النص المفهرس
صفحات 1-20
طبْعَةٌ خَاصَّة بمناسَبَةْ مُرُور فَسْعِ مِئَةِسَنَةٍ على وفاة حجّةَ الإِسْلامِ الغَزَالِيّ ١١١١ - ٢٠١١ م ـك -كن 6 الَّام ◌َلُومُ الدّين تأليف الإِمَامِ الْجُدِّدِ، حُجَّةِ الإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ زَيْرِ الدّيْنِ، أَبِ حَتَامِدِ مُحمَدِ بْنِ مُحَدِ بْ مُحَمَّدٍ بْنِ أَحْمَدَ الغَزَالِيّ الظُّوْسِيّ الطَّابَرَاني الشّافِعِيّ رَضِىَاللهُعَنْهُ (٤٥٠ - ٥٠٥ هـ) - (١٠٥٨ - ١١١١ م ) رُبُعُ الْمُنْجِيَاتِ / القِسْمُ الثَّالِثُ ڪِتَابُ النيّةِ وَالإِخْلَاصِ وَالصِّدْقِ - المَرَاقَبَةِ وَالمُحَاسَبَةِ النَّفَكُرِ - ذِكْرِ المَوَتِ وَمَا بَعْدَهُ المُجَلّدُ التَّاسِعُ دَارُ المُنَفَات الطّبْعَة الأولى ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١م جميع الحقوق محفوظة للناشر دَارُ المُنَّهَارِ لِلنشِ وَالتَّوَيع المملكة العربية السعودية - جدة حي الكندرة - شارع أبها تقاطع شارع ابن زيدون هاتف رئيسي 6326666 _ الإدارة 6300655 المكتبة 6322471 - فاكس 6320392 ص . ب 22943 - جدة 21416 www.alminhaj.com E-mail: info@alminhaj.com ISBN: 978 - 9953 - 541 - 50 - 1 بِسِْاللهِ الرّمنِ الرَّحَيَّةِ أَمَّنْ هُوَقَتْتُّ ءَانَاءُ الَِّ سَاِدًا وَقَابِمَا يَخْذَرُ الْآخِرَةَ وَبَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ د إِنَّمَا يَتَذَّكَّهُ أُوْلُوا الْأَلْبَبِ .. كِتَابُ 3 3 ،٠ وهو الكتاب التابع من جميع المنجيات من كتب إحياء علوم الدين a ٧ ربع المنجيات کتاب النية والإخلاص كتاب النّيّة والإخلاص والصدق 9. ١٠- نحمدُ اللهَ حمدَ الشاكرينَ ، ونؤمنُ بهِ إِيمانَ الموقنينَ ، ونقرُّ بوحدانیتِهِ إقرارَ الصادقينَ، ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ رُّ العالمينَ ، وخالقُ السماواتِ والأرضينَ ، ومكلِّفُ الجنِّ والإنسِ والملائكةِ المقربينَ أنْ يعبدوهُ عبادةَ المخلصينَ، فقال تعالى: ﴿ وَمَآ أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَ﴾، فما للهِ إلا الدينُ الخالصُ المتينُ ، فإنَّهُ أغنى الأغنياءِ عنْ شركةِ المشاركينَ ، والصلاةُ على نبيِّهِ محمدٍ سيِِّ المرسلينَ ، وعلى جميع النبيِّينَ ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ الطيبينَ الطاهرينَ . أما بعد: فقدِ انكشفَ لأربابِ القلوبِ ببصيرةِ الإيمانِ وأنوارِ القرآنِ أنْ لا وصولَ إلى السعادةِ إلا بالعلمِ والعبادةِ ، فالناسُ كلُّهُمْ هلكى إلا العالمينَ ، والعالمونَ كلُّهُمْ هلكى إلا العاملينَ، والعاملونَ كلُّهُمْ ملكى إلا المخلصينَ ، والمخلصونَ على خطرٍ عظيمٍ(١) ، فالعملُ بغيرِ نَيَّةٍ عناءٌ، (١) تقدم عن سهل بن عبد الله، وفي بعض النسخ ما بعد ( إلا ) مرفوع . ٩ كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات والنيَّةُ بغيرِ إخلاصٍ رياءٌ، وهوَ للنفاقِ كِفَاءٌ(١)، ومعَ العصيانِ سواءٌ ، والإخلاصُ مِنْ غيرِ صدقٍ وتحقيقٍ هباءٌ ، وقدْ قالَ تعالى في كلِّ عملٍ كانَ بإرادةِ غيرِ اللهِ مشوباً مغموراً: ﴿وَقَدِمُنَّا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَلَهُ هَبَآءُ مَنْشُورًا﴾ . وليتَ شعري كيفَ يصحِّحُ نيَهُ مَنْ لا يعرفُ حقيقةَ النيّةِ ؟! أوْ كيفَ يخلصُ مَنْ صَحَ النيةَ إذا لمْ يعرفْ حقيقةَ الإخلاصِ ؟! أوْ كيفَ تطالبُ المخلصَ نفسُهُ بالصدقِ إذا لمْ يتحقَّقْ معناهُ ؟! فالوظيفةُ الأولى على كلِّ عبدٍ أرادَ طاعةَ اللهِ تعالىُ أنْ يتعلَّمَ النيةَ أوَّلاً لتحصلَ المعرفةُ، ثمَّ يصحُّحَها بالعملِ بعدَ فهمِ حقيقةِ الصدقِ والإخلاصِ ، اللذينِ هما وسيلتا العبدِ إلى النجاةِ والخلاصِ ، ونحنُ نذكرُ معانيَ الصدقِ والإخلاصِ في ثلاثةِ أبوابٍ : البابُ الأوَّلُ : في حقيقةِ النيّةِ ومعناها . البابُ الثاني : في الإخلاصِ وحقائقِهِ . البابُ الثالثُ : في الصدْقِ وحقيقتِهِ . (١) كفاء : نظير ومثيل . ربع المنجيات کتاب النية والإخلاص البَابُ الْأَوَّلُ سيفى النّيّة وفيهِ بيانُ فضيلةِ النيةِ ، وبيانُ حقيقةِ النيةِ ، وبيانُ كونِ النيةِ خيراً مِنَ العملِ ، وبيانُ تفضيلِ الأعمالِ المتعلَّقَةِ بالنيةِ ، وبيانُ خروجِ النيةِ عنِ الاختیارِ . بيان فضيلة النّيّة قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَطَرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَاُلْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، والمرادُ بتلكَ الإرادةِ النيةُ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( إنَّما الأعمالُ بالنياتِ ، ولكلِّ امریٍ ما نوی، فمَنْ كانَتْ هجرتُهُ إلى اللهِ ورسولِهِ . . فهجرتُهُ إلى اللهِ ورسولِهِ ، ومَنْ كانَتْ هجرتُهُ إلى دنيا يصيبُها أوِ امرأةٍ يتزوَّجُها .. فهجرتُهُ إلى ما هاجرَ إليهِ))(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أكثرُ شهداءِ أمَّتي أصحابُ الفُرُشِ ، وربَّ قتيلٍ بينَ الصفينِ اللهُ أعلمُ بنَّهِ))(٢). (١) رواه البخاري (١)، ومسلم ( ١٩٠٧). (٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٩٧/١). ١ كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات وقال تعالى: ﴿إِن يُرِيدَآ إِصْلَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، فجعلَ النّيَّةَ سببَ التوفيقِ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى صورِكُمْ وأموالِكُمْ، وإنَّما ينظرُ إلى قلوبِكُمْ وأعمالِكُمْ)) (١)، وإنَّما نظرَ إلى القلوبِ لأنَّها مَظِنَّةُ النيةِ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إِنَّ العبدَ ليعملُ أعمالاً حسنةً ، فتصعدُ بها الملائكةُ في صحفٍ مختمةٍ ، فتُلقى بينَ يدي اللهِ تعالى، فيقولُ : ألقوا هذهِ الصحيفةَ ، فإنَّهُ لمْ يردْ بها وجهي ، ثمَّ ينادي الملائكةَ : اكتبوا لهُ كذا، واكتبوا لهُ كذا ، فيقولونَ : يا ربَّنا ؛ إنَّهُ لمْ يعملْ شيئاً مِنْ ذلكَ ، فيقولُ اللهُ تعالى: إنَّهُ نواهُ، إنَّهُ نواهُ))(٢). 0 وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( الناسُ أربعةٌ: رجلٌ آتاهُ اللهُ عزَّ وجلَّ علماً ومالاً ، فهوَ يعملُ بعلمِهِ في مالِهِ ، فيقولُ رجلٌ : لو آتاني اللهُ تعالى مثلَ ما آتاهُ .. لعملتُ كما يعملُ، فهما في الأجرِ سواءٌ، ورجلٌ آتاهُ اللهُ تعالى مالاً ولمْ يؤتِهِ علماً ، فهوَ يتخبّطُ بجهلِهِ في مالِهِ ، فيقولُ رجلٌ : لو آتاني اللهُ مثلَ ما آتاهُ .. عملتُ كما يعملُ، فهما في الوزرِ سواءٌ)) (٣)، (١) رواه مسلم (٢٥٦٤) . (٢) رواه الدارقطني في ((سننه)) (٥١/١) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً، ورواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) ( ص٥٩٦ ) عن أبي عمران الجوني بلاغاً . (٣) رواه الترمذي (٢٣٢٥)، وابن ماجه ( ٤٢٢٨). ١٢ ربع المنجيات كتاب النية والإخلاص ألا ترى كيفَ شركَهُ بالنيّةِ في محاسنِ عملِهِ ومساوئِهِ ؟! وكذلكَ في حديثِ أنسٍ بنِ مالكٍ : لمَّا خرجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في غزوة تبوكَ .. قالَ: ((إنَّ بالمدينةِ أقواماً ما قطعنا وادياً ، ولا وطِئنا موطِئاً يغيظُ الكفَّارَ ، ولا أنفقنا نفقةً، ولا أصابَتْنا مخمصةٌ .. إلا شركونا في ذلكَ وهُمْ بالمدينةِ )) ، قالوا : وكيفَ ذلكَ يا رسولَ اللهِ وليسوا معنا؟ قالَ: ((حبسَهُمُ العذرُ))(١) ، فشُركوا بحسنِ النيةِ. وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ : ( مَنْ هاجرَ يبتغي شيئاً .. فهوَ لهُ ، فهاجرَ رجلٌ فتزوَّجَ امرأةً منَّا ، فكانَ يُسمَّى مهاجرَ أمِّ قيسٍ )(٢). وكذلكَ جاءَ في الخبرِ : أنَّ رجلاً قُتلَ في سبيلِ اللهِ وكان يُدعىُ قتيلَ الحمار ؛ لأنَّهُ قاتلَ رجلاً ليأخذَ سلبَهُ وحمارَهُ ، فقُتلَ على ذلكَ ، فَأُضيفَ إلىْ نِيتِهِ(٣). وفي حديثٍ عبادةَ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ غزا وهوَ لا ينوي إلا عقالاً .. فلهُ ما نوى» (٤). (١) كذا في ((القوت)) (١٦٠/٢)، ورواه البخاري (٤٤٢٣)، وأبو داوود ( ٢٥٠٨)، وابن ماجه ( ٢٧٦٤ ) . (٢) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٠٣/٩). (٣) كذا في ((القوت)) (١٦١/٢)، وقال الحافظ العراقي: ( لم أجد له أصلاً في الموصولات، وإنما رواه أبو إسحاق الفزاري في (( السير)) من وجه مرسل) . ((إتحاف)) (٨/١٠). (٤) رواه