النص المفهرس
صفحات 41-60
ربع المنجيات كتاب النية والإخلاص وأمَّا النياتُ الحسنةُ .. فأنْ ينويَ بهِ اتباعَ سنَّةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يومَ الجمعةِ ، وأن ينويَ بذلكَ أيضاً تعظيمَ المسجدِ ، واحترامَ بيتِ اللهِ تعالى ، فلا يرى أنْ يدخلَهُ زائرُ اللهِ إلا طيِّبَ الرائحةِ ، وأنْ يقصدَ بهِ ترويحَ جيرانِهِ ليستريحوا في المسجدِ عندَ مجاورتِهِ بروائحِهِ ، وأنْ يقصدَ بهِ دفعَ الروائحِ الكريهةِ عنْ نفسِهِ التي تؤدّي إلى إيذاءِ مخالطيهِ ، وأنْ يقصدَ حسمَ بابِ الغيبةِ عنِ المغتابينَ إذا اغتابوهُ بالروائح الكريهةِ فيعصونَ اللهَ بسببهِ ، فمَنْ تعرَّضَ للغيبةِ وهوَ قادرٌ على الاحترازِ منها .. فهوَ شريكٌ في تلكَ المعصيةِ ، كما قيلَ(١) : [من البسيط] إِذا تَرَخَّلْتَ عَنْ قَوْمٍ وَقَدْ قَدَرُوا أَلَّ تُفَارِقَهُمْ فَأَلَّاحِلُونَ هُمُ وقالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَلَا تَسُبُواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ الَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًّا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، أشارَ بهِ إلى أنَّ التسبُّبَ إلى الشرِّ شرٍ، وأنْ يقصدَ بهِ معالجةً دماغِهِ لتزيدَ بهِ فطنتُهُ وذكاؤُهُ ، ويسهلَ عليهِ درْكُ مهمَّاتِ دينِهِ بالفكرِ ، فقدْ قالَ الشافعيُّ رحمَهُ اللهُ: ( مَنْ طابَ ريحُهُ .. زادَ عقلُهُ)(٢). فهذا وأمثالُهُ مِنَ النياتِ لا يعجزُ الفقيهُ عنها إذا كانَتْ تجارةُ الآخرةِ وطلبُ الخيرِ غالباً على قلبِهِ ، وإذا لمْ يغلبْ على قلبِهِ إلا نعيمُ الدنيا .. لمْ (١) البيت للمتنبي في ((ديوانه بشرح العكبري)) (٣٧٢/٣). (٢) أورده ابن الجوزي في ((صفة الصفوة)) (١٥٢/٢/١)، ورواه أبو نعيم في (( الحلية)) (١٨٤/٥) عن محكول . ٤١ کتاب النية والإخلاص ربع المنجيات تحضرْهُ هذهِ النياتُ ، وإِنْ ذُكرَتْ لهُ .. لمْ ينبعثْ لها قلبُهُ ، فلا يكونُ معه منها إلا حديثُ النفسِ ، وليسَ ذلكَ مِنَ النيةِ في شيءٍ . والمباحاتُ كثيرةٌ ، ولا يمكنُ إحصاءُ النَّاتِ فيها ، فقسْ بهذا الواحدِ ما عداهُ، ولهذا قالَ بعضُ العارفينَ مِنَ السلفِ : ( إنِّي لأستحبُّ أنْ يكونَ لي في كلِّ شيءٍ نيةٌ ، حتَّى في أكلي وشربي ونومي ودخولي إلى الخلاءِ)(١). CG وكلُّ ذلكَ ممَّا يمكنُ أنْ يُقصدَ بهِ وجهُ اللهِ تعالى ؛ لأنَّ كلَّ ما هوَ سببٌ لبقاءِ البدنِ ، وفراغ القلبِ مِنْ مهمَّاتِ البدنِ .. فهوَ معينٌ على الدينِ ، فمَنْ قصدُهُ مِنَ الأكلِ التقوِّي على العبادةِ ، ومِنَ الوقاع تحصينُ دينِهِ وتطييبُ قلبٍ أهلِهِ ، والتوصلُ بهِ إلى ولدٍ صالحِ يعبدُ اللهَ تعالى بعدَهُ ، فتكثرُ بهِ أمَّهُ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. كانَ مطيعاً بأكلِهِ ونكاحِهِ ، وأغلبُ حظوظِ النفسِ الأكلُ والوقاعُ ، وقصدُ الخيرِ بهِما غيرُ ممتنعِ لمَنْ غلبَ على قلبِهِ همُّ الآخرةِ . ولذلكَ ينبغي أنْ يحسِّنَ نيتَهُ مهما ضاعَ لهُ مالٌ ويقولَ : هوَ في سبيلِ اللهِ، وإذا بلغَهُ اغتيابُ غيرِهِ لهُ .. فليطيِّبْ قلبَهُ بأنَّهُ سيحملُ سيئاتِهِ وستُقلُ إلى ديوانِهِ حسناتُهُ ، وليَنْوِ ذلكَ بسكوتِهِ عنِ الجوابِ ، ففي الخبرِ : ((إِنَّ العبدَ ليُحاسبُ، فتبطلُ أعمالُهُ لدخولِ الآفةِ فيها حتى يستوجبَ النارَ ، (١) كذا في ((القوت)) (١٥٤/٢) عن بعض العلماء ، ورواه بنحوه عن زبيد بن الحارث البيهقيُّ في ((الشعب)) (٦٤٨٩). ٤٢ ربع المنجيات کتاب النية والإخلاص ثُمَّ يُنشرُ لهُ مِنَ الأعمالِ الصالحةِ ما يستوجبُ بهِ الجنةَ ، فيتعجّبُ ويقولُ : ياربِّ ؛ هذهِ أعمالٌ ما عملتُها قطُّ ! فيُقالُ : هيَ أعمالُ الذينَ اغتابوكَ وآذَوكَ وظلموكَ))(١) . وفي الخبرِ : (( إنَّ العبدَ ليوافي القيامةَ بحسناتٍ أمثالِ الجبالِ ، لَوْ خلصَتْ لهُ .. لدخلَ الجنةَ، ويأتي وقدْ ظلمَ هذا ، وشتمَ هذا ، وضربَ هذا، فيُقتصُّ لهذا مِنْ حسناتِهِ ، ولهذا مِنْ حسناتِهِ ، حتى لا يبقى لهُ حسنةٌ، فتقولُ الملائكةُ : قدْ فنيَتْ حسناتُهُ وبقيَ طالبونَ؟ فيقولُ اللهُ تعالى: ألقوا عليهِ مِنْ سيئاتِهِمْ، ثم صُكُّوا لهُ صكّاً إلى النارِ))(٢) . وبالجملةِ : فإِيَّاكَ ثمَّ إِيَّاكَ أنْ تستحقرَ شيئاً مِنْ حركاتِكَ ، فلا تحترزَ مِنْ غرورِها وشرورِها ، فلا تجدَ لها جواباً يومَ السؤالِ والحساب ، فإنَّ اللهَ تعالى مطّلعٌ عليكَ وشهيدٌ ، وما يلفظُ مِنْ قولٍ إلا لديهِ رقيبٌ عتيدٌ . وقدْ قالَ بعضُ السلفِ : كتبتُ كتاباً ، وأردتُ أنْ أترِّبَهُ مِنْ منزلٍ جاري ، فتحرَّجتُ، ثمَّ قلتُ : ترابٌ وما ترابٌ؟! فأتربتُهُ، فهتفَ بي هاتفٌ : سيعلمُ مَنِ استخفَّ بترابٍ ما يلقى غداً مِنْ سوءِ الحسابِ (٣). (١) كذا في ((القوت)) (١٥٢/٢)، ورواه بنحوه الخرائطي في (( مساوىء الأخلاق)) (١٩٩)، وهو عند الديلمي في (( مسند الفردوس)» (٧٤٤) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه . (٢) كذا في ((القوت)) (١٥٣/٢) وروى أبو نعيم في «الحلية)) (١٧٨/١) نحوه . (٣) كذا في ((القوت)) (١٦٣/٢)، ورواه أبو نعيم في «الحلية)) (٢٢٧/١٠). ٤٣ كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات وصلَّى رجلٌ معَ الثوريِّ، فرآهُ مقلوبَ الثوبِ، فعرَّفَهُ(١)، فمدَّ يدَهُ ليصلحَهُ ، ثمَّ قبضَها فلمْ يسوِّهِ ، فسألَّهُ عنْ ذلكَ ، فقالَ : إنِّي لبستُهُ للهِ تعالى، ولا أريدُ أنْ أسوِّيَهُ لغيرِ اللهِ(٢). وقدْ قالَ الحسنُ : إنَّ الرجلَ ليتعلَّقُ بالرجلِ يومَ القيامةِ فيقولُ بيني وبينَكَ اللهُ، فيقولُ : واللهِ ؛ ما أعرفُكَ! فيقولُ : بلى، أنتَ أخذتَ تبنةً مِنْ حائطي ، وأخذتَ خيطاً مِنْ ثوبي(٣). فهذا وأمثالُهُ مِنَ الأخبارِ قطعَ قلوبَ الخائفينَ ، فإنْ كنتَ مِنْ أولي الحزمِ والُّهى، ولمْ تكنْ مِنَ المغترِّينَ .. فانظرْ لنفسِكَ الآنَ، ودقّقٍ الحسابَ على نفسِكَ قبلَ أنْ يُدفَّقَ عليكَ، وراقبْ أحوالَكَ ، ولا تسكنْ ولا تتحرّكْ ما لمْ تتأمَّلْ أَوَّلاً أَنَّكَ لِمَ تتحرَّكُ ؟ وماذا تقصدُ ؟ وما الذي تنالُ بهِ مِنَ الدنيا؟ وما الذي يفوتُكَ بهِ مِنَ الآخرةِ ؟ وبماذا ترجِّحُ الدنيا على الآخرةِ ؟ فإذا علمتَ أنَّهُ لا باعثَ إلا الدينُ .. فأمضٍ عزمَكَ وما خطرَ ببالِكَ، وإلا .. فأمسكْ، ثمّ راقبْ أيضاً قلبَكَ في إمساكِكَ وامتناعِكَ، فإنَّ تركَ الفعلِ فعلٌ ، ولا بدَّ لهُ مِنْ نيةٍ صحيحةٍ ، فلا ينبغي أنْ يكونَ لداعي هوى خفيٍّ لا يُطلعُ عليهِ . (١) أي : عرَّف الرجلُ سفيان أن ثوبه مقلوب. (٢) قوت القلوب (٢/ ١٦٣). (٣) قوت القلوب (١٥٢/٢). ٤٤ ربع المنجيات كتاب النية والإخلاص ولا يغرَّنَّكَ ظواهرُ الأمورِ ، ومشهوراتُ الخيراتِ ، وافطنْ للأغوارِ والأسرارِ .. تخرجْ مِنْ حيِّزِ أهلِ الاغترارِ ، فقدْ رُوِيَ عنْ زكريا عليهِ السلامُ أَنَّهُ كانَ يعملُ في حائطٍ بالطينِ ، وكانَ أجيراً لقومٍ ، فقدَّموا لهُ رغيفينِ ؛ إذْ كانَ لا يأكلُ إلا مِنْ كسبِ يدِهِ ، فدخلَ عليهِ قومٌ ، فلمْ يدعُهُمْ إلى الطعام حتَّى فرِغَ ، فتعجَّبوا منهُ لما علموا مِنْ سخائِهِ وزهدِهِ ، وظنُّوا أنَّ الخيرَ في طلبِ المساعدةِ في الطعامِ ، فقالَ : إنِّي أعملُ لقومٍ بالأجرةِ ، وقدَّموا إليَّ الرغيفينِ لأتقوَّىُ بهِما على عملِهِمْ، فلوْ أكلتُمْ معي .. لمْ يكفكُمْ ولمْ يكفني ، وضعفتُ عنْ عملِهِمْ(١). فالبصيرُ هكذا ينظرُ إلى البواطنِ بنورِ اللهِ ، فإنَّ ضعفَهُ عنِ العملِ نقصٌ في فرضٍ ، وتركَ الدعوةِ إلى الطعامِ نقصٌ في فضلٍ ، ولا حكمَ للفضائلِ معَ الفرائض . وقالَ بعضُهُمْ: دخلتُ على سفيانَ وهوَ يأكلُ، فما كلَّمني حتَّى لعقَ أصابعَهُ ، ثمَّ قالَ: لولا أنِّي أخذتُهُ بدينٍ .. لأحببتُ أنْ تأكلَ منهُ(٢). وقال سفيانُ : ( مَنْ دعا رجلاً إلى طعامِهِ وليسَ لهُ رغبةٌ في أنْ يأكلَ ؛ فإِنْ أجابَهُ فأكلَ .. فعليهِ وزرانِ، وإنْ لمْ يأكلْ .. فعليهِ وزرٌ واحدٌ)(٣)، (١) كذا في ((القوت)) (١٥٦/٢)، وهو عند الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) (ص ١٣٠ ). (٢) قوت القلوب (١٥٦/٢)، وسفيان هنا هو ابن عبد الرحمن بن عاصم الثقفي. (٣) قوت القلوب (١٥٢/٢). ٤٥ كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات وأرادَ بأحدِ الوزرينِ النفاقَ ، وبالثاني تعريضَهُ أخاهُ لما يكرهُ لوْ علمَهُ . فهكذا ينبغي أنْ يتفقَّدَ العبدُ نيتَهُ في سائرِ الأعمالِ ، فلا يقدمُ ولا یحجمُ إلا بنيةٍ ، فإنْ لمْ تحضرْهُ النيةُ .. توقَّفَ، فإنَّ النيةَ لا تدخلُ تحتَ الاختیارِ . ٤٦ كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات بيان أن التّة غير داخلٍ تحت الاختيار اعلمْ : أنَّ الجاهلَ يسمعُ ما ذكرناهُ مِنَ الوصيةِ بتحسينِ النيةِ وتكثيرِها معَ قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّما الأعمالُ بالنياتِ))، فيقولُ في نفسِهِ عندَ تدريسِهِ أوْ تجارتِهِ أوْ أكلِهِ : نويتُ أنْ أدرِّسَ اللهِ ، أوْ أتجرَ للهِ ، أوْ آكلَ للهِ ، ويظنُّ أنَّ ذلكَ نيةٌ ، وهيهاتَ ! فذلكَ حديثُ نفسٍ ، أَوْ حديثُ لسانٍ أوْ فكرٍ ، أوِ انتقالٌ مِنْ خاطرٍ إلى خاطرٍ ، والنيةُ بمعزلٍ عنْ جميع ذلكَ ، وإنَّما النيةُ انبعاثُ النفسِ وتوجُّهُها وميلُها إلى ما ظهرَ لها أنَّ فيهِ غرضَها ؛ إمَّا عاجلاً أوْ آجلاً، والميلُ إذا لمْ يكنْ .. لا يمكنُ اختراعُهُ واكتسابُهُ بمجرَّدِ الإرادةِ ، بلْ ذلكَ كقولِ الشبعانِ : نويتُ أنْ أشتهيَ الطعامَ وأميلَ إليهِ ، أوْ قولِ الفارغ : نويتُ أنْ أعشقَ فلاناً وأحتَّهُ وأعظُّمَهُ بقلبي، فذلكَ محالٌ ، بلْ لا طريقَ إلى اكتسابِ صرفِ القلبِ إلى الشيءِ ، وميلِهِ إليهِ وتوجهِهِ نحوَهُ إلا باكتسابِ أسبابِهِ ، وذلكَ ممَّا قدْ يقدرُ عليهِ وقدْ لا يقدرُ عليهِ ، وإنَّما تنبعثُ النفسُ إلى الفعلِ إجابةً للغرضِ الباعثِ الموافقِ للنفسِ الملائمِ لها ، وما لمْ يعتقدِ الإنسانُ أنَّ غرضَهُ منوطٌ بفعلٍ مِنَ الأفعالِ .. فلا يتوجَّهُ نحوَهُ قصدُهُ ، وذلكَ ممَّا لا يُقدرُ على اعتقادِهِ في كلِّ حينٍ وإذا اعتُقَدَ فإنَّما يتوجَّهُ القلبُ إذا كانَ فارغاً غيرَ مصروفٍ عنهُ بغرضٍ شاغلٍ أقوى منهُ ، وذلكَ لا يمكنُ في كلِّ وقتٍ ، والدواعي والصوارفُ لها أسبابٌ كثيرةٌ بها تجتمعُ ، ويختلفُ ذلكَ بالأشخاصِ وبالأحوالِ وبالأعمالِ . ٤٧ کتاب النية والإخلاص ربع المنجيات فإِذا غلبَتْ شهوةُ النكاح مثلاً ولمْ يعتقدْ غرضاً صحيحاً في الولدِ ديناً ولا دنيا .. لا يمكنُهُ أنْ يواقعَ على نيةِ الولدِ ، بلْ لا يمكنُ إلا على نيةِ قضاءٍ الشهوةِ ؛ إذِ النيةُ هيَ إجابةُ الباعثِ ، ولا باعثَ إلا الشهوةُ ، فكيفَ ينوي الولدَ ؟! وإذا لمْ يغلب على قلبهِ أنَّ إقامةَ سنةِ النكاح اتباعاً لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يعظمُ فضلُها .. لا يمكنُ أنْ ينويَ بالنكاح اتباعَ السنةِ إلا أنْ يقولَ ذلكَ بلسانِهِ وقلبهِ وهوَ حديثٌ محضٌ وليسَ بنيةٍ . نعمْ ، طريقُ اكتسابِ هذهِ النيةِ مثلاً أنْ يقوِّيَ أوَّلاً إيمانَهُ بالشرع ، ويقوِّيَ إيمانَهُ بعظمٍ ثوابِ مَنْ يسعى في تكثيرِ أمَّةِ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ويدفعَ عنْ نفسِهِ جميعَ المنفِّراتِ عنِ الولدِ ؛ مِنْ ثقلِ المؤنةِ وطولٍ التعب وغيرِهِ ، فإذا فعلَ ذلكَ .. ربما انبعثَتْ مِنْ قلبهِ رغبةٌ إلى تحصيلِ الولدِ للثواب ، فتحرِّكُهُ تلكَ الرغبةُ، وتتحرَّكُ أعضاؤُهُ لمباشرةِ العقدِ ، فإذا انتهضَتِ القدرةُ المحرِّكةُ للسانِ بقبولِ العقدِ طاعةً لهذا الباعثِ الغالبِ على القلبِ .. كانَ ناوياً ، فإنْ لمْ يكنْ كذلكَ .. فما يقدِّرُهُ في نفسِهِ ويردِّدُهُ في قلبهِ مِنْ قصدِ الولدِ وسواسٌ وهذيانٌ(١) . (١) وكذا كل غرض شرعي ورد الشرع بفضله وله صوارف