النص المفهرس

صفحات 361-380

كِتَابُ
الْجَبَِّوَالشَّوْقِ
وَالأَسْ وَالرضّـ
٥
وهو الكتاب السادس من جميع المنجيات
٠
من كتب إحياء علوم الدين
الكمية
٣٠
٣٦١

ربع المنجيات
«و.
كتاب المحبة والشوق
كتاب المجّ والشوق والأنس والّضا
بِسْمِاللهِ الرَّمْنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للهِ الذي نزَّهَ قلوبَ أوليائِهِ عنِ الالتفاتِ إلى متاع الدنيا وخضرتِهِ ،
وصفَّى أسرارَهُمْ عنْ ملاحظةِ غيرِ حضرتِهِ ، ثمَّ استخلصَها للعكوفِ على
بساطٍ عزَّتِهِ ، ثمَّ تجلَّى لها بأسمائِهِ وصفاتِهِ حتَّى أشرقَتْ بأنوارِ معرفتِهِ ، ثمَّ
كشفَ لها عنْ سُبُحاتِ وجهِهِ حتَّى احترقَتْ بنارِ محبّهِ ، ثمَّ احتجبَ عنها
بكنهِ جلالِهِ حتَّى تاهَتْ في بيداءِ كبريائِهِ وعظمتِهِ ، فكلَّما اهتزَّتْ لملاحظةِ
كنهِ الجلالِ .. غشيَها مِنَ الدَّهَشِ ما غبَّرَ في وجهِ العقلِ وبصيرتِهِ ، وكلَّما
همَّتْ بالانصرافِ آيسةٌ .. نُوديَتْ مِنْ سُرادقاتِ الجمالِ: صبراً أيُّها الآيسُ
عنْ نيلِ الحقِّ بجهلِهِ وعجلتِهِ ، فبقيَتْ بينَ الردِّ والقبولِ والصدِّ والوصولِ
غرقَى في بحرِ معرفتِهِ ، ومحترقةً بنارِ محبَّتِهِ .
3
والصلاةُ على محمدٍ خاتمِ الأنبياءِ بكمالِ نبوَّتِهِ ، وعلى آلِهِ وأصحابهِ
سادةِ الخلقِ وأئمَّتِهِ ، وقادةِ الحقِّ وأزمَّتِهِ ، وسلَّمَ كثيراً .
أما بعد:
فإنَّ المحبَّةَ للهِ تعالى هيَ الغايةُ القصوىُ مِنَ المقاماتِ ، والذروةُ العليا
مِنَ الدرجاتِ ، فما بعدَ إدراكِ المحبَّةِ مقامٌ إلا وهوَ ثمرةٌ مِنْ ثمارِها، وتابعٌ
مِنْ توابعِها ؛ كالشوقِ ، والأنسِ ، والرضا ، وأخواتِها ، ولا قبلَ المحبَّةِ
ـمو
٣٦٣
شن
حنة

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
مقامٌ إلا وهوَ مقدِّمةٌ مِنْ مقدماتِها ؛ كالتوبةِ ، والصبرِ ، والزهدِ ، وغيرِها .
وسائرُ المقاماتِ إنْ عزَّ وجودُها .. فلمْ تخلُ القلوبُ عنِ الإيمانِ
بإمكانِها ، وأمَّا محبةُ اللهِ تعالى .. فقدْ عزَّ الإيمانُ بها، حتَّى أنكرَ بعضُ
العلماءِ إِمكانَها، وقالَ : ( لا معنى لها إلا المواظبةُ على طاعةِ اللهِ تعالى ،
وأمَّا حقيقةُ المحبَّةِ .. فمحالٌ إلا معَ الجنسِ والمثالِ)، ولمَّا أنكروا
المحبةَ .. أنكروا الأُنسَ، والشوقَ، ولذَّةَ المناجاةِ ، وسائرَ لوازمِ الحبِّ
وتوابعِهِ ، فلا بدَّ مِنْ كشفِ الغطاءِ عنْ ههذا الأمرِ .
ونحنُ نذكرُ في هذا الكتابِ بيانَ شواهدِ الشرع في المحبَّةِ ، ثمَّ بيانَ
حقيقتِها وأسبابِها ، ثمَّ بيانَ أنْ لا مستحقَّ للمحبَّةِ إلا اللهُ تعالىُ، ثمَّ بيانَ أنَّ
أعظمَ اللذاتِ لذةُ النظرِ إلى وجهِ اللهِ تعالى ، ثمَّ بيانَ سببٍ زيادةٍ لذّةِ النظرِ في
الآخرةِ على المعرفةِ في الدنيا ، ثمَّ بيانَ الأسبابِ المقوِّيةِ لحبِّ اللهِ تعالى ،
ثمَّ بيانَ السببِ في تفاوتِ الناسِ في الحبِّ ، ثمَّ بيانَ السببِ في قصورِ
الأفهامِ عنْ معرفةِ اللهِ تعالى ، ثمَّ بيانَ معنى الشوقِ ، ثمَّ بيانَ محبَّةِ اللهِ تعالى
للعبدِ ، ثمَّ القولَ في علاماتِ محبَّةِ العبدِ اللهِ تعالى، ثمَّ بيانَ معنى الأنسِ باللهِ
تعالىُ ، ثمَّ بيانَ معنى الانبساطِ في الأنسِ ، ثمَّ القولَ في معنى الرضا وبيانَ
فضيلتِهِ ، ثمَّ بيانَ حقيقتِهِ ، ثمَّ بيانَ أنَّ الدعاءَ وكراهةَ المعاصي لاتناقضُهُ ،
وكذا الفرارُ مِنَ المعاصي ، ثمَّ بيانَ حكاياتٍ وكلماتٍ للمحبِّينَ متفرقةٍ .
حن حن حن حم
حن جن حن حن حن
فهذهِ جميعُ بياناتِ هذا الكتابِ .
حن
٣٦٤
ـحة