النسائي (٦/ ٢٤). ١٣ كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات وقالَ : إنِّي استعنتُ رجلاً يغزو معي ، فقالَ: لا ، حتى تجعلَ لي جُعلاً ، فجعلتُ لهُ، فذكرتُ ذلكَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: (( ليسَ لهُ مِنْ دنياهُ وآخرِهِ إلا ما جعلتَ لهُ))(١) . ورُويَ في الإسرائيلياتِ : أنَّ رجلاً مرَّ بكثبانٍ مِنْ رملٍ في مجاعةٍ ، فقالَ في نفسِهِ : لوْ كانَ لي هذا الرملُ طعاماً .. لقسمتُهُ بينَ الناسِ ، فأوحى اللهُ تعالى إلى نبيّهِمْ أَنْ قَلُ لهُ : إنَّ اللهَ تعالى قدْ قبلَ صدقتَكَ، وقدْ شكرَ حسنَ نيَِّكَ، وأعطاك ثوابَ ما لوْ كانَ طعاماً فتصدقتَ بهِ(٢) . وقدْ وردَ في أخبارٍ كثيرةٍ: «مَنْ همَّ بحسنةٍ ولمْ يعملْها .. كُتِبَتْ لهُ حسنةٌ))(٣). وفي حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما: ((مَنْ كانَتِ الدنيا نيَهُ .. جعلَ اللهُ فقرَهُ بينَ عينيهِ ، وفارقَها أرغبَ ما يكونُ فيها ، ومَنْ تكنِ الآخرةُ (١) كذا في ((القوت)) (١٦١/٢)، وقال الحافظ العراقي: (رواه الطبراني في (( مسند الشاميين))، ولأبي داوود [٢٥٢٧] بإسناد جيد من حديث يعلى بن أمية أنه استأجر أجيراً للغزو وسمَّى ثلاثة دنانير ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما أجد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلا دنانيره التي سمَّى))). ((إتحاف)) (٨/١٠)، وفيه: ( وقال أبيٌّ ) بدل ( وقال : إني ) ، ومشى على أن أبيّاً هنا هو ابن كعب. (٢) قوت القلوب (١٦١/٢)، وقال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٨/١٠): (وهو في ((كتاب الإخلاص)) لابن أبي الدنيا ) وذكره بنحوه . (٣) رواه البخاري (٦٤٩١)، ومسلم ( ١٣١). ١٤ ربع المنجيات کتاب النية والإخلاص نيَّهُ .. جعلَ اللهُ تعالى غناهُ في قلبِهِ ، وجمعَ عليهِ ضيعتَهُ ، وفارقَها أزهدَ ما يكونُ فيها )»(١) . وفي حديثٍ أمِّ سلمةَ : أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ذكرَ جيشاً يُخسفُ بهمْ بالبيداءِ ، فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ؛ يكونُ فيهِمُ المكرهُ والأجيرُ ! فقالَ : (( يُحشرونَ علىْ نِيَّاتِهِمْ))(٢). وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: ((إنَّما يقتتلُ المقتتلونَ على النِيَّاتِ))(٣). وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : ((إذا التقى الصفَّانِ .. نزلَتِ الملائكةُ تكتبُ الخلقَ على مراتبِهِمْ : فلانٌ يقاتلُ للدنيا ، فلانٌ يقاتلُ حميةً ، فلانٌ يقاتلُ عصبيةً ، ألا فلا تقولوا : فلانٌ قُتْلَ في سبيلِ اللهِ ، فمَنْ قاتلَ لتكونَ (١) كذا في ((القوت)) (١٦١/٢)، ورواه بنحوه من حديثه الحاكم في ((المستدرك)) (٤٤٣/٢) ولفظه: ((من جعل الهموم