النص المفهرس
صفحات 261-280
ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل وقدْ ذكرنا أنَّهُ ليسَ في التوحيدِ إلا عقبتانِ : إحداهما : النظرُ إلى السماءِ والأرضِ والشمسِ والقمرِ والنجومِ والغيمِ والمطرِ وسائرِ الجماداتِ . والثانيةُ : النظرُ إلى اختيارِ الحيواناتِ ، وهيَ أعظمُ العقبتينِ وأخطرُهُما، وبقطعِهما (١) كمالُ سرِّ التوحيدِ ، فلذلكَ عظَمَ ثوابُ هذهِ الكلمةِ ؛ أعني : ثوابَ المشاهدةِ التي هذهِ الكلمةُ ترجمتُها . حن بمن جن حن 3 فإذاً ؛ رجعَ حالُ التوكلِ إلى التبرِّي مِنَ الحولِ والقوَّةِ ، والتوكلٍ على الواحدِ الحقِّ ، وسيتضحُ ذلكَ عندَ ذكرِنا تفصيلَ أعمالِ التوكُّلِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى . (١) في النسخ ( وكأنَّه) بدل (وبقطعهما)، والمثبت من (ق ) . ٢٦١ كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات بيان ، قاله الشيوخ في أحوال التّؤكّل اعلمْ : أنَّ شيئاً منها لا يخرجُ عمَّا ذكرناهُ، ولكنْ كلُّ واحدٍ يشيرُ إلى بعضٍِ الأحوالِ . فقدْ قالَ أبو موسى الدَّيِبُليُّ : قلتُ لأبي يزيدَ : ما التوكلُ؟ فقالَ : ما تقولُ أنتَ ؟ قلتُ : إنَّ أصحابَنا يقولونَ : لوْ أنَّ السباعَ والأفاعيَ عنْ يمينِكَ ويسارِكَ .. ما تحرَّكَ لذلكَ سرُكَ، فقالَ أبو يزيدَ: نعمْ، هذا قريبٌ، لكنْ لوْ أنَّ أهلَ الجنَّةِ في الجنَّةِ يتَنعَّمونَ ، وأهلَ النارِ في النارِ يُعذَّبونَ، ثمَّ وقعَ بِكَ تمييزٌ بينَهُما .. خرجتَ مِنْ جملةِ التوكلِ(١). فما ذكرَهُ أبو موسى فهوَ خبرٌ عنْ أعلى أحوالِ التوكُّلِ ، وهوَ المقامُ الثالثُ ، وما ذكرهُ أبو يزيدَ عبارةٌ عنْ أعزِّ أنواع العلمِ الذي هوَ مِنْ أصولٍ التوقُّلِ، وهوَ العلمُ بالحكمةِ ، وأنَّ ما فعلَهُ اللهُ تعالى فعلَهُ بالواجبٍ (٢)، فلا تمييزَ بينَ أهلِ النارِ وأهلِ الجنَّةِ بالإضافةِ إلى أصلِ العدْلِ والحكمةِ ، وهذا أغمضُ أنواع العلمِ ، ووراءَهُ سرُّ القدرِ ، وأبو يزيدَ قلَّما يتكلَّمُ إلا عنْ أعلى المقاماتِ وأقصى الدرجاتِ . وليسَ تركُ الاحترازِ عنِ الحِيَّاتِ شرطاً في المقامِ الأوَّلِ مِنَ التوكلِ ، فقدٍ عن ثن من عن ثن لحق الآن أن عن حج (١) رواه القشيري في ((رسالته)) (ص٢٩٥)، ومعنى ( وقع بك تمييز بينهما): بأن ميّزت أحدهما عن الآخر ؛ يعني: اخترت لنفسك شيئاً. ((إتحاف)) (٤٦٩/٩). (٢) وهذه العبارة أيضاً دائرة في فلك عبارته : ( ليس بالإمكان أبدع ... ). ٢٦٢ ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل احترزَ أبو بكرٍ الصدِّيقُ رضيَ اللهُ عنهُ في الغارِ ؛ إذْ سدَّ منافذَ الحِيَّاتِ(١)، إلا أنْ يُقالَ: فعلَ ذلكَ بيدِهِ ولَمْ يتغيَّرْ بسببهِ سُّهُ، أوْ يُقالَ: إنَّما فعلَ ذلكَ شفقةٌ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لا في حقِّ نفسِهِ ، وإنَّما يزولُ التوكلُ بحركةِ سرِّهِ وتغيُّرِهِ لأمرٍ يرجعُ إلى نفسِهِ ، وللنظرِ في هذا مجالٌ ، ولكنْ سيأتي أنَّ أمثالَ ذلكَ وأكثرَ منْهُ لا يناقضُ التوكلَ ؛ فإنَّ حركةَ السرِّ مِنَ الحيَّاتِ هوَ الخوفُ، وحقُّ المتوكلِ أنْ يخافَ مسلِّطَ الحِيَّاتِ؛ إذْ لا حولَ للحيَّاتِ ولا قوَّةَ لها إلا باللهِ، وإن احترزَ .. لمْ يكنِ اتكالُهُ على تدبيرِهِ وحولِهِ وقوَّتِهِ في الاحترازِ ، بل على خالقِ الحولِ والقوَّةِ والتدبيرِ . وسُئِلَ ذو النونِ المصريُّ عنِ التوكلِ فقالَ : ( خلعُ الأربابِ ، وقطعُ الأسبابِ ) ، فخلعُ الأربابِ إشارةٌ إلى علومِ التوحيدِ ، وقطعُ الأسبابِ إشارةٌ إلى الأعمالِ، وليسَ فيهِ تعرُّضٌ صريحٌ للحالِ وإنْ كانَ اللفظُ يتضمَّنُهُ ، فقيلَ لهُ: زدْنا، فقالَ: ( إلقاءُ النفسِ في العبوديةِ، وإخراجُها مِنَ الربوبيَّةِ)(٢)، وهذا إشارةٌ إلى التبرِّي مِنَ الحولِ والقوّةِ فقطْ . وسُئِلَ حمدونٌ القصارُ عنِ التوكلِ فقالَ : ( إنْ كانَ لكَ عشرةُ آلافٍ درهم وعليكَ دانقٌ دينٌ .. لمْ تأمنْ أنْ تموتَ ويبقىُ ذلكَ في عنقِكَ ، ولوْ كانَ (١) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص ٣٨٣)، والبيهقي في ( الدلائل)) (٤٧٦/٢)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٨٠/٣٠). (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٩/ ٣٨٠)، والقشيري في ((رسالته)) (ص ٢٩٧). ٢٦٣ % كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات عليكَ عشرةُ آلافِ درهم دينٌ مِنْ غيرِ أنْ تتركَ لها وفاءً .. لا تيسُ مِنَ اللهِ تعالى أنْ يقضيَها عنكَ )، وهذا إشارةٌ إلى مجرَّدِ الإيمانِ بسعةِ القدرةِ ، وأنَّ في المقدوراتِ أسباباً خفيَّةً سوىُ هُذهِ الأسبابِ الظاهرةِ . وسُئِلَ أبو عبدِ اللهِ القرشيُّ عنِ التوكلِ فقالَ: ( التعلُّقُ باللهِ تعالى في كلِّ حالٍ ) ، فقالَ السائلُ: زدْني، فقالَ: ( تركُ كلِّ سببٍ يوصلُ إلى سببٍ حتَّى يكونَ الحقُّ هوَ المتولِّيَ لذلكَ)(١) ، فالأوَّلُ عامٌ للمقاماتِ الثلاثِ ، والثاني إشارةٌ إلى المقام الثالثِ خاصةً، وهوَ مثلُ توكلِ إبراهيمَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ؛ إذْ قالَ لهُ جبريلُ عليهِ السلامُ : ألكَ حاجةٌ ؟ فقالَ: أمَّا إليكَ .. فلا(٢)؛ إذْ كانَ سؤالُهُ سبباً يفضي إلى سببٍ، وهوَ حفظُ جبريلَ لهُ، فتركَهُ ثقةً بأنَّ اللهَ تعالى إنْ أرادَ .. سخَّرَ جبريلَ لذلكَ ، فيكونُ هوَ المتولِّيَ لذلكَ، وهذا حالُ مبهوتٍ غائبٍ عنْ نفسِهِ باللهِ تعالى، فلمْ يرَ معَهُ غيرَهُ ، وهوَ حالٌ عزيزٌ في نفسِهِ ، ودوامُهُ إنْ وُجدَ أبعدُ منهُ وأعزُّ . وقالَ أبو سعيدِ الخرّازُ : ( التوكلُ اضطرابٌ بلا سكونٍ ، وسكونٌ بلا اضطرابٍ )(٣) ، ولعلَّهُ يشيرُ إلى المقام الثاني، فسكونُهُ بلا اضطرابٍ إشارةٌ إلى سكونِ القلبِ إلى الوكيلِ وثقتِهِ بهِ ، واضطرابُهُ بلا سكونٍ إشارةٌ إلى فزعِهِ ـحر (١) الرسالة القشيرية (ص٢٩٨) . (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٠/١)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق )) (٦ /١٨٤ ) . (٣) الرسالة القشيرية ( ص٢٩٨). ٢٦٤ ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل إليهِ وابتهالِهِ وتضرُّعِهِ بينَ يديهِ ؛ كاضطرابِ الطفلِ ببدنِهِ إلى أمِّهِ ، وسكونِ قلبِهِ إلى تمامٍ شفقتِها(١) . وقالَ أبو عليٍّ الدقاقُ: (التوكلُ ثلاثُ درجاتٍ: التوكلُ، ثمَّ التسليمُ ، ثمَّ التفويضُ ، فالمتوكلُ يسكنُ إلى وعدِهِ ، والمسلِّمُ يكتفي بعلمِهِ ، وصاحبُ التفويضِ يرضى بحكمِهِ)(٢)، وهذا إشارةٌ إلى تفاوتٍ درجاتِ نظرِهِ بالإضافةِ إلى المنظورِ إليهِ ، فإنَّ العلمَ هوَ الأصلُ ، والوعدُ يتبعُهُ، والحكمُ يتبعُ الوعدَ ، ولا يبعدُ أنْ يكونَ الغالبُ على قلبِ المتوكلِ ملاحظةَ شيءٍ مِنْ ذلكَ . وللشيوخ في التوكلِ أقاويلُ سوى ما ذكرناهُ ، فلا نطوِّلُ بها ، فإنَّ الكشفَ أنفعُ مِنَ الروايةِ والنقلِ . فهذا ما يتعلَّقُ بحالِ التوكلِ ، واللهُ الموفقُ برحمتِهِ ولطفِهِ . (١) رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (٣٥١/٨) بنحوه. (٢) رواه القشيري عنه في (( رسالته)) (ص٢٩٨). ٢٦٥ كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات بيان أعمال المتوكلين اعلمْ : أنَّ العلمَ يورثُ الحالَ، والحالَ يثمرُ الأعمالَ، وقدْ يُظُّ أنَّ معنى التوكلِ تركُ الكسبِ بالبدنِ ، وتركُ التدبيرِ بالقلبِ ، والسقوطُ على الأرضِ كالخرقةِ الملقاةِ ، وكاللحمٍ على الوضمٍ ، وهذا ظنُّ الجهَّالِ، فإنَّ ذلكَ حرامٌ في الشرع ، والشرعُ قدْ أثنى على المتوكلينَ ، فكيفَ يُنالُ مقامٌ مِنْ مقاماتِ الدينِ بمحظوراتِ الدينِ ؟! بلْ نكشفُ الغطاءَ عنهُ ونقولُ : ٠٥ إنَّما يظهرُ تأثيرُ التوكلِ في حركةِ العبدِ وسعيِهِ بعملِهِ إلى مقاصدِهِ (١)، وسعيُ العبدِ باختيارِهِ إِمَّا أنْ يكونَ لأجلِ جلبِ نافع هوَ مفقودٌ عندَهُ كالكسبِ ، أوْ لحفظِ نافع هوَ موجودٌ عندَهُ كالادخارِ ، أَوْ لدفع ضارٌّ لمْ ينزلْ بهِ كدفعِ الصائلِ والسارقِ والسباع ، أوْ لإزالةِ ضارٍّ قَدْ نزلَ بهِ كالتداوي مِنَ المرضِ ، فمقصودُ حركاتِ العبدِ لا تعدو هذِهِ الفنونَ الأربعةَ ، وهوَ جلبُ النافع، أوْ حفظُهُ ، أَوْ دفعُ الضارِّ، أوْ قطعُهُ، فلنذكرْ شرطَ التوكلِ ودرجاتِهِ في كلِّ واحدٍ منها مقروناً بشواهدِ الشرعِ . بـ « بيبيب --- (١) في (ج، د، ع، ف): ( بعلمه) بدل ( بعمله ) . ٢٦٦ ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل الفنّ الأوّل: فى جلب الشّارفع فنقولُ فيهِ: الأسبابُ التي بها يُحلَبُ النافعُ على ثلاثِ درجاتٍ : مقطوعٌ بهِ، ومظنونٌ ظنّاً يُوثقُ بهِ ، وموهومٌ وهماً لا تثقُ النفسُ بهِ ثقةً تامَّةً ولا تطمئنُ إليهِ . الدرجةُ الأولى : المقطوعُ بهِ : وذلكَ مثلُ الأسبابِ التي ارتبطَتِ المسبباتُ بها بتقديرِ اللهِ تعالى ومشيئتِهِ ارتباطاً مطرداً لا يختلفُ ؛ كما إذا كانَ الطعامُ موضوعاً بينَ يديكَ وأنتَ جائعٌ محتاجٌ، ولكنَّكَ لستَ تمدُّ اليدَ إليهِ، وتقولُ : أنا متوكِّلٌ، وشرطُ التوكلِ تركُ السعي، ومدُّ اليدِ إليهِ سعيٌّ وحركةٌ، وكذلكَ مضغُهُ بالأسنانِ وابتلاعُهُ بإطباقٍ أعالي الحنكِ على أسافلِهِ ! فهذا جنونٌ محضٌ ، وليسَ مِنَ التوكلِ في شيءٍ ، فإنَّكَ إِنِ انتظرتَ أنْ يخلقَ اللهُ فيكَ شبعاً دونَ الخبزِ ، أوْ يخلقَ في الخبزِ حركةً إليكَ، أوْ يسخِّرَ ملكاً ليمضغَهُ ويوصلَهُ إِلى معدتِكَ .. فقدْ جهلتَ سنَّةً الله تعالى . وكذلكَ لوْ لمْ تزرع الأرضَ وطمعتَ في أنْ يخلقَ اللهُ تعالى نباتاً مِنْ غيرِ بذرٍ ، أوْ تلدَ زوجتُكَ مِنْ غيرِ وقاعٍ كما ولدَتْ مريمُ عليها السلامُ ، فكلُّ ذلكَ ے جنونٌ ، وأمثالُ هذا ممَّا يكثرُ ولا يمكنُ إحصاؤُهُ ، فليسَ التوكلُ في هذا المقام بالعملِ ، بلْ بالحالِ والعلمِ . ٢٦٧ ـجو مو ٠ كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات أمَّا العلمُ .. فهوَ أنْ تعلمَ أنَّ اللهَ تعالى خلقَ الطعامَ واليدَ والأسنانَ وقوَّةً الحركةِ ، وأنَّهُ هوَ الذي يطعمُكَ ويسقيكَ . وأمَّا الحالُ .. فهوَ أنْ يكونَ سكونُ قلبكَ واعتمادُكَ على فعلِ اللهِ تعالى ، لا على اليدِ والطعام ، وكيفَ تعتمدُ على صحةِ يدِكَ وربَّما تجفُّ في الحالِ وتفلجُ ؟! وكيفَ تعوِّلُ على قدرتِكَ وربَّما يطرأُ عليكَ في الحالِ ما يزيلُ عقلَكَ ويبطلُ قوَّةَ حركتِكَ ؟! وكيفَ تعوِّلُ على حضورِ الطعام وربَّما يسلُّطُ اللهُ تعالى عليكَ مَنْ يغلبُكَ عليهِ، أَوْ يبعثُ حيَّةً تزعجُكَ عنْ مكانِكَ ، وتفرِّقُ بِينَكَ وبينَ طعامِكَ ؟! وإذا احتُملَ أمثالُ ذلكَ ولمْ يكنْ لها علاجٌ إلا بفضْلِ اللهِ تعالى .. فبذلكَ فلتفرح ، وعليهِ فلتعوِّلْ . فإذا كانَ هذا حالَهُ وعلمَهُ .. فليمدَّ اليدَ، فإنَّهُ متوكلٌ . الدرجةُ الثانيةُ : الأسبابُ التي ليسَتْ متيقنةً : ولكنِ الغالبُ أنَّ المسبباتِ لا تحصلُ دونَها ، وكانَ احتمالُ حصولِها دونَها بعيداً ؛ كالذي يفارقُ الأمصارَ والقوافلَ ويسافرُ في البوادي التي لا يطرقُها الناسُ إلا نادراً ، ويكونُ سفرُهُ مِنْ غيرِ استصحابِ زادٍ ، فههذا ليسَ شرطاً في التوكلِ ، بلِ استصحابُ الزادِ في البوادي سنَّةُ الأوَّلينَ ، ولا يزولُ التوكلُ بهِ بعدَ أنْ يكونَ الاعتمادُ على فضْلِ اللهِ تعالى لا على الزادِ ٢٦٨ ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل كما سبقَ ، ولكنْ فعلُ ذلكَ جائزٌ ، وهوَ مِنْ أعلى مقاماتِ التوكلِ ، ولذلكَ كانَ يفعلُهُ الخوَّاصُ(١). فإنْ قلتَ : فهذا سعيٌّ في الهلاكِ وإلقاءِ النفسِ في التهلكةِ . فاعلمْ : أنَّ ذلكَ يخرجُ عنْ كونِهِ حراماً بشرطينِ : أحدُهُما : أنْ يكونَ الرجلُ قدْ راضَ نفسَهُ وجاهدَها ، وسؤَّاها على الصبرِ عنِ الطعام أسبوعاً أوْ ما يقاربُهُ ، بحيثُ يصبرُ عنهُ مِنْ غيرِ ضيقِ قلبٍ وتشوُّشِ خاطرٍ وتعذُّرٍ عنْ ذكرِ اللهِ تعالى . والثاني : أنْ يكونَ بحيثُ يقوى على التقوُّتِ بالحشيشِ وما يتفقُ مِنَ الأشياءِ الخسيسةِ . فبعدَ هذينِ الشرطينِ لا يخلو في غالبِ الأمرِ في البوادي في كلِّ أسبوع عنْ أَنْ يلقاهُ آدميٌّ ، أوْ ينتهي إلى حِلَّةٍ أَوْ قريةٍ(٢) ، أو إلى حشيشٍ يزجِّي بهِ وقتَهُ فيحيا بهِ مجاهداً نفسَهُ ، والمجاهدةُ عمادُ التوكلِ ، وعلى هذا كانَ يعوِّلُ الخوَّاصُ ونظراؤُهُ مِنَ المتوكلينَ . والدليلُ عليهِ : أنَّ الخوَّاصَ كانَ لا تفارقُهُ الإبرةُ والمقراضُ والحبلُ (١) أي : إبراهيم الخواص رحمه الله تعالى . (٢) الحِلَّة : المحلة ، وهي منزل القوم. ٢٦٩ 1 كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات مكر ــو والركوةُ ويقولُ : ( هذا لا يقدحُ في التوكلِ)(١)، وسببُهُ: أنَّهُ علمَ أنَّ البواديّ لا يكونُ الماءُ فيها على وجهِ الأرضِ ، وما جرتْ سنَّةُ اللهِ تعالى بصعودِ الماءِ مِنَ البئرِ بغيرِ دلوٍ ولا حبلٍ ، ولا يغلبُ وجودُ الحبلِ والدلوٍ في البوادي كما يغلبُ وجودُ الحشيشِ ، والماءُ يحتاجُ إليهِ لوضوئِهِ كلَّ يومٍ مراتٍ ، ولعطشِهِ في كلٍ يومٍ أوْ يومينِ مرَّةٌ ، فإنَّ المسافرَ معَ حرارةِ الحركةِ لا يصبرُ عنِ الماءِ وإنْ صبرَ عنِ الطعام ، وكذلكَ يكونُ لهُ ثوبٌ واحدٌ ، وربَّما يتخرَّقُ فتنكشفُ عورتُهُ ، ولا يوجدُ المقراضُ والإبرةُ في البوادي غالباً عندَ كلِّ صلاةٍ ، ولا يقومُ مقامَهُما في الخياطةِ والقطع شيءٌ ممَّا يُوجدُ في البوادي . فكلُّ ما في معنى هذهِ الأربعةِ أيضاً يلتحقُ بالدرجة الأولى ؛ إلا أنَّهُ مظنونٌ ظنّاً ليسَ مقطوعاً بهِ ؛ لأنَّهُ يحتملُ ألا يتخرَّقَ الثوبُ، أوْ يعطيَهُ إنسانٌ ثوباً، أَوْ يجدَ على رأسِ البئرِ مَنْ يسقيهِ ، ولا يحتملُ أنْ يتحرَّكَ الطعامُ ممضوغاً إلى فيهِ ، فبينَ الدرجتينِ فرقٌ ، ولكنِ الثاني في معنى الأوَّلِ . ولهذا نقولُ: لوٍ انحازَ إلى شعبٍ مِنْ شعابِ الجبالِ حيثُ لا ماءَ ولا حشيشَ ، ولا يطرقُهُ طارقٌ فيهِ ، وجلسَ متوكلاً .. فهوَ آَثْمٌ بهِ ، ساعٍ في إهلاكِ نفسِهِ ؛ كما رُوِيَ أنَّ زاهداً مِنَ الزهَّادِ فارقَ الأمصارَ وأقامَ في سفحٍ جبلِ سبعاً وقالَ : لا أسألُ أحداً شيئاً حتَّى يأتيَني ربِّي برزقي ، فقعدَ سبعاً ، (١) رواه القشيري في ((رسالته)) (ص٢٩٩). ٢٧٠ ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل حں فكادَ يموتُ ولمْ يأْتِهِ رزقٌ ، فقالَ: يا ربِّ؛ إنْ أحييتَي .. فأتني برزقي الذي قسمتَ لي ، وإلا .. فاقبضْني إليكَ، فأوحى اللهُ تعالىُ إليهِ : وعزَّتي ؛ لا رزقتُكَ حتَّى تدخلَ الأمصارَ وتقعدَ بينَ الناسِ ، فدخلَ المصرَ وأقامَ ، فجاءَهُ هذا بطعام ، وهذا بشرابٍ ، فأكلَ وشربَ ، وأوجسَ في نفسِهِ مِنْ ذلكَ ، فأوحى اللهُ تعالىُ إليهِ : أردتَ أنْ تُذُهبَ حكمتي بزهدِكَ في الدنيا ؟! أما علمتَ أنِّي أنْ أرزقَ عبدي بأيدي عبادي أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أرزقَهُ بيدٍ قدرتي ؟! (١) . ـدة فإذاً ؛ التباعدُ عن الأسبابِ كلِّها مراغمةٌ للحكمة ، وجهلٌ بسنَّةِ اللهِ تعالى ، والعملُ بموجَبِ سنَّةِ اللهِ تعالىُ معَ الاتكالِ على اللهِ عزَّ وجلَّ دونَ الأسبابِ لا يناقضُ التوكلَ كما ضربناهُ مثلاً في الوكيلِ بالخصومةِ مِنْ قبلُ ، ولكنَّ الأسبابَ تنقسمُ إلى ظاهرةٍ وإلى خفيةٍ ، فمعنى التوكلِ : الاكتفاءُ بالأسبابِ الخفيّةِ عنِ الأسبابِ الظاهرةِ معَ سكونِ النفسِ إلى مسيِّبِ السببِ الخفيِّ لا إلى السببِ . 3 فإِنْ قلتَ : فما قولُكَ في القاعدِ في البلدِ بغيرِ كسبٍ أهوَ حرامٌ أوْ مباحٌ أَوْ مندوبٌ إلیهِ ؟ فاعلمْ : أَنَّ ذلكَ ليسَ بحرام ؛ لأنَّ صاحبَ السياحةِ في البوادي إذا لمْ (١) قوت القلوب (١٩٦/٢). ٢٧١ كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات يكنْ مهلكاً نفسَهُ .. فكيفَ يكونُ هذا مهلكاً نفسَهُ حتَّى يكونَ فعلُهُ حراماً ؟ بلْ لا يبعدُ أنْ يأتيَهُ الرزقُ مِنْ حيثُ لا يحتسبُ ، ولكنْ قَدْ يتأخَّرُ عنهُ ، والصبرُ ممكنٌ إلى أنْ يتفقَ ، ولكنْ لوْ أغلقَ بابَ البيتِ على نفسِهِ بحيثُ لا طريقَ لأحدٍ إليهِ .. ففعلُهُ ذلكَ حرامٌ . وإنْ فتحَ بابَ البيتِ وهوَ بطَّالٌ غيرُ مشغولٍ بعبادةٍ .. فالكسبُ والخروجُ لهُ أولى، ولكنْ ليسَ فعلُهُ حراماً إلى أنْ يشرفَ على الموتِ ، فعندَ ذلكَ يلزمُهُ الخروجُ والسؤالُ والكسبُ ، وإنْ كانَ مشغولَ القلبِ بالله تعالى ، غیرَ مستشرفٍ إلى الناسِ ، ولا متطلّع إلى مَنْ يدخلُ مِنَ البابِ فيأتيهِ برزقِهِ ، بلْ تطلُّعُهُ إلى فضْلِ اللهِ تعالى واشتغالُهُ باللهِ .. فهوَ أفضلُ ، وهوَ مِنْ مقاماتٍ التوكلِ ، وهوَ أنْ يشتغلَ باللهِ تعالى ولا يهتمَّ برزقِهِ ، فإنَّ الرزقَ يأتيهِ لا محالةَ ، وعندَ هذا يصحُّ ما قالَهُ بعضُ العلماءِ؛ وهوَ أنَّ العبدَ لوْ هربَ مِنْ رزقِهِ .. لطلبَهُ؛ كما لوْ هربَ مِنَ الموتِ .. لأدركَهُ(١)، وأنَّهُ لوْسألَ اللهَ تعالى ألا يرزقَهُ .. لما استجابَ لهُ وكانَ عاصياً، ولقالَ لهُ : يا جاهلٌ ؛ كيفَ أخلقُكَ ولا أرزِقُكَ ؟! ولذلكَ قالَ ابنُ عباس رضيَ اللهُ عنهُما : ( اختلفَ الناسُ في كلِّ شيءٍ إلا في الرزقِ والأجلِ، وأجمعوا على أنْ لا رازقَ ولا مميتَ إلا اللهُ تعالى)(٢). (١) كما روى هذا مرفوعاً الطبراني في ((الأوسط)) (٤٤٤١)، وابن عدي في ((الكامل)) (٦ /١٩ ) . (٢) قوت القلوب (٢/ ١٩٧). ٢٧٢ ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل مكن وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لوْ توَكَّلْتُمْ على اللهِ حقَّ توكُلِهِ .. لرزقَكُمْ كما يرزقُ الطيرَ ، تغدو خِماصاً وتروحُ بِطاناً، ولزالَتْ بدعائِكُمْ الجبالُ))(١) . وقالَ عيسى عليهِ السلامُ : ( انظروا إلى الطيرِ، لا تزرعُ ولا تحصدُ ولا تذَّخرُ، واللهُ تعالى يرزقُها يوماً بيوم ، فإنْ قلتُمْ: نحنُ أكبرُ بطوناً .. فانظروا إلى الأنعام كيفَ قيَّضَ اللهُ تعالى لها هذا الخلقَ للرزقِ)(٢) . وقالَ أبو يعقوبَ السوسيُّ : ( المتوكلونَ تجري أرزاقُهُمْ على أيدي العبادِ بلا تعبٍ منهُمْ، وغيرُهُمْ مشغولونَ مكدودونَ)(٣). وقالَ بعضُهُمُ: ( العبيدُ كلُّهُمْ في رزقِ اللهِ تعالى ، ولكنْ بعضُهُمْ يأكلُ بذلِّ كالسؤَالِ ، وبعضُهُمْ بتعبٍ وانتظارِ كالتجَّارِ ، وبعضُهُمْ بامتهانٍ كالصنَّاعِ، وبعضُهُمْ بعزِّ كالصوفيّةِ ، يشهدونَ العزيزَ ، فيأخذونَ رزقَهُمْ مِنْ يدهِ ولا يرونَ الواسطةَ ) (٤). (١) كذا في ((القوت)) (٤/٢)، ورواه الترمذي (٢٣٤٤)، وابن ماجه (٤١٦٤) إلى قوله: ( وتروح بطاناً )، وأما زيادة : (ولزالت بدعائكم الجبال ) .. فقد رواها المروزي في (( تعظيم قدر الصلاة)) (٨٠٢) من حديث معاذ رضي الله عنه مرفوعاً: (( إنكم لو عرفتم الله حق المعرفة .. لمشيتم على البحور، ولزال بدعائكم الجبال ... )). (٢) قوت القلوب (٤/٢). (٣) قوت القلوب (٤/٢) بنحوه . (٤) قوت القلوب (٤/٢) بزيادة تفصيل. ٢٧٣ حن كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات الدرجةُ الثالثةُ : ملابسةُ الأسبابِ التي يُتوهّمُ إفضاؤُها إلى المسبباتِ مِنْ غیرِ ثقةٍ ظاهرة : كالذي يستقصي في التدبيراتِ الدقيقةِ في تفصيلِ الاكتسابِ ووجوهِهِ ، وذلكَ يخرجُ بالكليّةِ عنْ درجاتِ التوكُلِ كلِّها ، وهوَ الذي فيهِ الناسُ كلُّهُمْ ؛ أعني : مَنْ يكتسبُ بالحيلِ الدقيقةِ اكتساباً مباحاً لمالٍ مباح ، فأمَّا أخذُ الشبهةِ أوِ الاكتسابُ بطريقٍ فيهِ شبهةٌ .. فذلكَ غايةُ الحرص على الدنيا والاتكالِ على الأسبابِ ، فلا يخفى أنَّ ذلكَ يبطلُ التوكلَ ، وهوَ مثلُ الأسبابِ التي نسبتُها إلى جلبِ النافع مثلُ نسبةِ الرقيةِ والطيرةِ والكيِّ بالإضافةِ إلى إزالةِ الضارِّ؛ فإنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وصفَ المتوكّلِينَ بذلكَ، ولمْ يصفْهُمْ بأنَّهُمْ لا يكتسبونَ ، ولا يجلسونَ في الأمصارِ ، ولا يأخذونَ مِنْ أحدٍ شيئاً، بلْ وصفَهُمْ بأنَّهُمْ يتعاطونَ هذهِ الأسبابَ ، وأمثالُ هذِهِ الأسبابِ التي لا يُوثقُ بها في المسبَّبَاتِ ممَّا يكثرُ فلا يمكنُ إحصاؤها . وقالَ سهلٌ في التوكُّلِ: (إنَّهُ تْكُ التدبيرِ)(١)، وقالَ: (إنَّ اللهَ تعالى خلقَ الخلقَ ولمْ يحجبْهُمْ عنْ نفسِهِ، وإنَّما حجابُهُمْ تدبيرُهُمْ)(١)، ولعلَّهُ أرادَ بهِ استنباطَ الأسبابِ البعيدةِ بالفكرِ ، فهيَ التي تحتاجُ إلى التدبيرِ دونَ الأسبابِ الجليّةِ . فإِذاً؛ قدْ ظهرَ أَنَّ الأسبابَ منقسمةٌ : إلى ما يخرِجُ التعلُّقُ بها عنِ (١) قوت القلوب (٦/٢) . ٢٧٤ 2 - 4 ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل التوكُّلِ ، وإلى ما لا يخرِجُ، وأنَّ الذي لا يخرجُ ينقسمُ : إلى مقطوعِ بهِ ، وإلى مظنونٍ ، وأنَّ المقطوعَ بهِ لا يخرِجُ عنِ التوكلِ عندَ وجودِ حالِ التوكلِ وعلمِهِ ، وهوَ الاتكالُ على مسبِّبِ الأسبابِ ، فالتوكلُ فيها بالحالِ والعلمِ ، لا بالعمل ، وأمَّا المظنوناتُ .. فالتوكلُ فيها بالحالِ والعلمِ والعملِ جميعاً . والمتوكلونَ في ملابسةِ هذهِ الأسبابِ على ثلاثةِ مقاماتٍ : الأوَّلُ : مقامُ الخوَّاصِ ونظرائِهِ : وهو الذي يدورُ في البوادي بغير زادٍ ثقةً بفضْلِ اللهِ تعالىُ عليهِ في تقويتِهِ على الصبرِ أسبوعاً فما فوقَهُ ، أَوْ بتيسيرِ حشيشٍ لهُ أوْ قوتٍ ، أو تثبيتِهِ على الرضا بالموتِ إنْ لمْ يتيسَّرْ شيءٌ مِنْ ذلكَ ، فإنَّ الذي يحملُ الزادَ قدْ يُؤخذُ زادُهُ أوْ يضلُّ بعيرُهُ ويموتُ جوعاً ، فذلكَ ممكنٌّ معَ الزادِ كما أنَّهُ ممكنٌّ معَ فقدِهِ . رجالى. المقامُ الثاني : أنْ يقعدَ في بيتِهِ أوْ في مسجدِهِ ولكنَّهُ في القرى والأمصارِ : وهذا أضعفُ مِنَ الأوَّلِ، ولكنَّهُ أيضاً متوكِّلٌ؛ لأنَّهُ تاركٌ للكسبِ والأسبابِ الظاهرةِ ، معوِّلٌ على فضْلِ اللهِ تعالى في تدبيرِ أمرِهِ مِنْ جهةِ الأسبابِ الخفيّةِ ، ولكنَّهُ بالقعودِ في الأمصارِ متعرِّضٌ لأسبابِ الرزقِ ، فإنَّ ذلكَ مِنَ الأسبابِ الجالبةِ ، إلا أنَّ ذلكَ لا يبطِلُ توكلَهُ إذا كانَ نظرُهُ إلى الذي سخّرَ لهُ سكانَ البلدِ لإيصالِ رزقِهِ إليهِ ، لا إلى سكانِ البلدِ ؛ إذْ يُصوَّرُ ٢٧٥ حن ٠٠ كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات أنْ يغفُلَ جميعُهُمْ عنْهُ ويضيّعوهُ لولا فضْلُ اللهِ تعالى بتعريفِهِمْ وتحريكِ دواعيهم . المقامُ الثالثُ : أنْ يخرجَ ويكتسبَ اكتساباً على الوجهِ الذي ذكرناهُ في البابِ الثالثِ والرابعِ مِنْ كتابٍ آدابِ الكسبِ : وهذا السعيُّ أيضاً لا يخرجُهُ عنْ مقاماتِ التوكلِ إذا لمْ تكنْ طُمأنينةُ نفسِهِ إلى كفايتِهِ وقوتِهِ وجاهِهِ وبضاعتِهِ ، فإنَّ ذلكَ ربَّما يهلكُهُ اللهُ تعالى جميعَهُ في لحظةٍ ، بلْ يكونُ نظرُهُ إلى الكفيلِ الحقِّ بحفظِ جميع ذلكَ وتيسيرِ أسبابِهِ لهُ، بلْ يرى كسبَهُ وبضاعتَهُ وكفايتَهُ بالإضافةِ إلى قدرةِ اللهِ تعالى كما يرى القلمَ في يدِ الملكِ الموقّع ، فلا يكونُ نظرُهُ إلى القلم ، بلْ إلى قلبِ الملكِ أنَّهُ بماذا يتحرَّكُ ، وإلى ماذا يميلُ ، وبمَ يحكمُ ؟ ثمَّ إنْ كانَ هذا المكتسبُ مكتسباً لعيالِهِ ، أوْ ليفرِّقَ على المساكينِ .. فهوَ ببدِنِهِ مكتسبٌ وبقلبهِ عنهُ منقطعٌ ، فحالُ هذا أشرفُ مِنْ حالِ القاعدِ في بیتِهِ . ـة والدليلُ على أنَّ الكسبَ لا ينافي حالَ التوكلِ إذا رُوعِيَتْ فيهِ الشروطُ وانضافَ إليهِ الحالُ والمعرفةُ كما سبقَ ذكرُهُ .. أنَّ الصدِّيقَ رضيَ اللهُ عنهُ لمَّا بُويعَ بالخلافةِ .. أخذَ الأثوابَ تحتَ حضنِهِ والذراعُ بيدِهِ ودخلَ السوقَ ينادي ، حتَّى كرهَهُ المسلمونَ وقالوا : كيفَ تفعلُ ذلكَ وقدْ أُقمتَ لخلافةِ النبوَّةِ ؟ فقالَ : لا تشغلوني عنْ عيالي ؛ فإنِّي إنْ أضعتُهُمْ .. كنتُ لما سواهُمْ أضيعَ ، ٢٧٦ ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل حتَّى فرضوا لهُ قوتَ أهلِ بيتٍ مِنَ المسلمينَ ، فلمَّا رضوا بذلكَ .. رأى مساعدتَهُمْ وتطييبَ قلوبِهِمْ واستغراقَ الوقتِ بمصالح المسلمينَ أولى(١). ويستحيلُ أنْ يُقالَ : لمْ يكنِ الصديقُ رضيَ اللهُ عنهُ في مقامِ التوكلِ ، فمَنْ أولى بههذا المقام منهُ ؟! فدلَّ على أنَّهُ كانَ متوكلاً لا باعتبارِ تركِ الكسبِ والسعي ، بلْ باعتبارِ قطع الالتفاتِ إلى قوتِهِ وكفايتِهِ ، والعلم بأنَّ اللهَ تعالى هوَ ميِّرُ الاكتسابِ ومدبِّرُ الأسبابِ ، وبشروطٍ كانَ يراعيها في طريقِ الكسبِ مِنَ الاكتفاءِ بقدْرِ الحاجةِ مِنْ غيرِ استكثارٍ وتفاخرٍ وادخارٍ ، ومِنْ غيرِ أنْ يكونَ درهمُهُ أحبَّ إليهِ مِنْ درهمٍ غيرِهِ ، فمَنْ دخلَ السوقَ ودرهمُهُ أحبُّ إليهِ مِنْ درهمٍ غيرِهِ .. فهوَ حريصٌ على الدنيا ، ومحبٌّ لها ، ولا يصحُّ التوكلُ إلا معَ الزهدِ في الدنيا ، نعمْ ، يصحُّ الزهدُ دونَ التوكلِ ؛ فإنَّ التوكلَ مقامٌ وراءَ الزهدِ . وقالَ أبو جعفرِ الحدادُّ وهوَ شيخُ الجنيدِ رحمةُ اللهِ عليهِما، وكانَ مِنَ المتوكلينَ : ( أخفيتُ التوكلَ عشرينَ سنةً وما فارقتُ السوقَ ، كنتُ أكتسبُ في كلِّ يوم ديناراً ، ولا أبيتُ منهُ دانقاً ، ولا أستريحُ منهُ إلى قيراطٍ أدخلُ بهِ الحمامَ ، بلْ أخرجُهُ كلَّهُ قبلَ الليلِ)(٢). (١) كذا في ((ألقوت)) (١٧/٢)، وقد روى نحو هذا ابن سعد في ((طبقاته)) (١٦٨/٣)، غير أن الصديق رضي الله عنه أوصى برد ما أخذه من بيت المال بعد موته كما سبق بيانه . (٢) قوت القلوب (١٧/٢). ٢٧٧ كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات وكانَ الجنيدُ لا يتكلّمُ في التوكلِ بحضرتِهِ ، وكانَ يقولُ: ( أستحي أنْ أتكلمَ في مقامِهِ وهوَ حاضرٌ عندي)(١) . واعلمْ : أنَّ الجلوسَ في رباطاتِ الصوفيّةِ معَ المعلومِ بعيدٌ مِنَ التوكلِ ؛ فإنْ لمْ يكنْ معلومٌ ووقفٌ، وأمروا الخادمَ بالخروج للطلبٍ .. لمْ يصحَّ معَهُ التوكلُ إلا على ضعفٍ ، ولكنْ يقوى بالحالِ والعلمِ ؛ كتوكلِ المكتسبِ ، وإنْ لمْ يسألوا ، بلْ قنعوا بما يُحملُ إليهِمْ .. فهذا أقوىُ في توكلِهِمْ، ولكنَّهُ بعدَ اشتهارِ القوم بذلكَ صارَ سوقاً ، فهوَ كدخولِ السوقِ ، ولا يكونُ داخلٌ السوقِ متوكلاً إلا بشروطٍ كثيرةٍ كما سبقَ . فإنْ قلتَ : فما الأفضلُ : أنْ يقعدَ في بيتِهِ ، أوْ يخرِجَ ويكتسبَ ؟ فاعلمْ : أنَّهُ إنْ كانَ يتفرَّغُ بتركِ الكسبِ لفكرٍ وذكرٍ وإخلاصٍ واستغراقٍ وقتٍ بالعبادةِ، وكانَ الكسبُ يشوِّشُ عليهِ ذلكَ، وهوَ معَ هذا لا تستشرفُ نفسُهُ إلى الناسِ في انتظارِ مَنْ يدخلُ عليهِ فيحملُ إليهِ شيئاً ، بلْ يكونُ قويًّ القلبِ في الصبرِ والاتكالِ على اللهِ تعالى .. فالقعودُ لهُ أولى ، وإنْ كانَ يضطربُ قلبُهُ في البيتِ ، ويستشرفُ إلى الناسِ .. فالكسبُ أولى؛ لأنَّ استشرافَ القلبِ إلى الناسِ سؤالٌ بالقلبِ ، وتركُهُ أَهمُّ مِنْ تركِ الكسبِ ، وما كانَ المتوكلونَ يأخذونَ ما تستشرفُ إليهِ نفوسُهُمْ . مدن (١) قوت القلوب (٢ / ١٧). ٢٧٨ ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل كانَ أحمدُ ابنُ حنبلِ قدْ أمرَ أبا بكرٍ المروزيَّ أنْ يُعطيَ بعضَ الفقراءِ شيئاً فضلاً عمَّا كانَ استأجرَةُ عليهِ، فردَّهُ، فلمَّا ولَّى .. قالَ لهُ أحمدُ: الحقْهُ وأعطِهِ ، فإنَّهُ يقبلُ ، فلحقَهُ وأعطاهُ فأخذَهُ ، فسألَ أحمدَ عنْ ذلكَ ، فقالَ : كانَ قدِ استشرفَتْ نفسُهُ فردًّ، فلمَّا خرجَ .. انقطعَ طمعُهُ وأيسَ فأخذَ(١) ٠ وكانَ الخوَّاصُ رحمهُ اللهُ إذا نظرَ إلى عبدٍ في العطاءِ ، أَوْ خافَ اعتيادَ النفسِ لذلكَ .. لمْ يقبلْ منهُ شيئاً(٢). حن وقالَ الخوَّاصُ بعدَ أنْ سُئِلَ عنْ أعجبِ ما رآهُ في أسفارِهِ : رأيتُ الخضرَ ورضيَ بصحبتي ، ولكِنِّي فارقتُهُ خيفةَ أنْ تسكنَ نفسي إليهِ فيكونَ نقصاً في توقُّلي(٣) . فإذاً ؛ المكتسبُ إذا راعى آدابَ الكسبِ وشروطَ نِيَّهِ كما سبقَ في كتابٍ الكسبِ ، ولمْ يقصدِ الاستكثارَ ، ولمْ يكنِ اعتمادُهُ على بضاعتِهِ وكفايتِهِ .. كانَ متوكلاً . فإنْ قلتَ : فما علامةُ عدم اتكالِهِ على البضاعةِ والكفايةِ ؟ فأقولُ : علامتُهُ : أَنَّهُ إِنْ سُرقَتْ بضاعتُهُ، أَوْ خسرَتْ تجارتُهُ، أَوْ تعوَّقَ (١) قوت القلوب (١٧/٢) . (٢) قوت القلوب (١٧/٢ ) . (٣) رواه القشيري في ((رسالته)) ( ص٢٩٨). ٢٧٩ ـدر G ، --- كتاب التوحيد والتوكل حر ربع المنجيات 176 أمرٌ مِنْ أمورِهِ .. كانَّ راضياً بهِ ، ولمْ تبطلْ طُمأنينتُهُ، ولمْ يضطربْ قلبُهُ، بلْ كانَ حالُ قلبهِ في السكونِ قبلَهُ وبعدَهُ واحداً ، فإنَّ مَنْ لمْ يسكنْ إلى شيءٍ .. لمْ يضطربْ لفقدِهِ، ومَنِ اضطربَ لفقدِ شيءٍ .. فقدْ سكنَ إليهِ . وكانَ بشرٌّ يعملُ المغازلَ، فتركَها، وذلكَ لأنَّ البعاديَّ كاتبَهُ(١): بلغَني أنَّكَ استعنتَ على رزقِكَ بالمغازلِ، أرأيتَ إنْ أخذَ اللهُ سمعَكَ وبصرَكَ الرزقُ على مَنْ ؟ فوقعَ ذلكَ في قلبِهِ ، فأخرجَ آلةَ المغازلِ عنْ يِدِهِ ، وقيلَ : تركَها لما نوَّهَتْ باسمِهِ وقُصدَ لأجلِها (٢) ، وقيلَ: فعلَ ذلكَ لمَّا ماتَ عيالُهُ ، كما كانَ لسفيانَ خمسونَ ديناراً يتجرُ فيها، فلمَّا ماتَ عيالُهُ .. فرَّقَها(٣) . فإنْ قلتَ : فكيفَ يُتصوَّرُ أنْ يكونَ لهُ بضاعةٌ ولا يسكنُ إليها وهوَ يعلمُ أنَّ الكسبَ بغيرِ بضاعةٍ لا يمكنُ ؟ فأقولُ : بأنْ يعلمَ أنَّ الذينَ يرزقُهُمُ اللهُ تعالى بغيرِ بضاعةٍ فيهِمْ كثرةٌ ، وأنَّ الذينَ كثرَتْ بضاعتُهُمْ فسُرقَتْ وهلكَتْ فيهِمْ كثرةٌ ، وأنْ يوطِّنَ نفسَهُ (١) في (أ): (وذلك أن فلاناً كتب إليه)، وفي ( ب، ن، ف): ( البعلوي ) بدل ( البعادي )، وفي (ج): (التعلوي)، وفي (د): ( العبدي ) . (٢) فقيل: المغازل البشريّة، وطلبت لأجله، وقد أشار الحافظ الزبيدي فى ((إتحافه)) (٤٨٥/٩) إلى نسبة الخير لصاحب ((القوت)). (٣) قوت القلوب (١٨/٢). ٢٨٠