النص المفهرس

صفحات 481-500

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
فإنْ قلتَ : فمَنْ لا يحبُّ الموتَ فهلْ يُتصوَّرُ أنْ يكونَ محبّاً للهِ ؟
فأقولُ : كراهةُ الموتِ قدْ تكونُ لحبِّ الدنيا ، والتأسُّفِ على فراقِ الأهلِ
والمالِ والولدِ ، وهذا ينافي كمالَ حبِّ اللهِ تعالى ؛ لأنَّ الحبَّ الكاملَ هوَ
الذي يستغرقُ كلَّ القلبِ، ولكنْ لا يبعدُ أنْ يكونَ لهُ معَ حبِّ الأهلِ والولدِ
شائبةٌ مِنْ حبِّ اللهِ تعالى ضعيفةٌ ، فإنَّ الناسَ متفاوتونَ في الحبِّ .
ويدلُّ على التفاوتِ ما رُوِيَ أنَّ أبا حذيفةَ بنَ عتبةً بن ربيعةَ بنِ عبدِ شمسٍ
لمَّا زوَّجَ أختَهُ فاطمةَ مِنْ سالمِ مولاهُ .. عاتبَتْهُ قريشٌ في ذلكَ وقالوا :
أنكحتَ عقيلةٌ مِنْ عقائلِ قريشٍٍ لمولىّ ؟! فقالَ : واللهِ ؛ لقدْ أنكحتُهُ إِيَّاها
وإنِّي لأعلمُ أنَّهُ خيرٌ منها ، فكانَ قولُهُ ذلكَ أشدَّ عليهِمْ مِنْ فعلِهِ ، فقالوا :
وكيفَ وهيَ أختُكَ وهوّ مولاكَ ؟ فقالَ : سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ يقولُ : (( مَنْ أرادَ أنْ ينظرَ إلى رجلٍ يحبُّ اللهَ بكلِّ قلبهِ .. فلينظرْ إلى
سالمٍ)) (١) .
٢٠م
فهذا يدلُّ على أنَّ مِنَ الناسِ مَنْ لا يحبُّ اللهَ بكلِّ قلبهِ ، فيحبُّهُ ويحبُّ
أيضاً غيرَهُ ، فلا جرمَ يكونُ نعيمُهُ بلقاءِ اللهِ عندَ القدوم عليهِ على قدْرِ حبِّهِ ،
وعذابُهُ بفراقِ الدنيا عندَ الموتِ على قدْرِ حبِّهِ لها .
وأمَّا السببُ الثاني للكراهةِ .. فهوَ أنْ يكونَ العبدُ في ابتداءِ مقام المحبَّةِ
(١) كذا في ((القوت)) (٥١/٢)، وروى المرفوع منه أحمد في (( فضائل الصحابة)»
(١٢٨٧)، وأبو نعيم في « الحلية)) (١٧٧/١) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله
عنه، ولفظه: ((إنه يحب الله تعالى حقاً من قلبه)).
٤٨١

كتاب المحبة والشوق
ويــ
ربع المنجيات
وليسَ يكرهُ الموتَ ، وإنَّما يكرهُ عجلتَهُ قبلَ أنْ يستعدَّ للقاءِ اللهِ ، فذلكَ
لا يدلُّ على ضعفِ الحبِّ، وهوَ كالمحبِّ الذي وصلَهُ الخبرُ بقدوم حبيِهِ
عليهِ، فأحبّ أنْ يتأخّرَ قدومُهُ ساعةً ليهيَِّ لهُ دارَهُ ويعدَّ لهُ أسبابَهُ ، فيلقاهُ
كما يهواهُ فارغَ القلبِ عنِ الشواغلِ ، خفيفَ الظهرِ عنِ العوائقِ ، فالكراهةُ
بهذا السببِ لا تنافي كمالَ الحبِّ أصلاً، وعلامتُهُ: الذُّؤوبُ في العملِ ،
واستغراقُ الهمِّ في الاستعدادِ .
ومنها : أنْ يكونَ مؤثراً ما أحبَّهُ اللهُ تعالى على ما يحبُّهُ في ظاهرِهِ وباطنِهِ :
فيلزمُ مشاقَّ العملِ ، ويجتنبُ اتباعَ الهوىُ ، ويعرضُ عنْ دعةِ الكسلِ ،
ولا يزالُ مواظباً على طاعةِ اللهِ تعالى ، ومتقرَّباً إليهِ بالنوافلِ ، وطالباً عندَهُ
مزايا الدرجاتِ كما يطلبُ المحبُّ مزيدَ القربِ في قلبٍ محبوبِهِ .
وقدْ وصفَ اللهُ تعالى المحبِّينَ بالإيثارِ فقالَ: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا
يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةٌ مِّمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ
خَصَاصَةٌ﴾، ومَنْ بقيَ مستمرّاً على متابعةِ الهوى .. فمحبوبُهُ ما يهواهُ ، بلْ
يتركُ المحبّ هوى نفسِهِ لھوی محبوبِهِ ، كما قيلَ(١):
[من الوافر ]
أُرِيدُ وِصالَهُ وَيُرِيدُ هَجْرِي
فأَتْرُكُ ما أُريدُ لما يُرِيدُ
(١) البيت لابن المنجم الواعظ. انظر ((فوات الوفيات)) (٣٠١/٢)، و(( الوافي
بالوفيات)) ( ١٨ /٢٦٨).
٤٨٢

