النص المفهرس
صفحات 421-440
ربع المنجيات 2.5 جن كتاب المحبة والشوق والشربِ والنكاح، فإنَّ الجنَّةَ معدنُ تمتُّع الحواسُ، فأمَّا القلبُ .. فلذَّتُهُ في لقاءِ اللهِ تعالى فقطْ . ومثالُ أطوارِ الخلقِ في لذَّاتِهِمْ ما نذكرُهُ : وهوَ أنَّ الصبيَّ في أوَّلِ حركتِهِ وتمييزِهٍ يظهرُ فيهِ غريزةٌ بها يستلذُّ اللعبَ واللهوَ ، حتَّى يكونَ ذلكَ عندَهُ ألذَّ مِنْ سائرِ الأشياءِ ، ثمَّ يظهرُ بعدَهُ لذَّةُ الزينةِ ولبسِ الثيابِ وركوبِ الدوابِّ ، فيستحقرُ معها لذةً اللعبِ ، ثمَّ يظهرُ بعدَهُ لذَّهُ الوقاع وشهوةُ النساءِ ، فيتركُ بها جميعَ ما قبلَها في الوصولِ إليها ، ثمَّ تظهرُ لذَّهُ الرئاسةِ والعلوِّ والتكاثرِ ، وهيَ آخرُ لذَّاتِ الدنيا وأغلبُها وأقواها، كما قال تعالى: ﴿أَعْلَمُواْ أَتَّمَا الْحَيَّوَةُ الذُّنْيَا لَعِبٌ وَلَمْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخٌُ بَيْنَكُمْ ... ﴾ الآيةَ، ثمَّ بعدَ هذا تظهرُ غريزةٌ أخرى يدركُ بها لذَّةَ معرفةِ اللهِ تعالى ومعرفةِ أفعالِهِ ، فيستحقرُ معها جميعَ ما قبلَها ، فكلُّ متأخِّرٍ فهوَ أقوى ، وهذا هوَ الأخيرُ ، إذْ يظهرُ حبُّ اللعبِ في سنِّ التمييزِ ، وحبُّ النساءِ والزينةِ في سنِّ البلوغ ، وحبُّ الرئاسةِ بعدَ العشرينَ ، وحبُّ العلوم بقربِ الأربعينَ ، وهيَ الغايةُ العليا، وكما أنَّ الصبيَّ يضحكُ على مَنْ يتركُ اللعبَ ويشتغلُ بملاعبةِ النساءِ وطلبٍ الرئاسةِ .. فكذلكَ الرؤساءُ يضحكونَ على مَنْ يتركُ الرئاسةَ ويشتغلُ بمعرفةِ اللهِ تعالى، والعارفونَ يقولونَ: ﴿إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنَكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ نِعْ﴾: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. ٤٢١ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات بيان التسبب في زيادة النظر في لذّة الآخرة على المعرفة في الدنيا 5 اعلمْ : أنَّ المدركاتِ تنقسمُ : إلى ما يدخلُ في الخيالِ ؛ كالصورِ المتخيلةِ ، والأجسام المتلونةِ المتشكلةِ مِنْ أشخاصِ الحيوانِ والنباتِ . وإلى ما لا يدخلُ في الخيالِ ؛ كذاتِ اللهِ تعالى ، وكلُّ ما ليسَ بجسم ؛ كالعلمِ ، والقدرةٍ ، والإرادة ، وغيرِها . ومَنْ رأى إنساناً ثمَّ غضَّ بصرَهُ .. وجدَ صورتَهُ حاضرةً في خيالِهِ كأنَّهُ ينظرُ إليها ، ولكنْ إذا فتحَ العينَ وأبصرَ .. أدركَ تفرقةً بينَهُما ، ولا ترجعُ التفرقةُ إلى اختلافٍ بينَ الصورتينِ ؛ لأنَّ الصورةَ المرئيةَ تكونُ موافقةً للمتخيّلِةِ ، وإنَّما الافتراقُ بمزيدِ الوضوحِ والكشفِ ، فإنَّ صورةَ المرئيّ صارَتْ بالرؤيةِ أتمَّ انكشافاً ووضوحاً ، وهوَ كشخصٍ يُرى في وقتِ الإِسفارِ قبلَ انتشارِ ضوءِ النهارِ ، ثُمَّ رُنِيَ عندَ تمامِ الضوءِ ، فإنَّهُ لا تفارقُ إحدى الحالتينِ الأخرى إلا في مزيدِ الانكشافِ . فإذاً ؛ الخيالُ أوَّلُ الإدراكِ ، والرؤيةُ هيَ استكمالٌ لإدراكِ الخيالِ ، وهوَ غايةُ الكشفِ ، وسُمِّيَ ذلكَ رؤيةً لأنَّهُ غايةُ الكشفِ ، لا لأنَّهُ في العينِ ، بلْ لوْ خلقَ اللهُ هذا الإدراكَ الكاملَ المكشوفَ في الجبهةِ أوِ الصدرِ مثلاً .. استحقَّ أنْ يُسمّى رؤيةً . Gء ٤٢٢ حن حرة ـون ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق حن O وإذا فهمتَ هذا في المتخيَّلاتِ .. فاعلمْ أنَّ المعلوماتِ التي لا تتشكَّلُ في الخيالِ أيضاً لمعرفتِها وإدراكِها درجتانِ : إحداهُما أولى ، والثانيةُ استكمالٌ لها ، وبينَ الثانيةِ والأولىُّ مِنَ التفاوتِ في مزيدِ الكشفِ والإيضاحِ ما بينَ المتخيَّلِ والمرئيِّ، فيُسمَّى الثاني أيضاً بالإضافة إلى الأوَّلِ مشاهدةً ولقاءً ورؤيةً، وهذهِ التسميةُ حقٌّ؛ لأنَّ الرؤيةَ سُمِّيَتْ رؤيةً لأنَّها غايةٌ الكشفِ، وكما أنَّ سنَّةَ اللهِ تعالى جاريةٌ بأنَّ تطبيقَ الأجفانِ يمنعُ مِنْ تمامٍ الكشفِ بالرؤيةِ ، ويكونُ حجاباً بينَ البصرِ والمرئيِّ ، ولا بدَّ مِنِ ارتفاع الحجابِ لحصولِ الرؤيةِ، وما لمْ ترتفعْ كانَ الإدراكُ الحاصلُ مجرَّدَ التخيُّلِ .. فكذلكَ مقتضى سنَّةِ اللهِ تعالى أنَّ النفسَ ما دامَتْ محجوبةً بعوارضٍ البدنِ ومقتضى الشهواتِ ، وما غلبَ عليها مِنَ الصفاتِ البشريةِ .. فإنَّها لا تنتهي إلى المشاهدةِ واللقاءِ في المعلوماتِ الخارجة عنِ الخيالِ . بلْ هذهِ الحياةُ حجابٌ عنها بالضرورةِ ؛ كحجابِ الأجفانِ عنْ رؤيةٍ الأبصارِ ، والقولُ في سببٍ كونِهِ حجاباً يطولُ (١) ، ولا يليقُ بههذا العلمِ ، ولذلكَ قالَ تعالى لموسى عليه السلامُ: ﴿لَنْ تَرَِ﴾. وقال تعالى: ﴿لََّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ أي: في الدنيا ، والصحيحُ: أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ما رأى اللهَ تعالى ليلةَ المعراج (٢). (١) المراد : كون الوجود في الحياة الدنيا حجاباً . (٢) والمراد من التصحيح هنا : تأكيد قضية امتناع تمام المشاهدة في الحياة الدنيا ، بل لا بد من تجاوز قنطرتها ، وهذا ما اختارته الصديقة عائشة رضي الله عنها كما هو عند = ٤٢٣ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات فإذا ارتفعَ الحجابُ بالموتِ .. بقيَتِ النفسُ ملوثةً بكدوراتِ الدنيا ، غيرَ منفكةٍ عنها بالكليَّةِ ، وإنْ كانَتْ متفاوتةً ؛ فمنها ما تراكمَ عليهِ الخبثُ والصدأُ ، فصارَ كالمرآةِ التي فسدَ بطولِ تراكمِ الخبثِ جوهرُها ، فلا تقبلُ الإصلاحَ والتصقيلَ، وهؤلاءٍ هُمُ المحجوبونَ عنْ ربِّهِمْ أبدَ الآبادِ ، نعوذٌ باللهِ مِنْ ذلكَ ، ومنها ما لمْ ينتهِ إلى حدِّ الرينِ والطبع ، ولمْ يخرجْ عنْ قبولِ التزكيةِ والتصقيلٍ ، فيُعرضُ على النارِ عرضاً يقمعُ منهُ الخبثَ الذي هوَ متدنِّسٌ بهِ ، ويكونُ العرضُ على النارِ بقدْرِ الحاجةِ إلى التزكيةِ ، وأقلُّها لحظةٌ خفيفةٌ، وأقصاها في حقِّ المؤمنينَ كما وردَتْ بهِ الأخبارُ سبعةُ آلافٍ سنةٍ . ولنْ ترتحلَ نفسٌ عنْ هذا العالم إلا ويصحبُها غَبَرَةٌ وكدورةٌ ما وإنْ قلَّتْ، ولذلكَ قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَإِن ◌ِّنَكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمَا مَّقْضِيًّا ثُمَّ تُنَجِى الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فَِهَا جِئِيًّا﴾، فكلُّ نفسٍ مستيقنةٌ للورودِ على النارِ وغيرُ مستيقنةٍ للصدورِ عنها ، فإذا أكملَ اللهُ تطهيرَها وتزكيتَها ، وبلغَ الكتابُ أجلَهُ ، ووقعَ الفراغُ عنْ جملةِ ما وعدَ بهِ الشرعُ مِنَ العرضِ والحسابِ وغيرِهِ ، ووافى استحقاقُ الجنَّةِ ، وذلكَ وقتٌ مبهمٌ لمْ يطلع اللهُ البخاري (٣٢٣٤)، ومسلم ( ١٧٧) إذ قالت : ( من زعم أن محمداً صلى الله عليه = وسلم رأى ربه .. فقد أعظم الفرية )، ولمسلم (١٧٨ ) من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ قال: (( نور أنَّى أراه )) . ٤٢٤ -- ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق عليهِ أحداً مِنْ خلقِهِ ؛ فإنَّهُ واقعٌ بعدَ القيامةِ ، ووقتُ القيامةِ مجهولٌ . . فعندَ ذلكَ يستعدُّ بصفائِهِ ونقائِهِ عنِ الكدوراتِ - حيثُ لا يرهقُ وجهَهُ غَبَرَةٌ ولا قَتَرَةٌ - لأَنْ يتجلَّىُ فيهِ الحقُّ سبحانَهُ وتعالى، فيتجلَّىُ لهُ تجلِّياً يكونُ انكشافُ تجلِّيهِ بالإضافةِ إلى ما علمَهُ كانكشافِ تجلِّي المرئياتِ بالإضافةِ إلى ما تخيّلَهُ ، وهذهِ المشاهدةُ والتجلِّ هيَ التي تُسمَّى رؤيةً . فإِذاً ؛ الرؤيةُ حقٌّ بشرطِ ألا يفهمَ مِنَ الرؤيةِ استكمالَ الخيالِ في متخيّلٍ متصوَّرِ مخصوصٍ بجهةٍ ومكانٍ ؛ فإنَّ ذلكَ ممَّا يتعالى عنهُ ربُّ الأربابِ علواً كبيراً ، بلْ كما عرفتَهُ في الدنيا معرفةً حقيقيةٌ تامَّةً مِنْ غيرِ تخيُلٍ وتصوُّرٍ وتقديرِ شكلٍ وصورةٍ ، فتراهُ في الآخرةِ كذلكَ . ے بلْ أقولُ : المعرفةُ الحاصلةُ في الدنيا بعينِها هيَ التي تُستكملُ ، فتبلغُ كمالَ الكشفِ والوضوحِ وتنقلبُ مشاهدةٌ ، ولا يكونُ بينَ المشاهدةِ في الآخرةِ والمعلوم في الدنيا اختلافٌ إلا مِنْ حيثُ زيادةُ الكشفِ والوضوحِ ، كما ضربنا منَ المثالِ في استكمالِ الخيالِ بالرؤيةِ ، فإذا لمْ يكنْ في معرفةِ اللهِ تعالى إثباتُ صورةٍ وجهةٍ .. فلا يكونُ في استكمالِ تلكَ المعرفةِ بعينِها وترقُّيها في الوضوح إلى غايةِ الكشفِ أيضاً جهةٌ وصورةٌ ؛ لأنَّها هيَ بعينها لا تفترقُ منها إلا في زيادةِ الكشفِ ، كما أنَّ الصورةَ المرئيَّةَ هيَ المتخيَّلةُ بعينِها إلا في زيادةِ الكشفِ (١) . ـو. العلممافى (١) هذه القطعة