النص المفهرس

صفحات 321-340

ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
:م٨ ٨٠
السارقَ ويغيِّرُ القضاءَ الأزليَّ، ولكنَّهُ تتحقَّقُ بالزهدِ نِيَتُهُ، فإنْ أُخِذَ مالُهُ ..
كانَ لهُ بكلِّ درهم سبعُ مئةِ درهمٍ ؛ لأنَّهُ نواهُ وقصدَهُ ، وإنْ لمْ يُؤخذْ ..
حصلَ لهُ الأجرُ أيضاً ؛ كما رُوِيَ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيمَنْ
تركَ العزلَ وأقرَّ النطفةَ قرارَها أنَّ لهُ أجرَ غلامِ وُلِدَ لهُ مِنْ ذلكَ الجماع وعاشَ
فقُتلَ في سبيلِ اللهِ تعالى وإنْ كانَ لمْ يُولِدْ لهُ(١)؛ لأنَّهُ ليسَ إليهِ مِنْ أمرِ الولدِ
إلا الوقاعُ، فأمَّا الخلقُ والحياةُ والرزقُ والبقاءُ .. فليسَ إليهِ، فلوْ خُلِقَ ..
لكانَ ثوابُهُ على فعلِهِ، وفعلُهُ لمْ ينعدمْ ؛ فكذلكَ أمرُ السرقةِ .
الرابعُ : أَنَّهُ إذا وجدَ المالَ مسروقاً .. فينبغي ألا يحزنَ ، بلْ يفرحُ إِنْ
أمكنَهُ ويقولُ : لولا أنَّ الخيرةُ كانَتْ فيهِ .. لما سلبَهُ اللهُ تعالى، ثمّ إنْ لمْ
يكنْ قَدْ جعلَهُ في سبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ .. فلا يبالغْ في طلبِهِ وإساءةِ الظنِّ
بالمسلمينَ ، وإنْ كانَ قدْ جعلَهُ في سبيلِ اللهِ .. فيتركُ طلبَهُ، فإنَّهُ قدْ قدَّمَهُ
ذخيرةً لنفسِهِ إلى الآخرةِ ، فإنْ أُعيدَ إليهِ .. فالأولى ألا يقبلَهُ بعدَ أنْ كانَ قدْ
جعلَهُ في سبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وإنَّ قبلَهُ .. فهوَ في ملكِهِ في ظاهرِ العلمِ ؛
لأنَّ الملكَ لا يزولُ بمجرَّدِ تلكَ النيّةِ ، ولكنَّهُ غيرُ محبوبٍ عندَ المتوكلينَ .
وقدْ رُوِيَ أنَّ ابنَ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما سُرقَتْ ناقتُهُ ، فطلبَها حتَّى أعيا ،
(١) كذا الخبر في ((القوت)) (٣٣/٢)، وقال الحافظ العراقي: ( لم أجد له أصلاً).
((إتحاف)) (٩ / ٥١٢ ).
٣٢١

كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
ثمَّ قالَ : في سبيلِ اللهِ تعالى ، فدخلَ المسجدَ ، فصلّى ركعتين ، فجاءَهُ
رجلٌ فقالَ : يا أبا عبد الرحمنِ ؛ إنَّ ناقتَكَ في مكانٍ كذا ، فليسَ نعلَهُ
وقامَ ، ثمّ قالَ : أستغفرُ اللهَ، وجلسَ ، فقيلَ لهُ : ألا تذهبُ فتأخذَها ؟
فقالَ : إنِّي كنتُ قلتُ : في سبيلِ اللهِ(١).
وقالَ بعضُ الشيوخ : رأيتُ بعضَ إخواني في النومِ بعدَ موتِهِ ، فقلتُ :
ما فعلَ اللهُ بكَ ؟ قالَ : غفرَ لي وأدخلَني الجنَّةَ ، وعرضَ عليَّ منازلي فيها
فرأيتُها ، قالَ : وهو معَ ذلكَ كئيبٌ حزينٌ ، فقلتُ : قدْ دخلتَ الجنَّةَ وغُفِرَ
لكَ وأنتَ حزينٌ ؟! فتنفَّسَ الصعداءَ ثمَّ قالَ : نعمْ ، إنِّي لا أزالُ حزيناً إلى
يوم القيامةِ ، قلتُ : ولِمَ ذلكَ ؟ قالَ : إِنِّي لمَّا رأيتُ منازلي مِنَ الجنَّةِ ..
رُفَعَتْ لي مقاماتٌ في علِّيِينَ ما رأيتُ مثلَها فيما رأيتُ ، ففرحتُ بها ، فلمَّا
هممتُ بدخولِها .. نادى منادٍ مِنْ فوقِها : اصرفوهُ عنها ، فليسَتْ هذهِ لهُ ،
إنَّما هذهِ لمَنْ أمضى السبيلَ ، فقلتُ : وما أمضى السبيلَ ؟ فقيل لي : كنتَ
تقولُ للشيءِ إنَّهُ في سبيلِ اللهِ ، ثمَّ ترجعُ فيهِ ، فلوْ كنتَ أمضيتَ السبيلَ ..
لأمضينا لكَ(٢).
ـنة
حن
وحُكِيَ عنْ بعضِ العبَّادِ بمكَّةَ أنَّهُ كانَ نائماً بجنب رجل معَهُ هميانٌ ،
فانتبهَ الرجلُ ففقدَ هميانَهُ ، فاتهمَهُ بهِ ، فقالَ لهُ : كمْ كانَ في هميانِكَ ؟
فذكرَهُ ، فحملَهُ إلى البيتِ ووزنَهُ مِنْ عنِهِ ، ثمَّ بعدَ ذلكَ أعلمَهُ أصحابُهُ أَنَّهُمْ
فخ حن حن حن في
(١) قوت القلوب (٣٣/٢) .
(٢) قوت القلوب (٣٤/٢).
٣٢٢
ق:
ـفت
ـمو

