النص المفهرس

صفحات 441-460

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
حتَّى يضعَ خرطومَهُ في واحدٍ منها ، ثمَّ كيفَ قوَّاهُ حتَّى يغرزَ فيهِ الخرطومَ ،
وكيفَ علَّمَهُ المصنَّ والتجزُّعَ للدمِ ، وكيفَ خلقَ الخرطومَ معَ دَقَّتِهِ مجوَّفاً
حتَّى يجريَ فيهِ الدمُ الرقيقُ ، وينتهيَ إلى باطنِهِ ، وينتشرَ في سائرِ أجزائِهِ
ويغذيَهُ، ثمَّ كيفَ عرَّفَهُ أَنَّ الإنسانَ يقصدُهُ بيدِهِ، فعلَّمَهُ حيلةَ الهربِ
واستعدادَ آلتِهِ ، وخلقَ لهُ السمعَ الذي يسمعُ بهِ حفيفَ حركةِ اليدِ وهيَ بعدُ
بعيدةٌ منهُ ، فيتركُ المصَّ ويهربُ ، ثمَّ إذا سكنَتِ اليدُ يعودُ .
ثمَّ انظرْ كيفَ خلقَ لهُ حدقتينِ حتَّى يبصرَ مواضعَ غذائِهِ ، فيقصدَهُ معَ
صغرِ حجمٍ وجهِهِ ، وانظرْ إلى أنَّ حدقةَ كلِّ حيوانٍ صغيرٍ لمَّا لمْ تحتملْ
حدقتُهُ الأجفانَ لصغرِهِ ، وكانَتِ الأجفانُ مصقلةً لمرآةِ الحدقةِ عنِ القذى
والغبارِ .. خلقَ للبعوضِ والذبابِ يدينِ، فتنظرُ إلى الذبابِ فتراهُ على الدوام
يمسحُ حدقتيهِ بيديهِ، وأمَّا الإنسانُ والحيوانُ الكبيرُ .. فخلقَ لحدقتيهِ
الأجفانَ حتَّى ينطبقَ أحدُهُما على الآخرِ ، وأطرافُهُما حادةٌ ، فيجمعُ الغبارَ
الذي يلحقُ الحدقةَ ويرميهِ إلى أطرافِ الأهدابِ ، وخلقَ الأهدابَ السودَ
لتجمعَ ضوءَ العينِ ، وتعينَ على الإبصارِ ، وتحسِّنَ صورةَ العينِ ، وتشبكَها
عندَ هيجانِ الغبارِ ، فينظرَ مِنْ وراءِ شبَّاكِ الأهدابِ ، واشتباكُها يمنعُ دخولَ
الغبارِ ولا يمنعُ الإبصارَ .
وأمَّا البعوضُ فخلقَ لها حدقتينِ مصقلتينٍ مِنْ غيرِ أجفانٍ ، وعلَّمَها كيفيةً
التصقيلِ باليدينِ .
٤٤١

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
والفراشُ لأجلِ ضعفِ إبصارِها .. تراها تتهافتُ على السراج ؛ لأنَّ
بصرَها ضعيفٌ ، فهيَ تطلبُ ضوءَ النهارِ ، فإذا رأى ضوءَ المسكينُ السراج
بالليلِ .. ظنَّ أنَّهُ في بيتٍ مظلمٍ وأنَّ السراجَ كوَّةٌ مِنَ البيتِ المظلمِ إلى
الموضع المضيءٍ ، فلا يزالُ يطلبُ الضوءَ ويرمي بنفسِهِ إليهِ ، فإذا جاوزَهُ
ورأى الظلامَ .. ظنَّ أنَّهُ لمْ يصبِ الكوَّةَ ولمْ يقصدْها على السدادِ ، فيعودُ إليهِ
مرَّةً أخرى إلى أنْ يحترقَ .
ولعلَّكَ تظنُّ أنَّ هذا لنقصانِها وجهلِها ، فاعلمْ أنَّ جهلَ الإنسانِ أعظمُ
مِنْ جهلِها ، بلْ صورةُ الآدميِّ في الإكبابِ على شهواتِ الدنيا صورةُ الفراشِ
في التهافتِ على النارِ ؛ إذْ تلوحُ للآدميِّ أنوارُ الشهواتِ مِنْ حيثُ ظاهرٌ
صورتِها ، ولا يدري أنَّ تحتَها السمَّ النافعَ القاتلَ ، فلا يزالُ يرمي نفسَهُ
عليها إلى أنْ ينغمسَ فيها ، ويتقيَّدَ بها ، ويهلكَ هلاكاً مؤبداً، فليتَ كانَ
جهلُ الآدميِّ كجهلِ الفراشِ ؛ فإنَّها باغترارِها بظاهرِ الضوءِ إنِ احترقَتْ ..
تخلَّصَتْ في الحالِ ، والآدميُّ يبقى في النارِ أبدَ الآبادِ أوْ مدَّةٌ مديدةً ،
ولذلكَ كانَ ينادي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ويقولُ: ((إنِّي ممسِكٌ
بحُجّزِكُمْ عنِ النارِ، وأنْتُمْ تتهافتونَ فيها تهافتَ الفراشِ)»(١).
من
من شن جن جن جن
فهذه لمعةٌ مِنْ عجائبِ صنع اللهِ تعالى في أصغرِ الحيواناتِ ، وفيها مِنَ
العجائبِ ما لو اجتمعَ الأوَّلونَ والآخرونَ على الإحاطةِ بكنهها .. عجزوا عنْ
مون
٢
(١) رواه البخاري ( ٦٤٨٣)، ومسلم (٢٢٨٤).
٤٤٢

