النص المفهرس

صفحات 181-200

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
وفي معنى ما ذكرناهُ مِنَ المثالِ قولُ الشاعرِ(١):
[من الطويل]
كَدُودٌ كَدُودِ الْقَزِّ يَنْسُجُ دائِماً وَيَهْلَكُ غَمّاً وَسْطَ ما هُوَ ناسِجُهْ
ولمّا انكشفَ لأولياءِ اللهِ تعالى أنَّ العبدَ مهلكُ نفسَهُ بأعمالِهِ واتباعِهِ ھوی
نفسِهِ إهلاكَ دودِ القزِّ نفسَهُ .. رفضوا الدنيا بالكلِّيَّةِ، حتَّى قالَ الحسنُ:
( رأيتُ سبعين بدريّاً كانوا فيما أحلَّ اللهُ لهُمْ أزهدَ منكُمْ فيما حرَّمَ اللهُ
عليكُمْ) ، وفي لفظٍ آخرَ : ( كانوا بالبلاءِ أشدَّ فرحاً منكُمْ بالخصبِ
والرخاءِ ، لو رأيتُموهُمْ .. قلتُمْ: مجانينَ، ولوْ رأَوا خيارَكُمْ .. قالوا :
ما لهؤلاءِ مِنْ خلاقٍ، ولوْ رأَوا شرارَكُمْ .. قالوا : ما يؤمنُ هؤلاءِ بيومٍ
الحسابِ ، وكانَ أحدُهُمْ يعرضُ لهُ المالُ الحلالُ فلا يأخذُهُ ، ويقولُ :
أخافُ أنْ يفسدَ عليَّ قلبي)(٢) .
فمَنْ كانَ لهُ قلبٌ فهوَ - لا محالةَ - يخافُ مِنْ فسادِهِ ، والذينَ أماتَ حبُّ
الدنيا قلوبَهُمْ فقدْ أخبرَ اللهُ عنهُمْ إِذْ قالَ تعالى: ﴿ وَرَضُواْ بِالْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا وَأَطْمَأَنُواْ بِهَا
وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَدِنَا غَفِلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا
وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطَ﴾، وقالَ تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنِ مَن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدٍ إِلَّا
اٌلْحَيَوَةَ الدُّنْيَا ﴾: ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾، فأحالَ ذلكَ كلَّهُ على الغفلةِ وعدمٍ
العلمِ .
(١) البيت لأبي الفتح البستي في ((ديوانه)) ( ص٤١٧)، وكدود : فعول من الكدّ، وهو
التعب .
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٥٥/١)، وبنحوه رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٣٤/٢).
١٨١

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
ولذلكَ قالَ رجلٌ لعيسى عليهِ السلامُ : احملْني معَكَ في سياحتِكَ ،
فقالَ : أخرجْ مالَكَ والحقْني ، فقالَ : لا أستطيعُ ، فقالَ عليهِ السلامُ :
بعجبٍ يدخلُ الغنيُّ الجنَّةَ، أَوْ قالَ: بشدةٍ (١).
وقالَ بعضُهُمْ: ما مِنْ يومٍ ذرَّ شارقُهُ إلا وأربعةُ أملاكٍ ينادونَ في الآفاقِ
بأربعةِ أصواتٍ ؛ ملكانِ بالمشرقِ ، وملكانِ بالمغربِ ، يقولُ أحدُهُمْ
بالمشرقِ : يا باغيَ الخيرِ هلمَّ، ويا باغيَ الشرِّ أقصرْ، ويقولُ الآخرُ :
اللهمَّ ؛ أعطِ منفقاً خلفاً ، وأعطِ ممسكاً تلفاً ، ويقولُ أحدُ اللذينِ في
المغربِ : لدوا للموتِ وابنوا للخرابِ ، ويقولُ الآخرُ : كلوا وتمثَّعوا لطولٍ
الحسابِ(٢) .
(١) قوت القلوب (٢٥٦/١)، ورواه ابن أبي شيبة في (( المصنف)) (٣٥٣٧٨) بنحوه .
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٦٢/١)، وعند البخاري (١٤٤٢)، ومسلم (١٠١٠) عن
أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (( ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان ،
فيقول أحدهما : اللهم ؛ أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر : اللهم ؛ أعط ممسكاً
تلفاً))، وروى أبو الشيخ في ((العظمة)) (٥١٧) نحو هذا وزاد: (( وملك بباب آخر
ينادي : يا أيها الناس ؛ هلموا إلى ربكم ، ما قلَّ وكفى خير مما كثر وألهىُ ، وملك
بباب آخر ينادي: يا بني آدم؛ لدوا للموت وابنوا للخراب)).
١٨٢

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
بيان علامات الزّهد
اعلمْ : أنَّهُ قَدْ يُظنُّ أنَّ تاركَ المالِ زاهدٌ، وليسَ كذلكَ، فإنَّ تركَ المالِ
وإظهارَ الخشونةِ سهلٌ على مَنْ أحبَّ المدحَ بالزهدِ ، فكمْ مِنَ الرهابينِ(١)
مَنْ ردُّوا أنفسَهُمْ كلَّ يومٍ إلى قدْرٍ يسيرٍ مِنَ الطعام ، ولازموا ديراً لا بابَ لهُ ،
وإنَّما مسرَّةُ أحدِهِمْ معرفةُ الناسِ حالَهُ ونظرُهُمْ إليهِ ومدحُهُمْ لهُ ، فذلكَ
لا يدلُّ على الزهدِ دلالةً قاطعةً، بلْ لا بدَّ مِنَ الزهدِ في المالِ والجاهِ
جميعاً ؛ حتَّى يكملَ الزهدُ في جميع حظوظِ النفسِ مِنَ الدنيا .
بل قدْ يدَّعي جماعةٌ الزهدَ معَ لبسِ الأصوافِ الفاخرةِ والثيابِ الرفيعةِ ،
كما قالَ الخوَّاصُ في وصفِ المذَّعينَ إِذْ قالَ: (وقومٌ ادعَوُا الزهدَ ، ولبسوا
الفاخرَ مِنَ اللباسِ ، يموِّهونَ بذلكَ على الناسِ ليُهدى إليهِمْ مثلُ
لباسِهِمْ ، لئلا يُنظرَ إليهِمْ بالعينِ التي يُنظرُ بها إلى الفقراءِ فيُحتقروا، فيُعطَوا
كما تُعطى المساكينُ، ويحتجُون لنفوسِهِمْ باتباعِ العلمِ (٢)، وأنَّهُمْ على
السنَّةِ ، وأنَّ الأشياءَ داخلةٌ عليهِمْ وهمْ خارجونَ منها ، وإنَّما يأخذونَ بعلَّةِ
غيرِهِمْ ، هذا إذا طُولبوا بالحقائقِ وأُلجئوا إلى المضايقِ ، وكلُّ هؤلاءِ أكلةُ
الدنيا بالدينِ ، لَمْ يُعنَوا بتصفيةِ أسرارِهِمْ، ولا بتهذيبِ أخلاقِ نفوسِهِمْ ،
(١) رهابين : جمع رهبان، ورهبان لفظ يطلق على الواحد والجمع .
(٢) في ((القوت)) (٢٦٠/١): (باتساع العلم) .
١٨٣
9