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
بلِ الحبُّ إذا غلبَ .. قمعَ الهوى ، فلمْ يبقَ لهُ تنتُمٌ بغيرِ المحبوبِ ،
كما رُوِيَ أنَّ زَلِيخا لمَّا آمنَتْ وتزوَّجَ بها يوسفُ عليهِ السلامُ .. انفردَتْ عنهُ،
وتخلَّتْ للعبادةِ ، وانقطعَتْ إلى اللهِ تعالى ، فكانَ يدعوها إلى فراشِهِ نهاراً
فتدافعُهُ إلى الليلِ ، فإذا دعاها ليلاً سؤَّفَتْهُ إلى النهارِ وقالَتْ : يا يوسفُ ؛
إنَّما كنتُ أحبُّكَ قبلَ أنْ أعرِفَهُ، فأمَّا إذْ عرفتُهُ .. فما أبقتْ محبُّهُ محبَّةً
لسواهُ، وما أريدُ بهِ بدلاً، حتَّى قالَ لها : إنَّ اللهَ جلَّ ذكرُهُ أمرَني بذلكَ ،
وأخبرَني أنَّهُ مخرجٌ منكِ ولدينٍ ، وجاعلُهُما نبيِّينِ، فقالَتْ : أما إذا كانَ اللهُ
تعالى أمرَّكَ بذلكَ، وجعلَني طريقاً إليهِ .. فطاعةً لأمرِ اللهِ تعالى ، فعندَها
سكنَتْ إليهِ (١) .
حن
A.2
فإذاً؛ مَنْ أحبَّ اللهَ لا يعصيهِ، ولذلكَ قالَ ابنُ المباركِ فيهِ (٢): [من الكامل]
هَذَا لَعَمْرِي فِي الْفِعالِ بَدِيعُ
تَعْصِي الإِلَهَ وَأَنْتَ تُظْهرُ حُبَّهُ
إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ
لَوْ كَانَ حُبُّكَ صادِقاً لأَطَعْتَهُ
وفي هذا المعنى قيلَ أيضاً(٣):
[من الطويل]
وَأَتْرُكُ ما أَهْوَىْ لِمَا قَدْ هَوِيتَهُ
وَأَرْضَىُ بِمَا تَرْضَىْ وَإِنْ سَخِطَتْ نَفْسِي
وقالَ سهلٌ رحمَهُ اللهُ : ( علامةُ الحبِّ إيثارُهُ على نفسِكَ ) ، و( ليسَ كلُّ
(١) كذا في ((القوت)) (٢ /٥٢).
(٢) ديوانه ( ص ٨٣ ).
(٣) قوت القلوب (٥٤/٢).
٤٨٣

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
مَنْ عملَ بطاعةِ اللهِ صارَ حبيباً ، وإنَّما الحبيبُ مَن اجتنبَ المناهيَ)(١).
وهوَ كما قالَ؛ لأنَّ محبَّهُ للهِ تعالى سببُ محبّةِ اللهِ لهُ ، كما قال تعالى :
◌ُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، وإذا أحبَّهُ اللهُ .. تولاهُ ونصرَهُ على أعدائِهِ، وإنَّما عدؤُهُ
نفسُهُ وشهواتُهُ، فلا يخذلُهُ اللهُ ولا يكلُهُ إلى هواهُ وشهواتِهِ ، ولذلكَ قالَ
تعالى: ﴿وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَابِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِالَِّ نَصِيرًا﴾.
فإنْ قلتَ : فالعصيانُ هلْ يضادُّ أصلَ المحبَّةِ ؟
فأقولُ: إِنَّهُ يضادُّ كمالَها ولا يضادُّ أصلَها ، فكمْ مِنْ إنسانٍ يحبُّ نفسَهُ
وهوَ مريضٌ ويحبُّ الصَّةَ ويأكلُ ما يضرُّهُ ، معَ العلم بأنَّهُ يضرُّهُ ، وذلكَ
لا يدلُّ على عدم حبِِّ لنفسِهِ، ولكنَّ المعرفةَ قدْ تضعفُ، والشهوةَ قدْ
تغلبُ ، فيعجزُ عنِ القيامِ بحقِّ المحبةِ .
ويدلُّ عليهِ ما رُوِيَ أنَّ نعيمانَ كانَ يُؤتى بهِ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ في كلِّ قليلٍ فيحدُّهُ في معصيةٍ يرتكبُها ، إلى أنْ أُتِيَ بهِ يوماً فحدَّهُ ،
فلعنَهُ رجلٌ وقالَ : ما أكثرَ ما يُؤْتى بهِ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ! فقالَ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا تلعنْهُ؛ فإنَّهُ يحبُّ اللهَ ورسولَهُ))(٢)، فلمْ
يخرجْهُ بالمعصيةِ عنِ المحبَّةِ .
(١) قوت القلوب (٥٤/٢)، وهما قولان .
(٢) رواه البخاري ( ٦٧٨٠ ) .
٤٨٤
02

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
نعمْ ، تخرجُهُ المعصيةُ عنْ كمالِ الحبِّ ، وقدْ قالَ بعضُ العارفينَ :
( إذا كانَ الإيمانُ في ظاهرِ القلبِ .. أحبَّ اللهَ تعالىُ حبّاً متوسطاً ، فإذا دخلَ
سويداءَ القلبِ .. أحبَّهُ الحبّ البالغَ وتركَ المعاصيَ)(١).
وعلى الجملةِ : في دعوى المحبَّةِ خطرٌ، ولذلكَ قالَ الفضيلُ : (إذا
قيلَ لكَ : أتحبُّ اللهَ تعالى .. فاسكتْ؛ فإنَّكَ إنْ قلتَ : لا .. كفرتَ،
وإنْ قلتَ: نعمْ .. فليسَ وصفُكَ وصفَ المحبِّينَ، فاحذرِ المقتَ)(٢).
ولقدْ قالَ بعضُ العلماءِ : ( ليسَ في الجنَّةِ نعيمٌ أعلى مِنْ نعيمِ أهلِ
المعرفةِ والمحبّةِ ، ولا في جهنَّمَ عذابٌ أشدَّ مِنْ عذابِ مَنِ ادعى المعرفةَ
والمحبَّةَ ولمْ يتحقَّقْ بشيءٍ مِنْ ذلكَ)(٣).
ومنها : أنْ يكونَ مستهتَراً بذكر اللهِ تعالى :
لا يفترُ عنهُ لسانُهُ، ولا يخلو عنهُ قلبُهُ، فمَنْ أحبَّ شيئاً .. أكثرَ
بالضرورةِ ذكرَهُ ، وذكرَ ما يتعلَّقُ بهِ ، فعلامةُ حبّ اللهِ تعالىُ حبُّ ذكرِهِ ،
وحبُّ القرآنِ الذي هوَ كلامُهُ ، وحبُّ رسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وحبُّ
كلٌّ ما يُنسبُ إليهِ ، فإنَّ مَنْ يحبُّ إنساناً يحبُّ كلبَ محلَّتِهِ ، فالمحبَّةُ إِذا
(١) قوت القلوب (٥١/٢).
(٢) قوت القلوب (٥٢/٢).
(٣) قوت القلوب (٢/ ٥٢) .
.CG
٤٨٥
كن حن حن