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
بيان شواهد الشرع في حبّ العبد لله تعالى
اعلمْ : أنَّ الأمَّةَ مجمعةٌ على أنَّ الحبّ للهِ تعالى ولرسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ فرضٌ، وكيفَ يُفرضُ ما لا وجودَ لهُ؟!(١)، وكيفَ يُفسَّرُ الحبُّ
بالطاعةِ والطاعةُ تبعُ الحبِّ وثمرتُهُ ؟! فلا بدَّ وأنْ يتقدَّمَ الحبُّ ، ثمَّ بعدَ ذلكَ
يطيعُ مَنْ أحبَّ .
ويدلُّ على إثباتِ الحبُّ للهِ تعالى قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ،
وقولُهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهِ﴾، وهوَ دليلٌ على إثباتِ الحبِّ،
وإثباتِ التفاوتِ فيهِ .
2
وقدْ جعلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الحبَّ للهِ مِنْ شرطِ الإيمانِ في
أخبار كثيرةٍ ؛ إذْ قالَ أبو رزينِ العُقيليُّ: يا رسولَ اللهِ ؛ ما الإيمانُ ؟ قالَ :
((أنْ يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليكَ ممَّا سواهما))(٢).
وفي حديثٍ آخرَ : (( لا يؤمنُ أحدُكُمْ حتَّى يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليهِ
ممَّا سواهُما))(٣).
(١) هذا إنكار على من أنكر المحبة أصلاً، ((إتحاف)) (٥٤٦/٩).
(٢) رواه أحمد في ((المسند)" (١١/٤)، وأبو رزين هو لقيط بن عامر رضي الله عنه،
وسياق المصنف هنا عند صاحب ((القوت)) (٥٠/٢).
(٣) كذا في ((القوت)) (٥٠/٢)، ويلفظه رواه أحمد في ((المسند)) (٢٠٧/٣) من
حديث أنس رضي الله عنه ، وعند البخاري (١٦)، ومسلم ( ٤٣) من حديثه أيضاً : =
٣٦٥
حن ون

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
وفي حديثٍ آخرَ : (( لا يؤمنُ العبدُ حتَّى أكونَ أحبَّ إليهِ مِنْ أهلِهِ ومالِهِ
والناس أجمعينَ))، وفي روايةٍ: (( ومِنْ نفسِهِ))(١).
كيفَ وقدْ قالَ تعالى: ﴿قُلّ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ﴾ إلى
قولهِ: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... ﴾ الآيةَ، وإنَّما أجرى ذلكَ في
معرضٍٍ التهديدِ والإنكارِ ؟!
وقدْ أمرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بالمحبَّةِ فقالَ: ((أحبُّوا اللهَ لما
يغذوكُمْ بهِ مِنْ نعمِهِ ، وأحبُّوني لحبِّ اللهِ))(٢).
ويُروىُ أنَّ رجلاً قالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ إنِّي أحبُّكَ ، فقالَ عليهِ الصلاةُ
والسلامُ: ((استعدَّ للفقرِ))، فقالَ: إنِّي أحبُّ اللهَ تعالى، فقالَ: ((استعدَّ
للبلاءِ)) (٣).
(( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما
=
سواهما ... )) الحديث .
(١) رواه البخاري (١٥)، ومسلم (٤٤) واللفظ له ، والرواية الثانية أوردها صاحب
((القوت)) (٥٠/٢) بلفظ: ((ومن نفسك)»، وهي عند البخاري (٦٦٣٢)، وسيأتي
الخبر تاماً .
(٢) كذا في ((القوت)) (٥٠/٢)، وقد رواه الترمذي (٣٧٨٩) وتمامه: (( ... وأحبوني
بحب الله ، وأحبوا أهل بيتي بحبِّي)) .
(٣) كذا في ((القوت)) (٥٠/٢) وقال: ( والفرق بينهما أن البلاء من أخلاق المبلي
وهو الله تعالى المبتلي ، فلما ذكر محبته .. أخبره بالبلاء ليصبر على أخلاقه ؛ كما قال
تعالى: ﴿وَلِرَيِّكَ فَأَصْبِرِ﴾، فدل على أحكامه وبلائه، والفقر من أوصاف رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فلما ذكر محبته .. دلَّه على اتباع أوصافه؛ ليقتفي آثاره )، وقد =
٣٦٦
حـ
ـحن

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
وعنْ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : نظرَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى
مصعبٍ بنِ عميرٍ مقبلاً وعليهِ إهابُ كبشٍ قدْ تنطقَ بهِ ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ : ((انظروا إلى هذا الرجلِ الذي قدْ نوَّرَ اللهُ قلبَهُ، لقدْ رأيتُهُ بينَ
أبوينِ يغذوانِهِ بأطيبِ الطعام والشرابِ ، فدعاهُ حبُّ اللهِ ورسولِهِ إلى
ما ترونَ ))(١) .
وفي الخبرِ المشهورِ : أنَّ إبراهيمَ عليهِ السلامُ قالَ لملكِ الموتِ إذْ جاءَهُ
القبضٍ روحِهِ : هلْ رأيتَ خليلاً يميتُ خليلَهُ؟! فأوحى اللهُ تعالىُ إليهِ : هلْ
رأيتَ محبّاً يكرهُ لقاءَ حبيبهِ؟! فقالَ: يا ملكَ الموتِ الآنَ فاقبضْ(٢).
و
وهذا لا يجدُهُ إلا عبدٌ يحبُّ اللهَ بكلِّ قلبهِ ، فإذا علمَ أنَّ الموتَ سببُ
اللقاءِ .. انزعجَ قلبُهُ إليهِ ، ولمْ يكنْ لهُ محبوبٌ غيرَهُ حتَّى يلتفتَ إليهِ .
وقدْ قالَ نبيّنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في دعائِهِ: ((اللهمَّ ؛ ارزقْني حبَّكَ
روى الترمذي ( ٢٣٥٠) أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إني لأحبك ( ثلاث
مرات )، فقال: (( إن كنت تحبني .. فأعدَّ للفقر تجفافاً؛ فإن الفقر أسرع إلى من
يحبني من السيل إلى منتهاه)"، وروى البيهقي في ((الشعب)) (١٣٩٧) أن رجلاً قال له
صلى الله عليه وسلم: إني أحبك، قال: ((فاستعد للفاقة)).
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٠٨/١)، والبيهقي في ((الشعب)) (٥٧٧٩).
(٢) رواه الخلدي في ((فوائده)) (ص٣٣) عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً،
وأبو الشيخ في (( العظمة)» (٤٤٨) عن محمد بن المنكدر، وأبو نعيم في « الحلية ))
(٩/١٠) عن دكين الفزاري.
٣٦٧
کز