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
فظهرَتْ عليهِمْ صفاتَهُمْ ، فغلبَتْهُمْ، فادعَوها حالاً لَهُمْ، منهُمْ مائلونَ إلى
الدنيا، متبعونَ للهوى )، فهذا كلُّهُ كلامُ الخوَّاصِ رحمهُ الله (١).
فإذاً ؛ معرفةُ الزهدِ أمرٌ مشكلٌ، بلْ حالُ الزاهدِ على الزاهدِ مشكلٌ (٢)،
وينبغي أنْ يعوِّلَ في باطنِهِ على ثلاثِ علاماتٍ :
العلامةُ الأولىُ : ألا يفرحَ بموجودٍ ، ولا يحزنَ على مفقودٍ ، كما قالَ
تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَنْكُمْ﴾، بلْ ينبغي
أنْ يكونَ بالضدِّ مِنْ ذلكَ، وهوَ أنْ يحزنَ بوجودِ المالِ ، ويفرحَ بفقدِهِ .
والعلامةُ الثانيةُ : أنْ يستويَ عندَهُ ذامّهُ ومادحُهُ ، فالأوَّلُ علامةُ الزهدِ في
المالِ ، والثاني علامةُ الزهدِ في الجاهِ (٣).
(١) حكاه في كتابه ((شرف الفقراء)) الذي سبقت الإشارة إليه، ونقله عنه صاحب ((القوت))
(١/ ٢٦٠)، وقال: (وكان الخواص رحمه الله تعالى لا يلبس أكثر من قطعتين ؛
إزارين ، وقميص ومئزر تحته ، يعطف ذيل قميصه على رأسه ، ويغطي به رأسه ،
وكذلك استحب للفقير هذا اللباس ) .
(٢)
في (ق ): ( وحال الزهد على الزاهد مشكل ) .
(٣)
وقد روى البيهقي في ((الشعب)) (١٠٢٨٩) عن يونس بن ميرة الجبلاني: ( ليس
الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا بإضاعة المال ، ولكن الزهادة في الدنيا أن تكون
بما في يد الله عز وجل أوثق منك بما في يدك ، وأن يكون حالك في المصيبة وحالك إذا
لم تصب بها سواء ، وأن يكون مادحك وذاقُك في الحق سواء ) .
١٨٤
3

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
والعلامةُ الثالثةُ : أنْ يكونَ أنسُهُ باللهِ تعالى ، والغالبُ على قلبهِ حلاوةَ
الطاعةِ ، إذْ لا يخلو القلبُ عنْ حلاوةِ المحبَّةِ ؛ إمَّا محبةُ الدنيا، وإمَّا
محبةُ اللهِ ، وهما في القلبِ كالماءِ والهواءِ في القدحِ ، فالماءُ إذا دخلَ ..
خرجَ الهواءُ ، ولا يجتمعانِ، وكلُّ مَنْ أنسَ باللهِ .. اشتغلَ بهِ ولمْ يشتغلْ
غيرِهِ .
ولذلكَ قيلَ لبعضِهِمْ: إلى ماذا أفضىُ بهِمُ الزهدُ ؟ فقالَ : إلى الأنسِ
باللهِ(١).
فأمَّا الأنسُ بالدنيا وباللهِ . . فلا يجتمعانِ، وقدْ قَالَ أهلُ المعرفةِ : إذا
تعلَّقَ الإيمانُ بظاهرِ القلبِ .. أحبَّ الدنيا والآخرةَ جميعاً وعملَ لهُما ، وإذا
بطنَ الإيمانُ في سويداءِ القلبِ وباشرَهُ .. أبغضَ الدنيا ، فلمْ ينظر إليها ،
ولمْ يعملْ لها (٢).
باله
ولهذا وردَ في دعاءٍ آدَمَ عليهِ السلامُ : ( اللهمَّ ؛ إنِّي أسألُكَ إيماناً يباشرُ
قلبي )(٣) .
وقالَ أبو سليمانَ: ( مَنْ شُغِلَ بنفسِهِ .. شُغلَ عنِ الناسِ ، وهذا مقامُ
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)) (١١٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٩٢/٨)،
والسائل هو مضاء بن عيسى ، والمجيب هو سباع الموصلي .
(٢) قوت القلوب (٢٧٠/١) .
(٣) قاله عليه السلام لما أهبط إلى الأرض ؛ كما روى ذلك الطبراني في « الأوسط))
( ٥٩٧١ ) من حديث عائشة رضي الله عنها .
١٨٥
ـي