هماً واحداً .. كفاه الله همَّ دنياه، ومن تشعبت به الهموم .. لم يبال الله في أي أودية الدنيا هلك))، وهو عند ابن ماجه ( ٤١٠٥ ) من حديث زيد بن ثابت، ولفظه: (( من كانت الدنيا همَّهُ .. فرَّق الله عليه أمره ، وجعل فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له ، ومن كانت الآخرة نيتُهُ .. جمع الله له أمره ، وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة)). (٢) رواه أبو داوود (٤٢٨٦). (٣) كذا في ((القوت)) (١٦١/٢)، وقد رواه ابن عدي في ((الكامل)) (١٣٠/٥)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٣٨٥/١٧)، وفيهما : ( يبعث) بدل ( يقتتل ) ، وعند ابن ماجه (٤٢٢٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (( إنما يبعث الناس على نياتهم )) . ١٥ كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات كلمةُ اللهِ هيَ العليا .. فهوَ في سبيلِ اللهِ))(١) . وعنْ جابرٍ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( يُبعثُ كلُّ عبدٍ على ما ماتَ عليهِ))(٢) . وفي حديثِ الأحنفِ عنْ أبي بكرةَ: ((إذا التقى المسلمانِ بسيفيهما .. فالقاتلُ والمقتولُ في النارِ )) ، قيلَ : يا رسولَ اللهِ ؛ هذا القاتلُ ، فما بالُ المقتولِ ؟ قالَ: ((لأنَّهُ أرادَ قتلَ صاحبِهِ))(٣). وفي حديث أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ : (( مَنْ تزوَّجَ امرأةٌ على صداقٍ وهوَ لا ينوي أداءَهُ .. فهوَ زانٍ، ومَنِ أُذَّانَ ديناً وهوَ لا ينوي قضاءَهُ .. فهوَ سارقٌ))(٤). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ تطيّبَ اللهِ تعالى .. جاءَ يومَ القيامةِ وريحُهُ أطيبُ مِنَ المسكِ، ومَنْ تطيّبَ لغيرِ اللهِ .. جاءَ يومَ القيامةِ وريحُهُ أنتنُ مِنَ الجيفةِ ))(٥) . (١) كذا في ((القوت)) (١٦١/٢)، ورواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٤٢) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه موقوفاً عليه ، وآخر الحديث عند البخاري ( ١٢٣)، ومسلم ( ١٩٠٤ ) . (٢) رواه مسلم (٢٨٧٨) . (٣) رواه البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨). (٤) رواه البزار في ((مسنده)) (٨٧٢١) بتمامه، وآخره رواه ابن أبي الدنيا في ((مكارم الأخلاق)) ( ٢٧٢). (٥) رواه عبد الرزاق في (( المصنف)) (٣١٩/٤) عن إسحاق بن أبي طلحة مرسلاً . ١٦ ربع المنجيات كتاب النية والإخلاص وأمَّا الآثارُ : فقدْ قالَ عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ : ( أفضلُ الأعمالِ أداءُ ما افترضَ اللهُ تعالى، والورعُ عمَّا حرَّمَ اللهُ تعالى ، وصدْقُ النيةِ فيما عندَ اللهِ تعالى)(١) . وكتبَ سالمُ بنُ عبدِ اللهِ إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ : ( اعلمْ: أنَّ عونَ اللهِ تعالى للعبدِ علىَ قَدْرِ النيةِ، فمَنْ تمَّتْ نيتُهُ .. تمَّ عونُ اللهِ لهُ، وإنْ نقصَتْ .. نقصَ بقدْرِهِ )(٢) . وقالَ بعضُ السلفِ : (ربَّ عملٍ صغيرٍ تعظَّمُهُ النيةُ ، وربَ عملٍ كبيرٍ تصغِّرُهُ النيةُ)(٣) . وقالَ داوودُ الطائيُّ : ( مَنْ كانَ أكبرُ همتِهِ التقوى ، فلو تعلقَتْ جميعُ جوارحِهِ بالدنيا .. لردتهُ نيتُهُ يوماً إلى نيةٍ صالحةٍ ، وكذلكَ الجاهلُ بعكسٍ ذلكَ)(٤). وقالَ الثوريُّ: ( كانوا يتعلَّمونَ النيةَ للعملِ كما تتعلَّمون العملَ)(٥). (١) قوت القلوب (١٥٨/٢). (٢) كذا في ((القوت)) (١٥٩/٢)، ورواه ضمن خبر طويل أبو نعيم في ((الحلبة)) (٢٨٥/٥ ) . (٣) قوت القلوب (١٥٩/٢)، ونسبه أيضاً لابن المبارك (١٦٣/٢). (٤) قوت القلوب (١٥٩/٢)، وفي (أ، ج، ن، ف): (البرُّ همتُهُ التقوى ... ) بدل ( من كان أكبر همته التقوى ) . (٥) قوت القلوب (١٥٩/٢)، وفيه : ( كما يتعلمون العلم ) . ١٧ 165 كتاب النية والإخلاص ربع المنجيات وقالَ بعضُ العلماءِ : ( اطلبِ النيةَ للعملِ قبلَ العملِ ، وما دمتَ تنوي الخيرَ فأنتَ بخيرٍ)(١) . وكانَ بعضُ المريدينَ يطوفُ على العلماءِ يقولُ : مَنْ يدلُّني على عملٍ لا أزالُ فيهِ عاملاً للهِ تعالى؟ فإنِّي لا أحبُّ أنْ يأتيَ عليَّ ساعةٌ مِنْ ليلٍ أوْ نهارٍ إلا وأنا عاملٌ مِنْ عمَّالِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فقيلَ لهُ : قَدْ وجدتَ حاجتَكَ ، فاعملِ الخيرَ ما استطعتَ ، فإذا فترتَ أوْ تركتَهُ .. فهُمَّ بعملِهِ ؛ فإنَّ الهامَ بعملِ الخيرِ كعاملِهِ (٢). وكذلكَ قالَ بعضُ السلفِ : ( إنَّ نعمةَ اللهِ عليكُمْ أكثرُ مِنْ أنْ تحصوها ، وإنَّ ذنوبَكُمْ أخفىُ مِنْ أنْ تعلموها ، ولكنْ أصبحوا تؤَّابينَ ، وأمسوا توَّابِينَ .. يُغفرْ لكُمْ ما بينَ ذلكَ)(٣) . وقالَ عيسى عليهِ السلامُ : ( طوبى لعينٍ نامَتْ ولا تهمُّ بمعصيةٍ ، وانتبهَتْ إلى غيرِ إِثٍ)(٤) . وقالَ أبو هريرةَ : ( يُبعثونَ يومَ القيامةِ على قدْرِ نِيَّتِهِمْ)(٥) . وكانَ الفضيلُ بنُ عياضٍ إذا قرأَ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَقَّى نَعْلَمَ الْمُجَتِهِدِينَ مِنْكُمْ (١) قوت القلوب (١٥٩/٢). (٢) قوت القلوب (١٥٩/٢). (٣) قوت القلوب (١٥٩/٢). (٤) كذا في ((القوت)) (١٥٩/٢)، ورواه البيهقي في ((الشعب)) (٦٩٠٢). (٥) رواه أحمد في ((المسند)" (٣٩٢/٢) مرفوعاً . ١٨ ربع المنجيات کتاب النية والإخلاص وَالصَِّينَ وَنَبْلُواْ أَخْبَارَكُمْ﴾ بيكي، ويردِّدُها ويقولُ: (إِنَّكَ إِنْ بلوتَنَا .. فضحتَنَا وهتكتَ أستارَنا)(١) . وقالَ الحسنُ : ( إنَّما خُلِّدَ أهلُ الجنةِ في الجنةِ وأهلُ النارِ في النارِ بالنيَّاتِ)(٢). وقالَ أبو هريرةَ : ( مكتوبٌ في التوراةِ: ما أُريدَ بهِ وجهي