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
حن
وحبَّ مَنْ أحبَّكَ وحبّ ما يقرِّبُني إلى حبِّكَ، واجعلْ حبَّكَ إليَّ مِنَ الماءِ
الباردِ))(١) .
وجاءَ أعرابيٌّ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: يا رسولَ اللهِ ؛ متى
الساعةُ ؟ فقالَ : (( ما أعددتَ لها؟)) فقالَ: ما أعددتُ لها كثيرَ صلاةٍ
ولا صيام ، إلا أنِّي أحبُّ اللهَ ورسولَهُ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ: ((المرءُ معَ مَنْ أحبَّ))، قالَ أنسٌ: فما رأيتُ المسلمينَ فرحوا
بشيءٍ بعدَ الإسلامِ فرحَهُمْ بذلكَ(٢) .
وقالَ أبو بكرٍ الصديقُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( مَنْ ذاقَ مِنْ خالصِ محبّةِ اللهِ عزَّ
وجلَّ .. شغلَهُ ذلكَ عنْ طلبِ الدنيا، وأوحشَهُ عنْ جميع البشرِ)(٣).
وقالَ الحسنُ : ( مَنْ عرفَ ربَّهُ .. أحبَّهُ، ومَنْ عرفَ الدنيا .. زهدَ
فيها، والمؤمنُ لا يلهو حتَّى يغفُلَ، فإذا تفكّرَ .. حزنَ)(٤).
وقالَ أبو سليمان الدارانيُّ : (إنَّ مِنْ خلقِ اللهِ خلقاً ما يشغلُهُمْ الجنانُ
وما فيها مِنَ النعيمِ عنهُ، فكيفَ يشتغلونَ عنهُ بالدنيا؟!)(٥).
(١) رواه الترمذي (٣٤٩٠) .
(٢) رواه البخاري (٣٦٨٨)، ومسلم ( ٢٦٣٩) .
(٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٩٥).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الهم والحزن)) (٩٣)، ورواه ابن المبارك في ((الزهد))
( ٢٠٩ ) عن بديل بن ميسرة .
(٥) رواه عبد الجبار الخولاني في ((تاريخ داريا)) (ص ١١٠)، وأبو نعيم في ((الحلية))
(١٠ /١٨) .
٣٦٨

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
ويُروى أنَّ عيسى عليه السلامُ مرَّ بثلاثةِ نفرٍ قَدْ نَحَلَتْ أبدانُهُمْ، وتغيَّرَتْ
ألوانُهُمْ ، فقالَ لهُمْ : ما الذي بلغَ بَكُمْ ما أرى ؟ فقالوا : الخوفُ مِنَ النّارِ ،
فقالَ : حقٌّ على اللهِ أنْ يؤمِّنَ الخائفَ ، ثمَّ جاوزَهُمْ إلى ثلاثةٍ آخرينَ ، فإذا
هُمْ أشدُّ نُحولاً وتغيُّراً ، فقالَ : ما الذي بلغَ بِكُمْ ما أرى ؟ قالوا : الشوقُ
إلى الجنةِ، فقالَ : حقٌّ على اللهِ أنْ يعطيَكُمْ ما ترجونَ، ثمَّ جاوزَهُمْ إلى
ثلاثةٍ آخرينَ ، فإذا هُمْ أشدُّ نحولاً وتغيُّراً ، كأنَّ على وجوهِهِمُ المرائيَ مِنَ
النورِ ، فقالَ : ما الذي بلغَ بَكُمْ ما أرى؟ قالوا : نحبُّ اللهَ عزَّ وجلَ ،
فقالَ : أَنتُمُ المقرَّبونَ، أَنتُمُ المقرَّبونَ(١).
وقالَ عبدُ الواحدِ بنُ زيدٍ : مررتُ برجلٍ نائمٍ في الثلج ، فقلتُ : أما
تجدُ البردَ ؟ فقالَ: مَنْ شغلَهُ حبُّ اللهِ .. لمْ يجدِ البردّ(٢).
وعنْ سريّ السقطيِّ قالَ : تُدعى الأممُ يومَ القيامةِ بأنبيائِها عليهِمُ
السلامُ ، فيُقالُ: يا أمَّةَ موسى، ويا أمَّةَ عيسى، ويا أمَّةَ محمدٍ ، غيرَ
المحبينَ للهِ تعالى ؛ فإنَّهُمْ يُنادونَ: يا أولياءَ اللهِ ؛ هلقُوا إلى اللهِ سبحانَهُ ،
فتكادُ قلوبُهُمْ تنخلعُ فرحاً(٣) .
وقالَ هرمُ بنُ حيانَ : ( المؤمنُ إذا عرفَ ربَّهُ عزَّ وجلَّ .. أحبَّهُ، وإذا
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٨/١٠).
(٢) وفي ( أ) وحدها: ( قائم ) بدل ( نائم ) ، وقريب من هذا الخبر ما رواه السلمي في
((طبقات الصوفية)) (ص١٩٦) .
(٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٩٩).
٣٦٩
عن حن