ربع المنجيات
ـكن
كتاب التوحيد والتوكل
كانوا أخذوا الهميانَ مزحاً معَهُ ، فجاءَ هوَ وأصحابُهُ وردُّوا الذهبَ ، فأبى
وقالَ : خذْهُ حلالاً طيِّباً ، فما كنتُ لأعودَ في مالٍ أخرجتُهُ في سبيلِ اللهِ عزَّ
وجلَّ، فلمْ يقبلْ ، فألُّوا عليهِ ، فدعا ابناً لهُ وجعلَ يصرُّهُ صُرراً ويبعثُ بها
إلى الفقراءِ حتَّى لمْ يبقَ منهُ شيءٍ(١).
فهكذا كانَتْ أخلاقُ السلفِ ، وكذلكَ مَنْ أخذَ رغيفاً ليعطيَهُ فقيراً ،
فغابَ عنهُ .. كانَ يكرهُ ردَّهُ إلى البيتِ بعدَ إخراجِهِ ، فيعطيهِ فقيراً آخرَ ،
وكذلكَ يفعلُ في الدراهمِ والدنانيرِ وسائرِ الصدقاتِ (٢).
الخامُ - وهوَ أقلُّ الدرجاتِ - : ألا يدعوَ على السارقِ الذي ظلمَهُ
بالأخذِ ، فإِنْ فعلَ .. بطلَ توكلُهُ ، ودلَّ ذلكَ على كراهتِهِ وتأسُّفِهِ على
ما فاتَ ، وبطلَ زهدُهُ، وإنْ بالغَ فيهِ .. بطلَ أيضاً أجرُهُ فيما أُصيبَ بهِ ،
ففي الخبرِ: ((مَنْ دعا على مَنْ ظلمَهُ .. فقدِ انتصرَ))(٣).
وحُكِيَ أنْ الربيعَ بنَ خُثيمٍ سُرِقَ فرسُهُ، وكانَ ثمنُهُ عشرينَ ألفاً ، وكانَ
قائماً يصلّي فلمْ يقطعْ صلاتَهُ ، ولمْ ينزعجْ لطلبِهِ، فجاءَهُ قومٌ يعزُّونَهُ ،
(١) قوت القلوب (٣٤/٢) يرويه عن بعض الأشياخ عن شيخ كان بمكة من العبَّاد.
5
(٢) قوت القلوب (٣٤/٢)، وقال بعده: ( وهذا طريق قد عفا أثره ، ودرس خبره،
فمن عمل به .. فقد أحياه وأظهره ، وقد كان قديماً طريقاً إلى الله تعالى عليه السابلة من
الأولياء ) .
(٣) رواه الترمذي (٣٥٥٢) .
٣٢٣
حن

كتاب التوحيد والتوكل
20
ربع المنجيات
فقالَ : أما إنِّي قدْ كنتُ رأيتُهُ وهوَ يحلُّهُ، قيلَ: وما منعَكَ أنْ تزجرَهُ ؟
قالَ : كنتُ فيما هوَ أحبُّ إليَّ مِنْ ذلكَ - يعني: الصلاةَ - قالَ: فجعلوا
يدعونَ عليهِ ، فقالَ: لا تفعلوا وقولوا خيراً؛ فإنِّي قدْ جعلتُها صدقةٌ
عليهِ (١) .
وقيلَ لبعضِهِمْ في شيءٍ قَدْ كانَ سُرِقَ لهُ : ألا تدعو على ظالمِكَ ؟ قالَ:
ما أحبُّ أنْ أكونَ عوناً للشيطانِ عليهِ ، قيلَ : أفرأيتَ لوْ رُدَّ عليكَ؟ قالَ :
لا آخذُهُ ولا أنظرُ إليهِ ؛ لأنِّي كنتُ قدْ أحللتُهُ لهُ (٢).
وقيلَ لآخرَ : ادعُ اللهَ على مَنْ ظلمَكَ، فقالَ: ما ظلمَني أحدٌ ، ثمَّ
قالَ : إنَّما ظلمَ نفسَهُ ، ألا يكفيهِ المسكينَ ظلمُهُ لنفسِهِ حتَّى أزيدَهُ
شرّاً ؟!(٣) .
10
وأكثرَ بعضُهُمْ شتمَ الحجّاجِ عندَ بعضِ السلفِ في ظلمِهِ ، فقالَ :
لا تغرقْ في شتمِهِ ، فإنَّ اللهَ تعالى ينتصفُ للحجَّاجِ مَّنَ انتهكَ عرضَهُ كما
ينتصفُ منهُ لمَنْ أَخذَ مالَهُ ودمَهُ (٤) .
ـدة
(١) قوت القلوب (٢/ ٣٤).
(٢) قوت القلوب (٣٤/٢).
(٣) قوت القلوب (٣٤/٢).
(٤) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣١٢٢٦)، وأبو نعيم في ((الحلية))
(٢٧٠/٢)، والقشيري في ((الرسالة)) (ص ٢٨٤) بنحوه، ولفظه هنا في ((القوت )»
( ٢/ ٣٤) .
٣٢٤