ربع المنجيات
بےے
كتاب المحبة والشوق
حقيقتِها ، ولمْ يطلعوا على أمورِ جليَّةٍ مِنْ ظاهرِ صورتِها ، فأمَّا خفايا
معانيها .. فلا يطلعُ عليها إلا اللهُ تعالى.
ثمَّ في كلِّ حيوانٍ ونباتٍ أعجوبةٌ وأعاجيبُ تخصُّهُ لا يشاركُهُ فيها غيرُهُ ،
فانظرْ إلى النحلِ وعجائبها، وكيفَ أوحى اللهُ تعالى إليها حتَّى اتخذَتْ مِنَ
الجبالِ بيوتاً ومِنَ الشجرِ وممَّا يعرشونَ، وكيفَ استخرجَ مِنْ لعابِها الشمعَ
والعسلَ ، وجعلَ أحدَهُما ضياءً والآخرَ شفاءً ، ثمَّ لوْ تأمَّلتَ عجائبَ أمرِها
في تناولِها الأزهارَ والأنوارَ ، واحترازِها عنِ النجاساتِ والأقذارِ ، وطاعتِها
لواحدٍ مِنْ جملتِها هوَ أكبرُها شخصاً ، وهوَ أميرُها، ثمَّ ما سخّرَ اللهُ لهُ
أميرَها مِنَ العدلِ والإنصافِ بينَها ، حتَّى إنَّهُ ليقتلُ على بابِ المنفذِ كلَّ
ما وقعَ منها على نجاسةٍ .. لقضيتَ منها عجباً آخرَ العجبِ إنْ كنتَ بصيراً في
نفسِكَ، وفارغاً مِنْ همِّ بطنِكَ وفرجِكَ وشهواتِ نفسِكَ في معاداةِ أقرانِكَ
وموالاة إخوانك .
ثُمَّ دعْ عنكَ جميعَ ذلكَ ، وانظرْ إلى بنائِها بيوتَها مِنَ الشمع ، واختيارِها
مِنْ جملةِ الأشكالِ الشكلَ المسدَّسَ ، فلا تبني بيتاً مستديراً ، ولا مربعاً ،
ولا مخمّساً ، بلْ مسدَّساً ؛ لخاصيَّةٍ في شكلِ المسلَّسِ يقصرُ فهمُ
المهندسينَ عنْ دركِها ، وهوَ أنَّ أوسعَ الأشكالِ وأحواها المستديرة
وما يقربُ منها ، فإنَّ المربَّعَ يخرجُ منهُ زوايا ضائعةٌ ، وشكلُ النحلِ مستديرٌ
مستطيلٌ ، فتركَ المربَّعَ حتَّى لا تضيعَ الزوايا فتبقىُ فارغةً، ثمَّ لوْ بناها
مستديرةُ .. لبقيتْ خارجَ البيوتِ فرجٌ ضائعةٌ، فإنَّ الأشكالَ المستديرةَ إِذا
٤٤٣
ـكن
ثن

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
حن من
اجتمعَتْ .. لمْ تجتمعْ متراصَّةً ، ولا شكلَ في الأشكالِ ذواتِ الزوايا يقربُ
في الاحتواءِ مِنَ المستديرِ ثمَّ تتراصُّ الجملةُ منهُ بحيثُ لا يبقى بعدَ اجتماعِها
فرجةٌ .. إلا المسدَّسُ، وهذهِ خاصيَّةُ هذا الشكلِ، فانظر كيفَ ألهمَ اللهُ
تعالى النحلَ على صغرِ جرمِهِ ولطافةِ قدِّهِ لطفاً بهِ وعنايةً بوجودِهِ وما هوَ
محتاجٌ إليهِ ، ليتهناً بعيشِهِ .
فسبحانَهُ ما أعظمَ شانَهُ ، وأوسعَ لطفَهُ وامتنانَهُ .
فاعتبر بهذهِ اللمعةِ اليسيرةِ مِنْ محقَّراتِ الحيواناتِ ، ودعْ عنكَ عجائبَ
ملكوتِ الأرضِ والسماواتِ ؛ فإنَّ القدرَ الذي بلغَهُ فهمُنا القاصرُ منهُ تنقضي
الأعمارُ دونَ إيضاحِهِ ، ولا نسبةَ لما أحاطَ بهِ علمنا إلى ما أحاطَ بهِ العلماءُ
والأنبياءُ، ولا نسبةً لما أحاطَ بهِ علمُ الخلائقِ كلُّهِمْ إلى ما استأثرَ اللهُ تعالى
بعلمِهِ ، بلْ كلُّ ما عرفَهُ الخلقُ لا يستحقُّ أنْ يُسمَّى علماً في جنبٍ علمِ اللهِ
تعالى .
Ci
فبالنظرِ في هذا وأمثالِهِ تزدادُ المعرفةُ الحاصلةُ بأسهلِ الطريقينِ ،
وبزيادةِ المعرفةِ تزدادُ المحبَّةُ ، فإنْ كنتَ طالباً سعادةَ لقاءِ اللهِ تعالى .. فانبذٍ
الدنيا وراءَ ظهرِكَ، واستغرقِ العمرَ في الذكرِ الدائمِ والفكرِ اللازم ، فعساكَ
تحظى منها بقدْرِ يسيرٍ ، ولكنْ تنالُ بذلكَ اليسيرِ ملكاً عظيماً لا آخرَ لهُ .
٤٤٤

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
بيان التسبب في تفاوت الناس في الحب
اعلمْ : أَنَّ المؤمنينَ مشتركونَ في أصلِ الحبِّ لاشتراكِهِمْ في أصلٍ
المحبَّةِ ، ولكنَّهُمْ متفاوتونَ لتفاوتِهِمْ في المعرفةِ وفي حبِّ الدنيا ؛ إذِ الأشياءُ
إنَّما تتفاوتُ بتفاوتِ أسبابِها ، وأكثرُ الناسِ ليسَ لهُمْ مِنَ اللهِ تعالى إلا
الصفاتُ والأسماءُ التي قرعَتْ سمعَهُمْ ، فتلقَّنوها وحفظوها ، وربَّما تخيَّلوا
لها معانيَ يتعالى عنها ربُ الأربابِ ، وربَما لمْ يطلعوا على حقيقتها
ولا تخيَّلوا لها معنىّ فاسداً ، بلْ آمنوا بها إيمانَ تسليمٍ وتصديقٍ ، واشتغلوا
بالعملِ وتركوا البحثَ ، وهؤلاءِ همْ أهلُ السلامةِ مِنْ أصحابِ اليمينِ
والمتخيّلُونَ هُمُ الضالونَ ، والعارفونَ بالحقائقِ هُمُ المقرَّبونَ .
ملاكك + في ليه
وقدْ ذكرَ اللهُ تعالى حالَ الأصنافِ الثلاثةِ في قولِهِ تعالى: ﴿فَأَمَّا إِن كَانَ
مِنَ الْمُقَرَّبِيِنَّ: ﴿ فَرَوَعٌ وَرَتِحَانٌ وَحَنَّتُ نَّعِيمٍ ... ﴾ الآيَةَ.
وإنْ كنتَ لا تفهمُ الأمورَ إلا بالأمثلةِ .. فلنضربْ لتفاوتِ الحبِّ مثالاً ،
فنقولُ :
أصحابُ الشافعيِّ مثلاً يشتركونَ في حبِّ الشافعيِّ رحمَهُ اللهُ، الفقهاءُ
منهُمْ والعوامُ ؛ لأنَّهُمْ يشتركونَ في معرفةٍ فضلِهِ ودینِهِ و حسنِ سیرتِهِ ومحامدٍ
خصالِهِ ، ولكنَّ العاميَّ يعرفُ علمَهُ مجملاً، والفقيهُ يعرفُهُ مفصّلاً، فتكونُ
معرفةُ الفقيهِ بهِ أتمّ ، وإعجابُهُ بهِ وحبُّهُ لهُ أشدَّ ، فمَنْ رأى تصنيفَ مصنفٍ
٤٤٥

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
ـير
فاستحسنَهُ وعرفَ بهِ فضلَهُ .. أحبَّهُ لا محالةَ، ومالَ إِليهِ قلبُهُ، فإن رأى
تصنيفاً آخرَ أحسنَ منهُ وأعجبَ .. تضاعفَ - لا محالةَ - حبُّهُ؛ لأنَّهُ تضاعفَتْ
معرفتُهُ بعلمِهِ ، وكذلكَ يعتقدُ الرجلُ في الشاعرِ أنَّهُ حسنُ الشعرِ فيحبُّهُ ، فإذا
سمعَ مِنْ غرائبٍ شعرِهِ ما عظَمَ فيهِ حذقُهُ وصنعتُهُ . . ازدادَ بهِ معرفةً ، وازدادَ
لهُ حبّاً ، وكذا سائرُ الصناعاتِ والفضائلِ .
فالعاميُّ قدْ يسمعُ أنَّ فلاناً مصنِّفٌّ، وأنَّهُ حسنُ التصنيفِ ، ولكنْ
لا يدري ما في التصنيفِ، فيكونُ لهُ معرفةٌ مجملةٌ ، ويكونُ لهُ بحسَبِهِ ميلٌ
مجمِلٌ ، والبصيرُ إذا فتَّشَ عنِ التصانيفِ ، واطلعَ على ما فيها مِنَ
العجائبِ .. تضاعفَ حبُّهُ لا محالةَ؛ لأنَّ عجائبَ الصنعةِ والشعرِ والتصنيفِ
تدلُّ على كمالِ صفاتِ الفاعلِ والمصنفِ .
..
والعالَمُ بجملتِهِ صنعُ اللهِ تعالى وتصنيفُهُ ، والعاميُّ يعلمُ ذلكَ ويعتقدُهُ ،
وأمَّا البصيرُ .. فإنَّهُ يطالعُ تفصيلَ صنع اللهِ تعالى فيهِ، حتَّى يرىُ في البعوضِ
مثلاً مِنْ عجائبٍ صنعِهِ ما ينبهرُ بهِ عقلُهُ، ويتحيَّرُ فيهِ لِبُّهُ ، ويزدادُ بسببهِ -
لا محالةَ - عظمةُ اللهِ وجلالُهُ وكمالُ صفاتِهِ في قلبهِ ، فيزدادُ لهُ حبّاً ، وكلما
ازدادَ على أعاجيبٍ صنع اللهِ اطلاعاً .. استدلَّ بذلكَ على عظمةِ اللهِ الصانع
وجلالِهِ وازدادَ بهِ معرفةٌ ولهُ حبّاً .
؟
وبحرُ هذهِ المعرفةِ - أعني : معرفةَ عجائبٍ صنع اللهِ تعالى - بحرٌ
لا ساحلَ لهُ ، فلا جرمَ تفاوتُ أهلِ المعرفةِ في الحبِّ لا حصرَ لهُ.
٤٤٦
. ش

ربع المنجيات
ممـ
ہے
كتاب المحبة والشوق
وممَّا يتفاوتُ بسببهِ الحبُّ اختلافُ الأسبابِ الخمسةِ التي ذكرناها
للحبِّ ، فإنَّ مَنْ يحبُّ اللهَ تعالى مثلاً لكونِهِ محسناً إليهِ ، منعماً عليهِ ، ولمْ
يحبُّهُ لذاتِهِ .. ضعفَتْ محبُّهُ؛ إذْ تتغيَّرُ بتغيُّرِ الإحسانِ ، فلا يكونُ حبُّهُ في
حالةِ البلاءِ كحبِّهِ في حالةِ الرضا والنعماءِ . وأمَّا مَنْ يحبُّهُ لذاتِهِ ، ولأنَّهُ
مستحقٌّ للحبِّ بسببٍ كمالِهِ وجمالِهِ ومجدِهِ وعظمتِهِ .. فإنَّهُ لا يتفاوتُ حِبُّهُ
بتفاوتِ الإحسانِ إلیهِ .
فهذا وأمثالُهُ هوَ سببُ تفاوتِ الناسِ في المحبَّةِ ، والتفاوتُ في المحبَّةِ
هوَ سببُ التفاوتِ في سعادةِ الآخرةِ، ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ
دَرَجَتٍ وَأَكْبَرُ نَفْضِيلًا﴾ .
٤٤٧
الثان:

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
بيان السبب في قصور أفهام الخلق عن معرفة الله تعالى
اعلمْ : أنَّ أظهرَ الموجوداتِ وأجلاها هوَ اللهُ تعالى ، وكانَ هذا يقتضي
أنْ تكونَ معرفتُهُ أوَّلَ المعارفِ ، وأسبقَها إلى الأفهام ، وأسهلَها على
العقولِ ، وترى الأمرَ بالضدِّ مِنْ ذلكَ فلا بدَّ مِنْ بيانِ السببِ فيهِ .
وإنَّما قلنا : إنَّهُ أظهرُ الموجوداتِ وأجلاها .. لمعنىّ لا تفهمُهُ إلا
بمثالٍ ، وهوَ أنَّا إذا رأينا إنساناً يكتبُ أَوْ يخيطُ مثلاً .. كانَ كونُهُ حيّاً عندَنا مِنْ
أظهرِ الموجوداتِ ، فحياتُهُ وعلمُهُ وقدرتُهُ وإرادتُهُ للخياطةِ أجلى عندَنا مِنْ
سائرِ صفاتِهِ الظاهرة والباطنةِ ؛ إذْ صفاتُهُ الباطنةُ كشهوتِهِ وغضبهِ وخلقِهِ
وصحتِهِ ومرضِهِ وكلٌّ ذلكَ .. لا نعرفُهُ، وصفاتُهُ الظاهرةُ لا نعرفُ بعضَها ،
وبعضُها نشكُ فيهِ ؛ كمقدارِ طولِهِ واختلافِ لونِ بشرتِهِ وغيرِ ذلكَ مِنْ
صفاتِهِ ، أمَّا حياتُهُ وقدرتُهُ وإرادتُهُ وعلمُهُ وكونُهُ حيواناً .. فإنَّهُ جليٍّ عندَنا مِنْ
غيرِ أنْ يتعلَّقَ حسُّ البصرِ بحياتِهِ وقدرتِهِ وإرادتِهِ ، فإنَّ هُذهِ الصفاتِ
لا تحسُّ بشيءٍ مِنَ الحواسِّ الخمسِ ، ثمَّ لا يمكنُ أنْ نعرفَ حیاتَهُ وقدرتَهُ
وإرادتَهُ إلا بخياطتِهِ وحركتِهِ ، فلو نظرنا إلى كلِّ ما في العالمِ سواهُ .. لمْ
نعرفْ بهِ صفتَهُ ، فما عليهِ إلا دليلٌ واحدٌ ، وهوَ معَ ذلكَ جليٌّ واضحٌ .
ووجودُ اللهِ تعالى وقدرتُهُ وعلمُهُ وسائرُ صفاتِهِ يشهدُ لهُ بالضرورةِ كلُّ
ما نشاهدُهُ وندركُهُ بالحواسِّ الظاهرةِ والباطنةِ ؛ مِنْ حجرٍ ومدرٍ ، ونباتٍ
ـة
٤٤٨
ـة