النفيسة في تحقيق معنى الرؤية لمن ليس كمثله شيء سبحانه لا تنبو قيد خاطر عما حققه المتكلمون من أهل السنة والجماعة ، غير أنها بلغة غير معهودة = ٤٢٥ ـهـ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات دة كود: وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾، إذْ تمامُ النورِ لا يؤثِّرُ إلا في زيادةِ الكشفِ ، ولهذا لا يفوزُ بدرجةِ النظرِ والرؤيةِ إلا العارفونَ في الدنيا ؛ لأنَّ المعرفةَ هيَ البذرُ الذي ينقلبُ في الآخرةِ مشاهدةً كما تنقلبُ النواةُ شجرةٌ ، والحبُّ زرعاً ، ومَنْ لا نواةَ في أرضِهِ .. فكيف يحصلُ لهُ نخلٌ وشجرٌ؟ ومَنْ لمْ يزرعِ الحَبَّ .. فكيفَ يحصدُ الزرعَ؟ فكذلكَ مَنْ لمْ يعرفِ اللهَ تعالى في الدنيا .. فكيفَ يراهُ في الآخرةِ ؟! ولمَّا كانَتِ المعرفةُ على درجاتٍ متفاوتةٍ .. كانَ التجلِّي أيضاً على درجاتٍ متفاوتةٍ ، فاختلافُ التجلِّي بالإضافةِ إلى اختلافِ المعارفِ كاختلافِ النباتِ بالإضافةِ إلى اختلافِ البذورِ ، إذْ تختلفُ - لا محالةً - بكثرتِها وقلَّتِها وحسنِها وقوَّتِها وضعفِها . ولذلكَ قالَ النبيُّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : ((إنَّ اللهَ يتجلَّى للناس عامَّةً، ولأبي بكرٍ خاصَّةً )) (١)، فلا ينبغي أنْ يُظنَّ أنَّ غيرَ أبي بكرٍ ممَّنْ هوَ دونَهُ يجدُ مِنْ لذَّةِ النظرِ والمشاهدةِ ما يجدُهُ أبو بكرٍ رضي اللهُ عنهُ ، بلْ لا يجدُ إلا عُشرَ عَشِيرِهِ إنْ كانَتْ معرفتُهُ في الدنيا عُشْرَ عَشِيرٍ معرفةِ أبي بكرٍ ، ولمَّا فضلَ عندهم ، وبزيادة استبصار لا تدانيه تحقيقاتهم وكلماتهم ، بل هي وراء أسوار علم = الكلام وإن تطابقا انتهاءً . (١) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (٢١٦/٥)، والحاكم في ((المستدرك)) (٧٨/٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٢/٥)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٥٩/٣٠). ٤٢٦ بحر ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق حر الناسَ بسرّ وقرَ في صدرِهِ .. فُضِّلَ - لا محالةَ - بتجلَّ انفردَ بهِ ، وكما أنَّكَ ترى في الدنيا مَنْ يؤثرُ لذّةَ الرئاسةِ على المنكوحِ والمطعوم ، وترى مَنْ يؤثرُ لذَّةَ العلمِ وانكشافَ مشكلاتِ ملكوتِ السماواتِ والأرضِ وسائرَ الأمورِ الإلهيةِ على الرئاسةِ وعلى المنكوحِ والمطعوم والمشروبِ جميعاً .. فكذلكَ يكونُ في الآخرةِ قومٌ يؤثرونَ لذَّةَ النظرِ إلى وجهِ اللهِ تعالى على نعيمِ الجنَّةِ ؛ إذْ يرجعُ نعيمُها إلى المطعوم والمنكوحِ ، وهؤلاءِ بعينِهِمْ هُمُ الذينَ حالْهُمْ في الدنيا ما وصفنا مِنْ إيثارِ لذَّةِ العلمِ والمعرفةِ والاطلاع على أسرارِ الربوبيَّةِ على لذَّةِ المنكوحِ والمطعومِ والمشروبِ وسائرِ ما الخلقُ مشغولونَ بهِ . ولذلكَ لمَّا قِيلَ لرابعةً : ما تقولينَ في الجنَّةِ ؟ فقالَتِ : الجارُ ثمَّ الدارُ. فبيَّتْ أَنَّهُ ليسَ في قلبها التفاتٌ إلى الجنةِ ، بل إلى ربِّ الجنَّةِ .. وكلُّ مَنْ لمْ يعرفِ اللهَ في الدنيا .. فلا يراهُ في الآخرةِ ، وكلُّ مَنْ لمْ يجدْ لذَّةَ المعرفةِ في الدنيا .. فلا يجدُ لذَّةَ النظرِ في الآخرةِ؛ إذْ ليسَ يستأنفُ لأحدٍ في الآخرةِ ما لمْ يصحبْهُ في الدنيا ، فلا يحصدُ أحدٌ إلا ما زرعَ، ولا يُحشرُ المرءُ إلا على ما ماتَ عليهِ، ولا يموتُ إلا على ما عاشَ عليهِ، فما صحبَهُ مِنَ المعرفةِ هوَ الذي يتنعَّمُ بهِ بعينِهِ فقطْ، إلا أنَّهُ ينقلبُ مشاهدةً بكشفِ الغطاءِ ، فتتضاعفُ اللذَّةُ بهِ كما تتضاعفُ لذَّهُ العاشقِ إذا استبدلَ بخيالٍ صورةِ المعشوقِ رؤيةً صورتِهِ ، فإنَّ ذلكَ هوَ منتهى لذَّتِهِ ، وإنَّما طيبةُ الجنَّةِ أنَّ لكلِّ أحدٍ فيها ما يشتهي ، فمَنْ لا يشتهي إلا لقاءَ اللهِ تعالى .. فلا لذَّةَ لهُ في غيرِهِ ، بلْ ربَّما یتأذَّى بهِ . ٤٢٧ بجن كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات فإذاً ؛ نعيمُ الجنَّةِ بقدْرِ حبِّ اللهِ تعالى ، وحبُّ اللهِ تعالى بقدْرِ معرفتِهِ ، فأصلُ السعاداتِ هيَ المعرفةُ التي عبَّرَ الشرعُ عنها بالإيمانِ . فإنْ قلتَ : فلذَّهُ الرؤيةِ إنْ كانَتْ لها نسبةٌ إلى لذَّةِ المعرفةِ .. فهيَ قليلةٌ وإنْ كانَتْ أضعافَها ؛ لأنَّ لذَّةَ المعرفةِ في الدنيا ضعيفةٌ ، فتضاعفُها إلى حدٍّ قريبٍ لا ينتهي في القوَّةِ إلى أنْ يُستحقرَ سائرُ لذاتِ الجنةِ فيها . فاعلمْ : أنَّ هذا الاستحقارَ الذَّةِ المعرفةِ مصدرُهُ الخلوُّ عنِ المعرفةِ ، فمَنْ خلا عنِ المعرفةِ كيفَ يدركُ لذَّتَها ؟ وإنِ انطوى على معرفةٍ ضعيفةٍ وقلبُهُ مشحونٌ بعلائقِ الدنيا .. فكيفَ يُدركُ لذَّتَها ؟ فللعارفينَ في معرفتِهِمْ وفكرتِهِمْ ومناجاتِهِمْ للهِ تعالى لذَّاتٌ لوْ عُرضَتْ عليهِمُ الجنَّةُ في الدنيا بدلاً عنها .. لمْ يستبدلوا بها لذَّةَ الجنَّةِ، ثمَّ هذهِ اللذَّةُ معَ كمالِها لا نسبةً لها أصلاً إلى لذَّةِ اللقاءِ والمشاهدةِ ؛ كما لا نسبةَ للذَّةِ خيالِ المعشوقِ إلى رؤيتِهِ ، ولا الذَّةِ استنشاقِ روائح الأطعمةِ الشهيّةِ إلى ذوقِها، ولا الذَّةِ اللمسِ باليدِ إلى لذَّةِ الوقاع ، وإظهارُ عظم التفاوتِ بينَهُما لا يمكنُ إلا بضربِ مثالٍ فنقولُ : لذَّهُ النظرِ إلى وجهِ المعشوقِ في الدنيا تتفاوتُ بأسبابٍ : أحدُها : كمالُ جمالِ المعشوقِ ونقصانُهُ : فإنَّ اللذَّةَ في النظرِ إلى الأجملِ أكملُ لا محالةَ . ٤٢٨ ربع المنجيات كن كتاب المحبة والشوق والثاني : كمالُ قوَّةِ الحبِّ والشهوةِ والعشقِ : فليسَ التذاذُ مَنِ اشتدَّ عشقُهُ كالتذاذِ مَنْ ضعفَتْ شهوتُهُ وحِيُّهُ . ـســ والثالثُ : كمالُ الإدراكِ : فليسَ التذاذُهُ برؤيةِ المعشوقِ في ظلمةٍ ، أَوْ مِنْ وراءِ سترٍ رقيقٍ أَوْ مِنْ بعدٍ .. كالتذاذِهِ بإدراكِهِ على قربٍ مِنْ غيرِ سترٍ ، وعندَ كمالِ الضوءِ ، ولا إدراكُ لذَّةِ المضاجعةِ معَ ثوبٍ حائلٍ كإدراكِها معَ التجژُّدِ . والرابعُ : اندفاعُ العوائقِ المشوشةِ والآلام الشاغلةِ للقلبِ : فليسَ التذاذُ الصحيحِ الفارغ المتجرِّدِ للنظرِ إلى المعشوقِ .. كالتذاذِ الخائفِ المذعورِ ، أوِ المريضِ المتألِّمِ، أو المشغولِ قلبُهُ بمهمٌّ مِنَ المهمَّاتِ . فقدِّرْ عاشقاً ضعيفَ العشقِ ، ينظرُ إلى وجهِ معشوقِهِ مِنْ وراءِ سترٍ رقيقٍ على بعدٍ ، بحيثُ يمنعُ انكشافَ كْهِ صورتِهِ ، في حالةٍ اجتمعَ عليهِ عقاربُ وزنابيرُ تؤذيهِ وتلدغُهُ وتشغلُ قلبَهُ، فهوَ في هذهِ الحالةِ لا يخلو عنْ لذَّةٍ ما مِنْ مشاهدةِ معشوقِهِ ، فلوْ طرأَتْ على الفجأةِ حالةٌ انهتكَ بها السترُ ، وأشرقَ بها الضوءُ، واندفعَ عنهُ المؤذياتُ، وبقيَ سليماً فارغاً، وهجمَتْ عليهِ الشهوةُ القوَّةُ والعشقُ المفرطُ حتَّى بلغَ أقصى الغاياتِ .. فانظر كيفَ تتضاعفُ اللذَّهُ حتَّى لا يبقى للأولى إليها نسبةٌ يُعتدُّ بها . فكذلكَ فافهَمْ نسبةً لذَّةِ النظرِ إلى لذَّةِ المعرفةِ ، فالسترُ الرقيقُ مثالٌ للبدنِ والاشتغالِ بهِ ، والعقاربُ والزنابيرُ مثالٌ للشهواتِ المتسلِّطةِ على الإنسانِ ؛ ٤٢٩ حـ ـون كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات مِنَ الجوع والعطشِ والغضبِ والغمِّ والحزنِ، وضعفُ الشهوةِ والحبِّ مثالٌ لقصورِ النفسِ في الدنيا ونقصانِها عنِ الشوقِ إلى الملأِ الأعلى والتفاتِها إلى أسفل السافلينَ ، وهوَ مثلُ قصورِ الصبيِّ عنْ ملاحظةِ لذَّةِ الرئاسةِ والتفاتِهِ إلى اللعب بالعصفورِ . والعارفُ وإنْ قويَتْ في الدنيا معرفتُهُ فلا يخلو عنْ هذهِ المشوِّشاتِ ، ولا يُتصوَّرُ أَنْ يخلوَ عنها ألبتةَ . نعمْ ، قدْ تضعفُ هذهِ العوائقُ في بعضِ الأحوالِ ولا تدومُ ، فلا جرمَ يلوحُ مِنْ جمالِ المعرفةِ ما يبهتُ العقلَ، وتعظمُ لذَّتُهُ بحيثُ يكادُ القلبُ يتفطَّرُ لعظمتِهِ، ولكنْ يكونُ ذلكَ كالبرقِ الخاطفِ، وقلَّما يدومُ ، بلْ يعرضُ مِنَ الشواغلِ والأفكارِ والخواطرِ ما يشوِّشُهُ وينغِّصُهُ، وهذهِ ضرورةٌ دائمةٌ في هذهِ الحياةِ الفانيةِ ، فلا تزالُ هذهِ اللذَّهُ منغَّصَةٌ إلى الموتِ ، وإنَّما الحياةُ الطيّةُ بعدَ الموتِ، وإنَّما العيشُ عيشُ الآخرةِ ﴿وَإِنَّ الدَّارَ E اُلْآَخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. ٠بجـ وكلُّ مَنِ انتهى إلى هذهِ الرتبةِ .. فإنَّهُ يحبُّ لقاءَ اللهِ تعالى، فيحبُّ الموتَ ولا يكرهُهُ إلا مِنْ حيثُ ينتظرُ زيادةً استكمالٍ في المعرفةِ ، فإنَّ المعرفةَ كالبذر ، وبحرُ المعرفةِ لا ساحلَ لهُ، والإحاطةُ بكنهِ جلالِ اللهِ محالٌ ، فكلَّما كثرَتِ المعرفةُ باللهِ وبصفاتِهِ وأفعالِهِ وبأسرارِ مملكتِهِ وقويَتْ .. كثُرَ النعيمُ في الآخرةِ وعظُمَ ؛ كما أنَّهُ كلَّما كثُرَ البذرُ وحسُّنَ .. ٤٣٠ ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق ـز كثُرَ الزرعُ وحسُنَ ، ولا يمكنُ تحصيلُ هذا البذرِ إلا في الدنيا ، ولا يُزرعُ إلا في صعيدِ القلبِ ، ولا حصادَ إلا في الآخرةِ . ولهذا قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أفضلُ السعاداتِ طولُ العمرِ في طاعةِ اللهِ))(١) ، لأنَّ المعرفةَ إنَّما تكملُ وتكثرُ وتتسعُ في العمرِ الطويلِ بمداومةِ الفكرِ ، والمواظبة على المجاهدةِ ، والانقطاع عنْ علائقِ الدنيا ، والتجرُّدِ للطلبِ ، ويستدعي ذلكَ زماناً لا محالةَ . فمَنْ أحبَّ الموتَ .. أحبَّهُ لأنَّهُ رأىُ نفسَهُ واقفاً في المعرفةِ ، بالغاً إلى منتهىُ ما يُسِّرَ لهُ، ومَنْ كرهَ الموتَ .. كرهَهُ لأنَّهُ كانَ يؤمِّلُ مزيدَ معرفةٍ تحصلُ لهُ بطولِ العمرِ ، ورأىُ نفسَهُ مقصِّراً عمَّا تحتملُهُ قوَّتُهُ لَوْ عُمِّرَ ، فهذا سببُ كراهةِ الموتِ وحبِّهِ عندَ أهلِ المعرفةِ . 2 وأمَّا سائرُ الخلقِ .. فنظرُهُمْ مقصورٌ على شهواتِ الدنيا إنِ اتسعَتْ .. أحبُّوا البقاءَ ، وإنْ ضاقَتْ .. تمنّوا الموتَ ، وكلُّ ذلكَ حرمانٌ وخسرانٌ مصدرُهُ الجهلُ والغفلةُ ، فالجهلُ والغفلةُ مغرسُ كلِّ شقاوةٍ ، والعلمُ والمعرفةُ أساسُ كلِّ سعادةٍ . ـير (١) رواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (٣١٢)، والديلمي في (( مسند الفردوس)) (٣٥٦٦) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً، ولفظه: (( السعادة كل السعادة طول العمر في طاعة الله عز وجل)"، وعند الترمذي (٢٣٢٩) عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه : أن أعرابياً قال : يا رسول الله ؛ من خير الناس؟ قال: « من طال عمره ، وحسن عمله )) . جير ٤٣١ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات فقدْ عرفتَ بما ذكرناهُ معنى المحبَّةِ ومعنى العشقِ ؛ فإنَّهُ المحبةُ المفرطةٌ القويَّةُ ، ومعنى لذَّةِ المعرفةِ ، ومعنى الرؤيةِ ومعنىُ لذَّةِ الرؤيةِ ومعنى كونِها ألذَّ مِنْ سائرِ اللذاتِ عندَ ذوي الكمالِ ، وإنْ لمْ تكنْ كذلكَ عندَ ذوي النقصانِ ، كما لمْ تكنِ الرئاسةُ ألذَّ مِنَ المطعوماتِ عندَ الصبيانِ . فإِنْ قلتَ : فهذهِ الرؤيةُ محلُّها القلبُ أوِ العينُ في الآخرةِ ؟ فاعلمْ : أنَّ الناسَ قدِ اختلفوا في ذلكَ ، وأربابُ البصائرِ لا يلتفتونَ إلى هذا الخلافِ ولا ينظرونَ فيهِ ، بلِ العاقلُ يأكلُ البقلَ ولا يسألُ عنِ المبقلةِ ، ومَنْ يشتهي رؤيةَ معشوقِهِ يشغلُهُ عشقُهُ عنْ أنْ يلتفتَ إلى أنَّ رؤيَتُه هلْ تُخلقُ في عينِهِ أَوْ في جبهتِهِ ؟ بلْ يقصدُ الرؤيةَ ولذَّتَها سواءٌ كانَ ذلكَ بالعينِ أَوْ غيرِها ؛ فإنَّ العينَ محلٌّ وظرفٌ لا نظرَ إليهِ ولا حكمَ لهُ . والحقُّ فيهِ : أنَّ القدرةَ الأزليَّةَ واسعةٌ ، فلا يجوزُ أنْ نحكمَ عليها بالقصورِ عنْ أحدِ الأمرينِ ، هذا في حكمٍ الجوازٍ ، فأمَّا الواقعُ في الآخرةِ مِنّ الجائزينِ .. فلا يُدركُ إلا بالسمع ، والحُّ ما ظهرَ لأهلِ السنَّةِ والجماعةِ مِنْ شواهدِ الشرع أنَّ ذلكَ يُخلقُ في العينِ ؛ ليكونَ لفظُ الرؤيةِ والنظرِ وسائرٍ الألفاظِ الواردةِ في الشرع يجري على ظاهرِهِ ؛ إذْ لا يجوزُ إزالةُ الظواهرِ إلا لضرورةٍ ، والله تعالى أعلمُ . ٤٣٢ ربع المنجيات مر. كتاب المحبة والشوق بيان الأسباب المقوّية محبّ الله تعالى اعلمْ : أنَّ أسعدَ الخلقِ حالاً في الآخرةِ أقواهُمْ حبّاً للهِ تعالى ، فإنَّ الآخرةَ معناها القدومُ على اللهِ تعالى ودرْكُ سعادةٍ لقائِهِ ، وما أعظمَ نعيمَ المحبِّ إذا قدمَ على محبوبِهِ بعدَ طولٍ شوقِهِ ، وتمكَّنَ مِنْ دوام مشاهدتِهِ أبدَ الآبادٍ مِنْ غيرِ منغِّصٍ ومكدِّرٍ ، ومِنْ غيرِ رقيبٍ ومزاحمٍ ، ومِنْ غيرِ خوفٍ انقطاع ، إلا أنَّ هذا النعيمَ على قدْرِ قوَّةِ الحبِّ، فكلَّما ازدادَ الحبُّ .. ازدادَتِ اللذَّهُ، وإنَّما يكتسبُ العبدُ حبَّ اللهِ تعالى في الدنيا . وأصلُ الحبِّ لا ينفكُّ عنهُ مؤمنٌ ؛ لأنَّهُ لا ينفكُ عنْ أصلِ المعرفةِ ، وأمَّا قوَّةُ الحبِّ واستيلاؤُهُ حتَّى ينتهيَ إلى