----- -
ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
حن
وفي الخبرِ : ((إنَّ العبدَ ليُظلمُ المظلمةَ، فلا يزالُ يشتمُ ظالمَهُ ويستُّهُ
حتَّى يكونَ بمقدارِ ما ظلمَهُ ، ثمَّ يبقى للظالمِ عليهِ مطالبةٌ بما زادَ عليهِ يُقْتصُّ
لهُ مِنَ المظلومِ)) (١)
السادسُ : أنْ يعتمَّ لأجلِ السارقِ وعصيانِهِ وتعرُّضِهِ لعذابِ اللهِ ،
ويشكرَ اللهَ تعالى إذْ جعلَهُ مظلوماً ولمْ يجعلْهُ ظالماً ، وجعلَ ذلكَ نقصاناً في
دنياهُ لا نقصاناً في دينِهِ ، فقدْ شكا بعضُ الناسِ إلى عالمٍ أَنَّهُ قُطِعَ عليهِ الطريقُ
وأُخِذَ مالُهُ ، فقالَ : إنْ لمْ يكنْ غُّكَ أَنَّهُ قَدْ صارَ في المسلمينَ مَنْ يستحلُّ
هذا أكثرَ مِنْ غمِّكَ بمالِكَ .. فما نصحتَ للمسلمينَ(٢).
وسُرِقَ مِنْ عليٍّ بنِ الفضيلِ دنانيرُ وهوَ يطوفُ بالبيتِ، فرآهُ أبوهُ وهوَ
يبكي ويحزنُ ، فقالَ : أعلى الدنانيرِ تبكي ؟! فقالَ: لا واللهِ ، ولكنْ على
المسكينِ أنَّهُ يُسألُ يومَ القيامةِ ولا تكونُ لهُ حجَّةٌ (٢).
وقيلَ لبعضِهِمْ : ادعُ على مَنْ ظلمَكَ ، فقالَ : إنِّي مشغولٌ بالحزنِ عليهِ
عن الدعاءِ عليهِ (٢)، فهذهِ أخلاقُ السلفِ رضيَ اللهُ عنهُمْ أجمعينَ .
(١) أورده ابن بطال في ((شرحه لصحيح البخاري)) (١٨٦/١٠) عن عمر بن عبد العزيز
بلاغاً ، ومعناه مروي عند الترمذي (٣٥٥٢) عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً: (( من
دعا على من ظلمه فقد انتصر)"، ولفظه هنا في «القوت)) (٣٤/٢).
(٢) قوت القلوب (٣٤/٢).
٣٢٥

كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
الفتن الرابع: الشّيى في إزالة الضرر كمداواة المرض وأمثاله
فع
اعلمْ : أنَّ الأسبابَ المزيلةَ للضررِ أيضاً تنقسمُ إلى مقطوع بهِ ؛ كالماءِ
المزيلِ لضررِ العطشِ ، والخبزِ المزيلِ لضررِ الجوع ، وإلى مظنونٍ ؛
كالفصدِ ، والحجامةِ ، وشربِ الدواءِ المسهلِ ، وسائرِ أبوابِ الطبِّ؛
أعني : معالجةَ البرودةِ بالحرارةِ ، والحرارةِ بالبرودةِ ، وهيَ الأسبابُ
الظاهرةُ في الطبِّ ، وإلى موهومٍ ؛ كالكيِّ والرقيةِ.
أمَّا المقطوعُ بهِ .. فليسَ مِنَ التوكلِ تركُهُ، بلْ تركُهُ حرامٌ عندَ خوفٍ
الموتِ .
وأمَّا الموهومُ .. فشرطُ التوكل تركُهُ؛ إذْ بهِ وصفَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ المتوكلينَ ، وأقواها الكيُّ ، ويليهِ الرقيةُ، والطيرةُ آخرُ
درجاتِها، والاعتمادُ عليها والاتكالُ إليها غايةُ التعمُّقِ في ملاحظةِ الأسبابِ.
وأمَّا الدرجةُ المتوسطةُ وهيَ المظنونةُ ؛ كالمداواةِ بالأسبابِ الظاهرةِ عندَ
الأطباءِ .. ففعلُهُ ليسَ مناقضاً للتوكلِ ؛ بخلافِ الموهوم، وتركُهُ ليسَ
محظوراً ؛ بخلافِ المقطوع بهِ ، بلْ قدْ يكونُ أفضلَ مِنْ فعلِهِ في بعضٍ
الأحوالِ ، وفي حقِّ بعضِ الأشخاصِ ، فهي على درجةٍ بينَ الدرجتينِ .
ويدلُّ على أنَّ التداويَ غيرُ مناقضٍ للتوكلِ فعلُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ ، وقولُهُ ، وأمرُهُ بهِ .
٣٢٦
حن
٠١٠٠ ١

ـن
ربع المنجيات
موعــ
كتاب التوحيد والتوكل
أمَّا قولُهُ .. فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما مِنْ داءٍ إلا ولهُ دواءٌ ،
عرفَهُ مَنْ عرفَهُ ، وجهلَهُ مَنْ جهلَهُ، إلا السامَ ))(١) يعني : الموتَ.
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( تداوَوا عبادَ اللهِ ؛ فإنَّ اللهَ خلقَ الداءَ
والدواءَ))(٢).
وسُئِلَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنِ الدواءِ والرُّقى : هلْ تردُّ مِنْ قدرِ اللهِ
شيئاً؟ فقالَ: ((هيَ مِنْ قدرِ اللهِ)) (٣).
وفي الخبرِ المشهورِ : (( ما مررتُ بملأٍ مِنَ الملائكة إلا قالوا: مُرْ أَمَّتَكَ
بالحجامةِ))(٤) .
3
وفي الحديثِ أنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ أمرَ بها وقالَ : (( احتجموا لسبعَ
عشرةَ، وتسعَ عشرةَ، وإحدى وعشرينَ، لا يتبيَّغْ بَكُمُ الدمُ فيقتلَكُمْ)) (٥)،
فذكرَ أنَّ تبتُّغَ الدم سببُ الموتِ، وأنَّهُ قاتلٌ بإذنِ اللهِ تعالى ، وبيَّنَ أنَّ إخراج
الدم خلاصٌ منهُ ؛ إذْ لا فرقَ بينَ إخراج الدم المهلكِ مِنَ الإهابِ وبينَ
إخراج العقربِ مِنْ تحتِ الثيابِ ، وإخراج الحيّةِ مِنَ البيتِ ، وليسَ مِنْ شرطِ
(١) كذا في ((القوت)) (٢١/٢)، وقد رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٣٨٨٤)،
والطبراني في ((الأوسط)) (١٥٨٧)، والحاكم فى ((المستدرك)) (٤٠١/٤).
(٢) رواه أبو داوود (٣٨٥٥)، والترمذي (٢٠٣٨)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٥٤/٢٤).
(٣) رواه الترمذي (٢٠٦٥)، وابن ماجه ( ٣٤٣٧) .
(٤) رواه الترمذي (٢٠٥٢)، وابن ماجه (٣٤٧٩).
(٥) رواه الترمذي (٢٠٥١) ولم يذكر التبيُّغ، وابن ماجه (٣٤٨٦)، والتبيُّغ: هيجان
الدم حتى تظهر حمرته في البدن .
٣٢٧

كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
حن
التوكلِ تركُ ذلكَ ، بلْ هوَ كصبِّ الماءِ على النارِ لإطفائها ودفع ضررِها عندَ
وقوعِها في البيتِ ، وليسَ مِنَ التوكلِ الخروجُ عنْ سنةِ الوكيلِ أصلاً .
وفي خبرٍ مقطوع: (( مَنِ احتجمَ يومَ الثلاثاءِ لسبعَ عشرةَ منَ الشهرِ ..
كانَ لهُ دواءٌ مِنْ داءِ سنةٍ»(١).
وأمَّا أمرُهُ .. فقدْ أمرَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ غيرَ واحدٍ مِنَ الصحابةِ
بالتداوي والحمية (٢)، وقطعَ لسعدِ بنِ معاذٍ عرقاً؛ أيْ: فصدَهُ(٣)، وكوى
سعدَ بنَ زرارةَ(٤) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ وكانَ رَمِدَ العينِ: (( لا
تأكلْ مِنْ هذا - يعني: الرطبَ - وكُلْ مِنْ هذا؛ فإنَّهُ أوفقُ لكَ)) ؛ يعني :
سلقاً قدْ طُبخَ بدقيقِ شعيرٍ (٥) .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ لصهيبٍ وقدْ رآهُ يأكلُ التمرَ وهوَ وجعُ العينِ :
@ ash
(١) رواه ابن حبان في ((المجروحين)) (٣٨٧/١)، وابن عدي في ((الكامل))
(٢٠٠/٣)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٤٠/٩).
(٢) تقدم قريباً قوله صلى الله عليه وسلم: ((تداووا))، وسيأتي في قصة علي وصهيب
رضي الله عنهما في الحمية .
(٣) كما هو عند مسلم ( ٢٢٠٨) .
(٤) كما هو عند ابن ماجه (٣٤٩٢)، ثم مات رضي الله عنه ، فقال صلى الله عليه وسلم :
(( ميتة سوء لليهود ، يقولون : أفلا دفع عن صاحبه ، وما أملك له ولا لنفسي شيئاً )».
(٥) رواه أبو داوود (٣٨٥٦)، والترمذي (٢٠٣٧)، وابن ماجه (٣٤٤٢) .
٣٢٨

ربع المنجيات
وعــ
حر
كتاب التوحيد والتوكل
((تأكلُ تمراً وأنتَ رَمِدٌ؟! )» فقالَ: إنِّي آكلُ مِنَ الجانبِ الآخرِ ، فتبسَّمَ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(١)
وأمَّا فعلُهُ .. فقدْ رُوِيَ في حديثٍ مِنْ طريقِ أهلِ البيتِ: أنَّهُ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ كانَ يكتحلُ كلَّ ليلةٍ ، ويحتجمُ كلَّ شهرٍ ، ويشربُ الدواءَ كلَّ
٠٠(٢)
سنةٍ (٢).
جن
وتداوى صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ غيرَ مرَّةٍ مِنَ العقربِ وغيرِها(٣).
ورُوِيَ أنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ كانَ إذا نزلَ عليهِ الوحيُّ .. صُدِعَ رأسُهُ،
فكانَ يغلفُهُ بالحناءِ(٤).
2
وفي خبرٍ: أَنَّهُ كانَ إذا خرجَتْ بهِ قرحةٌ .. جعلَ عليها حناءً(٥)،
(١) رواه ابن ماجه (٣٤٤٣) .
(٢) كذا في ((القوت)) (٢١/٢)، وقد رواه من غير طريقهم ابن عدي في (( الكامل))
(٣ / ٤٣٣) .
(٣) روى الطبراني في «الكبير)) (٢٨٧/٢) عن جبلة بن الأزرق رضي الله عنه : أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى إلى جنب جدار كثير الأحجرة صلى ظهراً وعصراً ،
فلما جلس في الركعتين .. خرجت عقرب فلدغته ، فغشي عليه ، فرقاه الناس ، فلما
أفاق .. قال : (( شفاني الله وليس برقيتكم)).
وروى في (( الأوسط)) (١٠٩) عن أنس رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم
كان إذا اشتكى .. تقمح كفاً من شونيز ويشرب عليه ماء وعسلاً .
(٤)
رواه البزار في ((مسنده)) (٧٨٥٢)، والطبرانى فى ((الأوسط)) (٥٦٢٥).
(٥) رواه الترمذي (٢٠٥٤)، وابن ماجه (٣٥٠٢) .
٣٢٩
حن

كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
ـحن
وقدْ جعلَ على قرحةٍ خرجَتْ بهِ تراباً(١) .
وما رُوِيَ في تداويهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ وأمرِهِ بذلكَ خارجٌ عنٍ
الحصرِ ، وقدْ صُنِّفَ في ذلكَ كتابٌ وسُمِّيَ طبَّ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ
= ۔(٢)
وسلَّمَ (٢) .
وذكرَ بعضُ العلماءِ في الإسرائيلياتِ : أنَّ موسى عليهِ السلامُ اعتلَّ
بعلَّةٍ، فدخلَ عليهِ بنو إسرائيلَ ، فعرفوا علَّهُ ، فقالوا لهُ : لوْ تداويتَ
بكذا .. لبرئتَ ، فقالَ : لا أتداوىُ حتَّى يعافيَني هوَ مِنْ غيرِ دواءٍ ، فطالَتْ
علَّهُ، فقالوا لهُ : إنَّ دواءَ هذهِ العلَّةِ معروفٌ مجرَّبٌ، وإنَّا نتداوى بهِ
فنبرأُ ، فقالَ : لا أتداوى ، فدامَتْ علَّتُهُ، فأوحى اللهُ تعالىُ إليهِ: وعزَّتِي ؛
لا أبرئُكَ حتَّى تتداوى بما ذكروهُ لكَ، فقالَ لهُمْ : داووني بما ذكرتُمْ،
فداوَوهُ، فبراً ، فأوجسَ في نفسِهِ مِنْ ذلكَ ، فأوحى اللهُ تعالىُ إليهِ ، أردتَ
أنْ تبطلَ حكمتي بتوكُّلِكَ عليَّ؟! مَنْ أودعَ العقاقيرَ منافعَ الأشياءِ
غيري ؟!(٣) .
(١) فعند البخاري (٥٧٤٥)، ومسلم (٢١٩٤) واللفظ له ، عن عائشة رضي الله عنها :
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه أو كانت به قرحة أو
جرح .. قال النبي صلى الله عليه وسلم بإصبعه هكذا - ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم
رفعها -: (( باسم الله ، تربة أرضنا ، بريقة بعضنا؛ ليشفى به سقيمنا بإذن ربنا ».
(٢) وهما كتابان مشهوران بهذا الاسم، أحدهما للحافظ أبي بكر بن السني ، والثاني
للحافظ أبي نعيم الأصبهاني. ((إتحاف)) (٥١٩/٩).
(٣) قوت القلوب (٢١/٢) .
٣٣٠

ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
حر
ورُوِيَ في خبرٍ آخرَ : أنَّ نبيّاً مِنَ الأنبياءِ شكا علَّةً يجدُها، فأوحى اللهُ
تعالىُ إليهِ : كُلِ البيضَ (١)، وشكا نبيٌّ آخرُ الضعفَ، فأوحى اللهُ تعالى إليهِ :
كُلِ اللحمَ باللبنِ ؛ فإنَّ فيهِما القوَّةَ . قيلَ : هوَ الضعفُ عنِ الجماع (٢).
وقدْ رُويَ أنَّ قوماً شكَوا إلى نبيِّهِمْ قبحَ أولادِهِمْ، فأوحى اللهُ تعالى
إليهِ : مُرْهُمْ أنْ يطعموا نساءَهُمْ الحبالى السفرجلَ ؛ فإنَّهُ يحسنُ الولدُ ،
ويُفعلُ ذلكَ في الشهرِ الثالثِ والرابع ، إذْ فيهِ يُصوِّرُ اللهُ تعالى الولدَ ، وقدْ
كانوا يطعمونَ الحبلى السفرجلَ، والنفساءَ الرطبَ (٢).
فبهذا تبيَّنَ أنَّ مسبِّبَ الأسبابِ أجرىُ سنَّتَهُ بربطِ المسيَّبَاتِ بالأسباب
إظهاراً للحكمةِ ، والأدويةُ أسبابٌ مسخّرةٌ بحكمِ اللهِ تعالى كسائرِ الأسبابِ ،
فكما أنَّ الخبزَ دواءُ الجوع ، والماءَ دواءُ العطشِ .. فالسكنجبينُ دواءُ
الصفراءِ ، والسقمونيا دواءُ الإسهالِ ، لا يفارقُهُ إلا في أحدِ أمرينِ :
أحدُهُما : أنَّ معالجةَ الجوع والعطشِ بالماءِ والخبزِ جليٍّ واضحٌ يدركُهُ
كافةُ الناس ، ومعالجةُ الصفراءِ بالسكنجبينِ يدركُهُ بعضُ الخواصِّ ، فمَنْ
أدركَ ذلكَ بالتجربةِ .. التحقَ في حقُّه بالأوَّلِ .
ـيجـ
والثاني : أنَّ الدواءَ يسهلُ ، والسكنجبينُ يسكِّنُ الصفراءَ بشروطٍ أخرَ في
الباطنِ ، وأسبابٍ في المزاج ، ربَّما يتعذّرُ الوقوفُ على جميع شروطِها ،
(١) قوت القلوب (٢١/٢).
(٢) قوت القلوب (٢/ ٢٢).
٣٣١
كن ..
12
ھیے

كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
وربَّما يفوتُ بعضُ الشروطِ ، فيتقاعدُ الدواءُ عن الإسهالِ ، وأمَّا زوالُ
العطشِ .. فلا يستدعي - سوى الماء - شروطاً كثيرةً، وقدْ يتفقُ مِنَ
العوارضِ ما يُوجبُ دوامَ العطشِ معَ كثرةٍ شربِ الماءِ ، ولكنَّهُ نادرٌ .
واختلافُ الأسبابِ أبداً ينحصرُ في هذينِ الفَنَينِ ، وإلا .. فالمسبَّبُ يتلو
السببَ - لا محالةً - مهما تمَّتْ شروطُ السببِ، وكلُّ ذلكَ بتدبيرٍ مسبِّبٍ
الأسبابِ وتسخيرِهِ وترتيبِهِ بحكمٍ حكمتِهِ وكمالِ قدرتِهِ ، فلا يضرُّ المتوكل
استعمالُهُ مَعَ النظرِ إلى مسبَّبِ الأسبابِ دونَ الطبيبِ والدواءِ ، فقدْ رُوِيَ عنْ
موسى عليهِ السلامُ أنَّهُ قالَ : يا ربِّ؛ ممَّنِ الدواءُ والشفاءُ ؟ فقالَ تعالى :
مِنِّي ، قالَ : فما يصنعُ الأطباءُ ؟ قالَ : يأكلونَ أرزاقَهُمْ، ويطيِّبونَ نفوسَ
عبادي حتَّى يأتيَ شفائِي أَوْ قبضي (١).
CG
فإذاً ؛ معنى التوكلِ معَ التداوي التوكلُ بالعلمِ والحالِ كما سبقَ في فنونِ
الأعمالِ الدافعةِ للضررِ الجالبةِ للنفع، وأمَّا تركُ التداوي رأساً .. فليسَ
شرطاً فیهِ .
فإنْ قلتَ : فالكيُّ أيضاً مِنَ الأسبابِ الظاهرةِ النفعِ .
فأقولُ : ليسَ كذلكَ ؛ إذِ الأسبابُ الظاهرةُ مثلُ الفصدِ والحجامةِ وشربٍ
المسهلِ وسقي المبرداتِ للمحرورِ ، وأمَّا الكيُّ ؛ فلوْ كانَ مثلَها في
(١) قوت القلوب (٢٢/٢) .
٣٣٢
موز:

ربع المنجيات
حز
كتاب التوحيد والتوكل
الظهور .. لما خلتِ البلادُ الكثيرةُ عنهُ، وقلَّما يُعتادُ الكيُّ في أكثرِ البلادِ ،
وإنَّما ذلكَ عادةُ بعضِ الأتراكِ والأعرابِ ، فهوَ مِنَ الأسبابِ الموهومةِ
كالرَّقْي(١) ، إلا أنَّهُ يتميَّزُ عنهُ بأمرٍ ، وهوَ أنَّهُ إحراقٌ بالنارِ في الحالِ معَ
الاستغناءِ عنهُ، فإنَّهُ ما مِنْ وجع يُعالجُ بالكيِّ إلا ولهُ دواءٌ يغني عنهُ ليسَ فيهِ
إحراقٌ ، فالإحراقُ بالنارِ جرحٌ مخرِّبٌ للبنيةِ ، محذورُ السرايةِ ، معَ
الاستغناءِ عنهُ، بخلافِ الفصدِ والحجامةِ ، فإنَّ سرايتَهُما بعيدةٌ ، ولا يسدُّ
مسدَّهُما غيرُهما .
ولذلكَ نهى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنِ الكيِّ دونَ الرَّقْيِ، وكلُّ
واحدٍ منهُما بعيدٌ عنِ التوكلِ(٢).
ورُوِيَ أنَّ عمرانَ بنَ الحصينِ اعتلَّ ، فأشاروا عليهِ بالكيِّ ، فامتنعَ ، فلمْ
يزالوا بهِ ، وعزمَ عليهِ الأميرُ حتَّى اكتوى ، فكانَ يقولُ : ( كنتُ أرى نوراً
وأسمعُ صوتاً ، وتسلِّمُ عليَّ الملائكةُ، فلما اكتويتُ .. انقطعَ ذلكَ
عنّي )(٣)، وكانَ يقولُ: (اكتوينا كيَّاتٍ، فواللهِ؛ ما أفلحنّ ولا أنجحنَ)(٤)،
(١) مصدر، يقال: رقاه رَقْياً ورُقِياً، وعند الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٥٢٠/٩)
جعله جمع رقية ، فهو الرُّقى .
(٢) رواه البخاري (٥٦٨٠) ولفظه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: (( الشفاء
في ثلاثة : شربة عسل ، وشرطة محجم ، وكية نار ، وأنهى أمتي عن الكي)).
(٣) كذا في ((القوت)) (٢٢/٢)، والسياق عنده، ورواه بنحوه أحمد في ((المسند))
( ٤ / ٤٢٧ ) .
(٤) رواه أبو داوود (٣٨٦٥) .
٣٣٣

كتاب التوحيد والتوكل
حمـ
ربع المنجيات
حر
دن
ثمَّ تابَ مِنْ ذلكَ وأنابَ إلى اللهِ تعالى، فردَّ اللهُ تعالىُ عليهِ ما كانَ يجدُ مِنْ
أمرِ الملائكةِ .
وقالَ لمطرفِ بنِ عبدِ اللهِ : ( ألمْ ترَ إلى الكرامةِ التي كانَ أكرمَني اللهُ
بها ، قدْ ردَّها عليَّ)، بعدَ أنْ كانَ أخبرَهُ بفقدِها(١) .
فإذاً؛ الكيُّ وما يجري مجراهُ هوَ الذي لا يليقُ بالمتوكلِ ؛ لأنَّهُ يحتاجُ
في استنباطِهِ إلى تدبيرٍ ، ثمَّ هوَ موهومٌ ، فيدلُّ ذلكَ على شدَّةِ ملاحظةٍ
الأسباب وعلى التعمُّقِ فيها ، واللهُ أعلمُ .
(١) كذا في ((القوت)) (٢٢/٢).
eG
حن
٣٣٤
بجن : :٠٠

-.-
ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
بيان أن ترك الشّداوي قد محمَّد في بعض الأحوال
ويدل على قوّة التّكَل، وأن ذلك لا يناقض فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم
اعلمْ : أنَّ الذينَ تداوَوا مِنَ السلفِ لا ينحصرونَ ، ولكنْ قدْ تركَ
التداويَ أيضاً جماعةٌ مِنَ الأكابرِ ، فربَّما يُظنُّ أنَّ ذلكَ نقصانٌ ؛ لأنَّهُ لوْ كانَ
كمالاً .. لتركَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ؛ إذْ لا يكونُ حالُ غيرِهِ في
التوكلِ أكملَ مِنْ حالِهِ .
وقدْ رُوِيّ عنْ أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قيلَ لهُ في مرضِهِ : لو دعونا لكَ
طبيباً ؟ فقالَ : الطبيبُ قدْ نظرَ إليَّ وقالَ: إنِّي فعَّالٌ لما أريدُ (١).
وقيلَ لأبي الدرداءِ في مرضِهِ : ما تشتكي ؟ قالَ : ذنوبي ، قيلَ : فما
تشتهي ؟ قالَ : مغفرةَ ربِّي، قالوا : ألا ندعو لكَ طبيباً ؟ قالَ : الطبيبُ
أمرضَني(٢) .
وقيلَ لأبي ذرّ وقدْ رمدَتْ عيناهُ : لوْ داويتَهُما ، قالَ : إنِّي عنهُما
مشغولٌ ، فقيلَ : لوْ سألتَ اللهَ تعالى أنْ يعافيَكَ، فقالَ : أسألُهُ فيما هوَ أهمُّ
عليَّ منْهُما (٣).
٠١٩ ٠٫
(١) كذا في ((القوت)) (٢٣/٢)، ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤/١).
(٢)
كذا فى ((القوت)) (٢٣/٢)، ورواه أبو نعيم فى ((الحلية)) (٢١٨/١).
(٣) قوت القلوب (٢٣/٢).
٣٣٥
حج بدن
حج جن حة
جر
---