حـ
كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
وشجرٍ ، وحيوانٍ وسماءٍ ، وأرضٍ وكوكبٍ ، وبرّ وبحرٍ ، ونارٍ وهواءٍ ،
وجوهرٍ وعرضٍ ، بلْ أَوَّلُ شاهدٍ عليهِ أنفسُنا، وأجسامُنا ، وأوصافُنا ،
وتقلُّبُ أحوالِنا ، وتغيُّرُ قلوبِنا ، وجميعُ أطوارِنا في حركاتِنا وسكناتِنا .
وأظهرُ الأشياءِ في علمِنا أنفسُنا، ثمَّ محسوساتنا بالحواسِّ الخمسِ ، ثُمَّ
مدركاتنا بالعقل والبصيرةِ ، وكلُّ واحدٍ مِنْ هذهِ المدركاتِ له مُدركٌ واحدٌ ،
وشاهدٌ واحدٌ ، ودليلٌ واحدٌ، وجميعُ ما في العالمِ شواهدُ ناطقةٌ وأدلةٌ
شاهدةٌ بوجودِ خالقِها ومدبِّرِها، ومصرِّفِها ومحرِّكِها ، ودالَّةٌ على علمِهِ
وقدرتِهِ ، ولطفِهِ وحكمتِهِ ، والموجوداتُ المدركةُ لا حصرَ لها .
فإنْ كانَتْ حياةُ الكاتبِ ظاهرةً عندَنا ، وليسَ يشهدُ لها إلا شاهدٌ واحدٌ ،
وهوَ ما أحسسنا بهِ مِنْ حركةِ يدِهِ .. فكيفَ لا يظهرُ عندَنا ما لا يُتصوَّرُ في
الوجودِ شيءٌ داخلَ نفوسِنا وخارجَها إلا وهوَ شاهدٌ عليهِ، وعلى عظمتِهِ
وجلالِهِ ، إذْ كلُّ ذرَّةٍ فإنَّها تنادي بلسانِ حالِها أنَّهُ ليسَ وجودُها بنفسِها ،
ولا حركتُها بذاتِها ، وأنَّها تحتاجُ إلى موجدٍ ومحرِّكِ لها ، يشهدُ بذلكَ أَوَّلاً
تركيبُ أعضائِنا ، وائتلافُ عظامِنا ولحومِنا وأعصابِنا ، ومنابتُ شعورِنا ،
وتشكُّلُ أطرافِنا ، وسائرُ أجزائِنا الظاهرةِ والباطنةِ ، فإنَّا نعلمُ أنَّها لمْ تأتلفْ
بأنفسِها ؛ كما نعلمُ أنَّ يدَ الكاتبِ لمْ تتحرَّكْ بنفسِها ، ولكنْ لمَّا لمْ يبقَ في
الوجودِ شيءٌ مدرَكٌ ومحسوسٌ ومعقولٌ وحاضرٌ وغائبٌ إلا وهوَ شاهدٌ
ومعرِّفٌ .. عظُمَ ظهورُهُ، فانبهرَتِ العقولُ ودهشَتْ عنْ إدراكِهِ ، فإنَّ
ما تقصرُ عنْ فهمِهِ عقولُنا فلهُ سببانِ :
٤٤٩

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
أحدُهُما : خفاؤُهُ في نفسِهِ وغموضُهُ ، وذلكَ لا يخفى مثالُهُ .
والآخرُ : ما يتناهى وضوحُهُ، وهذا كما أنَّ الخفَّاشَ يبصرُ بالليلِ
ولا يبصرُ بالنهارِ ؛ لا لخفاءِ النهارِ واستتارِهِ ، لكنْ لشدَّةِ ظهورِهِ ؛ فإنَّ بصرَ
الخفّاشِ ضعيفٌ يبهرُهُ نورُ الشمسِ إذا أشرقَتْ ، فتكونُ قوَّةُ ظهورِهِ معَ ضعفٍ
بصرِهِ سبباً لامتناع إبصارِهِ ، فلا يرى شيئاً إلا إذا امتزجَ الضوءُ بالظلام
وضعف ظهورُهُ .
فكذلكَ عقولُنا ضعيفةٌ ، وجمالُ الحضرةِ الإلهيِّ في نهايةِ الإشراقِ
والاستنارةِ ، وفي غايةِ الاستغراقِ والشمولِ ، حتَّى لمْ يشذّ عنْ ظهورِهِ ذرَّةٌ
مِنْ ملكوتِ السماواتِ والأرضِ ، فصارَ ظهورُهُ سببَ خفائِهِ .
٨٠٠ ٨٠٠
فسبحانَ مَنِ احتجبَ بإشراقِ نورِهِ ، واختفى عنِ البصائرِ والأبصارِ
بظهورِهِ !
ولا يُتعجّبُ مِنِ اختفاءِ ذلكَ بسببِ الظهورِ ؛ فإنَّ الأشياءَ تُستبانُ
بأضدادِها ، وما عمَّ وجودُهُ حتَّى إِنَّهُ لا ضدَّ لهُ .. عسُرَ إدراكُهُ، فلوِ اختلفَتِ
الأشياءُ فِدلَّ بعضُها دونَ بعضٍ .. أُدركتِ التفرقةُ على قربٍ، ولما اشتركَتْ
في الدلالةِ على نسقٍ واحدٍ .. أشكلَ الأمرُ .
ومثالُهُ : نورُ الشمسِ المشرقِ على الأرضِ ، فإنَّا نعلمُ أنَّهُ عرضٌ مِنَ
الأعراضِ يحدثُ في الأرضِ ، ويزولُ عندَ غيبةِ الشمسِ ، فلوْ كانَتِ الشمسُ
دائمةَ الإِشراقِ لا غروبَ لها .. لكنَّا نظنُّ أنْ لا هيئةَ في الأجسام إلا ألوانُها ،
خ
٤٥٠