الاستهتارِ الذي يُسمَّى عشقاً .. فذلكَ ينفكُّ عنهُ الأكثرونَ ، وإنَّما يحصلُ ذلكَ بسببينِ : أحدُهُما : قطعُ علائقِ الدنيا وإخراجُ حبِّ غيرِ اللهِ مِنَ القلبِ : فإنَّ القلبَ مثلُ الإناءِ الذي لا يتسعُ للخلِّ مثلاً ما لمْ يخرجْ منهُ الماءُ ، وما جعلَ اللهُ لرجلٍ مِنْ قلبينِ في جوفِهِ ، وكمالُ الحبِّ في أنْ يحبَّ اللهَ عزَّ وجلَّ بكلِّ قلبِهِ ، وما دامَ يلتفتُ إلى غيرِهِ .. فزاويةٌ مِنْ قلبِهِ مشغولةٌ بغيرِهِ ، فيقدْرِ ما يشتغلُ بغيرِ اللهِ ينقصُ منهُ حبُّ اللهِ ، وبقْدرٍ ما يبقىْ مِنَ الماءِ في الإناءِ ينقصُ مِنَ الخلِّ المصبوبِ فيهِ . ٤٣٣ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات وإلى هذا التفريدِ والتجريدِ الإشارةُ بقولهِ تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ﴾، وبقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْرَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَامُواْ﴾، بلْ هوَ معنى قولِكَ : لا إلهَ إلا اللهُ؛ أيْ: لا معبودَ ولا محبوبَ سواهُ ، وكلُّ محبوبٍ فإنَّهُ معبودٌ ، فإنَّ العبدَ هوَ المقيَّدُ، والمعبودُ هوَ المقيّدُ بهِ ، وكلُّ محبٌّ فهوَ مقيَّدٌ بما يحبُّهُ . ولذلكَ قالَ اللهُ تعالى: ﴿أَرَغَيْتَ مَنِ أَتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَئِهُ﴾، وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أبغضُ إلهٍ عُبدَ في الأرضِ الهوى)) (١). ـع ولذلكَ قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( مَنْ قالَ: لا إلهَ إلا اللهُ مخلصاً .. دخلَ الجنةَ))(٢)، ومعنى الإخلاصِ: أنْ يخلصَ قلبَهُ للهِ ، فلا يبقى فيهِ شركةٌ لغيرِ اللهِ ، فيكونُ اللهُ محبوبَ قلبهِ ، ومعبودَ قلبهِ ، ومقصودَ قلبهِ فقطْ . ومَنْ هذا حالُهُ .. فالدنيا سجنُهُ ؛ لأنَّها مانعةٌ لهُ عنْ مشاهدةِ محبوِبِهِ ، وموتُهُ خلاصٌ مِنَ السجنِ ، وقدومٌ على المحبوبِ ، فما حالُ مَنْ ليسَ لهُ إلا محبوبٌ واحدٌ، وقدْ طالَ إليهِ شوقُهُ، وتمادىُ عنهُ حبسُهُ، فخُلِّيَ مِنَ السجنِ، ومُكِّنَ مِنَ المحبوبِ ، ورُوْحَ بالأمنِ أبد الآبادِ ؟! بن (١) رواه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (٣)، والطبراني في ((الكبير)) (١٠٣/٨) بنحوه. (٢) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (١٢٥٧)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٥٤/٩)، وتمامه عند الطبراني: قيل: وما إخلاصها؟ قال: (( أن تحجزه عن محارم الله عز وجل )) . ٤٣٤ ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق حن فأحدُ أسبابِ ضعفِ حبِّ اللهِ في القلوبِ قوَّةُ حبِّ الدنيا ، ومنهُ حبُّ الأهلِ ، والمالِ ، والولدِ ، والأقاربِ ، والعقارِ ، والدوابِّ ، والبساتينِ ، والمنتزهاتِ ، حتَّى إِنَّ المتفرِّجَ بطيبِ أصواتِ الطيورِ ورَوْحٍ نسيمٍ الأسحارِ .. ملتفتٌ إلى نعيم الدنيا ، ومتعرَّضٌ لنقصانِ حبِّ الله تعالى بسببهِ فبقدْرٍ ما أنسَ بالدنيا .. فينقصُ أنسُهُ باللهِ ولا يُؤتى أحدٌ مِنَ الدنيا شيئاً إلا وينقصُ بقذْرِهِ مِنَ الآخرةِ بالضرورةِ ، كما أنَّهُ لا يقربُ الإنسانُ مِنَ المشرقِ إلا ويبعدُ بالضرورةِ مِنَ المغربِ بقدْرِهِ ، ولا يطيِّبُ قلبَ امرأتِهِ إلا ويضيّقُ بهِ قلبَ ضرَّتِها ، فالدنيا والآخرةُ ضرَّتانِ ، وهما كالمشرقِ والمغربِ ، وقدٍ انكشفَ ذلكَ لذوي القلوبِ انكشافاً أوضحَ مِنَ الإبصارِ بالعينِ . وسبيلُ قلع حبِّ الدنيا مِنَ القلبِ سلوكٌ طريقِ الزهدِ ، وملازمةُ الصبرِ ، والانقيادُ إليهما بزمام الخوفِ والرجاءِ ، فما ذكرناهُ مِنَ المقاماتِ ؛ كالتوبةِ ، والصبرِ ، والزهدِ ، والخوفِ ، والرجاءِ .. هيَ مقدماتٌ ليكتسبَ بها أحدَ ركني المحبَّةِ، وهوَ تخليةُ القلبِ عنْ غيرِ اللهِ، وأَوَّلُهُ الإيمانُ باللهِ ، واليوم الآخرِ ، والجنةِ، والنارِ ، ثمَّ يتشعَّبُ منهُ الخوفُ والرجاءُ ، ويتشغَّبُ منهما التوبةُ والصبرُ عليهِما ، ثمَّ ينجرُّ ذلكَ إلى الزهدِ في الدنيا ، وفي المالِ والجاهِ ، وكلِّ حظوظِ الدنيا ، حتَّى يحصلَ مِنْ جميعِهِ طهارةُ القلبِ عنْ غيرِ اللهِ فقطْ ، حتَّى يتسعَ بعدَهُ لنزولِ معرفةِ اللهِ تعالى وحبِّهِ فيهِ . فكلُّ ذلكَ مقدماتُ تطهيرِ القلبِ ، وهوَ أحدُ ركني المحبَّةِ وإليهِ الإشارةُ جن ٤٣٥ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات بقولهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : « الطهورُ شطرُ الإيمانِ)) (١)، كما ذكرناهُ في أوَّلِ كِتابِ الطهارةِ . السببُ الثاني لقوَّةِ المحبَّةِ : قوَّةُ معرفةِ اللهِ تعالى واتساعُها ، واستيلاؤُها على القلب : وذلكَ بعدَ تطهيرِ القلبِ مِنْ جميع شواغلِ الدنيا وعلائقِها يجري مجرى وضعِ البذرِ في الأرضٍ بعدَ تنقيتِها مِنَ الحشيشِ ، وهوَ الشطرُ الثاني، ثمَّ يتولَّدُ مِنْ هذا البذرِ شجرةُ المحبَّةِ والمعرفةِ ، وهيَ الكلمةُ الطيِّةُ التي ضربَ اللهُ لها مثلاً حيثُ قالَ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَقِ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتُ وَفَرَّعُهَا فِىِ السَّمَآِ﴾ (٢)، وإليها الإشارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، فهيَ المعرفةُ، ﴿وَاُلْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾، فالعملُ الصالحُ كالحمَّالِ لهذهِ المعرفةِ وكالخادم ، وإنَّما العملُ الصالحُ كلُّهُ في تطهيرِ القلبِ أوَّلاً مِنَ الدنيا ، ثمَّ في إدامةِ طهارتِهِ ، فلا يُرادُ العملُ إلا لهذهِ المعرفةِ . وأمَّا العلمُ بكيفيةِ العملِ .. فيُرادُ للعملِ، فالعلمُ هوَ الأوَّلُ وهوَ الآخرُ ، (١) رواه مسلم (٢٢٣) . فعرفنا أن لها أصلاً ثابتاً في القلوب بما أمدها به من النظر والاعتبار ، وعرفنا أن لها فروعاً تنشأ منها هي مواجيد القلوب وأحوال لها بسبب ما جبلها عليه من محبة سعادتها وكمالها. (( إتحاف)) (٩ /٥٨٧ ) . (٢) ٤٣٦ ربع المنجيات حن كتاب المحبة والشوق وإنَّما الأوَّلُ علمُ المعاملةِ ، وغرضُهُ العملُ ، وغرضُ المعاملةِ صفاءُ القلبِ وطهارتُهُ ؛ ليتضحَ فيهِ جليَّةُ الحقِّ ، ويتزيَّنَ بعلمِ المعرفةِ ، وهوَ علمُ المكاشفةِ . ومهما حصلَتْ هُذِهِ المعرفةُ .. تبعَتْها المحبَّةُ بالضرورةِ ، كما أنَّ مَنْ كانَ معتدلَ المزاج إذا أبصرَ الجميلَ وأدركَهُ بالعينِ الظاهرةِ .. أحبَّهُ ومالَ إليهِ ، ومهما أحبَّهُ .. حصلَتِ الذَّةُ، فاللذَّةُ تتبعُ المحبةَ بالضرورةِ والمحبَّةُ تتبعُ المعرفةَ بالضرورةِ ، ولا يُوصلُ إلى هذهِ المعرفةِ بعدَ انقطاع شواغلِ الدنيا مِنَ القلبِ إلا بالفكرِ الصافي ، والذكرِ الدائمٍ ، والجدِّ البالغ في الطلبِ ، والنظرِ المستمرِّ في اللهِ وفي صفاتِهِ ، وملكوتِ سماواتِهِ وسائرِ مخلوقاتِهِ . والواصلونَ إلى هذهِ الرتبةِ ينقسمونُ : إلى الأقوياءِ ، ويكونُ أوَّلُ معرفتِهِمْ باللهِ تعالى ، ثمَّ بهِ يعرفونَ غيرَهُ . وإلى الضعفاءِ، ويكونُ أوَّلُ معرفتِهِمْ بالأفعالِ ، ثمَّ يترقونَ منها إلى الفاعلِ . وإلى الأوَّلِ الإشارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾، وبقولِهِ تعالى: ﴿شَهِدَ اَللَّهُ أَنَّهُ لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. ومِنُه نظرَ بعضُهُمْ حيثُ قيلَ لهُ : بِمَ عرفتَ ربَّكَ ؟ فقالَ : عرفتُ ربِّي بربِّي، ولولا ربِّي .. لما عرفتُ ربِّي (١). (١) رواه القشيري في ((رسالته)) (ص ٥١٤). ٤٣٧ كتاب المحبة والشوق وإلى الثاني الإشارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿سَيُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِىِ الْآَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ ... ﴾ الآيةَ، وبقولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِىِ مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ويقولِهِ تعالى: ﴿ قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِىِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وبقولِهِ تعالى: ﴿اَلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ◌ِبَاقًاً مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَُوُنِّ فَأَرْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن قُطُورٍ ﴾؛ ثُمَّ أَرْجِعِ الْبَصَرَ كَرََّنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِنًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ . وهذا الطريقُ هوَ الأسهلُ على الأكثرينَ ، وهوَ الأوسعُ على السالكينَ ، وإليهِ أكثرُ دعوةِ القرآنِ ؛ عندَ الأمرِ بالتدبُّرِ ، والتفكّرِ ، والاعتبارِ ، والنظرِ ؛ في آياتٍ خارجةٍ عنِ الحصرِ . فإنْ قلتَ : كلا الطريقينِ مشكلٌ ، فأوضح لنا منهُما ما يُستعانُ بهِ على تحصيلِ المعرفةِ والتوصُّلِ بهِ إلى المحبةِ . فاعلمْ : أنَّ الطريقَ الأعلى وهوَ الاستشهادُ بالحقِّ سبحانَهُ على سائرٍ الخلقِ .. فهوَ غامضٌ، والكلامُ فيهِ خارجٌ عنْ حدٍّ فهم أكثرِ الخلقِ ، فلا فائدةً في إيرادِهِ في الكتب . وأمَّا الطريقُ الأسهلُ الأدنىُ .. فأكثرُهُ غيرُ خارج عنْ حدِّ الأفهام ، وإنَّما قصرَتِ الأفهامُ عنهُ لإعراضِها عنِ التدبُرِ ، واشتغالِها بشهواتِ الدنيا وحظوظِ النفسِ ، والمانعُ مِنْ ذكرِ هذا اتساعُهُ وكثرتُهُ ، وانشعابُ أبوابِهِ الخارجةِ عنِ الحصرِ والنهايةِ ؛ إذْ ما مِنْ ذرَّةٍ مِنْ أعلى السماواتِ إلى تخوم الأرضينَ إلا 8 ربع المنجيات حو ٠٧ ـدة ؟ ٤٣٨ • بيب ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق وفيها عجائبُ وآیاتٌ تدلُّ على کمالٍ قدرة الله تعالى و کمالٍ حکمتِهِ ، ومنتھی جلالِهِ وعظمتِهِ ، وذلكَ ممَّا لا يتناهى، ﴿ قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبٍِّ لَنَفِدَ اُلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنْفَدَ كَلِمَتُ رَبِّ﴾، فالخوضُ فيهِ انغماسٌ في بحارِ علومٍ المكاشفةِ ، فلا يمكنُ أنْ يُتطفَّلَ بهِ على علوم المعاملةِ ، ولكنْ يمكنُ الرمزُ إلى مثالٍ واحدٍ على الإيجازِ ؛ ليقعَ التنبيهُ لجنسِهِ ، فنقولُ : أسهلُ الطريقينِ النظرُ إلى الأفعالِ ، فلنتكلّمْ فيها ، ولنتركِ الأعلى ، ثمَّ الأفعالُ الإِلهيةُ كثيرةٌ ، فلنطلبْ أقلَّها وأحقرَها وأصغرَها ، ولننظرْ في عجائبها . 3 فأقلُّ المخلوقاتِ هيَ الأرضُ وما عليها ؛ أعني : بالإضافةِ إلى الملائكةِ وملكوتِ السماواتِ ، فإنَّكَ إنْ نظرتَ فيها مِنْ حيثُ الجسمُ والعظمُ في الشخصِ .. فالشمسُ على ما ترى مِنْ صغر حجمِها هيَ مثلُ الأرضِ مئةٌ ونيفاً وستينَ مرةً ، فانظرْ إلى صغرِ الأرضِ بالإضافةِ إليها ، ثمَّ انظرْ إلى صغرِ الشمسِ بالإضافةِ إلى فلكِها الذي هيَ مركوزةٌ فيهٍ ؛ فإنَّهُ لا نسبةَ لهَا إليهِ ، وهيَ في السماءِ الرابعةِ ، وهيَ صغيرةٌ بالإضافةِ إلى ما فوقَها مِنَ السماواتِ ، ثمَّ السماواتُ السبعُ في الكرسيِّ كحلقةٍ في فلاةٍ ، والكرسيُّ في العرشِ كذلكَ ! فههذا نظرٌ إلى ظاهرِ الأشخاصِ مِنْ حيثُ المقاديرُ ، وما أحقرَ الأرضَ كلَّها بالإضافةِ إليها ، بلْ ما أصغرَ الأرضَ بالإضافةِ إلى البحارِ ، فقدْ قالَ ٤٣٩ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( الأرضُ في البحرِ كالإصطبلِ في الأرضِ))(١)، ومصداقُ هذا عُرِفَ بالمشاهدةِ والتجربةِ، وعُلِمَ أنَّ المكشوفَ مِنَ الأرضِ عنِ الماءِ كجزيرةٍ صغيرةٍ بالإضافةِ إلى كلِّ الأرضِ . ثمَّ انظرْ إلى الآدميِّ المخلوقِ مِنَ الترابِ الذي هوَ جزءٌ مِنَ الأرضِ ، وإلى سائرِ الحيواناتِ ، وإلى صغرِهِ بالإضافةِ إلى الأرضِ ، ودعْ عنكَ جميعَ ذلكَ ، فأصغرُ ما نعرفُهُ مِنَ الحيواناتِ البعوضُ والنحلُ وما يجري مجراهُ ، فانظرْ إلى البعوضِ على صغرِ قدرِهِ ، وتأمَّلْهُ بعقلٍ حاضرٍ وفكرٍ صافٍ ، فانظر كيفَ خلقَهُ اللهُ تعالى على شكلِ الفيلِ الذي هوَ أعظمُ الحيواناتِ ؛ إذْ خلقَ لهُ خرطوماً مثلَ خرطومِهِ ، وخلقَ لهُ على شكلِهِ الصغيرِ سائرَ الأعضاءِ كما خلقَهُ للفيلِ بزيادةٍ جناحينٍ ، وانظرْ كيفَ قسمَ أعضاءَهُ الظاهرةَ ، فأنبتَ جناحَهُ، وأخرجَ يدَهُ ورجلَهُ، وشقَّ سمعَهُ وبصرَهُ ، ودَبَّرَ في باطنِهِ مِنْ أعضاءِ الغذاءِ وآلاتِهِ ما دبّرَهُ في سائرِ الحيواناتِ ، وركَّبَ فيها مِنَ القوى الغاذية والجاذبةِ والدافعةِ والماسكةِ والهاضمةِ ما ركّبَ في سائرِ الحيواناتِ ، هذا في شكلِهِ وصفاتِهِ . ثمْ انظرْ إلى هداتِهِ كيفَ هداهُ اللهُ تعالى إلى غذائِهِ، وعرَّفَهُ أنَّ غذاءَهُ دمُ الإِنسانِ، ثمَّ انظرْ كيفَ أنبتَ لهُ آلةَ الطيرانِ إلى الإنسانِ، وكيفَ خلقَ لهُ الخرطومَ الطويلَ وهوَ محدَّدُ الرأسِ ، وكيفَ هداهُ إلى مسامٌّ بشرةِ الإنسانِ - (١) قال الحافظ العراقي: (لم أجد له أصلاً). ((إتحاف)) (٥٨٩/٩). ٤٤٠