قء
كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
حن
العاملينَ، ومَنْ شُغِلَ بربِّهِ .. شُغلَ عنْ نفسِهِ، وهذا مقامُ العارفينَ)(١)،
والزاهدُ لا بدّ وأنْ يكونَ في أحدِ هذينِ المقامينِ ، ومقامُهُ الأوَّلُ : أنْ يشغلَ
نفسَهُ بنفسِهِ ، وعندَ ذلكَ يستوي عندَهُ الذُّ والمدحُ والوجودُ والعدمُ .
ولا يُستدلُّ بإمساكِهِ قليلاً مِنَ المالِ على فقْدِ زهدِهِ أصلاً .
قالَ ابنُ أبي الحواري : قلتُ لأبي سليمانَ : أكانَ داوودُ الطائيُّ زاهداً ؟
قالَ : نعمْ ، قلتُ: قدْ بلغَني أنَّهُ ورثَ عنْ أبيهِ عشرين ديناراً ، فأنفقَها في
عشرينَ سنةً ، فكيفَ كانَ زاهداً وهوَ يمسكُ الدنانيرَ ؟ فقالَ: أردتَ منهُ أنْ
يبلغَ حقيقةَ الزهدِ ؟! (٢)
وأرادَ بالحقيقةِ الغايةً ؛ فإنَّ الزهدَ ليسَ لهُ غايةٌ ؛ لكثرةِ صفاتِ النفسِ ،
ولا يتمُّ الزهدُ إلا بالزهدِ في جميعِها، فكلُّ مَنْ تركَ مِنَ الدنيا شيئاً معَ القدرةِ
عليهِ خوفاً على قلبهِ وعلى دينِهِ .. فلهُ مدخلٌ في الزهدِ بقدْرِ ما تركَهُ ، وآخرُهُ
أنْ يتركَ كلَّ ما سوى اللهِ، حتَّى لا يتوسَّدَ حجراً؛ كما فعلَهُ عيسى عليهِ
.م (٣)
السلامُ (٣).
جن
(١) قوت القلوب (١/ ٢٧٠) .
(٢) قوت القلوب (٢٧٠/١)، وهذا أيضاً يقال فيه: هو على مذهب من يشرط التوكل في
الزهد ، ورواية أنه ورث عن أبيه ... رواها القشيري في ((رسالته)) (ص٥٩)، وعند
أبي نعيم في ((الحلية)) (٧/ ٣٤٧): ( ورث عن أبيه دنانير ، فكان ينفق فيها حتى كفِّن
بآخرها ) .
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)) ( ٥٥٧).
١٨٦
حر:

ربع المنجيات
مقيم مدةمر
كتاب الفقر والزهد
فنسألُ اللهَ تعالى أنْ يرزقَنا مِنْ مباديهِ نصيباً وإنْ قلَّ، فإنَّ أمثالَنا لا یستجرىُ
على الطمع في غاياتِهِ ، وإنْ كانَ قطعُ الرجاءِ عنْ فضْلِ اللهِ غيرَ مأذونٍ فيهِ ، وإذا
لاحظنا عجائبَ نعم اللهِ تعالى علينا .. علمنا أنَّ اللهَ تعالى لا يتعاظمُهُ شيءٌ،
فلا بُعْدَ في أنْ نعظُمَ السؤالَ اعتماداً على الجودِ المجاوزِ لكلِّ كمالٍ(١) .
كر
0.
جن
فإِذاً ؛ علامةُ الزهدِ : استواءُ الغنى والفقرِ ، والعزِّ والذلِّ، والمدح
والذمِّ ، وذلكَ لغلبةِ الأنسِ باللهِ ، ويتفرَّعُ عنْ هذهِ العلاماتِ علاماتٌ أخرُ
لا محالةً ، مثلُ أنْ يتركَ الدنيا ولا يباليَ مَنْ أخذَها(٢) .
وقيلَ : ( علامتُهُ : أَنْ يتركَ الدنيا كما هيَ ، ولا يقولَ : أبني رباطاً ، أوْ
أعمرُ مسجداً )(٣) .
وقالَ يحيىُ بنُ معاذٍ : ( علامةُ الزهدِ: السخاءُ بالموجودِ )(٤).
وقالَ ابنُ خفيفِ : (علامتُهُ : وجودُ الراحةِ في الخروج مِنَ الملكِ)(٥) .
(١) فما لا يدرك كله لا يترك كله، ومن فاته من الكمال وبله لا يفوته طله. ((إتحاف ))
(٩ / ٣٧٤ ) .
(٢) قاله أبو عثمان المغربي كما هو عند القشيري في ((رسالته)) (ص٢١٩).
25 ..
(٣) وهو قول الأستاذ أبي علي الدقاق كما هو عند القشيري في ((رسالته)) (ص٢١٩).
(٤) الرسالة القشيرية (ص٢١٩)، وفيها : ( الزهد يورث السخاء بالملك، والحب يورث
السخاء بالروح ) .
(٥) الرسالة القشيرية (ص ٢٢٠) .
١٨٧