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
ـحر
وهيَ السوادُ والبياضُ وغيرُهما ، فإنَّا لا نشاهدُ في الأسودِ إلا السوادَ ، وفي
الأبيضِ إلا البياضَ، فأمَّا الضوءُ .. فلا ندركُهُ وحدَهُ، ولكنْ لمَّا غابَتِ
الشمسُ، وأظلمَتِ المواضعُ .. أدركنا تفرقةً بينَ الحالين، فعلمنا أنَّ
الأجسامَ كانَتْ قدِ استضاءَتْ بضوءٍ ، واتصفَتْ بصفةٍ فارقَتْها عندَ الغروبِ ،
فعرفنا وجودّ النورِ بعدمِهِ، وما كنَّا نطلعُ عليهِ لولا عدمُهُ إلا بعسرٍ شديدٍ ،
وذلكَ لمشاهدتِنا الأجسامَ متشابهةً غيرَ مختلفةٍ في الظلامِ والنورِ ، هذا معَ
أنَّ النورَ أظهرُ المحسوساتِ ؛ إذْ بهِ تُدركُ سائرُ المحسوساتِ .
*
فما هوَ ظاهرٌ في نفسِهِ وهوَ مظهرٌ لغيرِهِ . . انظرْ كيفَ تُصوِّرَ استبهامُ أمرِهِ
بسبب ظهورِهِ لولا طريانُ ضدِّهِ ، فاللهُ تعالى هوَ أظهرُ الأمورِ ، وبهِ ظهرَتِ
الأشياءُ كلُّها ، ولوْ كانَ لهُ عدمٌ أوْ غيبةٌ أوْ تغيٌُّ .. لانهذَّتِ السماواتُ
والأرضُ ، ويطلَ الملكُ والملكوتُ، ولأُدركَتْ بذلكَ التفرقةُ بينَ
الحالينِ ، ولو كانَ بعضُ الأشياءِ موجوداً بهِ وبعضُها موجوداً بغيرِهِ ..
الأُدركَتِ التفرقةُ بينَ الشيئينِ في الدلالةِ ، ولكنْ دلالتُهُ عامةٌ في الأشياءِ على
نسقٍ واحدٍ ، ووجودُهُ دائمٌ في الأحوالِ يستحيلُ خلافُهُ ، فلا جرمَ أورثَتْ
شدّةُ الظهورِ خفاءً .
فهذا هوَ السببُ في قصورِ الأفهامِ .
وأمَّا مَنْ قويَتْ بصيرتُهُ، ولمْ تضعفْ مُنَّهُ .. فإنَّهُ في حالِ اعتدالِ أمرِهِ
لا يرى إلا اللهَ تعالى، ولا يعرفُ غيرَهُ، ويعلمُ أنَّهُ ليسَ في الوجودِ إلا اللهُ
٤٥١

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
تعالى ، وأفعالُهُ أثرٌ مِنْ آثارِ قدرتِهِ ، فهيَ تابعةٌ لهُ ، فلا وجودَ لها بالحقيقةِ
دونَةً، وإنَّما الوجودُ للواحدِ الحقِّ الذي بهِ وجودُ الأفعالِ كلّها ، ومَنْ هذهِ
حالُهُ فلا ينظرُ في شيءٍ مِنَ الأفعالِ إلا ويرى فيهِ الفاعلَ ، ويذهلُ عنِ الفعلِ
مِنْ حيثُ إنَّهُ سماءٌ وأرضٌ وحيوانٌ وشجرٌ ، بلْ ينظرُ فيهِ مِنْ حيثُ إنَّهُ صنعُ
الواحدِ الحقِّ ، فلا يكونُ نظرُهُ مجاوزاً لهُ إلى غيرِهِ ، كمَنْ نظرَ في شعرٍ
إنسانٍ أوْ خطِّهِ أوْ تصنيفِهِ ورأى فيهِ الشاعرَ والمصنَّفَ، ورأى آثارَهُ مِنْ حيثُ
إِنَّهُ أثرُهُ ، لا مِنْ حيثُ إنَّهُ حبرٌ وعفْصٌ وزاجٌ مرقومٌ على بياضٍ ، فلا يكونُ
قدْ نظرَ إلى غيرِ المصنفِ .
وكلُّ العالمِ تصنيفُ اللهِ تعالى ، فمَنْ نظرَ إليهِ مِنْ حيثُ إنَّهُ فعلُ اللهِ ،
وعرفَهُ مِنْ حيثُ إنَّهُ فعلُ اللهِ ، وأحبَّهُ مِنْ حيثُ إنَّهُ فعلُ اللهِ .. لمْ يكنْ ناظراً
إلا في اللهِ ، ولا عارفاً إلا باللهِ، ولا محبّاً إلا للهِ وكانَ هوَ الموحِّدَ الحقَّ
الذي لا يرى إلا اللهَ، بلْ لا ينظرُ إلى نفسِهِ مِنْ حيثُ نفسُهُ، بلْ مِنْ حيثُ إنَّهُ
عبدُ اللهِ، فهذا هوَ الذي يُقالُ فيهِ : إنَّهُ فنيَ في التوحيدِ ، وإنَّهُ فنيَ عنْ
نفسِهِ، وإليهِ الإشارةُ بقولٍ مَنْ قالَ: ( كنَّا بنا، ففنينا عنَّا (١) ، فبقينا بلا
نحنُ ) .
فهذه أمورٌ معلومةٌ عندَ ذوي البصائرِ ، أشكلَتْ لضعفِ الأفهامِ عنْ
درْكِها ، وقصورِ قدرةِ العلماءِ بها عنْ إيضاحِها وبيانِها بعبارةٍ مفهمةٍ موصلةٍ
(١) في ( أ) : ( فغبنا ) بدل ( ففنينا ).
٤٥٢
بدن
ـن

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
حز
للغرضِ إلى الأفهام ، أوْ باشتغالِهِمْ بأنفسِهِمْ ، واعتقادِهِمْ أنَّ بيانَ ذلكَ
لغيرهِمْ ممَّا لا يعنيهِمْ .
فهذا هوَ السببُ في قصورِ الأفهام عنْ معرفةِ اللهِ تعالى، وانضمَّ إليهِ أنَّ
المدركاتِ كلَّها التي هيَ شاهدةٌ على اللهِ إنَّما يدركُها الإنسانُ في الصبا عندَ
فقدِ العقلِ ، ثمَّ تبدو فيهِ غريزةُ العقلِ قليلاً قليلاً، وهوَ مستغرقُ الهمّ
بشهواتِهِ ، وقدْ أنِسَ بمدركاتِهِ ومحسوساتِهِ وألفَها (١) ، فسقطَ وقعُها عنْ قلبهِ
بطولِ الأنسِ ، ولذلكَ إذا رأى على سبيلِ الفجأةِ حيواناً غريباً أوْ نباتاً غريباً أوْ
فعلاً مِنْ أفعالِ اللهِ تعالى خارقاً للعادةِ عجيباً .. انطلقَ لسانُهُ بالمعرفةِ طبعاً ،
فقالَ : سبحانَ اللهِ! وهوَ يرى طولَ النهارِ نفسَهُ وأعضاءَهُ وسائرَ الحيواناتِ
المألوفةِ وكلُّها شواهدُ قاطعةٌ ولا يحسُّ بشهادتِها ؛ لطولِ الأنسِ بها .
ولوْ فُرضَ أكمهُ بلغَ عاقلاً، ثمَّ انقشعَتْ غشاوةُ عينِهِ، فامتدَّ بصرُهُ إلى
السماءِ والأرضِ والأشجارِ والنباتِ والحيوانِ دفعةً واحدةً على سبيلٍ
الفجأةِ .. لخيفَ على عقلِهِ أنْ ينبهرَ ؛ لعظم تعجُّبهِ مِنْ شهادةِ هذهِ العجائبِ
لخالقِها .
فهذا وأمثالُهُ مِنَ الأسبابِ معَ الانهماكِ في الشهواتِ هوَ الذي سدٍّ على
الخلقِ سبيلَ الاستضاءةِ بأنوارِ المعرفةِ ، والسباحةِ في بحارِها الواسعةِ ،
(١) ولهذا قال المصنف كما سيأتي في ( بيان محبة الله للعبد ومعناها): ( الخلْقُ أسبق إلى
العقول والأفهام من الخالق ) ، وسبب هذا السبق هو الضعف وطول الإلف.
٤٥٣
ٹن

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
حن
حن
فالناسُ في طلبهِمْ معرفةَ اللهِ كالمدهوشِ الذي يُضربُ بهِ المثلُ إذا كانَ راكباً
لحمارِهِ وهوَ يطلبُ حمارَهُ ، والجلياتُ إذا صارَتْ مطلوبةٌ .. صارَتْ
معتاصةً ، فهذا سرُّ هذا الأمرِ ، فليُحققْ، ولذلكَ قيلَ(١):
[من البسيط]
إِلَّ عَلَى أَكْمَهِ لا يَعْرِفُ أَلْقَمَرا
لَقَدْ ظَهَرْتَ فَما تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ
فَكَيْفَ يُعْرَفُ مَنْ بِالْعُرْفِ قَدْ سُتِرا
لَكِنْ بَطَنْتَ بِما أَظْهَرْتَ مُحْتَجِباً
ثم من حن جن زن من حن من عن زة من
(١) البيتان لذي الرمة فى ((ديوانه)) (١١٦٣/٢)، وانظر ((طبقات الأولياء)»
( ص٥١٨ ) .
G
٤٥٤
حرة

ربع المنجيات
يرعى
كتاب المحبة والشوق
بيان معنى الشّوق إلى الله تعالى
اعلمْ : أَنَّ مَنْ أَنكرَ حقيقةَ المحبةِ اللهِ تعالى .. فلا بدَّ وأنْ ينكرَ حقيقةً
الشوقِ ، إذْ لا يُصوَّرُ الشوقُ إلا إلى محبوبٍ ونحنُ نثبتُ وجودَ الشوقِ
إلى اللهِ تعالى وكونَ العارفِ مضطراً إليهِ بطريقِ الاعتبارِ والنظرِ بأنوارٍ
البصائرِ ، وبطريقِ الأخبار والآثار .
أمّا الاعتبارُ :
فيكفي في إثباتِهِ ما سبقَ في إثباتِ الحبِّ ، فكلُّ محبوبٍ يُشتاقُ إليهِ في
غيبتِهِ لا محالةَ ، فأمَّا الحاصلُ الحاضرُ فلا يُشتاقُ إليهِ ؛ فإن الشوقَ طلبٌ
وتشؤُّفٌ إلى نيلِ أمرٍ ، والموجودُ لا يُطلبُ .
ولكنْ بيانُهُ: أَنَّ الشوقَ لا يُتصوَّرُ إلا إلى شيءٍ أُدركَ مِنْ وجهٍ ولمْ يُدركْ
مِنْ وجهٍ ، فأمَّا ما لا يُدركُ أصلاً .. فلا يُشتاقُ إليهِ، فإنَّ مَنْ لمْ يرَ شخصاً
ولمْ يسمعْ وصفَهُ .. لا يُصوَّرُ أنْ يشتاقَ إليهِ، وما أُدركَ بكمالِهِ لا يُشتاقُ
إليهِ ، وكمالُ الإدراكِ بالرؤيةِ ، فَمَنْ كانَ في مشاهدةِ محبوبِهِ مداوماً للنظرِ
إليهِ .. لا يُتصوَّرُ أنْ يكونَ لهُ شوقٌ، ولكنَّ الشوقَ إنَّما يتعلَّقُ بما أُدركَ مِنْ
وجهٍ ولمْ يُدرْ مِنْ وجهٍ ، وهوَ مِنْ وجهين :
الأوّلُ : هوَ أنْ يتضحَ الشيءُ اتضاحاً ما ، ولكنَّهُ محتاجٌ إلى استكمالٍ ،
٤٥٥
ــن
ـيو