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
قويَتْ .. تعدَّتْ مِنَ المحبوبِ إلى كلِّ ما يكتنفُ بالمحبوب ويحيطُ بهِ ويتعلَّقُ
بأسبابِهِ .
وذلكَ ليسَ شِرْكةً في الحبِّ ، فإنَّ مَنْ أحبَّ رسولَ المحبوبِ لأنَّهُ
رسولُهُ ، وكلامَهُ لأنَّهُ كلامُهُ .. فلمْ يجاوزْ حبُّهُ إلى غيرِهِ ، بلْ هوَ دليلُ كمالٍ
حبُِّ ، ومَنْ غلبَ حبُّ اللهِ على قلبِهِ .. أحبَّ جميعَ خلقِ اللهِ ؛ لأنَّهُمْ خلقُهُ ،
فكيفَ لا يحبُّ القرآنَ والرسولَ وعبادَ اللهِ الصالحِينَ ؟!
وقدْ ذكرنا تحقيقَ هذا في كتابِ آدابِ الصحبةِ .
ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿قُلّ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَأَتَّبِعُونِ يُحْسِبْكُمُ اَللَّهُ﴾.
٠
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أحبُوا اللهَ لما يغذوكُمْ بِهِ مِنْ
نعمِهِ، وأحبُّوني لحبِّ اللهِ ... ))(١) .
وقالَ سفيانُ : ( مَنْ أحبَّ مَنْ يحبُّ اللهَ تعالى .. فإنَّما أحبَّ اللهَ، ومَنْ
أكرمَ مَنْ يكرمُ اللهَ تعالى .. فإنَّما يكرمُ اللهَ تعالى )(٢).
وحُكِيَ عنْ بعضِ المريدينَ قالَ : كنتُ قدْ وجدتُ حلاوةَ المناجاةِ في
شِرَّةِ الإرادةِ (٣)، فأدمنتُ قراءةَ القرآنِ ليلاً ونهاراً، ثمَّ لحقَتْني فترةٌ،
حن كن ح عن من
(١) قوت القلوب (٥٠/٢)، ورواه الترمذي (٣٧٨٩) وتمامه: (( ... وأحبوني
بحب الله ، وأحبوا أهل بيتي بحبِي)).
ـد0
(٢) نقله صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (٩/ ٦٢٢).
كن
(٣) الشِّرَّة: النشاط والحرص، يقال: شرَّة الشباب؛ أي: حرصه ونشاطه، ومنه قوله
صلى الله عليه وسلم - وهو يناسب السياق -: ((إن لههذا القرآن شرَّة، ثم إن للناس عنه
فترة ... )) الحديث .
حن
٤٨٦
حن
حن

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
ـكن
فانقطعتُ عنِ التلاوةِ ، قالَ : فسمعتُ قائلاً يقولُ في المنامِ : إنْ كنتَ تزعمُ
أنَّكَ تحبُّي .. فلِمَ جفوتَ كتابي ؟!
أما ترى ما فيهِ مِنْ لطيفِ عتابي ؟ قالَ : فانتبهتُ وقدْ أُشرِبَ في قلبي
محبّةُ القرآنِ ، فعاودتُ إلى حالي(١).
وقالَ ابنُ مسعودٍ : ( لا ينبغي أنْ يسألَ أحدُكُمْ عنْ نفسِهِ إلا القرآنَ ، فإنْ
كانَ يحبُّ القرآنَ .. فهوَ يحبُّ اللهَ عزَّ وجلَّ، وإنْ لمْ يكنْ يحبُّ القرآنَ ..
فليسَ يحبُّ اللهَ)(٢).
وقالَ سهلٌ رحمَهُ اللهُ : ( علامةُ حبِّ اللهِ تعالىُ حبُّ القرآنِ ، وعلامةُ
حبِّ اللهِ وحبِّ القرآنِ حبُّ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وعلامةُ حبِّ النبيِّ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حبُّ السنَّةِ ، وعلامةُ حبِّ السنَّةِ حبُّ الآخرةِ ، وعلامةُ
حبِّ الآخرةِ بغضُ الدنيا ، وعلامةُ بغض الدنيا ألا يأخذَ منها إلا زاداً وبلغةً
إلى الآخرةِ )(٣).
ومنها : أنْ يكونَ أنسُهُ بالخلوةِ ومناجاةِ اللهِ تعالى وتلاوةِ كتابِهِ :
فيواظبُ على التهجُّدِ، ويغتنمُ هدوءَ الليلِ ، وصفاءَ الوقتِ بانقطاع
العوائقِ ، فأقلُّ درجاتِ الحبِّ التلذُّذُ بالخلوةِ بالحبيبِ ، والتنقُمُ بمناجاتِهِ ،
(١) قوت القلوب (٥٣/٢).
كذا فى ((القوت)» (٥٣/٢)، وقد رواه ابن المبارك فى ((الزهد)) (١٠٩٧).
(٢)
(٣) قوت القلوب (٥٣/٢) .
٤٨٧
ت دن

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
فمَنْ كانَ النومُ والاشتغالُ بالحديثِ ألذَّ عندَهُ وأطيبَ مِنْ مناجاةِ اللهِ تعالى ..
كيفَ تصحُّ محبُّهُ ؟!
قيلَ لإبراهيمَ بنِ أدهَمَ وقدْ نزلَ مِنَ الجبلِ : مِنْ أينَ أقبلتَ ؟ فقالَ : مِنَ
الأنسِ باللهِ(١) .
وفي أخبارِ داوودَ عليهِ السلامُ : ( لا تستأنسْ إلى أحدٍ مِنْ خلقي ، فإنِّي
إنَّما أقطعُ عنِّي رجلينٍ : رجلاً استبطأَ ثوابي فانقطعَ ، ورجلاً نسيّني فرضيَّ
بحالِهِ، وعلامةُ ذلكَ أنْ أكلَهُ إلى نفسِهِ، وأَنْ أَدعَهُ في الدنيا حيرانَ)(٢).
ومهما أنسَ بغيرِ اللهِ .. كانَ بقدْرِ أنسِهِ بغيرِ اللهِ مستوحشاً مِنَ اللهِ تعالى ،
ساقطاً عنْ درجةٍ محبَّتِهٍ ، وفي قصَّةِ بُرْخ - وهوَ العبدُ الأسودُ الذي استسقى بهِ
موسى عليهِ السلامُ - : أنَّ اللهَ تعالى قالَ لموسى عليهِ السلامُ: إِنَّ بُرْخاً نعمَ
العبدُ هوَ لي ، إلا أنَّ فيهِ عيباً ، قالَ : يا ربِّ؛ وما عيبُهُ؟ قالَ: يعجبُهُ
نسيمُ الأسحارِ فيسكنُ إليهِ ، ومَنْ أحبَّني لمْ يسكنْ إلى شيءٍ(٣).
ورُوِيَ أنَّ عابداً عبدَ اللهَ تعالى في غيضةِ دهراً طويلاً ، فنظرَ إلى طائرٍ قدْ
عشَّشَ في شجرةٍ يأوي إليها ويصفِرُ عندَها ، فقالَ : لوْ حوَّلتُ مسجدي إلىُّ
تلكَ الشجرةِ ، فكنتُ آنسُ بصوتِ هذا الطائرِ ، قالَ : ففعلَ ، فأوحى اللهُ
تحر
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٠/٨).
(٢) نقله صاحب ((القوت)) (٦٢٣/٩).
(٣) قوت القلوب (٥٤/٢) .
٤٨٨
++ + + + + + ++-ے
!
A MANS

ربع المنجيات
جــ
ہے
كتاب المحبة والشوق
تعالى إلى نبيِّ ذلكَ الزمانِ : قَلْ لفلانٍ العابدِ : استأنستَ بمخلوقٍ ؟!
لأحطَنَّكَ درجةً لا تنالُها بشيءٍ مِنْ عملِكَ أبداً(١) .
فإذاً ؛ علامةُ المحبَّةِ كمالُ الأنسِ بمناجاةِ المحبوبِ ، وكمالُ التنعُمِ
بالخلوةِ بهِ ، وكمالُ الاستيحاشِ مِنْ كلِّ ما ينَغِّصُ عليهِ الخلوةَ ويعوّقُ عنْ
لذَّةِ المناجاةِ ، وعلامةُ الأنسِ مصيرُ العقلِ والفهمِ كلِّهِ مستغرقاً بلذَّةٍ
المناجاةِ ؛ كالذي يخاطبُ معشوقَهُ ويناجيهِ .
وقدِ انتهتْ هذهِ اللَّهُ ببعضِهِمْ حتَّى إنَّهُ كانَ في صلاتِهِ ووقعَ الحريقُ في
دارِهٍ فلمْ يشعرْ بهِ ، وقَطعَتْ رجْلُ بعضِهِمْ بسببٍ عَلَّةٍ أصابَتْهُ وهوَ في الصلاةِ
فلمْ يشعرْ بهِ (٢) .
٧
ومهما غلبَ عليهِ الحبُّ والأنسُ .. صارَتِ الخلوةُ والمناجاةُ قرَّةً عينٍ
تدفعُ جميعَ الهموم ، بلْ يستغرقُ الأنسُ والحبُّ قلبَهُ حتَّى لا يفهمَ أمورَ الدنيا
ما لمْ تُكرَّرْ على سمعِهِ مراراً ؛ مثلَ العاشقِ الولهانِ ، فإنَّهُ يكلُّمُ الناسَ بلسانِهِ
وأنسُهُ في الباطنِ بذكرِ حبيبهِ ، فالمحبُّ مَنْ لا يطمئنُّ إلا بمحبوبِهِ .
وقالَ قتادةُ في قولِهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَيْنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا
(١) كذا في ((القوت)) (٥٤/٢)، ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٩/١٠) بنحوه .
(٢) هو عروة بن الزبير، وقد روى خبره ابن أبي الدنيا في (( المرض والكفارات))
(١٤١)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٦١/٤٠) دون تصريح أن القطع كان
في الصلاة .
٤٨٩
ـكن
.22
حن

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
سود جيدبد بي
◌ِذِكْرِ اللَّهِ تَطْحَكِنُّ الْقُلُوبُ﴾ قالَ: (هشَّتْ إليهِ، واستأنسَتْ بهِ)(١).
وقالَ الصدِّيقُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( مَنْ ذاقَ مِنْ خالصِ محبَّةِ اللهِ .. شغلَهُ
ذلكَ عنْ طلبِ الدنيا، وأوحشَهُ عنْ جميع البشرِ)(٢).
وقالَ مطرِّفٌ : ( المحبُّ لا يسأمُ مِنْ حديثِ حبيبهِ )(٣).
وأوحى اللهُ تعالى إلى داوودَ عليهِ السلامُ: ( قدْ كذبَ مَنِ ادَّعى محبّتي
إذا جنَّهُ الليلُ .. نامَ عنِّي، أليسَ كلُّ محبٌّ يحبُّ لقاءَ حبيبهِ ؟ فهأنا ذا
موجودٌ لمَنْ طلبَئي)(٤) .
.. 5
وقالَ موسىُ عليهِ السلامُ : يا ربِّ، أينَ أنتَ فأقصدَكَ ؟ فقالَ: إذا
قصدتَ .. فقدْ وصلتَ (٥) .
وقالَ يحيى بن معاذٍ : ( مَنْ أَحبَّ اللهَ .. أبغضَ نفسَهُ ) .
وقال أيضاً : ( مَنْ لمْ تكنْ فيهِ ثلاثُ خصالٍ .. فليسَ بمحبٍّ ؛ يؤثرُ
كلامَ اللهِ تعالى على كلامِ الخلقِ ، ولقاءَ اللهِ تعالى على لقاءِ الخلقِ ،
والعبادةَ على خدمةِ الخلقِ ) .
كذا فى («القوت)» (٦٤/٢)، ورواه الطبري في ((تفسيره)) (١٨٣/١٣/٨).
(١)
(٢)
أورده الخركوشى في ((تهذيب الأسرار)» ( ص ٩٥ ).
أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٩٦).
(٣)
قوت القلوب (٢/ ٦٠ ) بنحوه .
(٤)
(٥) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣١١/٩) بلفظ: ( ... إذا انقطعت .. فقد وصلت).
٤٩٠

ربع المنجيات
جوان
كتاب المحبة والشوق
حن
ومنها : ألا يتأسَّفَ على ما يفوتُهُ ممَّا سوى اللهِ عزَّ وجلَّ ويعظمَ تَأْتُفُهُ
على فوتِ كلِّ ساعةٍ خلتْ عنْ ذكرِ اللهِ تعالى وطاعتِهِ :
٩٠
فيكثرَ رجوعُهُ عندَ الغفلاتِ بالاستعطافِ والاستعتابِ ، والتوبةِ ، قالَ
بعضُ العارفينَ: (إنَّ للهِ عباداً أحبُّوهُ واطمأنُّوا إليهِ ، فذهبَ عنهُمُ
التأسُّفُ على الفائتِ ، فلمْ يتشاغلوا بحظًّ أنفسِهِمْ إذْ كانَ ملْكُ مليكِهِمْ تامّاً ،
وما شاءَ كانَ ، فما كانَ لهُمْ فهوَ واصلٌ إليهِمْ ، وما فاتَهُمْ فبحسنِ تدبيرِهِ
لَهُمْ)(١) .
وحقُّ المحبِّ إذا رجعَ مِنْ غفلتِهِ في لحظتِهِ أنْ يقبِلَ على محبوبِهِ ،
ويشتغلَ بالعتابِ ، ويسألَهُ ويقولَ : (ربِّ؛ بأيِّ ذنبٍ قطعتَ برَّكَ عنِّي ،
وأبعدتَني عنْ حضرتِكَ ، وشغلتَي بنفسي وبمتابعةِ الشيطانِ ) ، فيستخرجُ
ذلكَ منهُ صفاءَ ذكرٍ ورقَّةً قلبٍ يكفِّرُ عنهُ ما سبقَ مِنَ الغفلةِ، وتكونُ هفوتُهُ
سبباً لتجدُّدِ ذکرِهِ وصفاءِ قلبِهِ .
ـيه
ومهما لمْ يرَ المحبُّ إلا المحبوبَ، ولمْ يرَ شيئاً إلا منهُ .. لمْ يتأسَّفْ
ولمْ يشكَّ ، واستقبلَ الكلَّ بالرضا ، وعلمَ أنَّ المحبوبَ لمْ يقدرْ لهُ إلا ما فيهِ
خيرتُهُ، ويذكرُ قولَهُ تعالى: ﴿وَعَسَىَ أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ .
(١) نقله صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (٦٢٤/٩).
ق
٤٩١
ثزة
ـكن

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
ومنها : أنْ يتنعَّمَ بالطاعةِ ولا يستثقلَها ، ويسقطَ عنهُ تعبُها :
كما قالَ بعضُهُمْ: ( كابدتُ الليلَ عشرينَ سنةً، ثمَّ تنعَّمتُ بهِ عشرينَ
سنةٌ)(١) .
وقالَ الجنيدُ : ( علامةُ المحبَّةِ دوامُ النشاطِ ، والدؤوبُ بشهوةٍ تفترُ بدنَهُ
ولا تفترُ قلبَهُ)(٢) .
ـتى
ن*
وقالَ بعضُهُمُ : ( العملُ على المحبَّةِ لا يدخلُهُ الفتورُ)(٢).
وقالَ بعضُ العلماءِ : ( واللهِ ، ما اشتفى محبٌّ للهِ مِنْ طاعتِهِ ولوْ حلَّ
بعظيمٍ الوسائلِ )(٢).
فكلُّ هذا مثالُهُ موجودٌ في المشاهداتِ(٣)؛ فإنَّ العاشقَ لا يستثقلُ
السعيَ في هوى معشوقِهِ ، ويستلذُّ خدمتَهُ بقلبهِ وإنْ كانَ شاقّاً على بدنِهِ ،
ومهما عجزَ بدنُهُ .. كانَ أحبُ الأشياءِ إليهِ أنْ تعاودَهُ القدرةُ ، وأنْ يفارقَهُ
العجزُ حتَّى يشتغلَ بهِ .
فهكذا يكونُ حبُّ اللهِ تعالى، فإنَّ كلَّ حبٌّ صارَ غالباً .. قهرَ - لا محالةً
- ما هوَ دونَةُ، فَمَنْ كانَ محبوبُهُ أحبَّ إليهِ مِنَ الكسلِ .. تركَ الكسلَ في
خدمتِهِ ، وإنْ كانَ أحبَّ إليهِ مِنَ المالِ .. تركَ المالَ في حبِّهِ .
(١) قوت القلوب (٣٦/١).
قوت القلوب ( ٢/ ٥٥ ) .
(٢)
في ( ف ) وحدها : ( فكل هذا وأمثاله موجود ... ) .
(٣)
٤٩٢
ـدة
++44-14
با حبيده

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
جم
حرج
وقيلَ لبعضٍ المحبِّينَ وقدْ كانَ بذلَ مالَهُ ونفسَهُ حتَّى لمْ يبقَ لهُ شيءٌ :
ما كانَ سببُ حالِكَ هذهِ في المحبَّةِ ؟ فقالَ : سمعتُ يوماً محبّاً وقدْ خلا
بمحبوبِهِ وهوَ يقولُ : أنا - واللهِ - أحبُّكَ بقلبي كلِّهِ وأنتَ معرضٌ عنِّ بوجهِكَ
كلِّهِ، فقالَ لهُ المحبوبُ: إنْ كنتَ تحبُِّي .. فأيشٍ تنفقُ عليَّ ؟ فقالَ :
يا سيدي ؛ أملِّكُكَ ما أملكُ، ثمَّ أنفقُ عليكَ روحي حتَّى تهلكَ ، فقلتُ :
هذا خلقٌ لخلقٍ، وعبدٌ لعبدٍ، فكيفَ بعيدٍ لمعبودٍ ؟! فكانَ هذا سببَهُ (١).
ومنها : أنْ يكونَ مشفقاً على جميع عبادِ اللهِ ، رحيماً بهِمْ ، شديداً على
جميع أعداءِ اللهِ وعلى كلِّ مَنْ يقارفُ شيئاً ممَّا يكرهُهُ :
٠٥٠
كما قالَ اللهُ تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾، ولا تأخذُهُ لومةٌ
لائم ، ولا يصرفُهُ عنِ الغضبِ اللهِ صارفٌ، وبهِ وصفَ اللهُ تعالى أولياءَهُ إِذْ
قالَ : ( الذينَ يَكْلَفونَ بحبِّي كما يُكْلَفُ الصبيُّ بالشيءٍ ، ويأوونَ إلى ذكري
كما يأوي النسرُ إلى وكرِهِ ، ويغضبونَ لمحارمي كما يغضبُ النمرُ إذا حردَ ؛
فإنَّهُ لا يبالي قلَّ الناسُ أوْ كثروا )(٢).
فانظرْ إلى هذا المثالِ ؛ فإنَّ الصبيَّ إذا كلفَ بالشيءٍ .. لمْ يفارقْهُ
أصلاً، وإنْ أُخذَ منهُ .. لمْ يكنْ لهُ شغلٌ إلا البكاءَ والصياحَ حتَّى يُردَّ إليهِ ،
(١) قوت القلوب (٥٥/٢ ) .
(٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٢١٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢١/٣).
٤٩٣