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
وقال أيضاً : ( الزهدُ هوَ عزوفُ النفسِ عنِ الدنيا بلا تكلُّفٍ)(١).
وقالَ أبو سليمانَ : ( الصوفُ عَلَمٌ مِنْ أعلام الزهدِ ، فلا ينبغي أنْ يلبسَ
صوفاً بثلاثةِ دراهمَ وفي قلبِهِ رغبةُ خمسةِ دراهمَ )(٢) .
وقالَ أحمدُ ابنُ حنبل وسفيانُ : ( علامةُ الزهدِ : قصرُ الأملِ )(٣).
٠
وقالَ سريٍّ : ( لا يطيبُ عيشُ الزاهدِ إذا اشتغلَ عنْ نفسِهِ ، ولا يطيبُ
عيشُ العارفِ إذا اشتغلَ بنفسِهِ ) (٤).
وقالَ النصراباذيُّ : (الزاهدُ غريبٌ في الدنيا ، والعارفُ غريبٌ في
الآخرةِ )(٥) .
وقالَ يحيىُ بنُ معاذٍ : ( علامةُ الزهدِ ثلاثٌ : عملٌ بلا علاقةٍ ، وقولٌ بلا
طمع ، وعزّ بلا رئاسةٍ)(٦) .
(١) الرسالة القشيرية (ص ٢٢٠) دون نسبة .
(٢) الرسالة القشيرية (ص ٢٢٠).
(٣) الرسالة القشيرية (ص ٢٢٠)، والقول لهما ولعيسى بن يونس وغيرهم.
(٤) الرسالة القشيرية (ص٢٢١)، وفي هذا المعنى روى البيهقي في (( الزهد الكبير)»
(٤٢٩) أنه قيل للجنيد : ما تقول في رجل ما بقي عليه من الدنيا غير مصِّ النوى ، هل
بقي عليه من الدنيا شيء ؟ قال: نعم ، هكذا علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم: ((إن
المكاتب عبد ما بقي عليه درهم)). وهذا بخلاف العارف الذي لا شغل له عن الله
تعالى ، فإذا اشتغل بنفسه .. لم تطب نفسه .
(٥) رواه القشيري في (( رسالته)) (ص٢٢٠).
(٦) الرسالة القشيرية (ص ٢٢١) .
١٨٨

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
وقالَ أيضاً : ( الزاهدُ يسعطُكَ الخلَّ والخردلَ ، والعارفُ يشِمُّكَ
المسكَ والعنبرَ )(١) .
وقالَ لهُ رجلٌ : متى أدخلُ حانوتَ التوكُّلِ ، وألبسُ رداءَ الزهدِ ، وأقعدُ
معَ الزاهدينَ ؟ فقالَ : إذا صرتَ مِنْ رياضتِكَ لنفسِكَ في السرِّ إلى حدٍّ لوْ
قطعَ اللهُ عنكَ الرزقَ ثلاثةَ أيامٍ .. لمْ تضعفْ في نفسِكَ، فأمَّا ما لمْ تبلغْ
هذهِ الدرجةَ .. فجلوسُكُ على بساطِ الزاهدينَ جهلٌ، ثمَّ لا آمنُ عليكَ أنْ
تفتضحَ(٢) .
وقالَ أيضاً : ( الدنيا كالعروس، ومَنْ يطلبُها ماشطتُها ، والزاهدُ فيها
يسخِّمُ وجهَها ، وينتفُ شعرَها ، ويخرقُ ثوبَها ، والعارفُ يشتغلُ باللهِ تعالى
ولا يلتفتُ إليها)(٣).
وقالَ السريُّ: ( مارستُ كلَّ شيءٍ مِنْ أمرِ الزهدِ ، فنلتُ منهُ ما أريدُ ،
إلا الزهدَ في الناسِ ، فإِنِّي لمْ أبلغْهُ ولمْ أطقْهُ)(٤) .
وقالَ الفضيلُ رحمهُ اللهُ: ( جعلَ اللهُ الشرَّ كلَّهُ في بيتٍ ، وجعلَ مفتاحَهُ
(١) الرسالة القشيرية (ص ٢٢١).
(٢) الرسالة القشيرية (ص ٢٢٢).
(٣) الرسالة القشيرية (ص٢٢٢)، وبعضه رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٥٣/١٠) بزيادة
أخرى .
(٤) رواه القشيري في ((رسالته)) (ص٢٢٣) .
١٨٩

