النص المفهرس
صفحات 541-560
ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق حر حن فهذا أمرٌ واضحٌ مِنْ حيثُ النظرُ بعينِ الاعتبارِ ، ويشهدُ لذلكَ الوجودُ وحكاياتُ أحوالِ المحبِينَ وأقوالِهِمْ . فقدْ قالَ شقيقٌ البلخيُّ: ( مَنْ يرى ثوابَ الشدَّةِ .. لا يشتهي المخرجَ منها). وقالَ الجنيدُ : سألتُ سريّاً السقطيَّ : هلْ يجدُ المحبُّ ألمَ البلاءِ ؟ قالَ : لا، قلتُ : وإنْ ضُربَ بالسيفِ، قَالَ: نعمْ، وإنْ ضُربَ بالسيفِ سبعينَ ضربةً ، ضربةً على ضربةٍ . وقالَ بعضُهُمْ : ( أحببتُ كلَّ شيءٍ بحبِّهِ ، حتَّى لوْ أحبَّ النارَ .. أحببتُ دخولَ النارِ ) . وقالَ بشرُ بنُ الحارثِ : مررتُ برجلٍ وقدْ ضُرِبَ ألفَ سوطٍ في شرقيّةِ بغدادَ ولمْ يتكلَّمْ ، ثمَّ حُمِلَ إلى الحبسِ ، فتبعتُهُ، فقلتُ لهُ : لِمَ ضُربتَ ؟ فقالَ : لأَنِّي عاشقٌ، فقلتُ لهُ : ولِمَ سكتَّ؟ قالَ : لأنَّ معشوقي كانَ بحذائي ينظرُ إليَّ، فقلتُ : فلو نظرتَ إلى المعشوقِ الأكبرِ! قالَ : فزعقَ زعقةً خرَّ ميّتاً . وقالَ يحيى بن معاذٍ الرازيُّ رحمهُ اللهُ تعالى: ( إذا نظرَ أهلُ الجنَّةِ إلى اللهِ تعالى .. ذهبَتْ عيونُهُمْ في قلوبِهِمْ مِنْ لذَّةِ النظرِ إلى اللهِ تعالى ثمانَ مئة سنةٍ لا ترجعُ إليهِمْ ، فما ظنُّكَ بقلوبٍ وقعَتْ بِينَ جمالِهِ وجلالِهِ ، إذا لاحظَتْ جلالَهُ .. هابَتْ، وإذا لاحظَتْ جمالَهُ .. تاهَتْ ). وقالَ بشرٌ: قصدتُ عبَّادانَ في بدايتي ؛ فإذا أنا برجلٍ أعمى ، ٠ ٥٤١ .... -- كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات مجذومٍ ، مجنونٍ قدْ صُرعَ ، والنملُ يأكلُ لحمَهُ ، فرفعتُ رأسَهُ فوضعتُهُ في حجري وأنا أردّدُ الكلامَ، فلمَّا أفاقَ .. قالَ: مَنْ هذا الفضوليُّ الذي يدخلُ بيني وبينَ ربِّي؟! لوْ قطَّعَني إِرْباً إِرْباً .. ما ازددتُ لهُ إلا حبّاً، قالَ بشرٌ: فما رأيتُ بعدَ ذلكَ نعمةً بينَ عبدٍ وبينَ ربِّهِ فأنكرتُها (١) . وقالَ أبو عمرٍو محمدُ بنُ الأشعثِ : ( إنَّ أهلَ مصرَ مكثوا أربعةَ أشهرٍ لمْ يكنْ لهُمْ غذاءٌ إلا النظرَ إلى وجهِ يوسفَ الصدِّيقِ عليهِ السلامُ ، كانوا إذا جاعوا .. نظروا إلى وجهِهِ، فشغلَهُمْ جمالُهُ عنِ الإحساسِ بألمِ الجوعِ ) ، بلْ في القرآنِ ما هوَ أبلغُ مِنْ ذلكَ ، وهوَ قطعُ النسوةِ أيديَهُنَّ لاستهتارِهِنَّ بملاحظةِ جمالِهِ ، حتَّى ما أحسسنَ بذلكَ . وقالَ سعيدُ بنُ أحمدَ : رأيتُ بالبصرةِ في خانِ عطاءِ بنِ مسلمٍ شابّاً وفي يدهِ مديةٌ وهوَ ينادي بأعلى صوتِهِ والناسُ حولَهُ وهوَ يقولُ(٢): [من الكامل] وَأَلْمَوْتُ مِنْ أَلَمِ التَّفَرُّقِ أَجْمَلُ يَوْمُ الْفِراقِ مِنَ القيامَةِ أَطْوَلُ ـحن لَكِنَّ مُهْجَتِيَ أَلَِّي تَتَرَخَّلُ قالُوا الرَّحِيلُ فَقُلْتُ لَسْتُ بِراحِلٍ ثمَّ بقرَ بالمديةِ بطنَهُ وخرّ ميتاً ، فسألتُ عنهُ وعنْ أمرِهِ ، فقيل لي : إنَّهُ كانَ يهوى فتىّ لبعضِ الملوكِ حُجبَ عنهُ يوماً واحداً(٣). (١) قوت القلوب (٤٣/٢). (٢) انظر ((تزيين الأسواق)) (ص ١٣٨). (٣) أورده بلاغاً ابن الجوزي في ((ذم الهوى)) (١١٢٥)، وقال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٦٥٨/٩): (رواه أبو محمد السراج في ((مصارع العشاق))). ٥٤٢ عمر ربع المنجيات مــ كر كتاب المحبة والشوق 0+, DoK ويُروى أنَّ يونسَ عليهِ السلامُ قالَ لجبريلَ : دلَّني على أعبدِ أهلِ الأرضِ ، فدلَّهُ على رجلٍ قَدْ قطعَ الجذامُ يديه ورجليهِ وذهبَ ببصرِهِ ، فسمعَهُ وهوَ يقولُ : إلهي ؛ متعتَي بهِما ما شئتَ أنتَ ، وسلبتَي ما شئتَ أنتَ، وأبقيتَ لي فيكَ الأملَ، يا بُّ يا وصولُ(١). ويُروىُ عنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضيَ اللهُ تعالى عنهُما أنَّهُ اشتكىُ لهُ ابنٌ ، فاشتدَّ وجدُهُ عليهِ، حتَّى قالَ بعضُ القومِ : لقدْ خشينا على هذا الشيخ إنْ حدثَ بههذا الغلام حدثٌ ، فماتَ الغلامُ ، فخرجَ ابنُ عمرَ في جنازِتِهِ وما رجلٌ أبدى سروراً منهُ، فقيلَ لهُ في ذلكَ ، فقالَ ابنُ عمرَ : إنَّما كانَ حزني رحمةً لهُ، فلمَّا وقعَ أمرُ اللهِ .. رضينا بهِ (٢) . وقالَ مسروقٌ : كانَ رجلٌ بالباديةِ لهُ كلبٌ وحمارٌ وديكٌ ، فالديكُ يوقظُهُمْ للصلاةِ، والحمارُ ينقلونَ عليهِ الماءَ ويحملُ لهُمْ خباءَهُمْ ، والكلبُ يحرسُهُمْ، قالَ : فجاءَ الثعلبُ فأخذَ الديكَ، فحزنوا لهُ، وكانَ الرجلُ صالحاً ، فقالَ : عسى أن يكونَ خيراً ، ثمَّ جاءَ ذئبٌ فخرقَ بطنَ الحمار فقتلَهُ ، فحزنوا عليهِ ، فقالَ الرجلُ : عسى أن يكونَ خيراً ، ثمّ أُصيبَ الكلبُ بعدَ ذلكَ، فقالَ : عسى أن يكونَ خيراً ، ثمَّ أصبحوا ذاتَ يومٍ ، فنظروا فإذا قدْ سُبِيَ مَنْ حولَهُمْ وبقوا هُمْ، قالَ : وإنَّما أُخذوا أولئكَ لما كانَ ... ---- (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الرضا عن الله بقضائه)) (٢٥). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في (( الرضا عن الله بقضائه)) ( ٩٨). ۔۔۔ ٥٤٣ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات عندَهُمْ مِنْ أصواتِ الكلابِ والحميرِ والديكةِ ، وكانَتِ الخيرةُ لهؤلاءٍ في هلاكِ هذهِ الحيواناتِ كما قدَّرَهُ الله تعالى(١) . فمَنْ عرفَ خفيَّ لطفِ اللهِ تعالىُ .. رضيَ بفعلِهِ على كلِّ حالٍ . ويُروىُ أنَّ عيسىُ عليهِ السلامُ مرَّ برجلٍ أعمى أبرصَ مقعدٍ ، مضروبٍ الجنبينِ بفالجٍ ، وقدْ تناثرَ لحمُّهُ مِنَ الجذام ، وهوَ يقولُ : الحمدُ للهِ الذي عافاني ممَّا ابتلى بهِ كثيراً مِنْ خلقِهِ ، فقالَ لهُ عيسى: يا هذا ؛ أيُّ شيءٍ مِنَ البلاءِ أراهُ مصروفاً عنكَ؟ فقالَ: يا روحَ اللهِ ؛ أنا خيرٌ ممَّنْ لمْ يجعلِ اللهُ في قلبِهِ ما جعلَ في قلبي مِنْ معرفتِهِ ، فقالَ لهُ : صدقتَ ، هاتِ يدكَ ، فناولَهُ يدَهُ، فإذا هوَ أحسنُ الناسِ وجهاً، وأفضلُهُمْ هيئةً، وقدْ أذهبَ اللهُ عنهُ ما كانَ بهِ ، فصحبَ عيسى عليه السلامُ وتعبَّدَ معَهُ . وقطعَ عروةُ بنُّ الزبيرِ رجْلَهُ مِنْ ركبتِهِ مِنْ أكلةٍ خرجَتْ بها ، ثُمَّ قالَ : الحمدُ للهِ الذي أخذَ منّي واحدةً ، وايمُكَ؛ لئنْ كنتَ أخذتَ .. لقدْ أبقيتَ، ولئنْ كنتَ ابتليتَ .. لقدْ عافيتَ، ثمَّ لمْ يدعْ وردَهُ تلكَ الليلةَ(٢). وكانَ ابنُ مسعودٍ يقولُ : ( الفقرُ والغنى مطيتانِ ، ما أبالي أَيَّتَهُما ركبتُ ، إنْ كانَ الفقرُ . . فإنَّ فيهِ الصبرَ ، وإنْ كانَ الغنى . . فإنَّ فيهِ البذلَ )(٣). (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الرضا عن الله بقضائه)) ( ٢٨). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((المرض والكفارات)) (١٣٩،١٣٨)، وقوله: (وايمك) قسمٌ . (٣) قوت القلوب (٤٠/٢). ٥٤٤ & LOBU also + بسبب ٥ ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق وقالَ أبو سليمان الدارانيُّ : ( قدْ نلتُ مِنْ كلِّ مقام حالاً إلا الرضا ، فما لي منهُ إلا مشامُّ الريح ، وعلى ذلكَ لوْ أدخلَ الخلائقَ كلَّهُمُ الجنةَ ، وأدخلَني النارَ .. كنتُ بذلكَ راضياً )(١). وقيلَ لعارفٍ آخرَ : هلْ نلتَ غايةَ الرضا عنهُ؟ فقالَ : أَمَّا الغايةُ .. فلا، ولكنْ مقامٌ مِنَ الرضا قدْ نلتُهُ، لوْ جعلَني جسراً على جهنَّمَ يعبرُ الخلائقُ عليَّ إلى الجنَّةِ، ثمَّ ملأَ بي جهنَّمَ تحلَّةً لقسمِهِ وبدلاً مِنْ خليقتِهِ .. لأحبيتُ ذلكَ مِنْ حكمِهِ ، ورضيتُ بهِ مِنْ قسمِهِ (٢) . 2. ? وهذا كلامُ مَنْ علمَ أنَّ الحبَّ قدِ استغرقَ همَّهُ حتَّى منعَهُ الإحساسَ بألم النارِ ، وإنْ بقيَ إحساسٌ فيغمرُهُ ما يحصلُ مِنْ لذَّتِهِ في استشعارِهِ حصولَ رضا محبوبِهِ بإلقائِهِ إِيَّاهُ في النارِ ، واستيلاءُ هذهِ الحالةِ غيرُ محالٍ في نفسِهِ وإنْ كانَ بعيداً مِنْ أحوالِنا الضعيفةِ ، ولكنْ لا ينبغي أن يستنكرَ الضعيفُ المحرومُ أحوالَ الأقوياءِ ويظنَّ أنَّ ما هوَ عاجزٌ عنهُ يعجزُ عنهُ الأولياءُ . وقالَ الروذباريُّ : قلتُ لأبي عبدِ اللهِ بنِ الجلاءِ الدمشقيِّ: قولُ فلانٍ : ( وددتُ أنَّ جسدي قُرِضَ بالمقاريضِ وأنَّ هذا الخلقَ أطاعوهُ ) ما معناهُ ؟ فقالَ: يا هذا، إنْ كانَ هذا من طريقِ الإشفاقِ والنصحِ للخلقِ .. (١) قوت القلوب (٤٢/٢) عن بعض العارفين، والمشهور عن أبي يزيد رضي الله عنه أنه قال مثل هذا في التوكل . (٢) قوت القلوب (٢/ ٤٢). ٥٤٥ ح . كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات حر كم فأعرفُ، وإنْ كانَ مِنْ طريقِ التعظيم والإجلالِ .. فلا أعرفُ، قالَ: ثمّ غُشِيَ عليهِ(١). G وقدْ كانَ عمرانُ بنُ الحصينِ قدِ استسقى بطنُهُ ، فبقي ملقىّ على ظهرِهِ ثلاثينَ سنةً لا يقومُ ولا يقعدُ ، قدْ نُقِبَ لهُ في سريرٍ مِنْ جريدٍ كانَ عليهِ موضعٌ لقضاء حاجتِهِ ، فدخلَ عليهِ مطرِّفٌ وأخوهُ العلاءُ(٢) ، فجعلَ يبكي لما يرىُ مِنْ حالِهِ ، فقالَ : لِمَ تبكي ؟ قالَ: لأنِّي أراكَ على هذهِ الحالةِ العظيمةِ، قالَ : لا تبكِ؛ فإنَّ أحبَّهُ إلى اللهِ تعالى أحبُّهُ إليَّ، ثمَّ قالَ : أحدِّثُكَ شيئاً لعلَّ اللهَ أنْ ينفعَكَ بهِ واكتمْ عليَّ حتَّى أموتَ ، إنَّ الملائكةَ تزورُني فانسُ بها، وتسلِّمُ عليَّ فأسمعُ تسليمَها(٣). فَأَعلمَ بذلكَ أنَّ هذا البلاءَ ليسَ بعقوبةٍ ؛ إذْ هوَ سببُ هذه النعمةِ الجسيمةِ ، فَمَنْ يشاهدُ هذا في بلائِهِ كيفَ لا يكونُ راضیاً بهِ ؟! قالَ : ودخلنا على سويدِ بنِ مثعبةً نعودُهُ ، فرأينا ثوباً ملقىّ، فما ظنًّا (١) قوت القلوب (٤٢/٢)، والقول المذكور لزهير بن نعيم البابي ، رواه له الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص ٨٠)، والضمير في ( أطاعوه ) عائد لله سبحانه وتعالى ، فهو بقوله هذا يتفذَّى . (٢) عند الحافظ الزبيدي في («إتحافه)) (٦٦٠/٩): (وفي ((القوت)): ((أو أخوه أبو العلاء )»، والصواب أبو العلاء ، وهو يزيد بن عبد الله الشخير العامري البصري) ، وفي مطبوعة (( القوت)): ( أو أخوه العلاء )، واتفقت النسخ على المثبت . (٣) قوت القلوب (٤٣/٢)، ومختصراً رواه أحمد في ((المسند)) (٤٢٨/٤)، والتفسير الآتي عنده . ـتش ٥٤٦ مئن ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق أنَّ تحتَهُ شيئاً حتَّى كُشِفَ ، فقالَتْ لهُ امرأتُهُ : أهلي فداؤُكَ ، ما نطعمُكَ ؟ ما نسقيكَ ؟ فقالَ : طالَتِ الضجعةُ ، ودبرَتِ الحراقيفُ ، وأصبحتُ نضواً لا أطعمُ طعاماً ولا أسيغُ شراباً منذُ كذا - فذكرَ أياماً - وما يسرُّني أُنِّي نقصتُ مِنْ هذا قلامةَ ظفرٍ (١) . ولمَّا قدمَ سعدُ بنُ أبي وقاصٍ إلى مكةً وكانَ قدْكُفَّ بصرُهُ .. جاءَهُ الناسُ يُهرعونَ إليهِ ، كلُّ واحدٍ يسألُهُ أنْ يدعوَ لهُ ، فيدعو لههذا ولهذا ، وكانَ مجابَ الدعوةِ ، قالَ عبدُ الله بنُ السائبِ : فأتيتُهُ وأنا غلامٌ ، فتعرَّفتُ إليهِ فعرفَني وقالَ : أنتَ قارىءُ أهلِ مكةَ؟ قلتُ : نعمْ، فذكرَ قَصَّةً قالَ في آخرِها : فقلتُ لهُ: يا عمُّ ؛ أنتَ تدعو للناسِ ، فلوْ دعوتَ لنفسِكَ فردَّ اللهُ عليكَ بصرَكَ ، فتبسَّمَ وقالَ : يا بنيَّ ؛ قضاءُ اللهِ سبحانَهُ عندي أحسنُ مِنْ بصري(٢) . ? حن كن وضاعَ لبعضِ الصوفيّةِ ولدٌ صغيرٌ ثلاثةَ أيام لمْ يُعرفْ لهُ خبرٌ ، فقيلَ لهُ : لوْ سألتَ اللهَ تعالى أنْ يردَّهُ عليكَ ، فقالَ : اعتراضي عليهِ فيما قضى أشدُّ عليَّ مِنْ ذهابٍ ولدي(٣) . وعنْ بعضٍِ العبَّادِ أنَّهُ قالَ : إني أذنبتُ ذنباً عظيماً ، فأنا أبكي عليهِ منذُ G (١) كذا في ((القوت)) (٤٣/٢)، ورواه ابن المبارك في ((الزهد)» (٤٦٣)، والحراقيف : جمع حَرْقَفَة ، رأس الوَرِكُ . (٢) قوت القلوب (٤٣/٢). (٣) قوت القلوب (٤٣/٢). ٥٤٧ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات ستينَ سنةً ، وكانَ قدِ اجتهدَ في العبادةِ لأجلِ التوبةِ مِنْ ذلكَ الذنبِ ، فقيل لهُ : وما هوَ ؟ قالَ : قلتُ مرَّةٌ لشيءٍ كانَ: ليتَهُ لمْ يكنْ(١). وقالَ بعضُ السلفِ : لوْ قُرضَ جسمي بالمقاريضِ .. لكانَ أحبَّ إليَّ مِنْ أنْ أقولَ لشيءٍ قضاهُ اللهُ سبحانَهُ: ليتَهُ لمْ يقضِهِ (٢). وقيلَ لعبدِ الواحدِ بنِ زيدٍ : هلهنا رجلٌ قدْ تعبَّدَ خمسينَ سنةً ، فقصدَهُ ، فقالَ لهُ : يا حبيبي ؛ أخبرْني عنكَ: هلْ قنعتَ بهِ ؟ قالَ : لا ، قالَ : فهلْ أنستَ بهِ ؟ قالَ : لا ، قالَ : فهلْ رضيتَ عنهُ؟ قالَ : لا ، قالَ : فإنَّما مزيدُكَ منهُ الصومُ والصلاةُ ؟ قالَ : نعمْ، قالَ : لولا أنِّي أستحبي منكَ .. لأخبرتُكَ بأنَّ معاملتَكَ خمسينَ سنةً مدخولةٌ(٢) . ومعناهُ : أَنَّكَ لمْ يُفتحْ لكَ بابُ القلبِ فترقى إلى درجاتِ القربِ بأعمالٍ القلبِ ، وإنَّما أنتَ تُعدُّ في طبقةِ أصحابِ اليمينِ ؛ لأنَّ مزيدَكَ منهُ في أعمالٍ الجوارحِ التي هيَ مزيدُ أهلِ العمومِ . ودخلَ جماعةٌ مِنَ الناسِ على الشبليِّ رحمهُ اللهُ تعالى في مارستانٍ قَدْ حُبسَ فيهِ وقدْ جمعَ بينَ يديهِ حجارةٌ ، فقالَ : مَنْ أَنتمْ ؟ فقالوا : محبُّوكَ ، فأقبلَ عليهِم يرميهِمْ بالحجارةِ ، فتهاربوا ، فقالَ : ما بالُكُمُ ادعيتُمْ محبَّتي ؟ إنْ صدقتُمْ .. فاصبروا على بلائي(٣). (١) قوت القلوب (٤٣/٢)، وفيه ( ثلاثين ) بدل ( ستين ) . (٢) قوت القلوب (٤٣/٢). (٣) رواه القشيري في ((رسالته)) (ص٥٢٥). ٥٤٨ حن بحر ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق محن حن حن والشبليِّ رحمَهُ الله(١): [من البسيط] وَهَلْ رَأَيْتَ مُحِبّاً غَيْرَ سَكْرانٍ إِنَّ الْمَحَبَّةَ لِلرَّحْمنِ أَسْكَرَنِي وقالَ بعضُ عبَّادِ أهلِ الشام: ( كلُّكُمْ يلقى اللهَ عزَّ وجلَّ مصدِّقاً ولعلَّهُ قدْ كذبَهُ ، وذلكَ أنَّ أحدَكُمْ لوْ كانَ لهُ إصبعٌ مِنْ ذهبٍ ظلَّ يشيرُ بها ، ولوْ كانَ بها شللٌ ظلَّ يواريها )(٢) ؛ يعني بذلكَ: أنَّ الذهبَ مذمومٌ عندَ اللهِ والناسُ يتفاخرونَ بهِ ، والبلاءُ زينةُ أهلِ الآخرةِ وهمْ يستنكفونَ منهُ . وقيلَ : إِنَّهُ وقعَ الحريقُ في السوقِ ، فقيلَ للسريِّ : احترقَ السوقُ وما احترقَ دكانُكَ ، فقالَ : الحمدُ للهِ، ثمَّ قالَ : كيفَ قلتُ ؟! الحمدُ للهِ على سلامتي دونَ المسلمينَ !! فتابَ مِنَ التجارةِ ، وتركَ الحانوتَ بقيَّةً عمرِهِ ؛ توبةً واستغفاراً مِنْ قولِهِ : الحمدُ للهِ(٣). حن تن حن فإذا تأمَّلتَ هذهِ الحكاياتِ .. عرفتَ قطعاً أنَّ الرضا بما يخالفُ الهوى ليسَ مستحيلاً ، بلْ هوَ مقامٌ عظيمٌ مِنْ مقاماتِ أهلِ الدينِ ، ومهما كانَ ذلكَ ممكناً في حبِّ الخلقِ وحظوظِهِمْ .. كانَ ممكناً في حبِّ الخالقِ تعالى وحظوظِ الآخرةِ قطعاً ، وإمكانُهُ مِنْ وجهينِ : أحدُهُما : الرضا بالألم لما يُتوقَّعُ مِنَ الثوابِ الموجودِ ؛ كالرضا (١) ديوانه ( ص ١٢٩ ). (٢) قوت القلوب (٤٤/٢). (٣) قوت القلوب (٤٦/٢)، وقال: (وبلغني عنه أنه كان يقول : قلت كلمة فأنا أستغفر الله منها ثلاثين سنة ؛ يعني قوله : الحمد لله ). ٥٤٩ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات بالفصدِ ، والحجامةِ ، وشرب الدواءِ انتظاراً للشفاءِ . والثاني : الرضا بهِ لا لحظُّ وراءَهُ ، بلْ لكونِهِ مرادَ المحبوب ورضاً لهُ ، فقدْ يغلبُ الحبُّ بحيثُ ينغمرُ مرادُ المحبِّ في مرادِ المحبوبِ ، فيكونُ الذُّ الأشياءِ عندَهُ سرورَ قلبٍ محبوبِهِ ورضاهُ ونفوذَ إرادتِهِ ، ولوْ في هلاكِ روحِهِ ؛ كما قيلَ(١) : [من البسيط] فَمَا لِجُرْحِ إِذا أَرْضاكُمُ أَلَمُ وهذا ممكنٌّ معَ الإحساسِ بالألمِ . وقدْ يستولي الحبُّ بحيثُ يدهشُ عنْ إدراكِ الألم ، فالقياسُ والتجربةُ والمشاهدةُ دالَّةٌ على وجودِهِ ، فلا ينبغي أنْ ينكرَهُ مَنْ فقدَهُ مِنْ نفسِهِ ، لأنَّهُ إنَّما فقدَهُ لفقدٍ سببهِ ، وهوَ فرطُ حبُّهِ ، ومَنْ لمْ يذقْ طعمَ الحبُّ .. لم يعرفْ عجائبَهُ ، فللمحبِّينَ عجائبُ أعظمُ ممَّا وصفناهُ . وقدْ رُوِيَ عنْ عمرو بنِ الحارثِ الرافقي(٢) قالَ: كنتُ في مجلسٍ بالرقَّةِ عندَ صديقٍ لي ، وكانَ معنا فتىَ يتعشَّقُ جاريةً مغنّةٌ ، وكانَتْ معنا في المجلسِ ، فضربَتْ بالقضيبِ وغنَّتْ : [من مجزوء المتقارب] عَلامَةُ ذُلِّ أَلْهَوَى عَلَى العاشِقِينَ أَلْبُكا (١) عجز بيت للمتنبي في ((ديوانه بشرح العكبري)) (٣٧٠/٣)، وتمامه : فما لجرح إذا أرضاكمُ ألم إن كان سرکمُ ما قال حاسدنا (٢) منسوب إلى الرافقة، مدينة جانب الرقة، بناها المنصور وأتمها المهدي. ((إتحاف)) ( ٦٦٢/٩ ) . ٥٥٠ ـون - - ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق وَلَا سِيَّما عاشِقِ إِذا لَمْ يَجِدْ مُشْتَكَى مے فقالَ لها الفتى : أحسنتِ واللهِ يا سيِّدتي ، أفتأذنينَ لي أن أموتَ ؟ فقالَتْ: مُتْ راشداً، قالَ : فوضعَ رأسَهُ على الوسادةِ ، وأطبقَ فمَهُ ، وغمَّضَ عينيهِ ، فحرّكناهُ فإذا هوَ ميتٌ(١) . هـ مير ه وقالَ الجنيدُ : رأيتُ رجلاً متعلِّقاً بكُمِّ صبيٍّ وهوَ يتضرَّعُ إليهِ ويظهرُ لهُ المحبَّةَ ، فالتفتَ إليهِ الصبيُّ وقالَ لهُ : إلى متى ذا النفاقُ الذي تظهرُ لي ؟ فقالَ : قدْ علمَ اللهُ أَنِّي صادقٌ فيما أوردُهُ، حتَّى لوْ قلتَ لي: مُتْ .. لمثُّ، فقالَ: إنْ كنتَ صادقاً .. فمُتْ: قالَ: فتنخَى الرجلُ وغمَّضَ عينيهِ ، فوُجِدَ ميتاً (٢) . وقالَ سمنونٌ المحبُّ : كانَ في جيرانِنا رجلٌ ولهُ جاريةٌ يحبُّها غايةً الحبِّ ، فاعتلَّتِ الجاريةُ، فجلسَ الرجلُ ليصلحَ لها حَيْساً ، فبينا هوَ يحرُِّ القَدْرَ إذْ قالتِ الجاريةُ : آهِ ، قالَ : فدهشَ الرجلُ ، وسقطتِ الملعقةُ مِنْ يدهِ ، وجعلَ يحركُ ما في القدْرِ بيدِهِ حتَّى تساقطَتْ أصابعُهُ ، فقالَتِ الجاريةُ : ما هذا؟! قالَ الرجلُ: هذا موضعُ قولِكِ: آهٍ(٣). (١) رواه أبن الوشاء في ((الموشى)) ( ص٧٨) ضمن خبر عجيب ، فيه أنه مات مع الفتى القينةُ وابنة شيخ ، دفنوا بموضع واحد . (٢) رواه السلمي في (( المقدمة في التصوف)) (ص ٢٧). (٣) كذا عند السلمي في ((المقدمة في التصوف)) ( ص ٢٤)، ورواه ابن الجوزي في (( ذم الهوى)) (٩٠٢ ) . ٥٥١ دں كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات وحُكِيَ عنْ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ البغداديِّ قالَ : رأيتُ بالبصرةِ شابّاً على سطحٍ مرتفعٍ وقدْ أشرفَ على الناسِ وهوَ يقولُ : [من السريع] مَنْ ماتَ عِشْقاً فَلْيَمُتْ هَكَذا لاَ خَيْرَ فِي عِشْقٍ بِلا مَوْتِ ثُمَّ رمى بنفسِهِ إلى الأرضِ، فحملوهُ ميتاً(١) . فهذا وأمثالُهُ قدْ يصدقُ بهِ في حبِّ المخلوقِ ، والتصديقُ بهِ في حبِّ الخالقِ أولى ؛ لأنَّ البصيرةَ الباطنةَ أصدقُ مِنَّ البصرِ الظاهرِ ، وجمالَ الحضرةِ الربانيّةِ أوفىْ مِنْ كلِّ جمالٍ ، بلْ كلُّ جمالٍ في العالمِ فهوَ حسنةٌ مِنْ حسناتِ ذلكَ الجمالِ . نعم ، الذي فقدَ البصرَ ينكرُ جمالَ الصورِ ، والذي فقدَ السمعَ ينكرُ لذَّةَ الألحانِ والنغماتِ الموزونةِ ؛ فالذي فقدَ القلبَ لا بدَّ وأنْ ينكرَ أيضاً هذهِ اللَّذاتِ التي لا مَظِنَّةَ لها سوى القلبِ . (١) كذا عند السلمي في ((المقدمة في التصوف)) (ص ٢٥)، ومختصراً عند القشيري في (( الرسالة)) (ص٥٢٧ ) . ٥٥٢ جرة .. ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق حر بيان أن الدعاء غير من قضِ الرضا، ولا يخرج صاحبه عن مقام الرّضنا وكذلكَ كراهةُ المعاصي ، ومقتُ أهلِها ، ومقتُ أسبابِها ، والسعيُ في إزالتِها بالأمرِ بالمعروفِ والنهي عنِ المنكرِ لا يناقضُهُ أيضاً ، وقدْ غلطَ في ذلكَ بعضُ البطَّالينَ المغترِّينَ ، وزعموا أنَّ المعاصيَ والفجورَ والكفرَ مِنْ قضاءِ اللهِ تعالى وقدرِهِ، فيجبُ الرضابهِ، وهذا جهلٌ بالتأويلِ، وغفلةٌ عنْ أسرارِ الشرع. فأمّا الدعاءُ : فقدْ تُعبِّدنا بهِ ، وكثرةُ دعواتِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وسائرٍ الأنبياءِ عليهِمُ السلامُ على ما نقلناهُ في كتابِ الدعواتِ .. تدلُّ عليهِ ، ولقدْ كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في أعلى المقاماتِ مِنَ الرضا ، وقدْ أثنى اللهُ تعالى على بعضٍ عبادِهِ بقولِهِ: ﴿يَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾. وأمَّا إنكارُ المعاصي وكراهتُها وعدمُ الرضا بها : فقدْ تعبَّدَ اللهُ تعالىُ بهِ عبادَهُ، وذقَّهُمْ على الرضا بهِ فقالَ: ﴿وَرَضُواْ بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَأَطْمَأَنُواْبِهَا﴾ . وقال تعالى: ﴿رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِ وَطَيِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ وفي الخبرِ المشهورِ : ((مَنْ شهدَ منكراً فرضيَ بهِ .. فكأنَّهُ قدْ فعلَهُ))(١) (١) رواه بنحوه أبو يعلى في ((مسنده)» ( ٦٧٨٥) ولفظه: (( من شهد أمراً فكرهه .. كان كمن غاب عنه ، ومن غاب عن أمر فرضي به .. كان كمن شهده )" . ٥٥٣ بان حر كتاب المحبة والشوق عہ ربع المنجيات وفي الحديثِ : ((الدالُّ على الشرِّ .. كفاعِلِهِ)) (١). وعنِ ابن مسعودٍ : ( إنَّ العبدَ ليغيبُ عنِ المنكرِ ويكونُ عليهِ مثلُ وزر صاحبهِ ، قيلَ : وكيفَ ذلكَ ؟ قالَ: يبلغُهُ فيرضى بهِ)(٢) . ـر وفي الخبرِ: ((لوْ أنَّ عبداً قُتِلَ بالمشرقِ ورضيَ بقتلِهِ آخرُ بالمغربِ .. كانَ شريكاً في قتلِهِ))(٣) . وقدْ أمرَ اللهُ تعالى بالحسدِ والمنافسةِ في الخيراتِ وتوقَي الشرورِ ، فقالَ تعالى: ﴿وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ اَلْمُنَنَافِسُونَ﴾ . وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا حسدَ إلا في اثنتين: رجلٌ آتاهُ اللهُ حكمةً فهوَ يبثُّها في الناس ويعلِّمُها ، ورجلٌ آتاهُ اللهُ مالاً فسلَّطَهُ على هلكتِهِ في الحقِّ ))، وفي لفظٍ آخرَ: ((ورجلٌ آتاهُ اللهُ القرآنَ فهوَ يقومُ بهِ آناءَ الليلِ والنهارِ ، فيقولُ الرجلُ : لوْ آتاني اللهُ مثلَ ما آتى هذا .. لفعلتُ مثلَ ما يفعلُ))(٤). (١) كذا في ((القوت)) (٤٦/٢)، ورواه أبو بكر الإسماعيلي في ((معجم الشيوخ)) (١١٨) من حديث أنس رضي الله عنه، وأورده الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٣١٢١) من حديث عائشة وابن مسعود رضي الله عنهما . (٢) قوت القلوب (٤٦/٢). (٣) كذا في ((القوت)) (٤٦/٢)، وقال الحافظ العراقي: ( لم أجد له أصلاً بهذا اللفظ ، ولابن عدي - في ((الكامل)) [٢٣٠/٧] - من حديث أبي هريرة: (( من حضر معصية فكرهها .. فكأنما غاب عنها ، ومن غاب عنها وأحبها .. فكأنما حضرها ، وتقدم في كتاب الأمر بالمعروف). ((إتحاف)) (٦٦٤/٩). (٤) كذا في ((القوت)) (٤٩/٢) بروايته، وروى الحديث الأول منهما البخاري ( ٧٣)، ٥٥٤ ..---. WITAL L ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق وأمَّا بغضُ الكفَّارِ والفجَّارِ والإنكارُ عليهِمْ ومقتُهُمْ : فما وردَ فيهِ مِنْ شواهدِ القرآنِ والأخبارِ لا يُحصى ؛ مثلَ قولِهِ تعالى : ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقالَ تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ أَلْيَهُودَ وَالنَّصَرَىّ أَوْلِيَاةَ﴾، وقالَ تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِى بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾. 2 وفي الخبرِ : ( إنَّ اللهَ تعالى أخذَ الميثاقَ على كلِّ مؤمنٍ أنْ يبغضَ كلَّ منافقٍ، وعلى كلِّ منافقٍ أنْ يبغضَ كلَّ مؤمنٍ)(١). وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((المرءُ معَ مَنْ أحبَّ)) (٢). وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((مَنْ أحبَّ قوماً ووالاهُمْ .. حُشِرَ معَهُمْ يومَ القيامةِ))(٣). ومسلم ( ٨١٦) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، وروى الثاني منهما البخاري = (٧٢٣٢) عن أبي هريرة رضي الله عنه . (١) كذا في ((القوت)) (٤٧/٢) حيث قال: (وروينا في خبر) ولم يذكر رفعه، والمعنى في الآيات قبله ، ومما ورد في هذا المعنى ما رواه مسلم ( ٧٨) عن علي رضي الله عنه قال : ( والذي فلق الحبة وبرأ النسمة؛ إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إليَّ ألا يحبَّني إلا مؤمن ، ولا يبغضني إلا منافق ) . (٢) رواه البخاري (٦١٦٩)، ومسلم (٢٦٤١). (٣) كذا في ((القوت)) (٤٧/٢)، وقد رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٩/٣) من حديث أبي قرصافة رضي الله عنه، وابن عدي في ((الكامل)) (٣٠٣/١) من حديث جابر رضي الله عنه . ٥٥٥ كتاب المحبة والشوق 095 ربع المنجيات وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( أوثقُ عرى الإيمانِ الحبُّ في اللّهِ والبغضُ في اللهِ))(١). وشواهدُ هذا قدْ ذكرناها في بيانِ الحبِّ والبغضِ في اللهِ تعالىُ مِنْ كتابٍ آدابِ الصحبةِ ، وفي كتابِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ ، فلا نعيدُهُ . فإنْ قلتَ : فقدْ وردَتِ الآياتُ والأخبارُ بالرضا بقضاءِ اللهِ تعالىُ ، فإنْ كانَتِ المعاصي بغيرِ قضاءِ اللهِ تعالى .. فهوَ محالٌ، وهوَ قادحٌ في التوحيدِ ، وإنْ كانَتْ بقضاءِ اللهِ تعالى .. فكراهتُها ومقتُها كراهةٌ لقضاءِ اللهِ تعالىُ ، فكيفَ السبيلُ إلى الجمع وهوَ متناقضٌ على هذا الوجهِ ؟ وكيفَ يمكنُ الجمعُ بينَ الرضا والكراهةِ في شيءٍ واحدٍ ؟ فاعلمْ : أنَّ هذا ممَّا يلتبسُ على الضعفاءِ القاصرينَ عنِ الوقوفِ على أسرارِ العلومِ، وقدِ التبسَ على قومٍ حتَّى رأَوُا السكوتَ عنِ المنكراتِ مقاماً مِنْ مقاماتِ الرضا ، وسمَّوهُ حسْنَ خلقٍ ، وهوَ جهلٌ محضٌ ، بلْ نقولُ : الرضا والكراهةُ يتضادانِ إذا تواردا على شيءٍ واحدٍ مِنْ جهةٍ واحدةٍ على وجهٍ واحدٍ ، فليسَ مِنَ التضادِّ في شيءٍ واحدٍ أنْ يُكرهَ مِنْ وجهٍ ويُرضیُ بهِ مِنْ وجهٍ ؛ إذْ قدْ يموتُ عدوُّكَ الذي هوَ أيضاً عدوُّ بعضِ أعدائِكَ وساعٍ في (١) رواه الطيالسي في ((مسنده)) (٧٤٧)، وأحمد في ((مسنده)) (٢٨٦/٤). ٥٥٦ جن ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق إهلاكِهِ ، فتكرهُ موتَهُ مِنْ حيثُ إنَّهُ ماتَ عدوٌ عدوُكَ، وترضاهُ مِنْ حيثُ إنَّهُ ماتَ عدوُّكَ ، وكذلكَ المعصيةُ لها وجهانِ : وجهٌ إلى اللهِ تعالى مِنْ حيثُ إنَّهُ فعلُهُ واختيارُهُ وإرادتُهُ ، فيرضىُ بهِ مِنْ هذا الوجهِ ؛ تسليماً للمُلْكِ إلى مالكِ المُلْكِ، ورضاً بما يفعلُهُ فيهِ . ووجهٌ إلى العبدِ مِنْ حيثُ إنَّهُ كسبُهُ ووصفُهُ وعلامةُ كونِهِ ممقوتاً عندَ اللهِ تعالىُ وبغيضاً عندَهُ، حيثُ سلَّطَ عليهِ أسبابَ البعدِ والمقتِ ، فهوَ مِنْ هذا الوجهِ منكرٌ ومذمومٌ . ولا ينكشفُ هذا لكَ إلا بمثالٍ : فلنفرضْ محبوباً مِنَ الخلقِ قالَ بينَ يدي محبِّهِ : إِنِّي أريدُ أنْ أميزَ بينَ مَنْ يحبُّتي ويبغضُني ، وأنصبَ فيهِ معياراً صادقاً وميزاناً ناطقاً ، وهوَ أنْي أقصدُ إلى فلانٍ فأوذيهِ وأضربُهُ ضرباً يضطرُّهُ ذلكَ إلى الشتم لي، حتَّى إذا شتمَني .. أبغضتُهُ واتخذتُهُ عدوّاً لي، فكلُّ مَنْ أحبَّهُ أعلمُ أيضاً أنَّهُ عدوِّي ، وكلُّ مَنْ أبغضَهُ أعلمُ أنَّهُ صديقي ومحبِّي . ثمَّ فعلَ ذلكَ، وحصلَ مرادُهُ مِنَ الشتمِ الذي هوَ سببُ البغضِ ، وحصلَ البغضُ الذي هوَ سببُ العداوةِ ، فحقٌّ على كلِّ مَنْ هوَ صادقٌ في محبِّهِ وعالمٌ بشروطِ المحبَّةِ أنْ يقولَ : أما تدبيرُكَ في إيذاءِ هذا الشخصِ وضرِبِهِ وإبعادِهِ وتعريضُكَ إِيَّهُ للبغض والعداوةِ .. فأنا محبٌّ لهُ وراضٍ بهِ، فإنَّهُ رأيُكَ وتدبيرُكَ ، وفعلُكَ ٠ ٥٥٧ .بن كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات وإرادتُكَ، وأمَّا شتمُهُ إِيَّاكَ .. فإنَّهُ عدوانٌ مِنْ جهتِهِ ؛ إذْ كانَ حقُّهُ أنْ يصبرَ ولا يشتمَ ، ولكنَّهُ كانَ مرادَكَ منهُ، فإنَّكَ قصدتَ بضربِهِ استنطاقَهُ بالشتمِ الموجبِ للمقتِ ، فهوَ مِنْ حيثُ إنَّهُ حصلَ علىْ وَفْقِ مرادِكَ وتدبيرِكَ الذي دبَّرَتَهُ .. فأنا راضٍ بهِ ، ولوْ لمْ يحصلْ .. لكانَ ذلكَ نقصاناً في تدبيرِكَ، وتعويقاً في مرادِكَ ، وأنا كارهُ لفواتِ مرادِكَ، ولكنَّهُ مِنْ حيثُ إنَّهُ وصفهٌ لهذا الشخصِ ، وكبٌّ لهُ، وعدوانٌ وتهجُّمٌ منهُ عليكَ على خلافٍ ما يقتضيهِ جمالُكَ ، إذْ كانَ ذلكَ يقتضي أنْ يحتملَ منكَ الضربَ ولا يقابلَ بالشتم .. فأنا كارهُ لهُ مِنْ حيثُ نسبتُهُ إليهِ ، ومِنْ حيثُ هوَ وصفٌّ لهُ ، لا مِنْ حيثُ هوَ مرادُكَ ومقتضى تدبيرِكَ . وأمَّا بغضُكَ لهُ بسببٍ شتمِكَ .. فأنا راضٍ بهِ ، ومحبّ لهُ؛ لأنَّهُ مرادُكَ ، وأنا على موافقتِكَ أيضاً مبغضٌ لهُ؛ لأنَّ شرطَ المحبِّ أنْ يكونَ حبيبُ المحبوبِ حبيباً ، وعدوُّهُ عدوّاً . وأمَّا بغضُهُ لكَ .. فإِنِّي أرضاهُ مِنْ حيثُ إنَّكَ أردتَ أنْ يبغضَكَ، إذْ أبعدتَهُ عنْ نفسِكَ ، وسلَّطتَ عليهِ دواعيَ البغضِ ، ولكني أبغضُهُ مِنْ حيثُ إنَّهُ وصفُ ذلكَ المبغضِ وكسبُهُ وفعلُهُ ، وأمقتُهُ لذلكَ ، فهوَ ممقوتٌ عندي لمقتِهِ إِيَّاكَ، وبغضُهُ ومقتُّهُ لكَ أيضاً مكروهٌ عندي مِنْ حيثُ إنَّهُ وصفُهُ ، وكلُّ ذلكَ مِنْ حيثُ إنَّهُ مرادُكَ .. فهوَ مرضيٍّ . وإنَّما التناقضُ أنْ يقولَ : هوَ مِنْ حيثُ إنَّهُ مرادُكَ مرضيٍّ، ومِنْ حيثُ إنَّهُ ٥٥٨ ـن وسط ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق ـون مرادُكَ مكروهٌ، فأمَّا إذا كانَ مكروهاً لا مِنْ حيثُ إنَّهُ فعلُهُ ومرادُهُ ، بلْ مِنْ حيثُ إنَّهُ وصفُ غيرِهِ وكسبُهُ .. فهذا لا تناقضَ فيهِ، ويشهدُ لذلكَ كلُّ ما يُكرهُ مِنْ وجهٍ ويُرضى بهِ مِنْ وجهٍ ، ونظائرُ ذلكَ لا تُحصى . فإذاً؛ تسليطَ اللهِ دواعيَ الشهوةِ والمعصيةِ عليهِ حتَّى يجرَّهُ ذلكَ إلى حبُّ المعصيةِ، ويجرَّهُ الحبُّ إلى فعلِ المعصيةِ .. يضاهي ضربَ المحبوبِ للشخصِ الذي ضربناهُ مثلاً ليجرَّهُ الضربُ إلى الغضبِ ، والغضبُ إلى الشتمٍ، ومقتُ اللهِ تعالى لمَنْ عصاهُ - وإنْ كانَتْ معصيتُهُ بتدبيرِهِ - يشبهُ بغضَ المشتوم لمَنْ شتمَهُ وإنْ كانَ شتمُّهُ إنَّما يحصلُ بتدبيرِهِ واختيارِهِ لأسبابهِ . وفعلُ اللهِ تعالىُ ذلكَ بكلِّ عبدٍ مِنْ عبيدِهِ - أعني : تسليطَ دواعي المعصيةِ عليهِ - يدلُّ على أنَّهُ سبقَتْ مشيئتُهُ بإبعادِهِ ومقتِهِ ، فواجبٌّ على كلِّ عبدٍ محبٍّ اللهِ أَنْ يبغضَ مَنْ أبغضَهُ اللهُ، ويمقتَ مَنْ مقتَهُ اللهُ، ويعاديَ مَنْ أبعدَهُ اللهُ عنْ حضرتِهِ ، وإن اضطرَّهُ بقهرِهِ وقدرتِهِ إلى معاداتِهِ ومخالفتِهِ ؛ فإنَّهُ بعيدٌ مطرودٌ ملعونٌ عنِ الحضرةِ ، وإنْ كانَ بعيداً بإبعادِهِ قهراً ، ومطروداً بطردِهِ اضطراراً . والمبعدُ عنْ درجاتِ القربِ ينبغي أنْ يكونَ مقيتاً بغيضاً إلى جميع المحبِّنَ ؛ موافقةً للمحبوبِ بإظهارِ الغضبِ على مَنْ أظهرَ المحبوبُ الغضبَ عليهِ بإبعادِهِ . ٥٥٩ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات وبهذا يتقرَّرُ جميعُ ما وردَتْ بهِ الأخبارُ مِنَ البغضِ في اللهِ ، والحبِّ في اللهِ ، والتشديدِ على الكفَّارِ ، والتغليظِ عليهِمْ، والمبالغةِ في مقتِهِمْ ، مع الرضا بقضاءِ اللهِ تعالىُ مِنْ حيثُ إنَّهُ قضاءُ اللهِ عزَّ وجلَّ . حمه. وهذا كلُّهُ يُستمدُّ مِنْ سرِّ القدرِ الذي لا رخصةَ في إفشائِهِ، وهوَ أنَّ الشرّ والخيرَ كلاهما داخلانِ في المشيئةِ والإرادةِ ، ولكنَّ الشرَّ مرادٌ مكروهٌ ، والخيرَ مرادٌ مرضيٍّ بهِ ، فمَنْ قالَ : ليسَ الشؤُّ مِنَ اللهِ .. فهوَ جاهلٌ ، وكذا مَنْ قالَ: إنَّهما جميعاً منهُ مِنْ غيرِ افتراقٍ في الرضا والكراهةِ .. فهوَ أيضاً مقصِّرٌ، وكشفُ الغطاءِ عنهُ غيرُ مأذونٍ فيهِ ، فالأولى السكوتُ والتأذُّبُ بأدبِ الشرع، فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( القدرُ سرُّ اللهِ ، فلا تفشوهُ)»(١)، وذلكَ يتعلَّقُ بعلم المكاشفةِ، وغرضُنا الآنَ بيانُ الإمكانِ فيما تُعيِّدَ بهِ الخلقُ مِنَ الجمع بينَ الرضا بقضاءِ الله تعالى ومقتِ المعاصي معَ أنَّها مِنْ قضاءِ اللهِ تعالى ، وقدْ ظهرَ الغرضُ مِنْ غيرِ حاجةٍ إلى كشفِ السرِّ فیهِ . وبهذا يُعرفُ أيضاً أنَّ الدعاءَ بالمغفرةِ ، والعصمةِ مِنَ المعاصي ، وسائرٍ الأسبابِ المعينةِ على الدينِ .. غيرُ مناقضٍ للرضا بقضاءِ اللهِ تعالى؛ فإنَّ اللهَ تعبََّ العبادَ بالدعاءِ ليستخرجَ الدعاءُ منهُمْ صفاءَ الذكرِ وخشوعَ القلبِ ورقَّةً (١) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (١٠٢/٧)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٨٢/٦). ٥٦٠ :53-