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
ولا ينكشفُ إلا بمثالٍ مِنَ المشاهداتِ، فنقولُ مثلاً: مَنْ غابَ عنهُ معشوقُهُ
وبقيَ في قلبهِ خيالُهُ .. فيشتاقُ إلى استكمالِ خيالِهِ بالرؤيةِ ، فلوِ انمحى عنْ
قلبهِ ذكرُهُ وخيالُهُ ومعرفتُهُ حتَّى نسيَّهُ .. لمْ يُتصوَّرْ أنْ يشتاقَ إليهِ، ولوْ رآهُ ..
لمْ يُتصوَّرْ أنْ يشتاقَ في وقتِ الرؤيةِ ، فمعنى شوقِهِ : تشوُّقُ نفسِهِ إلى
استكمالِ خيالِهِ ، وكذلكَ قدْ يراهُ في ظلمةٍ بحيثُ لا تنكشفُ لهُ حقيقةُ
صورتِهِ ، فيشتاقُ إلى استكمالِ رؤيتِهِ ، وتمامُ الانكشافِ في صورتِهِ بإشراقٍ
الضوءِ عليهِ .
والثاني : أنْ يرى وجهَ محبوبِهِ ولا يرى شعرَهُ مثلاً ولا سائرَ محاسنِهِ ،
فيشتاقُ لرؤيتِهِ وإنْ لمْ يرَها قطَّ ، ولمْ يثبتْ في نفسِهِ خيالٌ صادرٌ عنِ الرؤيةِ ،
ولكنَّهُ يعلمُ أنَّ لهُ عضواً وأعضاءً جميلةٌ ، ولمْ يدركْ تفصيلَ جمالِها بالرؤيةِ ،
فيشتاقُ إلى أنْ ينكشفَ لهُ ما لمْ يرَهُ قطُّ .
والوجهانِ جميعاً متصوَّرانِ في حقِّ اللهِ تعالى ، بلْ هما لازمانٍ بالضرورةِ
لكلِّ العارفينَ، فإنَّ ما اتضحَ للعارفينَ مِنَ الأمورِ الإلهيةِ وإنْ كانَ في غايةٍ
الوضوحِ فكأنَّهُ مِنْ وراءِ سترٍ رقيقٍ ، فلا يكونُ متضحاً غايةَ الاتضاحِ ، بلْ
يكونُ مشوباً بشوائبِ التخيُّلاتِ ، فإنَّ الخيالَ لا يفترُ في هذا العالمِ عنِ
التمثيلِ والمحاكاةِ لجميع المعلوماتِ ، وهيَ مكدراتٌ للمعارفِ
ومنغصاتٌ ، وكذلكَ ينضافُ إليها شواغلُ الدنيا ، فإنَّما كمالُ الوضوح
بالمشاهدةِ وتمام إشراقِ التجلِّي ولا يكونُ ذلكَ إلا في الآخرةِ ، وذلكَ
١
بالضرورةِ يوجبُ الشوقَ ؛ فإنَّهُ منتهى محبوبِ العارفينَ ، فهذا هوَ أحدُ
جن.
٤٥٦
حن

ربع المنجيات
ے
كتاب المحبة والشوق
محر
نوعي الشوقِ ، وهوَ استكمالُ الوضوح فيما اتضحَ اتضاحاً ما .
الثاني : أنَّ الأمورَ الإلهيّةَ لا نهايةَ لها، وإنَّما ينكشفُ لكلِّ عبدٍ مِنَ
العبادِ بعضُها ، وتبقى أمورٌ لا نهايةَ لها غامضةٌ ، والعارفُ يعلمُ وجودها ،
وكونَها معلومةً لله تعالى ، ويعلمُ أنَّ ما غابَ عنْ علمِهِ مِنَ المعلوماتِ أكثرُ
ممَّا حضرَ ، فلا يزالُ متشوِّقاً إلى أنْ يحصلَ لهُ أصلُ المعرفةِ فيما لمْ يحصلْ
ممَّا بقيَ مِنَ المعلوماتِ التي لمْ يعرفُها أصلاً ، لا معرفةً واضحةً ،
ولا معرفةً غامضةً .
والشوقُ الأوَّلُ ينتهي في الدارِ الآخرةِ بالمعنى الذي يُسمَّى رؤيةً ولقاءً
ومشاهدةً ، ولا يُتصوَّرُ أنْ يسكنَ في الدنيا .
وقدْ كانَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ مِنَ المشتاقينَ ، فقالَ : قلتُ ذاتَ يومٍ :
يا رببِّ؛ إِنْ أعطيتَ أحداً مِنَ المحبِّينَ لكَ ما يسكنُ بهِ قلبُهُ قبلَ لقائِكَ ..
فأعطني ذلكَ ، فقدْ أضرَّ بي القلقُ ، قالَ : فرأيتُ في النوم أنَّهُ أوقفَني بينَ
يديهِ وقالَ : يا إبراهيمُ ؛ أما استحييتَ مِنِّي أنْ تسألَني أنْ أعطيَكَ ما يسكنُ بهِ
قلبُكَ قبلَ لقائي ؟! وهلْ يسكنُ المشتاقُ قبلَ لقاءِ حبيبهٍ ؟! فقلتُ : يا ربِّ ؛
تهتُ في حبِّكَ ، فلمْ أدرِ ما أقولُ ، فاغفرْ لي ، وعلَّمْني ما أقولُ ، فقالَ :
قُلِ : اللهُمَّ ؛ رضُّني بقضائِكَ، وصبِّرْني على بلائِكَ، وأوزعْني شكرَ
نعمائِكَ !(١) .
٧٥٠
(١) كذا في ((القوت)) (٦١/٢)، ورواه عنه بغير الدعاء السراج القاري في ((مصارع
العشاق)) (٢٧٨/١ ) .
٤٥٧