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
حن كن
حبَّ الدنيا، وجعلَ الخيرَ كلَّهُ في بيتٍ، وجعلَ مفتاحَهُ الزهدَ في الدنيا)(١).
فهذا ما أردنا أنْ نذكرَهُ مِنْ حقيقةِ الزهدِ وأحكامِهِ ، وإذا كانَ الزهدُ
لا يتمُّ إلا بالتوكُّلِ .. فلنشرعْ في بيانِهِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى .
تم كتاب الفقه والزهد
وهو الكتاب الرابع من تبع المنجيات من كتب إحياء علوم الذين
محمد الشهر ومَنّه، وحسن توفيقه، وجميل صنعه، ولطيف كفايته
وصلاته على سيد المرسلين محمّدٍ وآله الطيبين الطاهرين
يتلوه كتاب التوحيد والتؤكل
(١) رواه القشيري في ((رسالته)) (ص٢٢٣)، وبه ختم باب الزهد ، وعقد الحافظ الزبيدي
في (( إتحافه)) (٣٧٦/٩) فصولاً فيها تفصيل لما أجمله المصنف رحمه الله تعالى .
G
١٩٠
١
دد ميد

كِتَابُ
التَّوْسَُّدُ وَالتَّوَكِ
وهو الكتاب الخامس من ربع المنجيات
من كتب إحياء علوم الدين
توم
5
سرح
١٩١
كن

ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
كتاب التوحيد والمؤكل
بِسِْلِهِ الرَّحْمِنِ الرَّحَيَّةِ
الحمدُ للهِ المدبِّرِ للملكِ والملكوتِ، المنفردِ بالعزَّةِ والجبروتِ ، الرافع
للسماءِ بغيرِ عمادٍ ، المقدّرِ فيها أرزاقَ العبادِ ، الذي صرفَ أعينَ ذوي
القلوبِ والألبابِ عنْ ملاحظةِ الوسائطِ والأسبابِ إلى مسبِّبِ الأسبابِ ،
ورفعَ هممَهُمْ عنِ الالتفاتِ إلى ما عداهُ ، والاعتمادِ على مدبِّرِ سواهُ ، فلمْ
يعبدوا إلا إيَّاهُ، علماً بأنَّهُ الواحدُ الفردُ الصمدُ الإلهُ، وتحققاً بأنَّ جميعَ
أصنافِ الخلقِ عبادٌ أمثالُهُمْ لا يُبتغىُ عندَهُمُ الرزقُ، وأَنَّهُ ما مِنْ ذرَّةٍ إلا
إلى اللهِ خلقُها، وما مِنْ دابَّةٍ إلى على اللهِ رزقُها، فلمَّا تحقَّقوا أنَّهُ لرزقِ
عبادِهِ ضامنٌ وبهِ كفيلٌ .. توكَّلوا عليهِ وقالوا: حسبُنا اللهُ ونعم الوكيلُ .
ـحن
.
سبيسى
والصلاةُ على محمدٍ قامع الأباطيلِ ، الهادي إلى سواءِ السبيلِ ، وعلى
آلِهِ وأصحابِهِ وسلَّمَ تسليماً كثيراً.
٠
أما بعد:
فإِنَّ التوكُّلَ منزلٌ مِنْ منازلِ الدينِ ، ومقامٌ مِنْ مقاماتِ الموقنينَ ، بلْ هوَ
مِنْ معالي درجاتِ المقرَّبينَ ، وهوَ في نفسِهِ غامضٌ مِنْ حيثُ العلمُ ، ثمَّ هوَ
شاقٌّ مِنْ حيثُ العملُ .
١٩٣
حن
ٹن

كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
ووجهُ غموضِهِ مِنْ حيثُ الفهمُ : أنَّ ملاحظةَ الأسبابِ والاعتمادَ عليها
شركٌ في التوحيدِ ، والتثاقلَ عنها بالكليّةِ طعنٌّ في السنةِ وقدحٌ في الشرعِ ،
والاعتمادَ على الأسبابِ مِنْ غيرِ أنْ ترى أسباباً تغييرٌ في وجهِ العقلِ ،
وانغماسٌ في غمرةِ الجهلِ ، وتحقيقُ معنى التوكُّلِ على وجهٍ يتوافقُ فيهِ
مقتضى التوحيدِ والعقلِ والشرع في غاية الغموضِ والعسرِ ، ولا يقوى على
كشفِ هذا الغطاءِ معَ شدةِ الخفاءِ إلا سماسرةُ العلماءِ ، الذينَ اكتحلوا مِنْ
فضْلِ اللهِ تعالى بأنوارِ الحقائقِ، فأبصروا وتحقَّقوا، ثمَّ نطقوا بالإعرابِ عمَّا
شاهدوهُ مِنْ حيثُ استنطقوا .
ونحنُ الآنَ نبتدُ بذكرٍ فضيلةِ التوكُّلِ على سبيلِ التقدمةِ، ثمَّ نردفُهُ
بالتوحيدِ في الشطرِ الأوَّلِ مِنَ الكتابِ ، ونذكرُ حالَ التوُّلِ وعملَهُ في الشطرِ
الثاني .
- -----
١٩٤

ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
بيان قضية التوكل
أمّا مِنَ الآياتِ :
فقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
حن
وقالَ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
وقالَ تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.
وقالَ سبحانَهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِلِينَ﴾.
وأعظمْ بمقام موسوم بمحبَّةِ اللهِ سبحانَهُ صاحبُهُ ، ومضمونٍ بكفايةِ اللهِ
تعالى ملابسُهُ، فَمَنِ اللهُ تعالى حسبُهُ وكافيهِ ، ومحبُّهُ ومراعيهِ .. فقدَ فازَ
الفوزَ العظيمَ ؛ فإنَّ المحبوبَ لا يُعذَّبُ، ولا يُعَدُ ولا يُحجَبُ .
وقدْ قالَ تعالى: ﴿أَلَيْسَ اَللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾، فطالبُ الكفايةِ مِنْ غیرِهِ هوَ
التاركُ للتوكُّلِ، وهوَ المكذِّبُ بهذهِ الآيةِ؛ فإنَّهُ سؤالٌ في معرضٍ
استنطاقٍ بالحقِّ ، كقولهِ تعالى: ﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ حِينٌ مِّنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا
تَذكورًا﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِ يزٌ حَكِيمٌ﴾ أي :
عزيزٌ لا يذلُّ مَنِ استجارَ بهِ ، ولا يضيعُ مَنْ لاذَ بجنابِهِ والتجأَ إلى ذمارِهِ
وحماهُ ، وحكيمٌ لا يقصرُ عنْ تدبيرٍ مَنْ توكَّلَ على تدبيرِهِ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ﴾، بيَّنَ
١٩٥

كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
حن.
أنَّ كلَّ ما سوى اللهِ تعالى عبدٌ مسخَّرٌ، حاجتُهُ مثلُ حاجتِكُمْ، فكيفَ يتَكلُ
عليهِ ؟!
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَا وَتَخْلُقُونَ إِفْكَّأْ إِنَّ الَّذِينَ
تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَأَبْنَغُواْ عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَأَعْبُدُوهُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا
يَفْقَهُونَ﴾ .
وقالَ تعالى: ﴿يُدَبِرُ الْأَمْرَّ مَا مِن شَفِيعِ إِلَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾
ء
وكلُّ ما ذُكِرَ في القرآنِ مِنَ التوحيدِ فهوَ تنبيهٌ على قطع الملاحظةِ عنِ
الأغيارِ ، والتوكُّلِ على الواحدِ القَهَّارِ .
وأمَّا الأخبارُ :
فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيما رواهُ ابنُ مسعودٍ: (( أُريتُ الأممَ
بالموسمِ ، فرأيتُ أمَّتي قدْ ملؤوا السهلَ والجبلَ ، فأعجبَني كثرتُهُمْ وهيئتُهُمْ ،
فقيل لي : أرضيتَ؟ قلتُ : نعمْ، قيلَ : ومعَ هؤلاءِ سبعونَ ألفاً يدخلونَ
الجنةَ بغيرِ حسابٍ ، قيلَ : منْ همْ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ : الذينَ لا يكتوونَ ،
ولا يتطيّونَ ، ولا يسترقونَ، وعلىُ ربِّهِمْ يتوكَّلونَ)»، فقامَ عكاشةُ وقالَ :
يا رسولَ اللهِ ؛ ادعُ اللهَ أنْ يجعلَني منهُمْ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ: ((اللهمَّ؛ اجعلْهُ منهُمْ))، فقامَ آخرُ فقالَ: يا رسولَ اللهِ ؛ ادعُ اللهَ
من حن حن جن جن جن جن حن من
سسـ
١٩٦
حن حن ثن
من ح