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
أحبَّهُ .. أقبلَ إليهِ ، وإذا وجدَ حلاوةَ الإقبالِ إليهِ .. لمْ ينظرْ إلى الدنيا بعينٍ
الشهوةِ ، ولمْ ينظرْ إلى الآخرةِ بعينِ الفترةِ، وهي تحسرُهُ في الدنيا ،
وتَرَؤُّحُهُ في الآخرةِ)(١).
0
وقالَ يحيى بنُ معاذٍ : ( عفوُهُ يستغرقُ الذنوبَ فكيفَ رضوانُهُ ؟!
ورضوانُهُ يستغرقُ الآمالَ ، فكيفَ حِبُّهُ؟! وحُّهُ يدهشُ العقولَ ، فكيفَ
وُذُهُ ؟! ووذُّهُ ينسي ما دونَهُ، فكيفَ لطفُهُ؟! )(٢) .
وفي بعضٍ الكتبِ : ( عبدي ؛ أنا - وحقِّكَ - لكَ محبّ ، فبحقِّي عليكَ
كُنْ لي محبّاً )(٣).
وقالَ يحيىُ بنُ معاذٍ : ( مثقالُ خردلةٍ مِنَ الحبِّ أُحبُّ إليَّ مِنْ عبادةِ
سبعينَ سنةً بلا حبٍّ )(٤) .
وقالَ يحيىُ بنُ معاذٍ : ( إلهي ؛ إنِّي مقيمٌ بفِنائِكَ ، مشغولٌ بِثنائِكَ ،
صغيراً أخذتني إليكَ، وسربلتَي بمعرفتِكَ ، وأمكنتَنِي مِنْ لطفِكَ ، ونقلتَي
في الأحوالِ ، وقلبتَي في الأعمالِ ، ستراً وتوبةً ، وزهداً وشوقاً ، ورضاً
وحبّاً ، تسقيني مِنْ حياضِكَ، وتهملُني في رياضِكَ ، ملازماً لأمرِكَ ،
C
ـدن
(١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص١٠٢).
(٢) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)» (ص١٠٢).
(٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٩٩)، والقشيري في ((الرسالة
القشيرية)) ( ص٥٢٦ ) .
(٤) الرسالة القشيرية (ص ٥٢٧ ).
٣٧٠
ـدن

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
ومشغوفاً بقولِكَ، ولما طرَّ شاربي، ولاحَ طائلي(١) .. فكيفَ أنصرفُ اليومَ
عنكَ كبيراً ، وقدْ اعتدتُ هذا منكَ صغيراً ؟! فلي ما بقيتُ حولكَ دندنةٌ ،
وبالضراعةِ إليكَ همهمةٌ ؛ لأنِي محبٌّ ، وكلُّ محبٍّ بحبيبهِ مشغوفٌ ، وعنْ
غيرِ حبيبهِ مصروفٌ ) .
وقدْ وردَ في حبِّ اللهِ تعالى مِنَ الأخبارِ والآثارِ ما لا يدخلُ في حصرٍ
حاصرِ ، وذلكَ أمرٌ ظاهرٌ ، وإنَّما الغموضُ في تحقيقِ معناهُ ، فلنشتغلْ بهِ .
(١) في (ق): (ولاح طائري) بدل ( ولاح طائلي) .
٣٧١

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
ثة
حن
بيان حقيقة المحبّة وأسبابها وتحقيق معنى محبة العبد الله تعالى
اعلمْ : أنَّ المطلبَ مِنْ هذا الفصلِ لا ينكشفُ إلا بمعرفةِ حقيقةِ المحبَّةِ
في نفسِها ، ثمَّ معرفةٍ شروطِها وأسبابِها ، ثمَّ النظرِ بعدَ ذلكَ في تحقيقٍ
معناها في حقِّ اللهِ تعالى .
4
فأوَّلُ ما ينبغي أنْ يُتحقَّقَ : أنَّهُ لا تُتصوَّرُ محبةٌ إلا بعدَ معرفةٍ وإدراكٍ ؛ إذْ
لا يحبُّ الإنسانُ ما لا يعرفُهُ، ولذلكَ لمْ يُتصوَّرْ أنْ يتصفَ بالحبِّ جمادٌ ،
بلْ هوَ مِنْ خاصيّةِ الحيِّ المدرِكِ .
ثُمَّ المدركاتُ في أنفسِها تنقسمُ إلى ما يوافقُ طبعَ المدرِكِ ويلائمُهُ
ويلُّهُ، وإلى ما ينافيهِ وينافرُهُ ويؤلمُهُ ، وإلى ما لا يؤثّرُ فيهِ بإيلام وإلذاذٍ ،
فكلُّ ما في إدراكِهِ لذةٌ وراحةٌ . . فهوَ محبوبٌ عندَ المدرِكِ ، وما في إدراكِهِ
ألمٌّ .. فهوَ مبغوضُ عندَ المدرِكِ، وما يخلو عنِ استعقابِ ألم ولذّةٍ فلا
يوصفُ بكونِهِ محبوباً ولا مكروهاً .
حن
فإذاً ؛ كلُّ لذيذٍ محبوبٌ عندَ الملتذِّ بهِ ، ومعنى كونِهِ محبوباً : أنَّ في
الطبع ميلاً إليهِ ، ومعنى كونِهِ مبغوضاً : أنَّ في الطبع نفرةً عنهُ ، فالحبُّ :
عبارةٌ عنْ ميلِ الطبع إلى الشيءِ المُلذِّ ، فإنْ تأكَّدَ ذلكَ الميلُ وقويَ سُمِّيَ
عشقاً ، والبغضُ : عبارةٌ عنْ نفرةِ الطبعِ عنِ المؤلمِ المتعبِ ، فإذا قويَ ..
سُمَِّ مقتاً ، فهذا أصلٌ في حقيقةِ معنى الحبِّ لا بدَّ مِنْ معرفتِهِ .
حن
حن
٣٧٢
حن