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
حر
ـكن
فإنْ نامَ .. أخذَهُ معَهُ في ثيابِهِ، فإذا انتبهَ .. عادَ وتمسَّكَ بهِ ، ومهما
فارقَهُ .. بكى، ومهما وجدَهُ .. ضحكَ، ومَنْ نازعَهُ فيهِ .. أبغضَهُ، ومَنْ
أعطاهُ إِيَّاهُ .. أحبَّهُ، وأمَّا النمرُ .. فإنَّهُ لا يملكُ نفسَهُ عندَ الغضبِ، حتَّى
يبلغَ مِنْ شدّةٍ غضبهِ أنْ يهلكَ نفسَهُ .
فهذهِ علاماتُ المحبَّةِ ، فَمَنْ تمَّتْ فيه هذهِ العلاماتُ .. فقدْ تمَّتْ
محبّهُ وخلصَ حُّهُ، فصفا في الآخرةِ شرابُهُ وعذُبَ مشربُهُ ، ومَنِ امتزجَ
بحبِّهِ حبُّ غيرِ اللهِ .. تنعَّمَ في الآخرةِ بقدْرِ حبِّهِ ؛ إذْ يمزجُ شرابَهُ بقدْرٍ مِنْ
شرابِ المقرّبينَ ؛ كما قالَ تعالى في الأبرارِ : ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَّفِى نَغِيرٍ﴾، ثمَّ
قالَ: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقِ تَخْتُومٍ ﴾ خِتَمُهُ مِسْكٌ وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَافِسُونَ:
وَمِنَ اجُهُ مِنْ تَسْلِيمٍ
عَيِّنَا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾، فإنَّما طابَ شرابُ الأبرارِ
لشوبِ الشرابِ الصرفِ الذي هوَ للمقرَّبينَ ، والشرابُ عبارةٌ عنْ جملةِ نعيمٍ
الجنانِ ، كما أنَّ الكتابَ عبَّر بِهِ عنْ جميع الأعمالِ فقالَ: ﴿إِنَّ كِتَبَ الْأَبْرَارِ
لَفِى عِلِّينَ﴾، ثمّ قالَ: ﴿يَشْهَدُهُ اَلْقُرَُّونَ﴾، فكانَ أمارةَ علوِّ كتابِهِمْ أَنَّهُ ارتفعَ
إلىْ حيثُ يشهدُهُ المقرَّبونَ .
حن حن"
وكما أنَّ الأبرارَ يجدونَ المزيدَ في حالِهِمْ ومعرفتِهِمْ بقرِبِهِمْ مِنَ المقرَّبينَ
ومشاهدتِهِمْ لُهُمْ .. فكذلكَ يكونُ حالُهُمْ في الآخرةِ، ﴿ مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْئُكُمْ
إِلَّا كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ﴾، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾، وكما قال تعالى :
جَزَآءَ وِفَاقًّا﴾ أيْ: وافقَ الجزاءُ أعمالَهُمْ، فقُوبلَ الخالصُ بالصرفِ مِنَ
الشرابِ ، وقُوبلَ المشوبُ بالمشوبِ ، وشوبُ كلِّ شرابٍ على قدْرِ ما سبقَ
٤٩٤
بدن
جر
حن
دہے

ربع المنجيات
5. .. 95
كتاب المحبة والشوق
مِنَ الشوبِ في حبِِّ وأعمالِهِ، ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًايَرَهُ ﴾ وَمَن
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّايَرَهُ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْ مَا
بِأَنْفُسِهِمْ﴾، و﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةُ يُضَعِفْهَا﴾، ﴿وَإِن
كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِِينَ﴾ .
فمَنْ كانَ حتُّهُ في الدنيا رجاءَهُ لنعيمِ الجنَّةِ وللحورِ العينِ والقصورِ ..
مُكَّنَ مِنَ الجنَّةِ ليتبوَّأَ منها حيثُ يشاءُ ، فيلعبُ معَ الولدانِ ، ويتمتَّعُ
بالنسوانِ ، فهناك تنتهي لذَّتَهُ في الآخرةِ ؛ لأنَّهُ إنَّما يُعطى كلُّ إنسانٍ في
المحبةِ ما تشتهيهِ نفسُهُ وتلذُّ عينُهُ .
ومَنْ كانَ مقصدُهُ رَّ الدارِ ومالكَ الملكِ ، ولمْ يغلبْ عليهِ إلا حبُّهُ
بالإخلاصِ والصدقِ .. أُنزلَ في مقعدٍ صدْقٍ عندَ مليكٍ مقتدرٍ .
فالأبرارُ يرتعونَ في البساتينِ ، ويتنعَّمونَ في الجنانِ معَ الحورِ العينِ
والولدانِ ، والمقرَّبونَ ملازمونَ للحضرةِ ، عاكفونَ بطرفِهِمْ عليها ،
يستحقرونَ نعيمَ الجنانِ بالإِضافةِ إلى ذرَّةٍ منها ، فقومٌ بقضاءِ شهوةِ البطنِ
والفرجِ مشغولونُ ، وللمجالسةِ أقوامٌ آخرونَ .
ولذلكَ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أكثرُ أهل الجنَّةِ البلْهُ،
وعلُِّونَ لذوي الألبابِ»(١).
(١) رواه الطحاوي في (( شرح مشكل الآثار)) (٤٣١/٧)، وابن عدي في (( الكامل»
(٣١٣/٣)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (٩٨٩)، والبيهقي في (( الشعب)) =
٤٩٥