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
٥٠%
فإذاً ؛ هذا الشوقُ يسكنُ في الآخرةِ، وأمَّا الشوقُ الثاني .. فيشبهُ ألا
يكونَ لهُ نهايةٌ لا في الدنيا ولا في الآخرةِ ؛ إذْ نهايتُهُ أنْ ينكشفَ للعبدِ في
الآخرةِ مِنْ جلالِ اللهِ تعالى وصفاتِهِ وحكمتِهِ وأفعالهِ ما هوَ معلومٌ للهِ
تعالى ، وهوَ محالٌ ؛ لأنَّ ذلكَ لا نهايةَ لهُ ، ولا يزالُ العبدُ عالماً بأنَّهُ بقيَ
مِنَ الجمالِ والجلالِ ما لمْ يتضحْ لهُ ، فلا يسكنُ قطُّ شوقُهُ ، لا سيما مَنْ
يرىُ فوقَ درجتِهِ درجاتٍ كثيرةً ، إلا أنَّهُ تشوَّقَ إلى استكمالِ الوصالِ مِعَ
حصولِ أصلِ الوصالِ ، فهوَ يجدُ لذلكَ شوقاً لذيذاً لا يظهرُ فيهِ ألمٌ ،
ولا يبعدُ أنْ تكونَ ألطافُ الكشفِ والنظرِ متواليةً إلى غيرِ نهايةٍ ، فلا يزالُ
النعيمُ واللذَّةُ متزايداً أبدَ الآبادِ ، وتكونُ لذَّهُ ما يتجدَّدُ مِنْ لطائفِ النعيمِ
شاغلاً عنِ الإحساسِ بالشوقِ إلى ما لمْ يحصلْ ، وهذا بشرطِ أنْ يمكنَ
حصولُ الكشفِ فيما لمْ يحصلْ فيهِ كشفٌ في الدنيا أصلاً ، فإنْ كانَ ذلكَ
غيرَ مبذولٍ .. فيكونُ النعيمُ واقفاً على حدٍّ لا يتضاعفُ، ولكنْ يكونُ
مستمرّاً على الدوامِ .
وقولُهُ سبحانَهُ وتعالى: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيِهِمْ وَبِأَيْمَنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآَ
أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ محتملٌ لهذا المعنى، وهوَ أنْ ينعمَ عليهِ بإتمامِ النورِ مهما
تزوَّدَ مِنَ الدنيا أصلَ النورِ ، ويحتملُ أنْ يكونَ المرادُ بهِ إتمامَ النورِ في غيرِ
ما استنارَ في الدنيا استنارةٌ محتاجةٌ إلى مزيدِ الاستكمالِ والإشراقِ ، فيكونَ
هوَ المرادَ بتمامِهِ .
وقولُهُ تعالى: ﴿أَنْظُرُونَا نَفْئَيِسْ مِن ◌ُورِكُمْ قِيلَ آرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَالتَمِسُوا نُورًا ﴾ يدلُّ على
٤٥٨

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
محـ
أنَّ الأنوارَ لا بدَّ وأنْ يُتزوَّدَ أصلُها في الدنيا، ثمَّ يزدادَ في الآخرةِ إشراقاً ،
فأمَّا أنْ يتجدَّدَ نورٌ .. فلا .
والحكمُ في هذا برجمِ الظنونِ مخطرٌ ، ولمْ ينكشفْ لنا بعدُ فيهِ ما يُوثقُ
بهِ ، فنسألُ اللهَ تعالى أنْ يزيدَنا علماً ورشداً ، ويريَنا الحقَّ حقّاً .
فهذا القدْرُ مِنْ أنوارِ البصائرِ كاشفٌ لحقائقِ الشوقِ ومعانيهِ .
wwwwww
وأمَّا شواهدُ الأخبارِ والآثارِ .. فأكثرُ مِنْ أَنْ تُحصىُ :
فمما اشتهرَ مِنْ دعاءِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ كانَ يقولُ :
((اللهُمَّ؛ إنِّي أسألُكَ الرضا بعدَ القضاءِ، وبردَ العيشِ بعدَ الموتِ، ولذَّةً
النظرِ إلى وجهِكَ الكريمِ، وشوقاً إلى لقائِكَ))(١) .
وقالَ أبو الدرداءِ لكعبٍ : أخبرني عنْ أخصِّ آيةٍ ؛ يعني : في التوراةِ ،
فقالَ : يقولُ اللهُ تعالى : طالَ شوقُ الأبرارِ إلى لقائي، وإنِّي إلى لقائِهِمْ
لأشدُّ شوقاً ، قالَ : ومكتوبٌ إلى جانبها : مَنْ طلبَني .. وجدَني، ومَنْ
طلبَ غيري .. لمْ يجدْني، فقالَ أبو الدرداءِ: أشهدُ إنِّي لسمعتُ رسولَ الله
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ هذا(٢)
...
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (١٩١/٥)، والحاكم في (( المستدرك)) (٥١٦/١)، وقد
رواه أيضا الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ١٠٧ ).
(٢) قال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٦٠٤/٩): (نقله صاحب ((القوت))، وأغفله
العراقي ، والذي رواه أبو الدرداء مرفوعاً هو قوله : يقول الله تعالى: من طلبني .. =
٤٥٩
من

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
وفي أخبارِ داوودَ عليهِ السلامُ : أَنَّ اللهَ تعالى قالَ : ( يا داوودُ ؛ أبلغْ
أهلَ أرضي أنِّي حبيبٌ لمَنْ أحبَّني ، وجليسٌ لمَنْ جالسَني ، ومؤنسٌ لمَنْ
أنسَ بذكري ، وصاحبٌ لمَنْ صاحبَني ، ومختارٌ لمَنِ اختارَني، ومطيعٌ لمَنْ
أطاعَني ، ما أحبَّني عبدٌ أعلمُ ذلكَ يقيناً مِنْ قلبِهِ إلا قبلتُهُ لنفسي، وأحببتُهُ
حبّاً لا يتقدَّمُ عليهِ أحدٌ مِنْ خلقي ، مَنْ طلبَني بالحقِّ .. وجدَني، ومَنْ طلبَ
غيري .. لمْ يجدْني، فارفضوا يا أهلَ الأرضِ ما أنتُمْ عليهِ مِنْ غرورِها ،
وهلقُّوا إلى كرامتي ومصاحبتي ومجالستي، وأُنوا بي .. أوانسْكُمْ وأسارعْ
إلىْ محبِّكُمْ ، فإِنِّي خلقتُ طينةَ أحبائي مِنْ طينةِ إبراهيمَ خليلي وموسى
نجيِّي ، ومحمدٍ صفيِّي ، وخلقتُ قلوبَ المشتاقينَ مِنْ نوري ، ونعَّمتُها
بجلالي )(١) .
ورُوِيَ عنْ بعض السلفِ أنَّ اللهَ تعالىْ أوحى إلى بعضٍ الصدِّيقينَ : إنَّ
لي عباداً مِنْ عبادي يحبُّوني وأحبُّهُمْ، ويشتاقونَ إليَّ وأشتاقُ إليهِمْ،
ويذكروني وأذكرُهُمْ، وينظرونَ إليَّ وأنظرُ إليهِمْ، فإنْ حذوتَ طريقَهُمْ ..
أحببتُكَ، وإنْ عدلتَ عنهُمْ .. مقتُّكَ، قَالَ: يا ربِّ؛ وما علامتُهُمْ؟
وجدني، ومن طلب غيري .. لم يجدني)، وحديث: (( طال شوق الأبرار ... ))
=
أورده الديلمي في ( مسند الفردوس)) ( ٨٠٦٧) من حديث أبى الدرداء رضي الله عنه ،
وقد روى المقدسي في ((الترغيب في الدعاء)) (١٩) عن أحمد بن مخلد الخراساني
القولین مع زيادة دون رفع أو وقف .
(١) نقله صاحب ((القوت)). («إتحاف)) (٦٠٥/٩).
٤٦٠
حن
سجو
ـدن