. . . . . ... ..
ربع المنجيات
42.
كتاب المحبة والثوق
حت
الأصلُ الثاني : أنَّ الحبَّ لمَّا كانَ تابعاً للإدراكِ والمعرفةِ .. انقسمَ -
لا محالةَ - بحسبِ انقسام المدركاتِ والحواسِّ ، فلكلِّ حاسَّةٍ إدراٌ لنوع مِنَ
المدركاتِ ، ولكلِّ واحدٍ منها لذةٌ في بعضِ المدركاتِ ، وللطبع بسببِ تلكَ
اللذةِ ميلٌ إليها ، فكانَتْ محبوباتٍ عندَ الطبع السليمٍ ، فلذةُ العينِ في
الإبصار ، وإدراكِ المبصراتِ الجميلةِ ، والصورِ المليحةِ الحسنةِ المستلذّةِ .
ولذةُ الأذنِ في النغماتِ الطيبةِ الموزونةِ ، ولذةُ الشمِّ في الروائحِ الطيبةِ ،
ولذةُ الذوقِ في الطعوم ، ولذةُ اللمسِ في اللينِ والنعومةِ .
ولمَّا كانَتْ هذهِ المدركاتُ بالحواسِّ ملذَّةً .. كانَتْ محبوبةً؛ أيْ : كانَ
للطبعِ السليمٍ ميلٌ إليها، حتَّى قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( حُبِّبَ
إليَّ مِنْ دنياكمْ ثلاثٌ: الطيبُ والنساءُ، وجُعلَ قرةُ عيني في الصلاةِ)) (١)،
فسمَّى الطيبَ محبوباً ، ومعلومٌ أنَّهُ لا حظّ للعينِ والسمع فيهِ ، بلْ للشمِّ
فقطٌ، وسمَّى النساءَ محبوباتٍ، ولا حظّ فيهنَّ إلا للبصرِ واللمسِ دونَ الشمّ
والذوقِ والسمع ، وسمَّى الصلاةَ قرَّةَ عينٍ ، وجعلَها أبلغَ المحبوباتِ ،
ومعلومٌ أنَّهُ ليسَ تحظى بها الحواسُّ الخمسُ، بلْ حسٌّ سادسٌ مَظِنَّتُهُ
جن
(١) رواه النسائي (٦١/٧)، وأحمد في ((المسند)) (١٢٨/٣) دون زيادة كلمة
( ثلاث )، والمصنف تبع في ذكرها صاحب ((القوت)) (٢٤٩/٢)، وقد نقل الحافظ
الزبيدي في «إتحافه)) (٣١١/٥) نقولاً عن الحفاظ تفيد خطأ زيادتها رواية ومعنىّ؛ إذ
الصلاة ليست من الدنيا إلا على تأول شديد، وإنما جاء الحديث بلفظ: ((حُبِّبٌ)) مبنياً
للمجهول دلالة على أن ذلك لم يكن من جبلته وطبعه صلى الله عليه وسلم ، وإنما كان
مجبوراً على ذلك الحب رحمةً للعباد ورفقاً بهم ، كما أفاده الشارح نقلاً عن الطيبي .
ت
٣٧٣
حر

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
القلبُ ، لا يدركُهُ إلا مَنْ كانَ لهُ قلبٌ .
ولذاتُ الحواسِّ الخمسِ تشاركُ فيها البهائمُ الإنسانَ ، فإنْ كانَ الحبُّ
مقصوراً على مدركاتِ الحواسِّ الخمسِ ، حتَّى يُقالَ : إنَّ اللهَ تعالى لا يُدركُ
بالحواسُ ، ولا يُتمثَّلُ في الخيالِ ؛ فلا يُحبُّ .. فإذاً قد بطلَتْ خاصيَّةٌ
الإنسانِ، وما تميَّزَ بِهِ مِنَ الحسِّ السادسِ الذي يُعبَّرُ عنهُ إمَّا بالعقلِ أَوْ بالنورِ
أوْ بالقلبِ أوْ بما شئتَ مِنَ العباراتِ .. فلا مشاحَّةَ فيها .
وهيهاتَ ! فالبصيرةُ الباطنةُ أقوىُ مِنَ البصرِ الظاهرِ ، والقلبُ أشدُّ إدراكاً
مِنَ العينِ ، وجمالُ المعاني المدركةِ بالعقلِ أعظمُ مِنْ جمالِ الصورِ الظاهرةِ
للأبصارِ ، فتكونُ - لا محالةَ - لذةُ القلبِ بما يدركُهُ مِنَ الأمورِ الشريفةِ
الإلهيةِ التي تجلُّ عنْ أنْ تدركَها الحواسُّ .. أتمَّ وأبلغَ ، فيكونُ ميلُ الطبع
السليمِ والعقلِ الصحيح إليهِ أقوى ، ولا معنى للحبِّ إلا الميلُ إلى ما في
إدراكِهِ لذةٌ كما سيأتي تفصيلُهُ ، فلا ينكِرُ إذاً حبَّ اللهِ تعالى إلا مَنْ قعدَ بهِ
القصورُ في درجةِ البهائمٍ ، فلمْ يجاوز إدراكَ الحواسِّ أصلاً .
كن جن
حن حن حن حن حن حن
الأصلُ الثالثُ : أنَّ الإنسانَ لا يخفى أنَّهُ يحبُّ نفسَهُ، ولا يخفى أنَّهُ قدْ
يحبُّ غيرَهُ لأجلِ نفسِهِ ، وهلْ يُتصوَّرُ أنْ يحبّ غيرَهُ لذاتِهِ لا لأجلِ نفسِهِ ؟
هذا ممَّا قدْ يشكلُ على الضعفاءِ ، حتَّى يظنونَ أنَّهُ لا يُتصوَّرُ أنْ يحبَّ
الإنسانُ غيرَهُ لذاتِهِ ما لمْ يرجعْ منهُ حظّ إلى المحبِّ سوى إدراكِ ذاتِهِ .
٣٧٤
حن

