النص المفهرس
صفحات 301-320
ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل مِنَ اليومِ إلى غدٍ فرجٌ، ونحنُ الآنَ جائعونَ ، فبادروا إلى الغلمانِ فَآذوهُمْ وأخذوا الرغيفينِ ، فسبقَتِ العقوبةُ إليهِمْ في الميعادِ المذكورِ ، فندموا ولمْ ينفعْهُمُ الندمُ . وقسمٌ تركوا التعلُّقَ بالغلمانِ خوفَ العقوبةِ ، ولكنْ أخذوا رغيفينِ لغلبةٍ الجوع ، فسلموا مِنَ العقوبةِ ، وما فازوا بالخلعةِ . وقسمٌ قالوا : إنَّا نجلسُ بمرأىٌ مِنَ الغلمانِ حتَّى لا يخطئونا، ولكنَّا لا نأخذُ إذا أعطونا إلا رغيفاً واحداً ، ونقنعُ بهِ ، فلعلَّنا نفوزُ بالخلعةِ ، ففازوا بها . وقسمٌ رابعٌ اختفَوا في زوايا الميدانِ ، وانحرفوا عنْ مرأى أعينِ الغلمانِ ، وقالوا : إن اتبعونا وأعطّونا .. قنعنا برغيفٍ واحدٍ ، وإنْ أخطؤونا .. قاسينا شدَّةَ الجوع الليلةَ، فلعلَّنا نقوى على تركِ التسخُّط ، فتنالَ رتبةَ الوزارةِ ودرجةَ القربِ عندَ الملكِ ، فما نفعَهُمْ ذلكَ ؛ إذْ تبعَهُمُ الغلمانُ في كلِّ زاويةٍ وأعطَوا كلَّ واحدٍ رغيفاً واحداً ، وجرى مثلُ ذلكَ أياماً ، حتَّى اتفقَ على الندورِ أنِ اختفى ثلاثةٌ في زاويةٍ ولمْ تقعْ عليهِمْ أبصارُ الغلمانِ ، وشغلَهُمْ شغلٌ صارفٌ عنْ طولِ التفتيشِ ، فباتوا في جوع شديدٍ ، فقالَ اثنانِ منهُمْ : ليتَنَا تعرَّضنا للغلمانِ وأخذنا طعامَنا ، فلسنا نطيقُ الصبرَ ، وسكتَ الثالثُ إلى الصباحِ ، فنالَ درجةَ القربِ والوزارةِ . فههذا مثالُ الخلقِ ، فالميدانُ هوَ الحياةُ الدنيا ، وبابُ الميدانِ الموتُ ، ٣٠١ كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات والميعادُ المجهولُ يومَ القيامةِ ، والوعدُ بالوزارةِ هوَ الوعدُ بالشهادةِ للمتوكلِ إذا ماتَ جائعاً راضياً مِنْ غيرِ تأخيرِ ذلكَ إلى ميعادِ القيامةِ ؛ لأنَّ الشهداءَ أحياءٌ عندَ ربِّهِمْ يُرزقونَ ، والمتعلّقُ بالغلمانِ هوَ المتعدِّي في الأسبابِ ، والغلمانُ المسخَّرونَ هُمُ الأسبابُ ، والجالسُ في ظاهرِ الميدانِ بمرأى الغلمانِ هُمُ المقيمونَ في الأمصارِ في الرباطاتِ والمساجدِ على هيئةٍ السكونِ ، والمختفونَ في الزوايا هُمُ السائحونَ في البوادي على هيئةٍ التوكلِ ، والأسبابُ تتبعُهُمْ، والرزقُ يأتيهِمْ إلا على سبيلِ الندورِ ، فإنّ ماتَ واحدٌ منهُمْ جائعاً راضياً .. فلهُ الشهادةُ والقربُ مِنَ اللهِ تعالى. وقدِ انقسمَ الخلقُ إلى هذهِ الأقسام الأربعةِ ، فلعلَّ مِنْ كلِّ مئةٍ تعلَّقَ بالأسبابِ تسعونَ ، وأقامَ سبعةٌ مِنَ العشرةِ الباقيةِ في الأمصارِ متعرِّضينَ للسببٍ بمجرَّدِ حضورِهِمْ واشتهارِهِمْ، وساحَ في البوادي ثلاثةٌ، وتسخَّطَ منهُمُ اثنانِ ، وفازَ بالقربِ واحدٌ، ولعلَّهُ كذلكَ كانَ في الأعصارِ السالفةِ ، وأمَّا الآنَ .. فالتاركُ للأسبابِ لا ينتهي إلى واحدٍ مِنْ عشرةِ آلافٍ . ٣٠٢ ربع المنجيات ہے كتاب التوحيد والتوكل الفنّ الثّاني: في الشعرض لأسباب الادخار فمَنْ حصلَ لهُ مالٌ بإرثٍ أوْ كسبٍ أوْ سؤالٍ أوْ سببٍ مِنَ الأسبابِ .. فلهُ في ادخارِهِ ثلاثةُ أحوالٍ : الحالةُ الأولى : أنْ يأخذَ قَدْرَ حاجتِهِ في الوقتِ ، فيأكلَ إنْ كانَ جائعاً ، ويلبسَ إنْ كانَ عارياً ، ويشتريَ مسكناً مختصراً إنْ كانَ محتاجاً ، ويفرِّقَ الباقيَ في الحالِ ، ولا يأخذُ ولا يدَّخرُ إلا القدرَ الذي يدركُ بهِ منْ يستحقُّهُ ويحتاجُ إليهِ ، فيدخرُهُ على هذهِ النيّةِ ، فهذا هوَ الوفاءُ بموجَبِ التوكلِ تحقيقاً ، وهيَ الدرجةُ العليا . حن جن حة حن الحالةُ الثانيةُ المقابلةُ لهذهِ ، المخرجةُ لهُ عنْ حدودِ التوكلِ : أنْ يدخرَ لسنةٍ فما فوقَها ، فهذا ليسَ مِنَ المتوكلينَ أصلاً، وقدْ قيلَ: ( لا يدخرُ مِنَ الحيواناتِ إلا ثلاثةٌ: الفأرةُ، والنملةُ، وابنُ آدمَ)(١). الحالةُ الثالثةُ : أنْ يدخرَ لأربعينَ يوماً فما دونَها ، فهذا هلَّ يوجبُ حرمانَهُ عنِ المقام المحمودِ الموعودِ في الآخرةِ للمتوكلينَ ؟ اختلفوا فيهِ : فذهبَ سهلٌ إلى أنَّهُ يخرجُ عنْ حدِّ التوكلِ ، وذهبَ الخوَّاصُ إلى أنَّهُ لا يخرجُ بأربعينَ يوماً ، ويخرجُ بما يزيدُ على الأربعينِ. (١) قوت القلوب (٤/٢). ٣٠٣ كتاب التوحيد والتوكل جــ: ربع المنجيات جـرو وقالَ أبو طالبِ المكيُّ : لا يخرجُ عنْ حدِّ التوكلِ بالزيادةِ على الأربعينَ أيضاً(١). وهذا اختلافٌ لا معنى لهُ بعدَ تجويزِ أصلِ الادخارِ ، نعمْ ، يجوزُ أنْ يظنَّ ظانٌّ أنَّ أصلَ الادخارِ يناقضُ التوكلَ، فأمَّا التقديرُ بعدَ ذلكَ .. فلا مدركَ لهُ، وكلُّ ثوابٍ موعودٍ على رتبةٍ فإنَّهُ يتوزعُ على تلكَ الرتبةِ وتلكَ الرتبةُ لها بدايةٌ ونهايةٌ ، ويُسمَّى أصحابُ النهاياتِ السابقينَ، وأصحابُ البداياتِ أصحابَ اليمينِ ، ثمَّ أصحابُ اليمينِ أيضاً على درجاتٍ ، وكذلكَ السابقونَ ، وأعالي درجاتِ أصحابِ اليمينِ تلاصقُ أسافلَ درجاتٍ السابقينَ ، فلا معنى للتقديرِ في مثلِ هذا . بلِ التحقيقُ : أَنَّ الْتوكلَ بتركِ الادخارِ لا يتمُّ إلا بقصرِ الأملِ ، وأَمَّا عدمُ أمل البقاءِ .. فيبعدُ اشتراطُهُ ولوْ فِي نَفَسٍ ؛ فإنَّ ذلك كالممتنع وجودُهُ ، وأمَّا الناسُ .. فمتفاوتونَ في طولِ الأملِ وقصرِهِ ، وأقلُّ درجاتِ الأملِ يومٌ وليلةٌ فما دونَهُ مِنَ الساعاتِ ، وأقصاهُ ما يُتصوَّرُ أنْ يكونَ عمرَ الإنسانِ ، وبينَهُما درجاتٌ لا حصرَ لها ، فمَنْ لمْ يؤمِّلْ أكثرَ مِنْ شهرٍ أقربُ إلى المقصودِ ممَّنْ يؤمِّلُ سنةً، وتقييدُهُ بأربعينَ لأجلِ ميعادٍ موسىُ عليهِ السلامُ بعيدٌ ؛ فإنَّ تلكَ الواقعةَ ما قُصِدَ بها بيانُ مقدارِ ما يُرخّصُ الأملُ فيهِ ، ولكنِ استحقاقُ موسى النيلِ الموعودِ كانَ لا يتمُّ إلا بعدَ أربعينَ يوماً لسرٍّ جرتْ بهِ (١) قوت القلوب (٢٠/٢)، وقد نقل كلام سهل والخواص. ٣٠٤ ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل وبأمثالِهِ سنَّةُ اللهِ تعالى في تدريج الأمورِ ، كما قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : ( إنَّ اللهَ خِمَّرَ طينةَ آدَمَ بيدِهِ أربعينَ صباحاً)(١) لأنَّ استحقاقَ تلكَ الطينةِ للتخميرِ كانَ موقوفاً على مدَّةٍ مبلغُها ما ذُكِرَ . فإذاً؛ ما وراءَ السنةِ لا يُدَّخرُ لهُ إلا بحكمٍ ضعفِ القلبِ ، والركونِ إلى ظاهرِ الأسبابِ ، فهوَ خارجٌ عن مقامِ التوكلِ ، غيرُ واثقٍ بإحاطةِ التدبيرِ مِنَ الوكيلِ الحقِّ بخفايا الأسبابِ ، فإنَّ أسبابَ الدخلِ في الارتفاعاتِ والزكواتِ تتكرَّرُ بتكرّرِ السنينَ غالباً، ومَنِ ادَّخرَ لأقلَّ مِنْ سنةٍ .. فلهُ درجةٌ بحسبٍ قصرِ أملِهِ، ومَنْ كانَ أملُهُ شهرينٍ .. لمْ تكنْ درجتُهُ كدرجةٍ مَنْ أمَّلَ شهراً ، ولا درجةٍ مَنْ أمَّلَ ثلاثةَ أشهرٍ ، بلْ هوَ بينَهُما في الرتبةِ . ولا يمنعُ مِنَ الادخارِ إلا قصرُ الأملِ، فالأفضلُ ألا يذَّخرَ أصلاً ، فإنْ ضعُفَ قلبُهُ؛ فكلّما قلَّ ادخارُهُ .. كانَ فضلُهُ أكثرَ، وقدْ رُوِيَ في الفقيرِ الذي أمرَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عليّاً كرَّمَ اللهُ وجهَهُ وأسامةَ أنْ يغسلاهُ فغسَّلاهُ وكفَّناهُ ببردتِهِ ، فلمَّا دفنَهُ .. قالَ لأصحابِهِ: ((إنَّهُ يُبعثُ يومَ القيامةِ ووجهُهُ كالقمرِ ليلةَ البدرِ ، ولولا خصلةٌ كانَتْ فيهِ .. لبُعثَ ووجهُهُ كالشمسِ الضاحيةِ))، قلنا: وما هيَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: (( كانَ صوَّاماً قوَّاماً كثيرَ (١) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) (١٠/١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦٣/٨)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) (ص٣٠٩) موقوفاً على سلمان أو ابن مسعود رضي الله عنهما، ووقع في بعض النسخ عدم رفع الحديث ، قال البيهقي عقب روايته . ( وروي ذلك من وجه آخر ضعيف عن التيمي مرفوعاً ، وليس بشيء ) . .22 ٣٠٥ كتاب التوحيد والتوكل ـرومي ربع المنجيات الذكرِ اللهِ تعالى، غيرَ أنَّهُ كانَ إذا جاءَةُ الشتاءُ .. ادَّخرَ حُلَّةَ الصيفِ لصيفِهِ ، وإذا جاءَ الصيفُ .. اذَّخرَ حلَّةَ الشتاءِ لشتائِهِ))، ثمَّ قَالَ: «مِنْ أَقلِّ ما أُوتِيتُمُ اليقينُ وعزيمةُ الصبرِ ... )) الحديثَ(١). وليسَ الكوزُ والشفرةُ وما يُحتاجُ إليهِ على الدوام في معنى ذلكَ ، فادخارُهُ لا ينقصُ الدرجةَ، وأمّا ثوبُ الشتاءِ .. فلا يُحتاجُ إليهِ في الصيفِ، وهذا في حقِّ مَنْ لا ينزعجُ قلبُهُ بتركِ الادخارِ ، ولا تستشرفُ نفسُهُ إلى أيدي الخلقِ ، بلْ لا يلتفتُ قلبُهُ إلا إلى الوكيلِ الحقِّ . فإنْ كانَ يستشعرُ في نفسِهِ اضطراباً يشغلُ قلبَهُ عنِ العبادةِ والذكرِ والفكرِ .. فالادخارُ لهُ أولى، بلْ لوْ أمسكَ ضيعةً يكونُ دخلُها وافياً بقدْر كفايتِهِ ، وكانَ لا يتفرَّغُ قلبُهُ إلا بهِ .. فذلكَ لهُ أولى؛ لأنَّ المقصودَ إصلاحُ القلوبِ لتتجرَّدَ لذكرِ اللهِ تعالى ، وربَّ شخصٍ يشغلُهُ وجودُ المالِ وربَّ شخصٍ يشغلُهُ عدمُهُ، والمحذورُ ما يشغلُ عنِ اللهِ تعالى ، وإلا .. فالدنيا في عينِها غيرُ محذورةٍ ، لا وجودُها ولا عدمُها . ولذلكَ بُعثَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى أصنافِ الخلقِ ، وفيهِمُ التجارُ والمحترفونَ وأهلُ الحرفِ والصناعاتِ ، فلمْ يأمرِ التاجرَ بتركٍ تجارتِهِ ، ولا المحترفَ بتركِ حرفتِهِ ، ولا أمرَ التاركَ لهُما بالاشتغالِ بهِما ، كن (١) قال الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (٥٠٣/٩): ( رواه صاحب ((القوت)) بسنده إلى شهر بن حوشب عن أبي أمامة رضي الله عنه ) . حة ٣٠٦ ربع المنجيات حر كتاب التوحيد والتوكل بلْ دعا الكلَّ إلى اللهِ تعالى، وأرشدَهُمْ إلى أنَّ فوزَهُمْ ونجاتَهُمْ في انصرافِ قلوبِهِمْ عنِ الدنيا إلى اللهِ تعالى، وعمدةُ الاشتغالِ باللهِ عزَّ وجلَّ القلبُ ، فصوابُ الضعيفِ ادخارُ قدْرِ حاجتِهِ ، كما أنَّ صوابَ القويِّ تركُ الادخار ، وهذا كلُّهُ حكمُ المنفردِ . فأمَّا المعيلُ .. فلا يخرجُ عنْ حدِّ التوكلِ بادخارِ قوتِ سنةٍ لعيالِهِ ؛ جبراً الضعفِهِمْ، وتسكيناً لقلوبِهِمْ، وادخارُ أكثرَ مِنْ ذلكَ مبطلٌ للتوكلِ ؛ لأنَّ الأسبابَ تتكرَّرُ عندَ تكوُّرِ السنينَ ، فادخارُ ما يزيدُ عليهِ مصدرُهُ ضعفُ قلبهِ ، وذلكَ يناقضُ قوَّةَ التوكلِ ، فالمتوكلُ عبارةٌ عنْ موحدٍ قويٍّ القلبِ ، مطمئنٌّ النفسِ إلى فضْلِ اللهِ تعالىُ ، واثقٍ بتدبيرِهِ دونَ وجودِ الأسبابِ الظاهرة . عيم ٠٠٠٠٠ ٨٠ وقدٍ ادخرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعيالِهِ قوتَ سنةٍ (١) ، ونهى أمّ أيمنَ وغيرَها أنْ تدَّخِرَ لهُ شيئاً لغدٍ (٢) ، ونهى بلالاً عنِ الادخارِ في كسرة خبزٍ ادخرَها ليفطرَ عليها، فقالَ: ((أنفقْ بلالاً، ولا تخشَ مِنْ ذي العرش إقلالاً))(٣)، (١) كما في ((البخاري)) (٢٩٠٤)، و((مسلم)) (١٧٥٧) بلفظ: ( كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب ، فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، فكان ينفق على أهله نفقة سنة ، وما بقي يجعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله)، ولفظ الترمذي (١٧١٩): ( كان يعزل نفقة أهله سنة ) . (٢) قوت القلوب (٢٠/٢) . (٣) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٣٤١/١)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٨٠/٢) = ٣٠٧ حن من كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات وقالَ لهُ: ((إذا سُئلتَ .. فلا تمنعْ، وإذا أُعطيتَ .. فلا تخبِّىءٌ))(١) فالاقتداءُ بسيِّدِ المتوكلينَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . وقدْ كانَ قصُرَ أملُهُ بحيثُ كانَ إذا بالَ .. تيمَّمَ معَ قربِ الماءِ ، ويقولُ : ((ما يدريني، لعلِّي لا أبلغُهُ))(٢). ٥ وقدْ كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لوٍ ادَّخرَ .. لمْ ينقصْ ذلكَ مِنْ توكلِهِ ؛ إذْ كانَ لا يثقُ بما ادخرَهُ، ولكنَّهُ تركَهُ تعليماً للأقوياءِ مِنْ أمتِهِ ، فإنَّ أقوياءَ أمَّتِهِ ضعفاءُ بالإضافةِ إلى قوَّتِهِ وادَّخرَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ لعيالِهِ سنةً لا لضعفٍ قلبِ فيهِ وفي عيالِهِ ، ولكنْ ليسُنَّ ذلكَ للضعفاءِ مِنْ أمَّتِهِ ، ثمَّ أخبرَ أنَّ اللهَ تعالى يحبُّ أنْ تؤتى رخصُهُ كما يُحبُّ أنْ تُؤْتِى عزائمُهُ(٣)؛ تطبيباً لقلوبِ الضعفاءِ ، حتى لا ينتهيَ بهِمُ الضعفُ إلى اليأس والقنوطِ، فيتركونَ الميسورَ مِنَ الخيرِ عليهِمْ ؛ العجزِهِمْ عنْ منتهى الدرجاتِ ، فما أُرسلَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلا رحمةٌ للعالمينَ كلَّهِمْ ، على اختلافِ أصنافِهِمْ ودرجاتِهِمْ . وإذا فهمتَ هذا .. علمتَ أنَّ الدِّخارَ قدْ يضرُ بعضَ الناسِ وقدْ (٣٧٤/٦)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٢٨٣)، وكان المذَّخر صُبرة من تمر، لا كسرة خبز، وروايته بالبناء على الضم في ( بلال )، ومن نوَّنه ونصبه فلمناسبة ( إقلالاً ) له ، والمزاوجة في الكلام . (١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣١٦/٤). (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٢٩٢)، وأحمد في ((المسند)) (٢٨٨/١)، وابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)» ( ٧) . (٣) رواه أحمد في ((المسند)) (١٠٨/٢). ٣٠٨ ـكن . عمر شن ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل لا يضرُ، ويدلُّ عليهِ ما روى أبو أمامةَ الباهليُّ رضيَ اللهُ عنهُ: أنَّ بعضَ أصحابِ الصفَّةِ تُوفِّيَ، فما وُجدَ لهُ كفنٌ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( فَتِّشوا ثوبَهُ))، فوجدوا فيهِ دينارينِ في داخلٍ إزارِهِ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((كيَّانِ))(١) ، وقدْ كانَ غيرُهُ مِنَ المسلمينَ يموتُ ويخلِّفُ أموالاً ولا يقولُ ذلكَ في حقِّهِ ، وهذا يحتملُ وجهينٍ ؛ لأنَّ حالَهُ يحتملُ حالينِ : أحدهما : أنَّهُ أرادَ ( كيّتانِ ) مِنَ النارِ ؛ كما قالَ تعالى: ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾، وذلك إذا كانَ حالُهُ إظهارَ الزهدِ والفقرِ والتوكلٍ معَ الإفلاسِ عنهُ ، فهوَ نوعُ تلبيسٍ . والثاني : ألا يكونَ ذلكَ عنْ تلبيسٍ ، فيكونَ المعنيُّ بهِ النقصانَ عنْ درجةِ كمالِهِ ؛ كما ينقصُ مِنْ جمالِ الوجهِ أثرُ كيتينِ في الوجهِ ، وذلكَ لا يكونُ عنْ تلبيس، فإنَّ كلَّ ما يخلِّفُهُ الرجلُ فهوَ نقصانٌ عنْ درجتِهِ في الآخرةِ؛ إذْ لا يُؤتى أحدٌ مِنَ الدنيا شيئاً إلا نقصَ بقدرِهِ مِنَ الآخرةِ . وأمَّا بيانُ أنَّ الادخارَ معَ فراغِ القلبِ عنِ المدخرِ ليسَ مِنْ ضرورتِهِ بطلانُ التوكلِ .. فيشهدُ لهُ ما رُوِيَ عنْ بشرٍ ؛ قالَ الحسينُ المغازليُّ مِنْ أصحابِهِ : كنتُ عندَهُ ضحوةً مِنَ النهارِ ، فدخلَ رجلٌ كهلٌ أسمرُ خفيفُ العارضينِ ، فقامَ إليهِ بشرٌ، قالَ : وما رأيتُهُ قامَ لأحدٍ غيرِهِ ، قالَ : ودفعَ إليَّ كفّاً مِنْ دراهمَ وقالَ : اشترِ لنا مِنْ أجودِ ما تقدرُ عليهِ مِنَ الطعام الطيِّبِ ، وما قالَ ـسـ (١) رواه أحمد فى ((المسند)) (٢٥٣/٥). ٣٠٩ حن كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات ـو G ٥ لى قطُّ مثلَ ذلكَ. قالَ : فجئتُ بالطعام ، فوضعتُهُ، فأكلَ معَهُ وما رأيتُهُ أكلَ معَ غيرِهِ ، قالَ: فأكلنا حاجتنا ، وبقيَ مِنَ الطعام شيءٌ كثيرٌ ، فأخذَهُ الرجلُ وجمعَهُ في ثوبِهِ وحملَهُ معهُ وانصرفَ ، فعجبتُ مِنْ ذلكَ وكرهتُهُ لهُ ، فقالَ لي بشرٌ : لعلَّكَ أنكرتَ فعلَهُ؟ قلتُ: نعمْ ، أخذَ بقيَّةَ الطعامِ مِنْ غيرِ إذنٍ ، فقالَ : ذاكَ أخونا فتحٌ الموصليُّ ، زارَنا اليومَ مِنَ الموصلِ ، وإنَّما أرادَ أنْ يعلِّمنا أنَّ التوكلَ إذا صحَّ .. لمْ يضرَّ معَهُ الادخارُ(١). (١) قوت القلوب (١٩/٢). ٣١٠ ربع المنجيات 57 .55 ح كتاب التوحيد والتوكل ـون القرن الثالث: في مباشرة الأسباب الدافعة للضّرر المعرضِ للخوف (١) اعلمْ : أنَّ الضررَ قدْ يعرضُ للخوفِ في نفسٍ أوْ مالٍ ، وليسَ من شرطِ التوكلِ تركُ الأسبابِ الدافعةِ رأساً ، أمَّا في النفسِ .. فكالنوم في الأرضِ المَسْبَعَةِ (٢) ، أَوْ في مجرى السيلِ مِنَ الوادي، أوْ تحتَ الجدارِ المائلِ والسقفِ المنكسرِ ، فكلُّ ذلكَ منهيٌّ عنهُ، وصاحبُهُ قَدْ عرَّضَ نفسَهُ للهلاكِ بغيرِ فائدةٍ . نعمْ ، تنقسمُ هذهِ الأسبابُ إلى مقطوع بها ، وإلى مظنونيةٍ ، وإلى موهومةٍ ، فتركُ الموهوم منها مِنْ شرطِ التوكلِ ، وهيَ التي نسبتُها إلى دفع الضررِ نسبةُ الكيِّ والرقيةِ؛ فإنَّ الكيَّ والرقيةَ قدْ تقدَّمُ على المحذورِ دفعاً لما يُتوقَّعُ، وقد يُستعملُ بعدَ نزولِ المحذورِ للإزالةِ ، ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمْ يصفِ المتوكلينَ إلا بتركِ الكيِّ والرقيةِ والطيرةِ ، ولمْ يصفْهُمْ بأنَّهُمْ إذا خرجوا إلى موضع باردٍ لمْ يلبسوا جبةٌ ، والجبةُ تُلُبسُ دفعاً للبردِ المتوقَّع ، وكذلكَ كلُّ ما في معناها مِنَ الأسبابِ . نعم ، الاستظهارُ بأكلِ الثومِ مثلاً عندَ الخروجِ إلى سفرٍ في الشتاءِ تهييجاً القوَّةِ الحرارةِ مِنَ الباطنِ .. ربَّما يكونُ مِنْ قبيلِ التعمُّقِ في الأسبابِ والتعويلِ (١) في النسخ: ( المتعرض ) بدل ( المعرض )، والمثبت من (ق) . (٢) أي : ذات سباع . ٣١١ كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات عليها ، فيكادُ يقربُ مِنَ الكيِّ ، بخلافِ الجبَّةِ . ولتركِ الأسبابِ الدافعةِ وإنْ كانَتْ مقطوعةً وجهٌ إذا نالَ الضررُ مِنْ إنسانٍ، فإنَّهُ إذا أمكنَهُ الصبرُ وأمكنَهُ الدفعُ والتشفِّي .. فشرطُ التوكلِ الاحتمالُ والصبرُ ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿فَأَتَّخِذْهُ وَكِيلًا :﴿ وَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَصْبِرَ عَلَى مَآ ءَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَلِ الْمُتَوَّكِلُونَ﴾ وقالَ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَدَعْ أَذَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. وقالَ سبحانَهُ وتعالى: ﴿فَأَصْبِرْ كَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ . ـير وقالَ تعالى: ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ .. ◌َلَِّينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِهِمْ يَنَوَكَّلُونَ﴾ وهذا في أذى الناسِ . وأمَّا الصبرُ على أذى الحيَّاتِ والسباع والعقاربِ .. فتركُ دفعِها ليسَ مِنَ التوكلٍ في شيءٍ ؛ إذْ لا فائدةَ فيهِ ، ولا يرادُ السعيُ ولا تركُ السعي لعينِهِ ، بلْ لإعانِهِ على الدينِ ، وترتُّبُ الأسبابِ ههنا كترتَّبها في الكسبِ وجلبٍ النافع ، فلا نطوِّلُ بالإعادةِ . وكذلكَ في الأسبابِ الدافعةِ عنِ المالِ ، فلا ينقصُ التوكلُ بإغلاقِ بابِ البيتِ عندَ الخروج ، ولا بأنْ يعقلَ البعيرَ ؛ لأنَّ هذهِ أسبابٌ عُرفَتْ بسنَّةِ اللهِ تعالى ؛ إمَّا قطعاً ، وإمَّا ظنّاً ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ للأعرابيِّ لمَّا أنْ أُهملَ البعيرَ وقالَ: توكلتُ على اللهِ: (( اعقلها وتوكلْ)) (١). (١) رواه الترمذي ( ٢٥١٧) . ٣١٢ ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل وقال تعالى: ﴿خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ . وقالَ في كيفيَّةِ صلاةِ الخوفِ: ﴿ وَلَيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ﴾ . وقالَ سبحانَهُ : ﴿ وَأَعِذُواْ لَهُمْ مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾. وقال تعالى لموسى عليهِ السلامُ: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلًا﴾، والتحصُّنُ بالليل اختفاءً عنْ أعينِ العدوِّ نوعُ تسبُّبٍ . واختفى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في الغارِ عنْ أعينِ الأعداءِ دفعاً للضرر (١) . وأخذُ السلاح في الصلاةِ ليسَ دافعاً قطعاً كقتلِ الحيّةِ والعقربِ ؛ فإنَّهُ دافعٌ قطعاً، ولكنْ أخذُ السلاح سببٌ مظنونٌ، وقدْ بيّنا أنَّ المظنونَ كالمقطوع ، وإنَّما الموهومُ هوَ الذي يقتضي التوكلُ تركَهُ . فإنْ قلتَ : فقدْ حُكِيَ عنْ جماعةٍ أَنَّ منهُمْ مَنْ وضعَ الأسدُ يدَهُ على كتفِهِ ولمْ يتحرَّكْ . فأقولُ : وقدْ حُكِيَ عنْ جماعةٍ أَنَّهُمْ ركبوا الأسدَ وسخَّروهُ ، فلا ينبغي أنْ يغرَّكَ ذلكَ المقامُّ، فإنَّهُ وإنْ كانَ صحيحاً في نفسِهِ فلا يصلحُ للاقتداءِ بطريقِ التعلُّمِ مِنَ الغيرِ ، بلْ ذلكَ مقامٌ رفيعٌ في الكراماتِ ، وليسَ ذلكَ : (١) رواه البخاري ( ٣٦٥٣)، ومسلم ( ٢٣٨١) . ٣١٣ كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات شرطاً في التوكل ، وفيهِ أسرارٌ لا تقفُ عليها ما لمْ تنتهِ إليها . فإنْ قلتَ : وهلْ مِنْ علامةٍ أعلمُ بها أنِّي قدْ وصلتُ إليهِ ؟ فأقولُ : الواصلُ لا يحتاجُ إلى طلبِ العلاماتِ ، ولكنْ مِنَ العلاماتِ السابقةِ عليهِ أنْ يُسخّرَ لكَ كلبٌ هوَ معكَ في إهابِكَ يُسمَّى الغضبَ ، فلا يزالُ يعضُّكَ ويعضُّ غيرَكَ، فإنْ سُخِّرَ لكَ هذا الكلبُ بحيثُ إذا هُيِّجَ وأُشْلِيَ .. لمْ يستشلِ إلا بإشارتِكَ، وكانَ مسخَّراً لكَ، فربَّما ترتفعُ درجتُكَ إلى أنْ يسخِّرَ لكَ الأسدَ الذي هوَ ملكُ السباع، وكلبُ دارِكَ أولى بأنْ يكونَ مسخّراً لكَ مِنْ كلبِ البوادي ، وكلبُ إهابِكَ أولى بأنْ يُسخّرَ مِنْ كلبِ دارِكَ ، فإذا لمْ يُسخَّرْ لكَ الكلبُ الباطنُ .. فلا تطمعْ في استسخارِ الكلبِ الظاهرِ . فإنْ قلتَ : فإذا أخذَ المتوكلُ سلاحَهُ حذراً مِنَ العدوِّ، وأغلقَ بابَهُ حذراً مِنَ اللصِّ، وعقلَ بعيرَهُ حذراً مِنْ أنْ ينطلقَ .. فبأيِّ اعتبارِ يكونُ متوكلاً ؟ فأقولُ : يكونُ متوكلاً بالعلمِ والحالِ . C حن ٤٠ فأمَّا العلمُ .. فهوَ أنْ يعلمَ أنَّ اللصَّ إنِ اندفعَ .. لمْ يندفعْ بكفايتِهِ في إغلاقِ البابِ ، بلْ بدفع اللهِ تعالىُ إِيَّهُ ، فَكمْ مِنْ بابٍ يُغلقُ ولا ينفعُ ، وکمْ مِنْ بعيرٍ يُعقلُ ويموتُ أوْ يفلتُ، وكمْ مِنْ آخذٍ سلاحَهُ يُقتلُ أوْ يُغلبُ ! فلا تتكلْ على هذهِ الأسبابِ أصلاً ، بلْ على مسبِّبِ الأسبابِ كما ضربنا المثلَ ٣١٤ ـكن سكرى ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل محر في الوكيلِ بالخصومةِ ؛ فإنَّهُ وإنْ حضرَ وأحضرَ السجلَّ .. فلا يتكلُّ على نفسِهِ وعلى سجلُّهِ ، بل على كفايةِ الوكيلِ وقوَّتِهِ . وأمَّا الحالُ .. فهوَ أنْ يكونَ راضياً بما يقضي اللهُ تعالى بهِ في بيتِهِ ونفسِهِ ، ويقولَ : اللهمَّ ؛ إنْ سلَّطتَ على ما في البيتِ مَنْ يأخذُهُ .. فهوَ في سبيلِكَ، وأنا راضٍ بحكمِكَ ؛ فإنِّي لا أدري أنَّ ما أعطيتَي هبةٌ فلا تسترجعُها ، أوْ عاريةٌ أَوْ وديعةٌ فتستردُّها ؟ ولا أدري أنَّها رزقي، أوْ سبقَتْ مشيئتُكَ في الأزلِ بأنَّهُ رزقُ غيري؟ وكيفَما قضيتَ .. فأنا راضٍ بهِ، وما أغلقتُ البابَ تحصُّناً مِنْ قضائِكَ وتسخُّطاً لهُ ، بلْ جرياً على مقتضى سنَّتِكَ في ترتيبِ الأسبابِ ، فلا ثقةَ إلا بكَ يا مسبِّبَ الأسبابِ . حن فإذا كانَ هذا حالَهُ، وذلكَ الذي ذكرناهُ علمُهُ .. لمْ يخرجْ عنْ حدودٍ التوكلِ بعقلِ البعيرِ وأخذِ السلاحِ وإغلاقِ البابِ . ثُمَّ إذا عادَ فوجدَ متاعَهُ في البيتِ .. فينبغي أنْ يكونَ ذلكَ عندَهُ نعمةً جديدةً مِنَ اللهِ تعالىُ، وإنْ لمْ يجدْهُ، بلْ وجدَهُ مسروقاً ؛ نظرَ إلى قلبهِ ، فإنْ وجدَهُ راضياً أوْ فرحاً بذلكَ عالماً أنَّهُ ما أخذَ اللهُ ذلكَ منهُ إلا ليزيدَ رزقَهُ في الآخرةِ .. فقدْ صحَّ مقامُهُ في التوكلِ، وظهرَ لهُ صدقُهُ، وإنْ تألَّمَ قلبُهُ بهِ ، ووجدَ قوَّةَ الصبرِ .. فقدْ بانَ لهُ أنَّهُ ما كانَ صادقاً