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
ولمَّا قصرَتِ الأفهامُ عنْ درْكِ معنى علِّينَ .. عظَّمَ أمرَهُ، فقالَ: ﴿ وَمَا
أَدْرَئِكَ مَا عِلْيُونَ﴾؛ كما قالَ تعالى: ﴿اَلْقَارِعَةُ : ﴿ مَا الْقَارِعَةُ ﴾ وَمَآ أَدْرَتِكَ
مَا الْقَارِعَةُ﴾ .
٠
ومنها : أنْ يكونَ في حبِِّ خائفاً متضائلاً تحتَ الهيبةِ والتعظيم :
وقدْ يُظرُّ أنَّ الخوفَ يضادُّ الحبَّ، وليسَ كذلكَ، بلْ إدراكُ العظمةِ
يوجبُ الهيبةَ؛ كما أنَّ إدراكَ الجمالِ يوجبُ الحبَّ ، ولخصوصٍ
المحبِّينَ مخاوفُ في مقام المحبّةِ ليسَتْ لغيرِهِمْ، وبعضُ مخاوفِهِمْ أشدُّ مِنْ
بعضٍ .
فأوَّلُها خوفُ الإعراضِ ، وأشدُّ منهُ خوفُ الحجابِ ، وأشدُّ منهُ خوفُ
الإبعادِ ، وهذا المعنى مِنْ ( سورةِ هودٍ) هوَ الذي شَيِّبَ سيِّدَ المحبِّينَ(١)؛
إذْ سمعَ قولَهُ تعالى: ﴿أَابُّْدًا لِّشَمُودَ﴾، ﴿أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾.
وإنَّما تعظمُ هيبةُ البعدِ وخوفُهُ في قلبٍ مَنْ ألفَ القربَ وذاقَهُ وتنقَّمَ بهِ ،
فحديثُ البعدِ في حقِّ المبعدينَ يشيِّبُ سماعُهُ أهلَ القربِ في القربِ ،
(١٣٠٤) دون زيادة: (وعليون لذوي الألباب)، وهي عند صاحب ((القوت))
=
(١١٧/١)، وقد روى نحو هذه الزيادة الحافظ المزي في ((تهذيب الكمال))
(١١٧/٢٦-١١٨) عن أحمد بن أبي الحواري رحمه الله تعالى.
ح5
(١) رواه الترمذي ( ٣٢٩٧) .
٤٩٦
حم حم

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
ولا يحنُّ إلى القربِ مَنْ ألفَ البعدَ ، ولا يبكي لخوفِ البعدِ مَنْ لمْ يُمكَّنْ مِنْ
بساطِ القربِ .
ثمَّ خوفُ الوقوفِ وسلبُ المزيدِ : فإنَّا قدَّمنا أنَّ درجاتِ القربِ لا نهايةَ
لها، وحقُّ العبدِ أنْ يجتهدَ في كلِّ نفسٍ حتَّى يزدادَ فيهِ قرباً ، ولذلكَ قالَ
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنِ استوى يوماهُ .. فهوَ مغبونٌ، ومَنْ
كانَ يومُهُ شرّاً مِنْ أمسِهِ .. فهوَ ملعونٌ))(١) .
وكذلكَ قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((إنَّهُ ليغانُ على قلبي في اليوم والليلةِ
حتَّى أستغفرُ اللهَ سبعينَ مرَّةً))(٢)، وإنَّما كانَ استغفارُهُ مِنَ القدم الأوَّلِ ، فإنَّهُ
كانَ بعداً بالإضافةِ إلى القدم الثاني(٣)، ويكونُ ذلكَ عقوبةٌ لُهُمْ على الفتورِ
في الطريقِ ، والالتفاتِ إلى غيرِ المحبوبِ ، كما رُوِيَ أنَّ اللهَ تعالى يقولُ :
( إنَّ أدنى ما أصنعُ بالعالمِ إذا آثرَ شهواتِ الدنيا على طاعتي أنْ أسلبَهُ لذيذَ
(١) هو عند الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٥٩١٠) من حديث علي رضي الله عنه ،
وانظر ((الإتحاف)) (٦٢٨/٩)، ورواه أبو نعيم في (( الحلية)) (٣٥/٨) عن رؤيا رآها
الحسن البصري وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم الموعظة فلقنه إياها ، وهو عند
البيهقي في « الزهد الكبير)) ( ٩٨٧) رؤيا رآها عبد العزيز بن أبي رواد للنبي صلى الله
عليه وسلم يوصيه به .
(٢) رواه مسلم (٢٧٠٢)، وأبو داوود (١٥١٥) بلفظ: (( مئة مرة) بدل ( سبعين مرة)،
وعند البخاري (٦٣٠٧): (( والله إني لأستغفر الله وأتوب في اليوم أكثر من سبعين
مرة )) .
(٣) في (ب): ( المقام) بدل ( القدم ) في الموضعين .
٤٩٧
حن

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
مناجاتي )(١) ، فسلبُ المزيدِ بسببِ الشهواتِ عقوبةُ العموم، فأمَّا
الخصوصُ .. فيحجبُهُمْ عنِ المزيدِ مجرَّدُ الدعوى والعجبِ والركونِ إلى
ما ظهرَ مِنْ مبادي اللطفِ ، وذلكَ هَو المكرُ الخفيُّ الذي لا يقدرُ على
الاحترازِ منهُ إلا ذوو الأقدام الراسخةِ .
ثمَّ خوفُ فوتٍ ما لا يُدركُ بعدَ فوتِهِ: سمعَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ قائلاً يقولُ
وهوَ في سياحتِهِ وكانَ على جبلٍ(٢):
[من مجزوء الرمل]
رٌ سِوَى الإِعْراضِ عَنِّي
كُلُّ شَيْءٍ لكَ مَغْفُو
تَ بَقِي ما فاتَ مِنِّي
قَدْ وَهَبْنا لَكَ ما فا
فاضطربَ وغُشيَ عليهٍ ، فلمْ يفقْ يوماً وليلةً ، وطرأَتْ عليهِ أحوالٌ ، ثمَّ
قالَ: سمعتُ النداءَ مِنَ الجبلِ : يا إبراهيمُ؛ كنْ عبداً، فكنتُ عبداً
واسترحتُ(٣) .
ثُمَّ خوفُ السلوِّ عنهُ : فإنَّ المحبَّ يلازمُهُ الشوقُ والطلبُ الحثيثُ ، فلا
يفترُ عنْ طلبِ المزيدِ، ولا يتسلَّى إلا بلطفٍ جديدٍ، فإن تسلَّىُ عنْ ذلكَ ..
كانَ ذلكَ سببَ وقوفِهِ أُوْ سببَ رجعتِهِ .
(١) قوت القلوب (١٤١/١)، ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٦٠/٢).
(٢) انظر ((الكشكول)) (١٥٤/١).
(٣) قوت القلوب (٥٨/٢)، وفيه: (وهبنا منك) بدل ( وهبنا لك )، وشرح لقول
إبراهيم رحمه الله تعالى: ( كن عبداً) فقال: ( لا يملكك إلا واحد تكون عبداً له حراً
مما سواه ، ولا تملك شيئاً ، فإن الأشياء في خزانة مليكها ) .
٤٩٨