ربع المنجيات
٠٠محي
جــ
كتاب المحبة والشوق
والحقُّ أنَّ ذلكَ متصوَّرٌ وموجودٌ ، فلنبينْ أقسامَ المحبةِ وأسبابَها .
وبيانُهُ : أنَّ المحبوبَ الأوَّلَ عندَ كلِّ حِيٍّ نفسُهُ وذاتُهُ ، ومعنى حبٍُّ
لنفسِهِ : أنَّ في طبعِهِ ميلاً إلى دوام وجودِهِ ، ونفرةً عنْ عدمِهِ وهلاكِهِ ؛ لأنَّ
المحبوبَ بالطبع هوَ الملائمُ للمحبِّ ، وأيُّ شيءٍ أتمُّ ملاءمةً لهُ مِنْ نفسِهِ
ودوام وجودِهِ ؟ وأيُّ شيءٍ أعظمُ مضادَّةً ومنافرةً لهُ مِنْ عدمِهِ وهلاكِهِ ؟
فلذلكَ يحبُّ الإنسانُ دوامَ الوجودِ ، ويكرهُ الموتَ والقتلَ ، لا لمجرَّدٍ
ما يخافُهُ بعدَ الموتِ ، ولا لمجرَّدِ الحذرِ مِنْ سكراتِ الموتِ ، بلْ لوٍ
اختُطفَ مِنْ غيرِ ألم ، وأَميتَ مِنْ غيرِ ثوابٍ ولا عقابٍ .. لمْ يرضَ بهِ ،
وكانَ كارهاً لذلكَ، ولا يحبُّ الموتَ والعدمَ المحضَ إلا لمقاساةِ ألمٍ في
الحياةِ ، ومهما كانَ مبتلىّ بيلاءٍ .. فمحبوبُهُ زوالُ البلاءِ، فإنْ أحبَّ
العدمَ .. لمْ يحبُّهُ لأنَّهُ عدمٌ، بلْ لأنَّ فيهِ زوالَ البلاءِ ، فالهلاكُ والعدمُ
ممقوتٌ ، ودوامُ الوجودِ محبوبٌ .
شن
www
وكما أنَّ دوامَ الوجودِ محبوبٌ .. فكمالُ الوجودِ أيضاً محبوبٌ؛ لأنَّ
الناقصَ فاقدٌ للكمالِ ، والنقصُ عدٌ بالإضافةِ إلى القدْرِ المفقودِ ، وهوَ
هلاكٌ بالنسبةِ إليهِ ، والهلاكُ والعدمُ ممقوتٌ في الصفاتِ وكمالِ الوجودِ ؛
كما أنَّهُ ممقوتٌ في أصلِ الذاتِ ، ووجودُ صفاتِ الكمالِ محبوبٌ ؛ كما أنَّ
دوامَ أصلِ الوجودِ محبوبٌ ، وهذهِ غريزةٌ في الطباع بحكمٍ سنةِ اللهِ تعالى ،
ولنْ تجدَ لسنةِ اللهِ تبديلاً .
فإذاً؛ المحبوبُ الأوَّلُ للإنسانِ ذاتُهُ، ثمَّ سلامةُ أعضائِهِ، ثمَّ مالُهُ،
ـن
ـ٣
٣٧٥
حن
ٹن
حن

كتاب المحبة والشوق
ہے.
ربع المنجيات
ـيجــ
وولدُهُ، وعشيرتُهُ، وأصدقاؤُهُ، فالأعضاءُ محبوبةٌ وسلامتُها مطلوبةٌ ؛ لأنَّ
كمالَ الوجودِ ودوامَ الوجودِ موقوفٌ عليها ، والمالُ محبوبٌ لأنَّهُ أيضاً آلةٌ في
دوامِ الوجودِ وكمالِهِ ، وكذا سائرُ الأسباب ، فالإنسانُ يحبُّ هذهِ الأشياءَ
لا لأعيانِها، بلْ لارتباطِ حظَّهِ في دوام الوجودِ وكمالِهِ بها، حتَّى إنَّهُ ليحبُّ
ولدَهُ - وإنْ كانَ لا ينالُهُ منهُ حظٌّ، بلْ يتحمَّلُ المشاقَّ لأجلِهِ - لأنَّهُ يخلفُهُ في
الوجودِ بعدَ عدمِهِ ، فيكونُ في بقاءِ نسلِهِ نوعُ بقاءٍ لهُ ، فلفرطِ حبِّهِ لبقاءِ نفسِهِ
يحبُّ بقاءَ مَنْ هوَ قائمٌ مقامَهُ وكأنَّهُ جزءٌ منهُ؛ لمَّا عجزَ عنِ الطمع في بقاءِ
نفسِهِ أبداً .
نعمْ، لوْ خُيِّرَ بينَ قتِلِهِ وقتلِ ولِدِهِ، وكانَ طبعُهُ باقياً على اعتدالِهِ .. آثرَ
بقاءَ نفسِهِ على بقاءٍ ولدِهِ ؛ لأنَّ بقاءَ ولدِهِ يشبهُ بقاءَهُ مِنْ وجهٍ ، وليسَ هوَ
بقاءَهُ المحقّقَ .
وكذلكَ حبُّهُ لأقاربِهِ وعشيرتِهِ يرجعُ إلى حبِّهِ لكمالِ نفسِهِ ، فإنَّهُ يرى
نفسَهُ كثيراً بِهِمْ ، قويّاً بسببهِمْ، متجمِّلاً بمكانِهِمْ؛ فإنَّ العشيرةَ والمالَ
والأسبابَ الخارجةَ كالجناح المكمِّلِ للإنسانِ ، وكمالُ الوجودِ ودوامُهُ
محبوبٌ بالطبع لا محالةَ .
حن حم
فإذاً ؛ المحبوبُ الأوَّلُ عندَ كلِّ حيٍّ ذاتَهُ، وكمالُ ذاتِهِ ، ودوامُ ذلكَ
كلِّهِ، والمكروهُ عندَهُ ضدُّ ذلكَ، فهذا هوَ أوَّلُ الأسبابِ .
Te.
السببُ الثاني : الإحسانُ ، فإنَّ الإنسانَ عبدُ الإحسانِ ، وقدْ جُبلَتِ
٣٧٦
ـون
د.3
ـون:

ربع المنجيات
حر
كتاب المحبة والشوق
القلوبُ على حبِّ مَنْ أحسنَ إليها ، وبغضٍ مَنْ أساءَ إليها .
ـكن
ـة
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( اللهُمَّ ، لا تجعلْ لفاجرٍ عندي
يداً فيحبَّهُ قلبي)) (١) ، أشارَ إلى أنَّ حبَّ القلبِ للمحسنِ اضطرارٌ لا يُستطاعُ
دفعُهُ، وهوَ جبلَّةٌ وفطرةٌ لا سبيلَ إلى تغييرِها ، وبهذا السببِ قدْ يحبُّ
الإنسانُ الأجنبيَّ الذي لا قرابةَ بينَهُ وبينَهُ ولا علاقةَ .
وهذا إذا حُقِّقَ .. رجعَ إلى السببِ الأوَّلِ، فإنَّ المحسنَ مَنْ أمدَّ بالمالِ
والمعونةِ ، وسائرٍ الأسبابِ الموصلةِ إلى دوامِ الوجودِ وكمالِ الوجودِ ،
وحصولِ الحظوظِ التي بها يتهيََّ الوجودُ ، إلا أنَّ الفرقَ بينَهُما أنَّ أعضاءَ
الإنسانِ محبوبةٌ لأنَّ بها كمالَ وجودِهِ ، وهيَ عينُ الكمالِ المطلوبِ، فأمَّا
المحسنُ .. فليسَ هِوَ عينَ الكمالِ المطلوبِ ، ولكنْ قَدْ يكونُ سبباً لهُ ؛
كالطبيبِ الذي يكونُ سبباً في دوام صحَّةِ الأعضاءِ ، ففرقٌ بينَ حبِّ الصحةِ
وبينَ حبِّ الطبيبِ الذي هوَ سببُ الصَّةِ ؛ إذِ الصحةُ مطلوبةٌ لذاتِها ،
والطبيبُ محبوبٌ لا لذاتِهِ، بلْ لأنَّهُ سببٌ للصحةِ ، وكذلكَ العلمُ
محبوبٌ ، والأستاذُ محبوبٌ ، ولكنِ العلمُ محبوبٌ لذاتِهِ ، والأستاذُ
محبوبٌ لكونِهِ سببَ العلمِ المحبوبِ ، وكذلكَ الطعامُ والشرابُ محبوبٌ ،
(١) كذا في ((القوت)) (٤٨/٢)، قال الحافظ العراقي: (رواه ابن مردويه في (( التفسير»
من رواية كثير بن عطية عن رجل لم يسمَّ، ورواه الديلمي في (( مسند الفردوس))
[٢٠١١] من حديث معاذ، وأبو موسى المديني في كتاب (( تضييع العمر والأيام)) من
طريق أهل البيت مرسلاً ، وأسانيده ضعيفة). ((إتحاف)) (١٤٨/٦).
٣٧٧
من:

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
والدنانيرُ محبوبةٌ ، لكن الطعامُ محبوبٌ لذاتِهِ ، والدنانيرُ محبوبةٌ لأنَّها وسيلةٌ
إلى الطعام .
فإذاً ؛ يرجعُ الفرقُ إلى تفاوتِ الرتبةِ ، وإلا .. فكلُّ واحدٍ يرجعُ إلى
محبَّةِ الإنسانِ نفسَهُ .
فكأنَّ مَنْ أحبَّ المحسنَ لإحسانِهِ فما أحبَّ ذاتَهُ تحقيقاً ، بلْ أحبَّ
إحسانَهُ ، وهوَ فعلٌ مِنْ أفعالِهِ ، لَوْ زالَ .. زالَ الحبُّ معَ بقاءِ ذاتِهِ تحقيقاً ،
ولوْ نقصَ .. نقصَ الحبُّ، ولوْ زادَ .. زادَ، ويتطرَّقُ إليهِ الزيادةُ والنقصانُ
بحسَبِ زيادةِ الإحسانِ ونقصانِهِ .
السببُ الثالثُ: أنْ يحبَّ الشيءَ لذاتِهِ ، لا لحظَّ يُنالُ منهُ وراءَ ذاتِهِ ، بلْ
تكونُ ذاتُهُ عينَ حظُّهِ ، وهذا هوَ الحبُّ الحقيقيُّ البالغُ الذي يُوثقُ بدوامِهِ ،
وذلكَ كحبِّ الجمالِ والحسنِ ، فإنَّ كلَّ جمالٍ فهوَ محبوبٌ عندَ مدركِ
الجمالِ ، وذلكَ لعينِ الجمالِ ؛ لأنَّ إدراكَ الجمالِ فيهِ عِينُ اللذَّةِ ، واللذَّةُ
محبوبةٌ لذاتِها لا لغيرِها .
ـجن
ولا تظنَّنَّ أنَّ حبَّ الصورِ الجميلةِ لا يُتصوَّرُ إلا لأجلِ قضاءِ الشهوةِ ؛ فإنَّ
قضاءَ الشهوةِ لذَّةٌ أخرى قدْ تُحبُّ الصورُ الجميلةُ لأجلِها ، وإدراكُ نفسٍ
الجمالِ أيضاً لذيذٌ ، فيجوزُ أنْ يكونَ محبوباً لذاتِهِ .
وكيفَ يُنكرُ ذلكَ والخضرةُ والماءُ الجاري محبوبانِ لا ليُشربَ الماءُ
ولا لتُؤْكلَ الخضرةُ أوْ يُنَالَ منها حظّ سوى نفسِ الرؤيةِ ؟!
حن
ـكن
جن
٣٧٨
جن
مدن

