إلى إخلاصِ الصدِّيقينَ، وهوَ الإخلاصُ المطلقُ ، فأمَّا مَنْ يعملُ لرجاءِ الجنةِ وخوفِ النارِ .. فهوَ مخلصٌ بالإضافةِ إلىْ مَنْ يطلبُ الحظوظَ العاجلةَ ، وإلا .. فهوَ في طلبِ حظِّ البطنِ والفرجِ ، وإنَّما المطلوبُ الحقُّ لذوي الألبابِ وجهُ اللهِ تعالى فقطْ . وقولُ القائلِ : لا يتحرَّكُ الإنسانُ إلا لحظٍّ، والبراءةُ مِنَ الحظوظِ صفةٌ الإلهيّةِ، ومَنِ ادعى ذلكَ .. فهوَ كافرٌ(٢)، وقدْ قضى القاضي أبو بكرٍ الباقلانيُّ بتكفيرِ مَنْ يدعي البراءةَ مِنَ الحظوظِ ، وقالَ : ( هذا منْ صفاتٍ الإلهيةِ ) ؟ وما ذكرَهُ حقٌّ ، ولكنَّ القومَ إنَّما أرادوا بهِ البراءةَ عمَّا يسميهِ الناسُ حظوظاً ، وهيَ الشهواتُ الموصوفةُ في الجنةِ فقطْ، فأمَّا التلذُّذُ بمجرَّدٍ المعرفةِ والمناجاةِ والنظر إلى وجهِ اللهِ تعالى .. فهذا حظّ هؤلاءِ، وهذا (١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٨١)، والقشيري في (( رسالته)) (ص٣٦٢ ) . (٢) لأنه قد أشرك بالله في صفة من صفاته المختصة به. ((إتحاف)) (٥٥/١٠). ٧٤ ربع المنجيات كتاب النية والإخلاص لا يعدُّهُ الناسُ حظّاً، بلْ يتعجَّبونَ منهُ، وهؤلاءِ لوْ عُوِّضوا عمَّا هُمْ فيهِ مِنْ لذَّةِ الطاعةِ والمناجاةِ وملازمةِ الشهودِ للحضرةِ الإلهيةِ سرّاً وجهراً جميعَ نعيم الجنةِ .. لاستحقروهُ، ولمْ يلتفتوا إليهِ، فحركتُهُمْ لحظً، وطاعتُهُمْ لحظٌّ ، ولكنْ حظُّهُمْ معبودُهُمْ فقطْ دونَ غيرِهِ . وقالَ أبو عثمانَ : ( الإخلاصُ نسيانُ رؤيةِ الخلقِ بدوامِ النظرِ إلى الخالقِ)(١) . وهذا إشارةٌ إلى آفةِ الرياءِ فقطْ، ولذلكَ قالَ بعضُهُمْ: ( الإخلاصُ في العملِ ألا يطلعَ عليهِ شيطانٌ فيفسدَهُ ، ولا ملكٌ فيكتبَهُ)(٢)، وهـذهِ إشارةٌ إلى مجرَّدِ الإخفاءِ . وقدْ قيلَ : ( الإخلاصُ ما استترَ عنِ الخلائقِ، وصفا عنِ العلائقِ)(٣)، وهذا أجمعُ للمقاصدِ. وقالَ المحاسبيُّ : ( الإخلاصُ هوَ إخراجُ الخلقِ عنْ معاملةٍ الربِّ)(٤) ، وهذا إشارةٌ إلى مجرَّدِ نفي الرياءِ . (١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٨١)، والقشيري في (( رسالته)) (ص٣٦٢)، ورواه البيهقي في ((الشعب)) (٦٤٧٥)، وأبو عثمان هو سعيد بن إسماعيل الحيري . (٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٨١). (٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص٢٨١). (٤) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٨١). ٠٠٦ ٧٥ كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات وكذلكَ قولُ الخوَّاصِ : ( مَنْ شربَ مِنْ كأسِ الرئاسةِ .. فقدْ خرجَ عنْ إخلاص العبوديةِ)(١) . وقالَ الحواريونَ لعيسىُ عليهِ السلامُ : ما الخالصُ مِنَ الأعمالِ ؟ فقالَ : الذي يعملُ العملَ اللهِ تعالى لا يحبُّ أنْ يحمدَهُ عليهِ أحدٌ(٢). وهذا أيضاً تعرُّضٌ لتركِ الرياءِ ، وإنَّما خصَّهُ بالذكرِ لأنَّهُ أقوى الأسبابِ المشوشةِ للإخلاصِ . وقالَ الجنيدُ : ( الإخلاصُ تصفيةُ الأعمالِ مِنَ الكدوراتِ)(٣). وقالَ الفضيلُ: ( تركُ العملِ مِنْ أجلِ الناسِ رياءٌ ، والعملُ مِنْ أجلِ الناسِ شركٌ، والإخلاصُ أنْ يعافيَكَ اللهُ تعالى منهُما) (٤). وقيلَ : ( الإخلاصُ دوامُ المراقبةِ ونسيانُ الحظوظِ كلِّها )(٥). ٠ وهذا هوَ البيانُ الكاملُ ، والأقاويلُ في هذا كثيرةٌ ، ولا فائدةَ في تكثيرٍ النقلِ بعدَ انكشافِ الحقيقةِ ، وإنَّما البيانُ الشافي بيانُ سيِّدِ الأولين والآخرينَ (١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٨٣). (٢) كذا في ((القوت)) (١٥٦/٢)، و((تهذيب الأسرار)) (ص٢٨٤)، وقد رواه ابن أبي شيبة في (( المصنف)) (٣٥٣٧٥). (٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٨٥). (٤) أورده الخركوشي في (( تهذيب الأسرار)) ( ص ٢٨٥)، ورواه القشيري في (( رسالته )) (ص٣٦٢ ) . (٥) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ٢٨٥). ٧٦ ربع المنجيات كتاب النية والإخلاص صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ إذْ سُئِلَ عنِ الإخلاصِ فقالَ: ((أنْ تقولَ: ربّيَ اللهُ، ثمَّ تستقيمُ كما أُمرتَ)» (١) أيْ: لا تعبدُ هواكَ ونفسَكَ، ولا تعبدُ إلا ربَّكَ، وتستقيمُ في عبادِهِ كما أمرتَ ، وهذهِ إشارةٌ إلى قطع كلِّ ما سوى اللهِ عنْ مجرى النظرِ ، وهوَ الإخلاصُ حقّاً . (١) كذا أورد هذا الحديث الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٨٥) والمصنف تبع له، وروى الترمذي ( ٢٤١٠)، وابن ماجه ( ٣٩٧٢) عن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله؛ حدثني بأمر أعتصم به، قال: (( قل : ربي الله، ثم استقم ... )) الحديث ، وبلفظه هنا قال الحافظ العراقي: ( لم أره بهذا اللفظ). ((إتحاف)) (١٠ / ٥٧ ) . ٧٧ کتاب النية والإخلاص ربع المنجيات بيان درجات الشوائب والآفات المكتدرة للإخلاص اعلمْ : أنَّ الآفاتِ المشوشةَ للإخلاصِ بعضُها جليٍّ ، وبعضُها خفيٌّ ، وبعضُها ضعيفٌ معَ الجلاءِ ، وبعضُها قويٌّ معَ الخفاءِ ، ولا يُفهمُ اختلافُ درجاتِها في الخفاءِ والجلاءِ إلا بمثالٍ ، وأظهرُ مشوشاتِ الإخلاصِ الرياءُ ، فلنذكرْ منهُ مثالاً فنقولُ : الشيطانُ يدخلُ الآفةَ على المصلّي مهما كانَ مخلصاً في صلاتهِ ، ثمَّ نظرَ إليهِ جماعةٌ ، أوْ دخلَ عليهِ داخلٌ ، فيقولُ لهُ : حسِّنْ صلاتَكَ حتى ينظرَ إليكَ ههذا الحاضرُ بعينِ الوقارِ والصلاحِ ، ولا يزدريَكَ ولا يغتابَكَ ، فتخشعُ جوارحُهُ ، وتسكنُ أطرافُهُ ، وتحسنُ صلاتُهُ، وهذا هوَ الرياءُ الظاهرُ ، ولا يخفى ذلكَ على المبتدئينَ مِنَ المريدينَ(١). الدرجةُ الثانية : أنْ يكونَ المريدُ قدْ فهمَ هذهِ الآفةَ وأخذَ منها حذرَهُ ، فصارَ لا يطيعُ الشيطانَ فيها ، ولا يلتفتُ إليهِ ، ويستمرُّ في صلاتِهِ كما كانَ ، فيأتيهِ في معرضِ الخيرِ ، ويقولُ : أنتَ متبوعٌ ومقتدىّ بكَ ، ومنظورٌ إليكَ، وما تفعلُهُ يُؤْثَرَ عنكَ، ويتأسَّى بِكَ غيرُكَ ، فيكونُ لكَ ثوابُ أعمالِهِمْ إنْ أحسنتَ ، وعليكَ الوزرُ إِنْ أسأتَ ، فأحسنْ عملَكَ بينَ يديهِ ، (١) وهذه هي الدرجة الأولى. ٧٨ كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات فعساهُ يقتدي بكَ في الخشوع وتحسينِ العبادةِ . وهذا أغمضُ مِنَ الأَوَّلِ ، وقَدْ ينخدعُ بهِ مَنْ لا ينخدعُ بالأوَّلِ ، وهوَ أيضاً عينُ الرياءِ ، ومبطلٌ للإخلاصِ ؛ فإنَّهُ إنْ كانَ يرى الخشوعَ وحسنَ العبادةِ خيراً لا يرضى لغيرِهِ تركَهُ .. فلِمَ لمْ يرتضٍ لنفسِهِ ذلكَ في الخلوةِ ؟ ولا يمكنُ أنْ تكونَ نفسُ غيرِهِ أعزَّ عليهِ مِنْ نفسِهِ ، فهذا محضُ التلبيسِ ، بلِ المُقتدى بهِ هوَ الذي استقامَ في نفسِهِ واستنارَ قلبُهُ ، فانتشرَ نورُهُ إلى غيرِهِ ، فيكونُ لهُ ثوابٌ عليهِ ، فأمَّا هذا .. فمحضُ النفاقِ والتلبيسٍ ، فمَنِ اقتدى بهِ .. أُثيبَ عليهِ، وأمَّا هوَ .. فيُطالبُ بتلبيسِهِ، ويُعاقبُ على إظهارِهِ مِنْ نفسِهِ ما ليسَ متصفاً بهِ . الدرجةُ الثالثةُ - وهيَ أدقُّ ممَّا قبلَها - : أنْ يجرِّبَ العبدُ نفسَهُ في ذلكَ ، ويتنبََّ لكيدِ الشيطانِ ، ويعلمَ أنَّ مخالفتَهُ بينَ الخلوةِ والمشاهدةِ للغيرِ محضُ الرياءِ، ويعلمَ أنَّ الإخلاصَ في أنْ تكونَ صلاتُهُ في الخلوةِ مثلَ صلاتِهِ في الملأِ ، ويستحييَ مِنْ نفسِهِ ومِنْ ربِّهِ أنْ يتخشَّعَ لمشاهدةِ خلقِهِ تخشُّعاً زائداً على عادتِهِ ، فيقبلُ على نفسِهِ في الخلوةِ ، ويحسِّنُ صلاتَهُ على الوجهِ الذي يرتضيهِ في الملأِ، ويصلي في الملأِ أيضاً كذلكَ ، فهذا أيضاً مِنَ الرياءِ الغامضِ؛ لأنَّهُ حسَّنَ صلاتَهُ في الخلوةِ لتحسُنَ في الملأِ ، فلا يكونُ قدْ فرَّقَ بينَهُما ، فالتفاتُهُ في الخلوةِ والملأِ إلى الخلقِ ، بلِ الإخلاصُ أنْ تكونَ ٧٩ كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات مشاهدةُ البهائمِ لصلاتِهِ ومشاهدةُ الخلْقِ على وتيرةٍ واحدةٍ ، فكأنَّ نفسَ هذا ليسَتْ تسمحُ بإساءةِ الصلاةِ بينَ أظهرِ الناسِ ، ثُمَّ يستحي مِنْ نفسِهِ أنْ يكونَ في صورةِ المرائينَ ، ويظنُّ أنَّ ذلكَ يزولُ بأنْ تستويَ صلاتُهُ في الخلاءِ والملأِ، وهيهاتَ! بلْ زوالُ ذلكَ بألا يلتفتَ إلى الخلقِ كما لا يلتفتُ إلى الجماداتِ في الخلاءِ والملأِ جميعاً ، وهذا منْ شخصٍ مشغولِ الهمِّ بالخلقِ في الملأِ والخلاءِ جميعاً ، وهذا مِنَ المكايدِ الخفيَّةِ للشيطانِ . الدرجةُ الرابعةُ - وهيَ أدقُّ وأخفى - : أنْ ينظرَ إليهِ الناسُ وهوَ في صلاتِهِ ، فيعجزَ الشيطانُ عنْ أنْ يقولَ لهُ: اخشعْ لأجلِهِمْ؛ فإنَّهُ قدْ عرفَ أنَّهُ تفطَّنَ لذلكَ، فيقولُ لهُ الشيطانُ: تفكّرْ في عظمةِ اللهِ وجلالِهِ ، ومَنْ أنتَ واقفٌ بينَ يديهِ ، واستحي مِنْ أنْ ينظرَ اللهُ إلى قلبكَ وهوَ غافلٌ عنهُ ، فيحضرُ بذلكَ قلبَهُ، وتخشعُ جوارحُهُ، ويظُّ أنَّ ذلكَ عينُ الإخلاصِ ، وهوَ عينُ المكرِ والخداع ، فإنَّ خشوعَهُ لوْ كانَ لنظرِهِ إلى جلالِهِ .. لكانَتْ هذهِ الخطرةُ تلازمُهُ في الخلوةِ ، ولكانَ لا يختصُّ حضورها بحالةِ حضورِ غيرِهِ . وعلامةُ الأمنِ مِنْ هذهِ الآفةِ : أنْ يكونَ هذا الخاطرُ ممَّا يألفُهُ في الخلوةِ كما يألفُهُ في الملأِ ، ولا يكونَ حضورُ الغيرِ هوَ السببَ في حضورِ الخاطرِ ؛ كما لا يكونُ حضورُ بهيمةٍ سبباً ، فما دامَ يفرِّقُ في أحوالِهِ بينَ مشاهدةِ إنسانٍ ومشاهدةِ بهيمةٍ .. فهوَ بعدُ خارجٌ عنْ صفوِ الإخلاصِ ، مدنسُ الباطنِ بالشركِ الخفيِّ مِنَ الرياءِ ، وهذا الشركُ أخفى في قلبِ ابنِ ٨٠