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
والسلوُّ يدخلُ عليهِ مِنْ حيثُ لا يشعرُ ؛ كما قدْ يدخلُ عليهِ الحبُّ مِنْ
حيثُ لا يشعرُ ، فإنَّ هذهِ التقلباتِ في القلبِ لها أسبابٌ خفيَّةٌ سماويَّةٌ ليسَ
في قوَّةِ البشرِ الاطلاعُ عليها ، فإذا أرادَ اللهُ تعالى المكرَ بهِ واستدراجَهُ ..
أخفى عنهُ ما وردَ عليهِ مِنَ السلوِ ، فيقفُ معَ الرجاءِ ، ويغترُّ بحسنِ الظنِّ أَوْ
بغلبةِ الغفلةِ والهوى والنسيانِ ، وكلُّ ذلكَ مِنْ جنودِ الشيطانِ التي تغلبُ
جنودَ الملائكةِ ؛ مِنَ العلمِ والعقلِ والذكرِ والبيانِ ، وكما أنَّ مِنْ أوصافِ اللهِ
تعالى ما يظهرُ فيقتضي هيجانَ الحبِّ وهي أوصافُ اللطفِ والرحمةِ
والحكمةِ .. فمِنْ أوصافِهِ ما يلوحُ فيورثُ السلوَّ ؛ كأوصافِ الجبريَّةِ والعزَّةِ
والاستغناءِ ، وذلكَ مِنْ مقدماتِ المكرِ والشقاءِ والحرمانِ .
2
3
ثمَّ خوفُ الاستبدالِ بهِ بانتقالِ القلبِ مِنْ حبِّهِ إلى حبِّ غيرِهِ : وذلكَ هوَ
المقتُ والسلوُّ عنهُ مقدمةُ هذا المقام ، والإعراضُ والحجابُ مقدمةُ
السلوُ، وضيقُ الصدرِ بالبرِّ وانقباضُهُ عنْ دوام الذكرِ وملالُهُ لوظائفِ الأورادِ
أسبابُ هذهِ المعاني ومقدماتُها ، فظهورُ هذهِ الأسبابِ دليلٌ على النقلِ مِنْ
مقامِ الحبِّ إلى مقام المقتِ نعوذُ باللهِ منهُ ، وملازمةُ الخوفِ لهُذهِ الأمورِ
وشدّةُ الحذر منها بصفاءِ المراقبةِ دليلُ صدقِ الحبِّ ، فإنَّ مَنْ أحبَّ شيئاً ..
خافَ - لا محالةً - فقدَهُ، فلا يخلو المحبُّ عنْ خوفٍ إذا كانَ المحبوبُ ممَّا
یمکنُ فواتُهُ .
وقدْ قالَ بعضُ العارفينَ : ( مَنْ عبدَ اللهَ تعالى بمحضٍ المحبَّةِ مِنْ غيرِ
٤٩٩
ـن
حر
ـن
حن

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
ـئة
خوفٍ .. هلكَ بالبسطِ والإدلالِ، ومَنْ عبدَهُ مِنْ طريقِ الخوفِ مِنْ غِيرِ
محبّةٍ .. انقطعَ عنهُ بالبعدِ والاستيحاشِ، ومَنْ عبدَهُ مِنْ طريقِ المحبَّةِ
والخوفِ .. أحبَّهُ اللهُ تعالى، فقرَّبَهُ ومَكَّنَهُ وعلَّمَهُ)(١).
0
فالمحبُّ لا يخلو عنْ خوفٍ ، والخائفُ لا يخلو عنْ محبَّةٍ ، ولكنِ
الذي غلبَتْ عليهِ المحبَّةُ حتَّى اتسعَ فيها، ولمْ يكنْ لهُ مِنَ الخوفِ إلا
يسيرٌ .. يُقالُ: هوَ في مقام المحبَّةِ، ويُعدُّ مِنَ المحبِّينَ، وكانَ شوبُ
الخوفِ يسكنُ قليلاً مِنْ سكرِ الحبِّ ، فلوْ غلبَ الحبُّ واستولَتِ المعرفةُ ..
لمْ تثبتْ لذلكَ طاقةُ البشرِ، فإنَّما الخوفُ يعدلُهُ ويخفِّفُ وقعَهُ على القلبِ .
فقد رُوِيَ في بعضِ الأخبارِ : أنَّ بعضَ الصديقينَ سألَهُ بعضُ الأبدالِ أنْ
يسألَ اللهَ تعالى أنْ يرزقَهُ ذرَّةً مِنْ معرفتِهِ ، ففعلَ ذلكَ ، فهامَ في الجبالِ ،
وحارَ عقلُهُ، وولِهَ قلبُهُ ، وبقيَ شاخصاً سبعةَ أيامٍ لا ينتفعُ بشيءٍ ، ولا ينتفعُ
بهِ شيءٌ، فسألَ لهُ الصدِّيقُ ربَّهُ تعالى فقالَ: يا ربِّ أنقصْهُ مِنَ الذرّةِ
بعضَها، فأوحى اللهُ تعالى إليهِ : إنَّما أعطيناهُ جزءاً مِنْ مئة ألفِ جزءٍ مِنْ ذَرَّةٍ
منَ المعرفةِ ، وذلكَ أنَّ مئةَ ألفِ عبدٍ سألوني شيئاً مِنَ المحبَّةِ في الوقتِ الذي
سألَني هذا، فأخَّرتُ إجابتَهُمْ إلى أنْ شفعتَ أنتَ لهذا ، فلما أجبتُكَ فيما
سألتَ : أعطيتُهُمْ كما أعطيتُهُ ، فقسمتُ ذرَّةً مِنَ المعرفةِ بينَ مئةِ ألفِ عبدٍ ،
فهذا ما أصابَهُ مِنْ ذلكَ، فقالَ : سبحانَكَ يا أحكم الحاكمينَ ! أنقصْهُ ممَّا
؟
.
حن
(١) قوت القلوب (٥٩/٢)، وفيه (عرف) بدل ( عبد) في المواضع الثلاثة .
امسجـ
٥٠٠