كتاب التوحيد والتوكل
ـحر
ربع المنجيات
وكانَ الربيعُ بنُ خُثيمٍ أصابَهُ فالجٌ ، فقيلَ لهُ : لوْ تداويتَ ، فقالَ : قَدْ
هممتُ ثمَّ ذكرتُ عاداً وثمودَ وأصحابَ الرسِّ وقروناً بينَ ذلكَ كثيراً ، وكانَ
فيهمُ الأطباءُ ، فهلكَ المداوَى والمداوِي، ولمْ تغْنِ الرُّقَى شيئاً(١).
وكانَ أحمدُ ابنُ حنبلٍ يقولُ : ( أحبُّ لمَنِ اعتقدَ التوكلَ وسلكَ هذا
الطريقَ تركَ التداوي مِنْ شربِ الدواءِ وغيرِهٍ )(٢)، وكانَ بهِ عللٌ ، فلا يخبرُ
المتطبِّبَ بها أيضاً إذا سألَهُ(٣).
وقيلَ لسهلٍ : متى يصحُّ للعبدِ التوكلُ ؟ قالَ : إذا دخلَ عليهِ الضرّ في
جسمِهِ والنقصُ في مالِهِ .. فلمْ يلتفتْ إليهِ شغلاً بحالِهِ ، وينظرُ إلى قيام اللهِ
تعالى عليه(٤) .
فإذاً؛ منهُمْ مَنْ تركَ التداويَ وراءَهُ، ومنهُمْ مَنْ كرهَهُ ، ولا يتضحُ وجهُ
الجمع بينَ فعلِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأفعالِهِمْ إلا بحصرِ الصوارفِ
عنِ التداوي ، فنقولُ : إنَّ لتركِ التداوي أسباباً :
السببُ الأوَّلُ : أَنْ يكونَ المريضُ مِنَ المكاشَفِينَ، وقدْ كُوشفَ بأنَّهُ
:39-
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٣٦٧٠٧).
(٢) قوت القلوب (٢٢/٢).
ـدة
2.
كذا في ((القوت)). ((إتحاف)) (٩/ ٥٢٢)، والمتطبب : متعاطي علم الطب وقد
(٣)
لا يعرفه معرفة جيدة .
(٤) قوت القلوب (٢٣/٢) .
٣٣٦
١٠

ربع المنجيات
ـكن
كتاب التوحيد والتوكل
انتهى أجلُهُ، وأنَّ الدواءَ لا ينفعُهُ، ويكونُ ذلكَ معلوماً عندَهُ تارةً برؤيا
صادقةٍ ، وتارةً بحدسٍ وظنٍّ، وتارةً بكشفٍ محقَّقٍ ، ويشبهُ أنْ يكونَ تركُ
الصدِّيقِ رضيَ اللهُ عنهُ التداويَ مِنْ هُذا السببِ ؛ فإنَّهُ كانَ مِنَ المكاشَفينَ ،
فإنَّهُ قَالَ لعائشةَ رضيَ اللهُ عنها في أمرِ الميراثِ : ( إنَّما هُنَّ أختاكِ ) ،
وما كانَ لها إلا أختٌ واحدة، ولكنْ كانَتِ امرأتُهُ حاملاً، فولدَتْ أنثى (١)،
فَعُلِمَ أنَّهُ كانَ قدْ كُوشفَ بأنَّها حاملٌ بأنثى ، فلا يبعدُ أنْ يكونَ قدْ كُوشفَ
أيضاً بانتهاءِ أجلِهِ ، وإلا .. فلا يُظنُّ بهِ إنكارُ التداوي وقدْ شاهدَ رسولَ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تداوى وأمرَ بهِ .
20.
ـه
السببُ الثاني : أنْ يكونَ المريضُ مشغولاً بحالِهِ وبخوفِ عاقبتِهِ
واطلاع اللهِ تعالى عليهِ ، فينسيهِ ذلكَ ألمَ المرض ، فلا يتفرَّغُ قلبُهُ للتداوي ؛
شغلاً بحالِهِ ، وعليهِ يدلُّ كلامُ أبي ذرٍّ إذْ قالَ : ( إنِّي عنهُما مشغولٌ ) ،
وكلامُ أبي الدرداءِ إِذْ قالَ : ( إنَّما أشتكي ذنوبي)، فكانَ تألُّمُ قلبهِ خوفاً مِنْ
ذنوبِهِ أكثرَ مِنْ تألّمٍ بدِهِ بالمرضِ ، ويكونُ هذا كالمصابِ بموتِ عزيزٍ مِنْ
أعزَّتِهِ ، أوْ كالخائفِ الذي يُحملُ إلى ملكٍ مِنَ الملوكِ ليُقتلَ، إذا قيلَ لهُ :
ألا تأكلُ وأنتَ جائعٌ؟ فيقولُ : أنا مشغولٌ عنْ ألم الجوع ، فلا يكونُ ذلكَ
إنكاراً لكونِ الخبزِ نافعاً مِنَ الجوع ، ولا طعناً فيمَنْ أكلَ .
2
(١) رواه مالك في ((الموطأ)) (٧٥٢/٢).
٨ -
٣٣٧
حم

كتاب التوحيد والتوكل
حز
ربع المنجيات
ويقربُ مِنْ هذا اشتغالُ سهلٍ رضيَ اللهُ عنهُ حيثُ قيلَ لهُ : ما القوتُ ؟
فقالَ : هوَ الحيُّ القيُّومُ، فقيلَ: إنَّما سألناكَ عنِ القوام، فقالَ : القوامُ هوَ
العلمُ، قيلَ : سألناكَ عنِ الغذاءِ ، قالَ : الغذاءُ هوَ الذكرُ ، قيلَ: سألناكَ
عنْ طعمةِ الجسدِ ، قالَ : ما لكَ وللجسدِ ؟! دعْ مَنْ تولاهُ أَوَّلاً يتولاهُ
آخراً ، إذا دخلَ عليهِ علةٌ .. فردُّهُ إلى صانعِهِ ، أما رأيتَ الصنعةَ إذا عابَتْ ..
ردُّوها إلى صانعِها حتَّى يصلحَها ؟(١)
السببُ الثالث : أنْ تكونَ العلَّةُ مزمنةً والدواءُ الذي يُؤمرُ بهِ بالإضافةِ إلى
عَلَّتِهِ موهومُ النفع ، جارٍ مجرى الكيِّ والرقيةِ ، فيتركُهُ المتوكلُ ، وإليهِ يشيرُ
قولُ الربيعِ بنِ خُثيمٍ إِذْ قالَ : ( ذكرتُ عاداً وثمودَ وفِيهِمُ الأطباءُ ، فهلكَ
المداوَى والمداوِي ) أيْ : إنَّ الدواءَ غيرُ موثوقٍ بهِ ، وهذا قد يكونُ كذلكَ
في نفسِهِ ، وقَدْ يكونُ عندَ المريضِ كذلكَ لقلَّةِ ممارستِهِ للطبِّ ، وقلَّةِ
تجربتِهِ لهُ ، فلا يغلبُ على ظنِّهِ كونُهُ نافعاً ، ولا شكّ في أنَّ الطبيبَ
المجرِّبَ أشدُّ اعتقاداً في الأدويةِ مِنْ غيرِهِ ، فتكونُ الثقةُ والظنُّ بحسبٍ
الاعتقادِ ، والاعتقادُ بحسَبِ التجربةِ .
وأكثرُ مَنْ ترِكَ التداويَ مِنَ العِبَّادِ والزهَّادِ هذا مستندُهُمْ ؛ لأنَّهُ يبقى
الدواءُ عندَهُ شيئاً موهوماً لا أصلَ لهُ ، وذلكَ صحيحٌ في بعضِ الأدويةِ عندَ
-
(١) قوت القلوب (١٩/٢).
٣٣٨

ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
مَنْ عرفَ صناعةَ الطبِّ ، غيرُ صحيحٍ في البعضِ ، ولكنْ غيرُ الطبيبِ قدْ
ينظرُ إلى الكلِّ نظراً واحداً ، فيرى التداويَ تعمُّقاً في الأسبابِ كالكيِّ
والرَّقْ ، فيتركُهُ توكلاً .
X
حن
السببُ الرابعُ : أَنْ يقصدَ العبدُ بتركِ التداوي استبقاءَ المرضِ ؛ لينالَ
ثوابَ المرضِ بحسنِ الصبرِ على بلاءِ اللهِ تعالىُ، أَوْ ليجرِّبَ نفسَهُ في القدرةِ
على الصبرِ ، فقدْ وردَ في ثوابِ المرضِ ما يكثرُ ذكرُهُ، فقدْ قَالَ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ : ((نحنُ معاشرَ الأنبياءِ أشدُّ الناسِ بلاءً ، ثمَّ الأمثلُ فالأمثلُ ،
يُبتلى العبدُ على قدْرِ إيمانِهِ، فإنْ كانَ صلبَ الإيمانِ .. شُدِّدَ عليهِ البلاءُ،
وإنْ كانَ في إيمانِهِ ضعفٌ .. خُفْفَ عنهُ البلاءُ)) (١).
وفي الخبرِ: (( إنَّ اللهَ تعالى يجرِّبُ عبدَهُ بالبلاءِ كما يجرِّبُ أحدُكُمْ ذهبَهُ
بالنارِ ، فمنهُمْ مَنْ يخرجُ كالذهبِ الإبريزِ، ومنهُمْ دونَ ذلكَ ، ومنهُمْ مَنْ
يخرجُ أسودَ محترقاً))(٢).
وفي حديثٍ مِنْ طريقِ أهلِ البيتِ : ((إنَّ اللهَ تعالى إذا أحبَّ عبداً ..
(١) كذا في ((القوت)) (٢٤/٢)، ورواه بنحوه الترمذي ( ٢٣٩٨)، وابن ماجه
( ٤٠٢٣ ).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((المرض والكفارات)) (٢٧)، والطبراني في (( الكبير))
(١٦٦/٨ ) .
٣٣٩
ـور

كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
ابتلاهُ، فإنْ صبرَ .. اجتباهُ، فإنْ رضيَ .. اصطفاهُ))(١)
٠
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( تحبونَ أنْ تكونوا كالحمرِ الصيَّالِةِ
لا تمرضونَ ولا تسقمونَ ؟! )»(٢)
وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ( تجدُ المؤمنَ أصحَّ شيءٍ قلباً وأمرضَهُ
جسماً، وتجدُ المنافقَ أصحَّ شيءٍ جسماً وأمرضَهُ قلباً)(٣) .
فلمَّا عظُمَ الثناءُ على المرضِ والبلاءِ .. أحبَّ قومٌ المرضَ واغتنموهُ ؛
لينالوا ثوابَ الصبرِ عليهِ، فكانَ فيهِمْ مَنْ لهُ علَّةٌ يخفيها ولا يذكرُها
للطبيبٍ ، ويقاسي العلَّةَ، ويرضىُ بحكم اللهِ تعالى، ويعلمُ أنَّ الحقَّ أغلبُ
على قلبهِ مِنْ أَنْ يشغلَهُ المرضُ عنهُ، وإنَّما يمنعُ المرضُ جوارحَهُ ، وعلموا
أنَّ صلاتَهُمْ قعوداً مثلاً معَ الصبرِ على قضاءِ اللهِ تعالى أفضلُ مِنَ الصلاةِ قياماً
معَ العافيةِ والصحةِ، ففي الخبرِ : ((إنَّ اللهَ تعالى يقولُ لملائكتِهِ : اكتبوا
لعبدي صالحَ ما كانَ يعملُ ؛ فإنَّهُ في وثاقي، إنْ أطلقتُهُ .. أبدلتُهُ لحماً خيراً
وتى.
(١) كذا في ((القوت)) (٢٥/٢)، وبنحوه رواه ابن أبي الدنيا في ((المرض والكفارات))
(٢٥٤)، وبلفظه ذكره صاحب ((الفردوس)) (٩٧١) من حديث علي رضي الله عنه.
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٤/٢)، ورواه الروياني في « مسنده)) (١٥٤٤) ، وبنحوه
البيهقي في ((الشعب)) ( ٩٣٩٣)، وقال: ( وسألت عنه - الحمر الصيالة - بعض أهل
الأدب ، فزعم أنه أراد حمر الوحش التي تصول ، وهو أصح الحيوانات جسماً ،
وأقيمت الياء مقام الواو ) .
(٣) رواه أحمد في ((الزهد)) (٩٠٤).
٣٤٠