في دعوى التوكلِ ؛ لأنَّ التوكلَ مقامٌّ بعدَ الزهدِ ، ولا يصحُّ الزهدُ إلا ممَّنْ لا يأسفُ على ما فاتَ مِنَ الدنيا ولا يفرحُ بما يأتي ، بلْ قَدْ يكونُ على العكسِ منهُ ، فكيفَ يصحُّ لهُ التوكلُ ؟! جو ٣١٥ كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات نعمْ ، قدْ صحّ لهُ مقامُ الصبرِ إِنْ أخفاهُ ولمْ يظهرْ شكواهُ ، ولمْ يكثرْ سعيَهُ في الطلبِ والتجسسِ ، وإنْ لمْ يقدرْ على ذلكَ حتَّى تأذَّى بقلبهِ ، وأظهرَ الشكوى بلسانِهِ ، واستقصى الطلبَ ببدنِهِ .. فقدْ كانَتِ السرقةُ مزيداً لهُ في ذنبهِ مِنْ حيثُ إنَّهُ ظهرَ لهُ قصورُهُ عن جميع المقاماتِ ، وكذبُهُ في جميعِ الدعاوى ، فبعدَ هلذا ينبغي أنْ يجتهدَ حتَّى لا يصدِّقَ نفسَهُ في دعاويها ، ولا يتدلَّى بحبل غرورها ، فإنَّها خدَّاعةٌ أمَّارةٌ بالسوءِ مدعيةٌ للخيرِ . ١١ فإنْ قلتَ : فكيفَ يكونُ للمتوكل مالٌ حتَّى يُؤخذَ ؟ فأقولُ : المتوكلُ لا يخلو بيتُهُ مِنْ متاع ؛ كقصعةٍ يأكلُ فيها ، وكوزٍ يشربُ منهُ، وإناءٍ يتوضَّأُ منهُ، وجرابٍ يحفظُ بهِ زادَهُ ، وعصاً يدفعُ بها عدوَّهُ ، وغيرِ ذلكَ مِنْ ضروراتِ المعيشةِ مِنْ أثاثِ البيتِ ، وقدْ يدخلُ في يدهِ مالٌ وهوَ يمسكُهُ ليجدَ محتاجاً فيصرفَهُ إليهِ ، فلا يكونُ ادخارُهُ علىَ هذهِ النيّةِ مبطلاً لتوكلِهِ ، وليسَ مِنْ شرطِ التوكلِ إخراجُ الكوزِ الذي يشربُ منهُ ، والجراب الذي فيهِ زادُهُ، وإنَّما ذلكَ في المأكولِ ، وفي كلِّ مالٍ زائدٍ على قدْرِ الضرورةِ ؛ لأنَّ سنَّةَ اللهِ تعالى جاريةٌ بوصولِ الخيرِ إلى الفقراءِ المتوكلينَ في زوايا المساجدِ ، وما جرتِ السنَّةُ بتفرقةِ الكيزانِ والأمتعةِ في كلِّ يومٍ ولا في كلِّ أسبوع ، والخروجُ عنْ سنَّةِ اللهِ تعالى ليسَ شرطاً في التوكلِ . بسبير جهاد عـ كرم ٣١٦ ـورة ربع المنجيات یھی. كتاب التوحيد والتوكل ولذلكَ كانَ الخوَّاصُ يأخذُ في السفرِ الحبلَ والركوةَ والمقراضَ والإبرةَ دونَ الزادِ(١)؛ لأنَّ سنَّةَ اللهِ تعالى جاريةٌ بالفرقِ بينَ الأمرينِ . فإنْ قلتَ : فكيفَ يُصوَّرُ ألا يحزنَ إذا أُخذَ متاعُهُ الذي هوَ محتاجٌ إليهِ ولا يأسفَ عليهِ ؟ فإنْ كانَ لا يشتهيهِ .. فلمَ أمسكَهُ وأغلقَ البابَ عليهِ ؟ وإن كانَ أمسكَهُ لأَنَّهُ يشتهيهِ لحاجتِهِ إليهِ . . فكيفَ لا يتأذَّى قلبُهُ ولا يحزنُ وقدْ حيلَ بينَهُ وبينَ ما يشتهيهِ ؟ فأقولُ: إنَّما كانَ يحفظُهُ ليستعينَ بهِ على دينِهِ ؛ إذْ كانَ يظُّ أنَّ الخيرةَ لهُ في أنْ يكونَ لهُ ذلكَ المتاعُ . ولولا أنَّ الخيرةَ لهُ فيهِ .. لما رزقَهُ اللهُ تعالى ولما أعطاهُ إِيَّاهُ، فاستدلَّ على ذلكَ بتيسيرِ اللهِ عزَّ وجلَّ وحسنِ الظنِ باللهِ تعالىُ معَ ظنِّهِ أنَّ ذلكَ معينٌ لهُ على أسبابِ دينِهِ ، ولمْ يكنْ ذلكَ عندَهُ مقطوعاً بهِ ؛ إذْ يحتملُ أنْ تكونَ خيرتُهُ في أنْ يُبتلى بفقدِ ذلكَ حتَّى ينصبَ في تحصيلٍ غرضِهِ ، ويكونَ ثوابُهُ في التعبِ والنصبِ أكثرَ ، فلمَّا أَخذَهُ اللهُ تعالىُ منهُ بتسليطِ اللصِّ .. تغيَّرَ ظنُّهُ؛ لأنَّهُ في جميع الأحوالِ واثقٌ باللهِ حسنُ الظنِّ بهِ ، فيقولُ: لولا أنَّ اللهَ تعالىُ علمَ أنَّ الخيرةَ لي كانَتْ في وجودِها إلى الآنَ والخيرةُ الآنَ لي في عدمِها .. لما أخذَها مِنِّي . فبمثلِ هذا الظنِّ يُتصوَّرُ أنْ يندفعَ عنهُ الحزنُ ؛ إذْ بهِ يخرجُ عنْ أنْ يكونَ (١) روى ذلك عنه القشيري في ((الرسالة)) (ص ٢٩٩). ٣١٧ كتاب التوحيد والتوكل ڑےں ربع المنجيات فرحُهُ بالأسبابِ مِنْ حيثُ إنَّها أسبابٌ ، بلْ مِنْ حيثُ إنَّهُ يسَّرَها مسبِّبُ الأسبابِ عنايةً بهِ وتلطّفاً ، وهوَ كالمريضِ بينَ يدي الطبيبِ الشفيقِ يرضى بما يفعلُهُ، فإنْ قدَّمَ إليهِ الغذاءَ .. فرحَ وقَالَ: لولا أنَّهُ عرفَ أنَّ الغذاءَ ينفعُني وقدْ قويتُ على احتمالِهِ .. لما قرَّبَهُ إِليَّ، وإنْ أَخَّرَ عنهُ الغذاءَ بعدَ ذلكَ أيضاً .. فرحَ وقالَ: لولا أنَّ الغذاءَ يضرُّني ويسوقُني إلى الموتِ .. لما حالَ بيني وبينَهُ . عـ وكلُّ مَنْ لا يعتقدُ في لطفِ اللهِ تعالى ما يعتقدُهُ المريضُ في الوالدِ المشفقِ الحاذقِ بعلمٍ الطبِّ .. فلا يصحُّ منهُ التوكلُ أصلاً، ومَنْ عرفَ اللهَ تعالى، وعرفَ أفعالَهُ ، وعرفَ سنَّتَهُ في إصلاحِ عبادِهِ .. لمْ يكنْ فرحُهُ بالأسبابِ ، فإنَّهُ لا يدري أيُّ الأسبابِ خيرٌ لهُ؛ كما قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( لا أبالي أصبحتُ غنيّاً أوْ فقيراً؛ فإنِّي لا أدري أيُّهما خيرٌ لي)(١)، فكذلكَ ينبغي ألا يباليَ المتوكلُ يُسرقُ متاعُهُ أوْ لا يُسرِقُ ؛ فإنَّهُ لا يدري أيُّهُما خيرٌ لهُ في الدنيا وفي الآخرةِ ، فكمْ مِنْ متاع في الدنيا يكونُ سببَ هلاكِ الإنسانِ ، وكمْ مِنْ غنيٌّ يُبتلى بواقعةٍ لأجلِ غناهُ يقولُ : يا ليتَي كنتُ فقيراً . ـحر (١) أورده الحارث المحاسبي في ((الرعاية)) (ص ٢٦١)، وقال الحافظ الزبيدي في («إتحافه)) (٣٠٤/٨): (أخرجه الإسماعيلي في («مناقبه))). ٣١٨ من ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل ں بيان آداب المتوكلين إذاشُرِق متاعهم للمتوكلِ آدابٌ في متاعٍ بيتِهِ إذا خرجَ عنْهُ : الأوَّلُ : أَنْ يغلقَ البابَ ، ولا يستقصيَ في أسبابِ الحفظِ ، كالتماسِهِ مِنَ الجيرانِ الحفظَ معَ الغلقِ ، وكجمعِهِ أغلاقاً كثيرةً ، فقدْ كانَ مالكُ بنُ دینارِ لا يغلقُ بابَهُ، ولكنْ يشدُّهُ بشريطٍ ويقولُ: ( لولا الكلابُ .. ما شددتُهُ أيضاً )(١). چہہ !ےے الثاني : ألا يتركَ في البيتِ متاعاً يحرِصُ عليهِ السرَّاقُ، فيكونَ هوَ سببَ معصيتِهِمْ ؛ إذْ إمساكُهُ يكونُ سببَ هيجانِ رغبتِهِمْ ، ولذلكَ لمَّا أهدى المغيرةُ إلى مالكِ بنِ دينارِ ركوةً .. قالَ لهُ: خذْها ، فلا حاجةَ لي إليها ، قالَ : لِمَ ؟ قالَ : يوسوسُ إليَّ العدوُّ أَنَّ اللصَّ قدْ أخذَها(٢). فكأنَّهُ احترزَ مِنْ أنْ يعصيَ السارقُ ، ومِنْ شغلِ قلبِهِ بوسواسِ الشيطانِ بسرقَتِها ، ولذلكَ قالَ أبو سليمانَ: ( هذا مِنْ ضعفِ قلوبِ الصوفيّةِ ، ٥٠ تمـ (١) قوت القلوب (٣٣/٢)، وقد رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٦٧/٢) أنه كان يقول: ( من دخل بيتي فأخذ شيئاً .. فهو له حلال، أما أنا .. فلا أحتاج إلى قفل ولا إلى مفتاح ) . (٢) قوت القلوب (٢٦٧/١)، وخبر مالك مفرداً رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢ / ٣٦٤)، وليس فيه ذكر للمغيرة ، بل قالها للحارث بن نبهان . ٣١٩ شرف حرب ـدى كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات حن هذا قدْ زهدَ في الدنيا، فما عليهِ مِنْ أخذِها؟!)(١). الثالثُ : أَنَّ ما يُضطرُّ إلى تركِهِ في البيتِ ينبغي أنْ ينويّ عندَ خروجِهِ الرضا بما يقضي اللهُ تعالى فيهِ مِنْ تسليطٍ سارقٍ عليهِ، ويقولَ: ما يأخذُهُ السارقُ .. فهوَ منهُ في حلِّ ، أوْ هوَ في سبيلِ اللهِ، وإنْ كانَ فقيراً .. فهوَ عليهِ صدقةٌ، وإنْ لمْ يشترطِ الفقرَ .. فهوَ أولىُ، ويكونَ لهُ نِيَانِ : لوْ أخذَهُ غنيٌّ أوْ فقيرٌ : إحداهما : أنْ يكونَ مالُهُ مانعاً لهُ مِنَ المعصيةِ ، فإنَّهُ ربَّما يستغني بهِ فيتوانى عن السرقةِ بعدَهُ، وقدْ زالَ عصيانُهُ بأكلِ الحرام لمَّا أنْ جعلَهُ في حلِّ . والثانيةُ : ألا يظلمَ مسلماً آخرَ ، فيكونَ مالُهُ فداءً لمالِ مسلمٍ آخرَ ، ومهما نوى حراسةً مالٍ غيرِهِ بمالِ نفسِهِ ، أوْ نوى دفعَ المعصيةِ عنِ السارقِ ، أوْ تخفيفَها عليهِ .. فقدْ نصحَ للمسلمينَ ، وامتثلَ قولَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((انصر أخاكَ ظالماً أوْ مظلوماً))(٢)، ونصرةُ الظالمِ بمنعِهِ مِنَ الظلمِ ، وعفوهُ عنهُ إعدامٌ للظلمِ ومنعٌ لهُ . وليتحققْ أنَّ هذهِ النيةَ لا تضرُّهُ بوجهٍ مِنَ الوجوهِ؛ إذْ ليسَ فيها ما يسلِّطُ (١) قوت القلوب (٢٦٧/١). (٢) رواه البخاري ( ٢٤٤٣) . ٣٢٠ جن :