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
وقدْ كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يعجبُهُ الخضرةُ والماءُ
الجاري(١) ، والطباعُ السليمةُ قاضيةٌ باستلذاذِ النظرِ إلى الأنوارِ ، والأزهارِ ،
والأطيارِ المليحةِ الألوانِ الحسنةِ النقشِ ، المتناسبةِ الشكلِ، حتَّى إِنَّ الإنسانَ
لتنفرجُ عنهُ الغمومُ والهمومُ بالنظرِ إليها ، لا لطلبٍ حظّ وراءَ النظرِ .
فهذهِ الأسبابُ ملذَّةٌ ، وكلُّ لذيذٍ محبوبٌ ، وكلُّ حسْنٍ وجمالٍ فلا يخلو
إدراكُهُ عنْ لذَّةِ ، ولا أحد ينكرُ كونَ الجمالِ محبوباً بالطبع ، فإنْ ثبتَ أنَّ اللهَ
تعالى جميلٌ .. كانَ - لا محالةَ - محبوباً عندَ مَنِ انكشفَ لهُ جمالُهُ وجلالُهُ،
كما قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إِنَّ اللهَ جميلٌ يحبُّ
الجمالَ)) (٢).
الأصلُ الرابعُ : في بيانِ معنى الحسنِ والجمالِ .
اعلمْ : أنَّ المحبوسَ في مضيقِ الخيالاتِ والمحسوساتِ ربَّما يظنُّ أنَّهُ
لا معنى للحسنِ والجمالِ إلا تناسبُ الخلقةِ والشكلِ ، وحسنُ اللونِ وكونُ
البياضِ مشرباً بالحمرةِ ، وامتدادُ القامةِ ، إلى غيرِ ذلكَ ممَّا يُوصفُ مِنْ
جمالِ شخصِ الإنسانِ ، فإنَّ الحسنَ الأغلبَ على الخلقِ حسنُ الإبصارِ ،
(١) إذ روى ابن عدي في ((الكامل)) (٣٢٩/٢) عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب أن ينظر إلى الخضرة وإلى الماء الجاري .
(٢) رواه مسلم ( ٩١).
ـي .
٣٧٩
%
حن

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
وأكثرُ التفاتِهِمْ إلى صورِ الأشخاصِ ، فيظنُّ أنَّ ما ليسَ مبصَراً ، ولا متخيَّلاً
متشكِّلاً، ولا متلوِّناً متقدِّراً .. فلا يُتصوَّرُ حسنُهُ، وإذا لمْ يُصوَّرُ حسنُهُ ..
لمْ يكنْ في إدراكِهِ لذةٌ ، فلمْ يكنْ محبوباً ، وهذا خطأٌ ظاهرٌ ؛ فإنَّ الحسْنَ
ليسَ مقصوراً على مدركاتِ البصرِ ، ولا على تناسبِ الخلقةِ وامتزاجِ البياضِ
بالحمرةِ ، فإنَّا نقولُ : هذا خطِّ حسنٌ، وهذا صوتٌ حسنٌّ ، وهذا فرسٌ
حسنٌ، بلْ نقولُ : هذا ثوبٌ حسنٌ، وهذا إناءٌ حسنٌ ، فأيُّ معنىً لحسنِ
الصوتِ والخطِّ وسائرِ الأشياءِ إنْ لمْ يكنِ الحسنُ إلا في الصورِ ؟!
ومعلومٌ أنَّ العينَ تستلكُّ النظرَ إلى الخطِّ الحسنِ ، والأذنُ تستلذُّ استماعَ
النغماتِ الحسنةِ الطيِّةِ ، وما مِنْ شيءٍ مِنَ المدركاتِ إلا وهوَ منقسمٌ إلى
حسنٍ وقبيحِ ، فما معنى الحسنِ الذي تشتركُ فيهِ هذهِ الأشياءُ ؟ فلا بدَّ مِنَ
البحثِ عنهُ، وهذا بحثٌ يطولُ ، ولا يليقُ بعلم المعاملةِ الإطنابُ فيهِ ،
فنصرِّحُ بالحقِّ ونقولُ: كلُّ شيءٍ فجمالُهُ وحسنُهُ في أنْ يحضرَ كمالُهُ اللائقُ
بهِ الممكنُ لهُ، فإذا كانَ جميعُ كمالاتِهِ الممكنةِ حاضرةً .. فهوَ في غايةٍ
الجمالِ، وإنْ كانَ الحاضرُ بعضَها .. فلهُ مِنَ الحسنِ والجمالِ بقدْرٍ
ما حضرَ ، فالفرسُ الحسنُ هوَ الذي جمعَ كلَّ ما يليقُ بالفرسِ ؛ مِنْ هيئةٍ ،
وشكلٍ ، ولونٍ، وحسْنِ عدوٍ ، وتيُّرِ كرِّ وفرّ عليهِ، والخطَّ الحسنُ كلُّ
ما جمعَ ما يليقُ بالخطِّ ؛ مِنْ تناسبِ الحروفِ ، وتوازيها ، واستقامةِ
ترتيبِها ، وحسنِ انتظامِها ، ولكلِّ شيءٍ كمالٌ يليقُ بهِ ، وقدْ يليقُ بغيرِهِ
ضدُّهُ ، فحسنُ كلِّ شيءٍ في كمالِهِ الذي يليقُ بهِ ، فلا يحسنُ الإنسانُ بما
٣٨٠
ئن
دں
-.
- --**