من جهة النفس والهوى ، كمن دخل في صوم نفل ثم أمره أبواه أو أحد إخوانه بالإفطار ، فأراد أن يفطر لإدخال السرور على قلب الوالدين ، فما دامت شهوة الطعام تزاحمه .. لا تصح نيته ، فإن أفطر لاعتقاده أنه عامل لله .. فعلامة صحتها : تصغير اللقمة، وقصر اليد، وعدم الشره في =. ٤٨ ربع المنجيات كتاب النية والإخلاص ولهذا امتنعَ جماعةٌ مِنَ السلفِ مِنْ جملةٍ مِنَ الطاعاتِ ؛ إذْ لمْ تحضرْهُمُ النيةُ، فكانوا يقولونَ: ليسَ تحضرُنا فيهِ نيةٌ، حتى إنَّ ابنَ سيرينَ لمْ يصلِّ على جنازةِ الحسنِ البصريِّ، وقالَ: ليسَ تحضرُني نيةٌ (١). ونادى بعضُهُمُ امرأتَهُ - وكانَ يسرِّحُ شعرَهُ - أنْ هاتِ المِذْرَى(٢)، فقالَتْ : أجيءُ بالمرآةٍ ؟ فسكتَ ساعةً ثمَّ قالَ: نعمْ، فقيلَ لهُ في ذلكَ ، فقالَ : كانَ لي في المِدْرى نيةٌ ، ولم تحضرْني في المرآةِ نيةٌ ، فتوقفتُ حتى هيَّأَهَا اللهُ تعالى (٣). وماتَ حمادُ بنُ أبي سليمانَ ، وكانَ أحدَ علماءِ أهلِ الكوفةِ ، فقيلَ للثوريِّ : ألا تشهدُ جنازتهُ ؟ فقالَ : لَوْ كانَ لي نيةٌ .. لفعلتُ(٤). وكانوا إذا سئلوا عملاً مِنْ أعمالِ البرِّ .. قالوا: إنَّ رزقَنَا اللهُ تعالى نيةٌ .. فعلنا (٥) . الباطن ، والقيام قبل الشبع ، وما من حالة من الحالات إلا ويتقدمها أسباب يكتسب = بها ، وتتأخر عنها علامات يعرف بها صحتها ، فليطلب علم كل حال من موضعه . ((إتحاف)) (٣٠/١٠). (١) كذا في ((القوت)) (١٥٢/٢)، وبنحوه رواه أحمد في ((العلل)) (٢٧٤٨). (٢) المدرى: قرن على هيئة المُشْط يُسرَّح به الشعر. (٣) قوت القلوب (٢/ ١٦٣). (٤) قوت القلوب (١٥٢/٢). (٥) قوت القلوب (١٥٢/٢) . ٤٩ كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات وكانَ طاووسٌ لا يحدِّثُ إلا بنيةٍ ، وكانَ يُسألُ أنْ يحدِّثَ فلا يحدِّثُ ، ولا يُسألُ فيبتدىءُ فقيلَ لهُ في ذلكَ ، قالَ : أفتحبونَ أنْ أحدِّثَ بغيرِ نيةٍ ؟ إذا حضرَتْني نيةٌ .. فعلتُ(١) . G: وحُكِيَ أنَّ داوودَ بنَ المحبَّرِ لمَّا صنَّفَ كتابَ ((العقل)) .. جاءَهُ أحمدُ ابنُ حنبلٍ ، فطلبَهُ منهُ ، فنظرَ فيهِ أحمدُ صفْحاً(٢) ، فردَّهُ ، فقالَ : ما لكَ ؟ قالَ: فيهِ أسانيدُ ضعافٌ، فقالَ لهُ داوودُ: أنا لمْ أخرِّجْهُ على الأسانيدِ فأنظرَ فيهِ بعينِ الخُبْرِ (٣) ، إنَّما نظرتُ فيهِ بعينِ العملِ فانتفعتُ ، قالَ أحمدُ : فردُهُ عليَّ حتى أنظرَ فيهِ بالعينِ التي نظرتَ، فأخذَهُ ومكثَ عندَهُ طويلاً ، ثمّ قالَ : جزاكَ اللهُ خيراً، فقدِ انتفعتُ بهِ(٤). وقيلَ لطاووسِ : ادعُ لنا، فقالَ : حتى أجدَ لهُ نيةً(٥). وقالَ بعضُهُمْ : ( أنا في طلبٍ نيةٍ لعيادةِ رجلٍ منذُ شهرٍ ، فما صحَتْ لي و بعدُ ) . (١) رواه الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) (ص٥٨٤). (٢) قلّب أوراقه ونظر فيها دون تأمُّل . (٣) أي : مختبراً له . (٤) قوت القلوب (١٥٢/٢)، وداوود مع اتفاق أهل صنعة الحديث على تركه لم يكن مطعون الديانة، ونقل الحافظ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (١/ ٥٧٠) عن ابن معين قوله : ( ليس بكذاب ، وقد كتبت عن أبيه المحبَّر ، وكان داوود ثقة ، ولكنه جفا الحديث ، وكان يتنشَّك ) . (٥) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) ( ٥٩). ٥٠ ربع المنجيات كتاب النية والإخلاص وقالَ عيسى بنُ كثيرٍ : مشيتُ معَ ميمونِ بنِ مهرانَ ، فلمّا انتهى إلى بابِ دارِهِ .. انصرفتُ، فقالَ لهُ ابنُهُ: ألا تعرضُ عليهِ العشاءَ ؟ قالَ: لِيسَ مِنْ نيتي(١) . وهذا لأنَّ النيةَ تتبعُ النظرَ ، فإذا تغيَّرَ النظرُ .. تغيَّرَتِ النيّةُ، وكانوا لا يرونَ أنْ يعملوا عملاً إلا بنيةٍ ؛ لعلمِهِمْ بأنَّ النيةَ روحُ الأعمالِ، وأنَّ العملَ بغيرِ نيةٍ صادقةٍ رياءٌ وتكلُّفِّ ، وهوَ سببُ مقتٍ لا سببُ قربٍ ، وعلموا أنَّ النيةَ ليسَتْ هيَ قولَ القائلِ بلسانِهِ : نويتُ ، بلْ هوَ انبعاثُ القلبِ يجري مجرى الفتوحِ مِنَ اللهِ تعالى ، فقدْ تتيسَّرُ في بعضِ الأوقاتِ ، وقدْ تتعذَّرُ في بعضِها . نعمْ ، مَنْ كانَ الغالبُ على قلبِهِ أمرَ الدينِ .. تيسَّرَ عليهِ في أكثرِ الأحوالِ إحضارُ النيةِ للخيراتِ ، فإنَّ قلبَهُ مائلٌ بالجملةِ إلى أصلِ الخيرِ ، فينبعثُ إلى التفاصيلِ غالباً ، ومَنْ مالَ قلبُهُ إلى الدنيا وغلبَتْ عليهِ .. لمْ يتيسَّرْ لهُ ذلكَ ، بلْ لا يتيسَّرُ لهُ في الفرائضِ إلا بجهدٍ جهيدٍ ، وغايتُهُ أنْ يتذكَّرَ النارَ ويحذِّرَ نفسَهُ عقابَها ، أوْ نعيمَ الجنَّةِ ويرغُّبَ نفسَهُ فيها ، فربما تنبعثُ لهُ داعيةٌ ضعيفةٌ ، فيكونُ ثوابُهُ بقدْرِ رغبتِهِ ونیتِهِ . وأمَّا الطاعةُ على نيةِ إجلالِ اللهِ تعالى لاستحقاقِهِ الطاعةَ والعبوديةَ .. فلا (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٥٠٨). ٥ كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات تتيسَّرُ للراغبِ في الدنيا ، وهذهِ أعزُّ النياتِ وأعلاها ، ويعزُّ على بسيطِ الأرضِ مَنْ يفهمُها فضلاً عمَّنْ يتعاطاها . ونيَّاتُ الناسِ في الطاعاتِ أقسامٌ؛ إذْ منهُمْ مَنْ يكونُ عملُهُ إجابةٌ لباعثٍ الخوفِ ، فإنَّهُ يتقي النارَ ، ومنهُمْ مَنْ يعملُ إجابةٌ لباعثِ الرجاءِ ، وهوَ الرغبةُ في الجنةِ ، وهذا وإنْ كانَ نازلاً بالإضافةِ إلى قصدٍ طاعةِ اللهِ وتعظيمِهِ لذاتِهِ ولجلالِهِ لا لأمرٍ سواهُ .. فهوَ مِنْ جملةِ النياتِ الصحيحةِ؛ لأنَّهُ ميلٌ إلى الموعودِ في الآخرةِ وإنْ كانَ مِنْ جنسِ المألوفاتِ في الدنيا ، وأغلبُ البواعثِ باعثُ الفرجِ والبطنِ ، وموضعُ قضاءٍ وطرِهِما الجنةُ ، فالعاملُ لأجلِ الجنةِ عاملٌ لبطنِهِ وفرجِهِ ؛ كالأجيرِ السوءِ ، ودرجتُهُ درجةُ البُلْهِ ، وإنَّهُ لينالُها بعملِهِ؛ إذْ أكثرُ أهلِ الجنةِ البُلْهُ . وأمَّا عبادةُ ذوي الألبابِ .. فلا تجاوزُ ذكرَ اللهِ تعالى والفكرَ فيهِ ؛ حبّاً لجمالِهِ وجلالِهِ ، وسائرُ الأعمالِ تكونُ مؤكداتٍ وروادفَ ، وهؤلاءِ أرفعُ درجةٌ مِنَ الالتفاتِ إلى المنكوحِ والمطعومِ في الجنةِ ؛ فإنَّهُمْ لمْ يقصدُوها ، بلْ هُمُ الذينَ يدعونَ رَّهُمْ بالغداةِ والعشيِّ يريدونَ وجهَهُ فقطْ ، وثوابُ الناسِ بقدْرِ نياتِهِمْ ، فلا جرمَ يتَنعَّمونَ بالنظرِ إلى وجهِهِ الكريمِ ، ويسخرونَ ممَّنْ يلتفتُ إلى وجوهِ الحورِ العينِ كما يسخرُ المتنعِّمُ بالنظرِ إلى الحورِ العينِ ممَّنْ يتنعَّمُ بالنظرِ إلى وجهِ الصورِ المصنوعةِ مِنَ الطينِ ، بلْ أشدُّ ، فإنَّ التفاوتَ بينَ جمالِ حضرةِ الربوبيَّةِ وجمالِ الحورِ العينِ أشدُ وأعظمُ كثيراً مِنَ التفاوتِ بينَ جمالِ الحورِ العينِ والصورِ المصنوعةِ مِنَ الطينِ ، بلِ استعظامُ النفوسِ ٥٢ ربع المنجيات كتاب النية والإخلاص البهيميةِ الشهوانيةِ لقضاءِ الوطرِ ومخالطةِ الحسانِ وإعراضُها عنْ جمالٍ وجهِ اللهِ الكريمِ يضاهي استعظامَ الخنفساءِ لصاحبتِها وإلفَها لها وإعراضَها عنِ النظرِ إلى جمالِ وجوهِ النساءِ ، فعمى أكثرِ القلوبِ عنْ إبصارِ جمالِ اللهِ وجلالِهِ يضاهي عمى الخنفساءِ عنْ إدراكِ جمالِ النساءِ ؛ فإنَّها لا تشعرُ بهِ أصلاً ، ولا تلتفتُ إليهِ ، ولَوْ كانَ لها عقلٌ وذُكرْنَ لها .. لاستخفَّتْ عقلَ مَنْ يلتفتُ إليهِنَّ، ولا يزالونَ مختلفينَ ، كلٌّ حزبٍ بما لديهِمْ فرحونَ ، ولذلكَ خلقَهُمْ . حُكِيَ أَنَّ أحمدَ بنَ خضرويهِ رأى ربَّهُ تعالى في المنام ، فقالَ لهُ : كلُّ الناسِ يطلبونَ مِنِّي الجنةَ إلا أبا يزيدَ، فإنَّهُ يطلبُني(١). ورأى أبو يزيدَ ربَّهُ في المنام ، فقالَ : يا ربِّ؛ كيفَ الطريقُ إليكَ ؟ فقالَ : اتركْ نفسَكَ وتعالَ إليَّ(١). ورُبِيَ الشبليُّ بعدَ موتِهِ في المنام، فقيلَ لهُ : ما فعلَ اللهُ بكَ ؟ فقالَ : لِمْ يطالبْني على الدعاوى بالبرهانِ إلا على قولٍ واحدٍ ، قلتُ يوماً : أيُّ خسارةٍ أعظمُ مِنْ خسرانِ الجنةِ ؟ فقالَ : أَيُّ خسارةٍ أعظمُ مِنْ خسرانِ لقائي؟! (٢) . والغرضُ أنَّ هذهِ النّيَّاتِ متفاوتةٌ بتفاوتِ الدرجاتِ ، ومَنْ غلبَ على قلبهِ واحدةٌ منها .. ربما لا يتيسَّرُ لهُ العدولُ إلى غيرِها . (١) أورده القشيري في ((رسالته)) (ص٦٠٨). (٢) أورده القشيري في ((رسالته)) (ص ٦١٠). ٥٣ كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات ومعرفةُ هذهِ الحقائقِ تورثُ أعمالاً وأفعالاً يستنكرُها الظاهريونَ مِنَ الفقهاءِ، فإنَّا نقولُ: مَنْ حضرَتْ لهُ نيةٌ في مباحٍ ، ولمْ تحضر في فضيلةٍ .. فالمباحُ أولى، وانتقلَتِ الفضيلةُ إليهِ (١)، وصارَتِ الفضيلةُ في حقِّهِ نقيصةً ؛ لأنَّ الأعمال بالنياتِ ، وذلكَ مثلُ العفوِ ، فإنَّهُ أفضلُ مِنَ الانتصارِ في الظلمٍ ، وربما تحضرُهُ نيةٌ في الانتصارِ دونَ العفوِ ، فيكونُ ذلكَ أفضلَ . ومثلُ أنْ يكونَ لهُ نيةٌ في الأكلِ والشربِ والنومِ ليريحَ نفسَهُ ويتقوَّى على العبادةِ في المستقبلِ ، وليسَ تنبعثُ نيتُهُ في الحالِ للصومِ والصلاةِ ، فالأكلُ والنومُ هوَ الأفضلُ لهُ ، بلْ لوْ ملَّ العبادةَ لمواظبتِهِ عليها ، وسكنَ نشاطُهُ ، وضعفَتْ رغبتُهُ، وعلمَ أنَّهُ لوْ ترقَّهَ ساعةً بلهوٍ وحديثٍ عادَ نشاطُهُ .. فاللهوُ والحديثُ أفضلُ لهُ مِنَ الصلاةِ ، قالَ أبو الدرداءِ : ( إنِّي لأستجمُّ نفسي بشيءٍ من اللهوِ ، فيكونُ ذلكَ عوناً لي على الحقِّ )(٢). وقالَ عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: (رؤِّحوا القلوبَ، فإنَّها إذا أُكرهَتْ .. عميَتْ)(٣). وهذهِ دقائقُ لا يدركُها إلا سماسرةُ العلماءِ ، دونَ الحشويةِ منهُمْ ، بلِ (١) أي: انتقل المعنى فصار المباح هو الفضيلة. ((إتحاف)) (٣٣/١٠). (٢) أورده ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٥٠١/٤٦)، والسياق عند صاحب ((القوت)) (١٥٣/٢ ) . (٣) رواه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٧١٩)، والخطيب في (( الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» ( ١٨٣/٢) بنحوه . ٥٤ ربع المنجيات كتاب النية والإخلاص الحاذقُ بالطبِّ قدْ يعالجُ المحرورَ باللحمِ معَ حرارتِهِ ، ويستبعدُهُ القاصرُ في الطبِّ، وإنَّما يبتغي بهِ أنْ يعيدَ أوَّلاً قوَّتَهُ ليحتملَ المعالجةَ بالضدِّ ، والحاذقُ في لعبِ الشطرنج مثلاً قدْ ينزلُ عنِ الرُّخِّ والفرسِ مجاناً ليتوصَّلَ بذلكَ إلى الغلبةِ ، والضعيفُ البصيرةِ قدْ يضحكُ بهِ ، ويتعجّبُ منهُ، وكذلكَ الخبيرُ بالقتالِ قدْ يفُّ بينَ يدي قرينِهِ ، ويولِّيهِ دبرَهُ حيلةً منهُ ؛ ليستجرَّهُ إلى مضيقٍ فيكرَّ عليهِ فيقهرَهُ . فكذلكَ سلوكُ طريقِ اللهِ تعالى كلُّهُ قتالٌ معَ الشيطانِ ، ومعالجةٌ للقلبِ ، والبصيرُ الموفَّقُ يقفُ فيها علىُ لطائفَ مِنَ الحيلِ يستبعدُها الضعفاءُ ، فلا ينبغي للمريدِ أنْ يضمرَ إنكاراً على ما يراهُ مِنْ شيخِهِ ، ولا للمتعلُّم أنْ يعترضَ على أستاذِهِ ، بلْ ينبغي أنْ يقفَ عندَ حدٍّ بصيرتِهِ ، وما لا يفهمُهُ مِنْ أحوالِهِما يسلِّمُهُ لهما إلى أنْ ينكشفَ لهُ أسرارُ ذلكَ ؛ بأنْ يبلغَ رتبتَهُما ، وينالَ درجتَهُما ، ومنَ اللهِ حسنُ التوفيقِ (١). (١) أتى الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٣٤/١٠) على مزيد من تفصيل القول في النية معتمداً على ((القوت))، و(شرح التقريب)) للحافظ العراقي، و((إدراك الأمنية في النية)) للشهاب القرافي، و((منتهى الآمال )) للسيوطي. ٥٥ كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات البَابُ الثَّاني في الإخلاص وفضية وحقيقته ودرجاته وزائر فضيلة الإخلاص قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُ وَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَّهُ اُلِّدِينَ﴾ وقالَ: ﴿أَلَاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾. وقال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَأَعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ . وقال تعالى: ﴿فَنْ كَانَ يَرَحُواْ لِقَآءَ رَيِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَبِِّ أَحَدَا﴾، نزلَتْ فيمَنْ يعملُ للهِ ويحبُّ أنْ يُحمدَ عليهِ (١) . وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهنَّ قلبُ رجلٍ مسلمٍ: إخلاصُ العملِ للهِ ... )) الحديث(٢). وعنْ مصعبِ بنِ سعدٍ عنْ أبيهِ قالَ : ظنَّ أبي أنَّ لهُ فضلاً على مَنْ دونَهُ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ النبيُّ عليهِ الصلاةُ (١) روى ذلك الحاكم في ((المستدرك)) (١١١/٢). (٢) رواه الترمذي (٢٦٥٨)، ويَفِلٌ: هو من الغِلُّ؛ الضغينة والحقد ، ويروى: يُغِلُّ؛ من الخيانة ، ويروى : يَغِلُ بالتخفيف ؛ من وَغَل وغولاً ، دخل في الشرُ. ٥٦ ربع المنجيات كتاب النية والإخلاص والسلامُ: ((إنَّما نصرَ اللهُ عزَّ وجلَّ هذهِ الأمَّةَ بضعفائِها ودعوتِهِمْ وإخلاصِهِمْ وصلاتِهِمْ))(١). وعنِ الحسنِ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يقولُ اللهُ تعالى : الإخلاصُ سٍّ مِنْ سرِّي، استودعتُهُ قلبَ مَنْ أحببتُ مِنْ عبادي )) (٢) . وقالَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ : لا تهتمُّوا لقلةِ العملِ ، واهتمُّوا للقبولِ ؛ فإنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ لمعاذِ بنِ جبلٍ : ((أخلصِ العملَ .. يجزئْكَ منهُ القليلُ))(٣). وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( ما مِنْ عبدٍ يخلصُ العملَ للهِ أربعينَ يوماً (١) رواه النسائي (٤٥/٦)، وهو عند البخاري (٢٨٩٦) بلفظ: (( هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم))، وبتمام لفظ المصنف رواه الخركوشي في (( تهذيب الأسرار)) (ص٢٧٩ ) ، وأبو مصعب هو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه . (٢) كذا عند الخركوشي في (( تهذيب الأسرار)) (ص٢٧٩) عن الحسن مرسلاً ، ورواه القشيري في (( رسالته)) ( ص ٣٦٠) مسنداً مسلسلاً بالسؤال عن الإخلاص عن الحسن عن حذيفة رضي الله عنه، والديلمي في (( مسند الفردوس)) (٤٥١٣) من حديث علي وابن عباس رضي الله عنهم . (٣) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص٢٨٢) بتمامه ، وحديث معاذ رضي الله عنه رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٦١٦٢)، والحاكم في ((المستدرك)) (٣٠٦/٤)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٤٤/١)، والبيهقي في ((الشعب)) (٦٤٤٣) بلفظ: ((أخلص دينك .. يكفك القليل من العمل)). ٥٧ كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات إلا ظهرَتْ ينابيعُ الحكمةِ مِنْ قلبِهِ على لسانِهِ))(١) . وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((أوَّلُ مَنْ يُسألُ يومَ القيامةِ ثلاثةٌ : رجلٌ آتاهُ اللهُ العلمَ ، فيقولُ اللهُ تعالى: ماذا صنعتَ فيما علمتَ ؟ فيقولُ : يا ربِّ؛ كنتُ أقومُ بهِ آناءَ الليلِ وأطرافَ النهارِ ، فيقولُ اللهُ تعالى : كذبتَ ، وتقولُ الملائكةُ : كذبتَ ، بلْ أردتَ أنْ يُقالَ : فلانٌ عالمٌ ، ألا فقدْ قيلَ ذلكَ، ورجلٌ آتاهُ اللهُ مالاً، فيقولُ اللهُ تعالى : لقدْ أنعمتُ عليكَ ، فماذا صنعتَ ؟ فيقولُ : يا ربِّ ؛ كنتُ أتصدَّقُ بهِ آنَاءَ الليلِ وأطرافَ النهارِ ، فيقولُ اللهُ تعالى : كذبتَ، وتقولُ الملائكةُ : كذبتَ ، بلْ أردتَ أنْ يُقالَ : فلانٌ جوادٌ ، ألا فقدْ قيلَ ذلكَ ، ورجلٌ قُتِلَ في سبيلِ اللهِ تعالى ، فيقولُ اللهُ تعالى : ماذا صنعتَ ؟ فيقولُ : يا ربِّ ؛ أَمرتَ بالجهادِ ، فقاتلتُ حتى قُتلتُ ، فيقولُ اللهُ تعالى: كذبتَ ، وتقولُ الملائكةُ : كذبتَ ، بلْ أردتَ أنْ يُقالَ : فلانٌ شجاعٌ، ألا فقدْ قيلَ ذلكَ))، قالَ أبو هريرةَ: ثمَّ خطَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على فخذي وقالَ: (( يا أبا هريرةَ ؛ أولئكَ أوَّلُ خلقٍ تُسْعرُ بِهِمْ نارُ جهنَّمَ يومَ القيامةِ )) ، فدخلَ راوي الحديثِ على معاويةً(٢) ، وروى لهُ ذلكَ، فبكىُ حتَّى كادَتْ نفسُهُ تزهقُ ، ثمَّ قالَ : جن ـة (١) كذا عند الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٢٨٥)، ورواه القشيري في (( رسالته)) ( ص٣٦٣) من قول مكحول . (٢) وهو شُفَيِّ الأصبحي . ٥٨ ربع المنجيات كتاب النية والإخلاص صدقَ اللهُ إِذْ قَالَ: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَنَّهَا ... ) الآية(١). وفي الإسرائيليات : أنَّ عابداً كانَ يعبدُ اللهَ عزَّ وجلَّ دهراً طويلاً ، فجاءَهُ قومٌ فقالوا : إنَّ هاهنا قوماً يعبدونَ شجرةً مِنْ دونِ اللهِ تعالى ، فغضبَ لذلكَ ، وأخذَ فأسَهُ على عاتقِهِ ، وقصدَ الشجرةَ ليقطعَها ، فاستقبلَهُ إبليسُ في صورةٍ شيخ ، فقالَ : أينَ تريدُ رحمَكَ اللهُ؟ قالَ : أريدُ أنْ أقطعَ هذهِ الشجرةَ ، قال : وما أنتَ وذاكَ ، تركتَ عبادتَكَ واشتغالَكَ بنفسِكَ وتفرَّغتَ لغيرِ ذلكَ، فقالَ : إنَّ هذا مِنْ عبادتي ، قالَ : فإنِّي لا أتركُكَ أنْ تقطعَها ، فقاتلَهُ ، فأخذهُ العابدُ فطرحَهُ إلى الأرضِ وقعدَ على صدرِهِ ، فقالَ لهُ إبليسُ : أطلقْني حتَّى أكلِّمَكَ، فقامَ عنهُ، فقالَ لهُ إبليسُ: يا هذا؛ إنَّ اللهَ تعالى قدْ أسقطَ عنكَ هذا ولمْ يفرضْهُ عليكَ، وما تعبدُها أنتَ ، وما عليكَ مِنْ غيرِكَ ، وللهِ تعالى أنبياءُ في أقاليمِ الأرضِ، ولوْ شاءَ .. لبعثَهُمْ إلى أهلِها وأمرَهُمْ بقطعِها ، فقالَ العابدُ : لا بدَّ لي مِنْ قطعِها، فنابذَهُ القتالَ ، فغلبَهُ العابدُ وصرعَهُ، وقعدَ على صدرِهِ ، فعجزَ إبليسُ ، فقالَ لهُ : هلْ لكَ في أمرٍ فضْلٍ بيني وبينَكَ ، وهوَ خيرٌ لكَ وأنفعُ؟ قالَ : وما هوَ ؟ قالَ : أطلقْني حتَّى أقولَ لكَ، فأطلقَهُ ، فقالَ لهُ إبليسُ : أنتَ رجلٌ فقيرٌ لا شيءَ لكَ، إنَّما أنتَ كَلٌّ على الناس يعولونَكَ، ولعلَّكَ تحبُّ أنْ تتفضَّلَ على إخوانِكَ، وتواسيَ جيرانَكَ ، وتشبعَ وتستغنيَ عنِ الناسِ ، قالَ : نعمْ ، (١) الخبر بتمامه هنا رواه البغوي في (( شرح السنة)) (٤١٤٢)، والمرفوع رواه مسلم (١٩٠٥)، والترمذي (٢٣٨٢). ٥٩ كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات قالَ : فارجعْ عنْ هذا الأمرِ ولكَ عليَّ أنْ أجعلَ عندَ رأسِكَ في كلِّ ليلةٍ دينارينِ ، إذا أصبحتَ .. أخذتَهما فأنفقتَ على نفسِكَ وعيالِكَ، وتصدقتَ على إخوانِكَ ، فيكونُ ذلكَ أنفعَ لكَ وللمسلمينَ مِنْ قطع هذهِ الشجرةِ التي يُغرسُ مكانُها ولا يضرُّهُمْ قطعُها شيئاً، ولا ينفعُ إخوانَكَ المؤمنينَ قطعُكَ إيّاها، فتفكَّرَ العابدُ فيما قالَ ، وقالَ : صدقَ الشيخُ ، لستُ بنبيٍّ فيلزمَني قطعُ هذهِ الشجرةِ ، ولا أمرني اللهُ أنْ أقطعَها فأكونَ عاصياً بتركِها ، وما ذكرَهُ أكثرُ منفعةٌ ، فعاهدَهُ على الوفاءِ بذلكَ، وحلفَ لهُ ، فرجعَ العابدُ إلى متعبَّدِهِ فباتَ ، فلمَّا أصبحَ رأى دينارينِ عندَ رأسِهِ ، فأخذَهُما ، وكذلكَ الغدُ ، ثمَّ أصبحَ اليومَ الثالثَ وما بعدَهُ فلمْ يرَ شيئاً ، فغضبَ وأخذَ فأسَهُ على عاتقِهِ ، فاستقبلَهُ إبليسُ في صورةِ شيخِ ، فقالَ : إلى أينَ ؟ قالَ : أقطعُ تلكَ الشجرةَ ، فقالَ : كذبتَ واللهِ ، ما أنتَ بقادرٍ على ذلكَ ، ولا سبيلَ لكَ إليها ، قالَ : فتناولَهُ العابدُ ليفعلَ بهِ كما فعلَ أوَّلَ مرَّةٍ ، فقالَ : هيهاتَ ! فأخذَهُ إبليسُ وصرعَهُ ، فإذا هوَ كالعصفورِ بينَ رجليهِ ، وقعدَ إبليسُ على صدرِهِ وقالَ : لتنتهينَّ عنْ هذا الأمرِ أوْ لأذبحَنَّكَ ، فنظرَ العابدُ ، فإذا لا طاقةَ لَهُ بهِ ، قالَ: يا هذا غلبتَي فخلِّ عنِّي، وأخبرْني كيفَ غلبتُكَ أوّلاً وغلبتَي الآنَ ؟ فقالَ : لأنَّكَ غضبتَ أوَّلَ مَرَّةٍ للهِ، وكانَتْ نيتُكَ الآخرةَ ، فسخَّرَني اللهُ لكَ، وهذهِ المرَّةَ غضبتَ لنفسِكَ وللدنيا فصرعتُكَ(١) . (١) قوت القلوب (١٦٢/٢). ٦٠