فقليلُهُ كثيرٌ ، وما أُريدَ بهِ غيري فكثيرُهُ قليلٌ ) . وقالَ بلالُ بنُ سعدٍ : ( إنَّ العبدَ ليقولُ قولَ مؤمنٍ ، فلا يدعُهُ اللهُ عَزَّ وجلَّ وقولَهُ حتَّى ينظرَ في عملِهِ ، فإذا عملَ .. لمْ يدعْهُ اللهُ حتَّى ينظرَ في ورعِهِ، فإنْ تورَّعَ .. لمْ يدعْهُ حتَّى ينظرَ ماذا نوى، فإنْ صلحَتِ النيةُ .. فبالحريِّ أنْ يصلحَ ما دونَ ذلكَ )(٣) . فإِذاً ؛ عمادُ الأعمالِ النياتُ ، فالعملُ مفتقرٌ إلى النيةِ ليصيرَ بها خيراً ، والنيةُ في نفسِها خيرٌ وإنْ تعذَّرَ العملُ بعائقٍ(٤). (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١١١/٨). (٢) كذا في ((القوت)) (١٦٠/٢) من غير نسبة، وهذا لأن أهل الجنة نووا طاعته ما عاشوا، وأهل الخلود في النار نووا معصيته ما عاشوا ، فعلى نيتهم حوسبوا لا على أعمالهم . (٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٣٠/٥). (٤) وليس للشرع عناية في طاعة من الطاعات بعد الإيمان بالله أعظم من اعتنائه بالنية ؛ إذ صحة العبادات أجمعها موقوفة على وجودهما ؛ يعني : الإيمان والنية ، فهي تلي الإيمان في الرتبة. ((إتحاف)) (١٠ / ١٢). ١٩ کتاب النية والإخلاص ربع المنجيات بيان حقيقة النّيّة اعلمْ: أنَّ النيةَ والإرادةَ والقصدَ عباراتٌ متواردةٌ على معنیّ واحدٍ ، وهوَ حالةٌ وصفةٌ للقلبِ يكتنفُها أمرانِ : علمٌ وعملٌ ، العلمُ يقدُمُهُ لأنَّهُ أصلُهُ وشرطُهُ ، والعملُ يتبعُهُ لأنَّهُ ثمرتُهُ وفرعُهُ ، وذلكَ لأنَّ كلَّ عملٍ - أعني: كلَّ حركةٍ وسكونٍ - اختياريٍّ فإنَّهُ لا يتُّ إلا بثلاثةِ أمورٍ : علمٍ وإرادةٍ وقدرةٍ ؛ لأنَّهُ لا يريدُ الإنسانُ ما لا يعلمُهُ، فلا بدَّ وأنْ يعلمَ ، ولا يعملُ ما لمْ يردْ ، فلا بدَّ مِنْ إرادةٍ ، ومعنى الإرادةِ : انبعاثُ القلبِ إلى ما يراهُ موافقاً للغرضِ ؛ إمَّا في الحالِ أوْ في المآلِ ، فقدْ خُلقَ الإنسانُ بحيثُ يوافقُهُ بعضُ الأمورِ ويلائمُ غرِضَهُ ، ويخالفُهُ بعضُ الأمورِ ، فاحتاجَ إلى جلبِ الملائمِ الموافقِ إلى نفسِهِ ، ودفعِ الضارِّ المنافي عنْ نفسِهِ ، فافتقرَ بالضرورةِ إلى معرفةٍ وإدراكٍ للشيءِ المضرِّ والنافع ، حتَّى يجلبَ هذا ويهربَ مِنْ هذا ، فإنَّ مَنْ لا يبصرُ الغذاءَ ولا يعرفُهُ .. لا يمكنُهُ أنْ يتناولَهُ، ومَنْ لا يبصرُ النارَ .. لا يمكنُهُ الهربُ منها، فخلقَ اللهُ تعالى الهدايةَ والمعرفةَ ، وجعلَ لها أسباباً ؛ وهيَ الحواسُّ الظاهرةُ والباطنةُ ، وليسَ ذلكَ مِنْ غرضِنا . ثمَّ لو أبصرَ الغذاءَ وعلمَ أنَّهُ موافقٌ لهُ .. فلا يكفيهِ ذلكَ للتناولِ ما لمْ يكنْ فيهِ ميلٌ إليهِ ورغبةٌ فيهِ ، وشهوةٌ لهُ باعثةٌ عليهِ ؛ إذِ المريضُ يرى الغذاءَ ويعلمُ أنَّهُ موافقٌ ولا يمكنُهُ التناولُ لعدم الرغبةِ والميلِ ، ولفقدِ الداعيةِ ٢٠