ربع المنجيات
کتاب التوحيد والتوكل
أنْ يجعلَني منهُمْ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((سبقَكَ بها عكاشةٌ))(١)
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لوْ أنَّكُمْ تتوكَّلونَ على اللهِ حقَّ توكُلِهِ ..
الرزقَكُمْ كما يرزقُ الطيرَ، تغدو خماصاً وتروحُ بطاناً »(٢).
دن
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنِ انقطعَ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ .. كفاهُ اللهُ كلَّ
مؤنةٍ، ورزقَهُ مِنْ حيثُ لا يحتسِبُ ، ومَنِ انقطعَ إلى الدنيا .. وكلَهُ اللهُ
إليها)) (٣).
حن
حن حن حن
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ سرَّهُ أنْ يكونَ أغنى الناسِ .. فليكنْ
بما عندَ اللهِ تعالى أوثقَ منهُ بما في یدیهِ)»(٤) .
ويُروىُ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ كانَ إِذا أصابَ أهلَهُ
خصاصةٌ .. قالَ: ((قوموا إلى الصلاة))، ويقولُ: ((بهذا أمرَني ربِّي عزَّ
وجلَّ، قالَ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوْةِ وَأَصْطَبِرْ عَلَيْهَا ... ﴾)) الآيةَ(٥).
(١) رواه الطيالسي في ((مسنده)) (٣٥٢)، والقشيري في ((رسالته)) (ص٢٩٤)، وهو
عند البخاري (٥٧٠٥)، ومسلم (٢٢٠) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما .
(٢) رواه الترمذي (٢٣٤٤)، وابن ماجه ( ٤١٦٤).
(٣) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٣٣٨٣)، و((الصغير)) (١١٦/١)، والبيهقي في
((الشعب)) ( ١٠٤٤ ).
(٤) رواه الحاكم في «المستدرك)) (٢٧١/٤)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢١٨/٣)،
والقضاعي في ((مسند الشهاب)) ( ٣٦٧) .
(٥) رواه الطبراني في ((الأوسط)) ( ٨٩٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٧٦/٨)،
والبيهقي في ((الشعب)) (٢٩١١) عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: ( كان النبي
إذا نزل بأهله الضيق .. أمرهم بالصلاة ثم قرأ: ﴿وَأُمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوْةِ وَأَصْطَبِرُ عَلَيْهَا﴾).
سس
١٩٧
ـدن
حر
ـة

كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لمْ يتوكَّلْ مَنِ استرقىُ واكتوى ))(١) ورُوِيَ
أنَّهُ لمَّا قالَ جبريلُ لإبراهيمَ عليهما السلامُ وقَدْ رُميَ بهِ إلى النارِ بالمنجنيقِ :
ألكَ حاجةٌ ؟ قالَ: أمَّا إليكَ .. فلا. وفاءً بقولِهِ: حسبيَ اللهُ ونعمَ
الوكيلُ؛ إذْ قالَ ذلكَ حينَ أُخذَ ليُرمىُ بهِ، فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿وَإِبْرَهِيمَ
الَّذِى وََى﴾(٢) .
وأوحى اللهُ تعالى إلى داوودَ عليهِ السلامُ: ( يا داوودُ ؛ ما مِنْ عبدٍ
يعتصمُ بي دونَ خلقي فتكيدُهُ السماواتُ والأرضُ .. إلا جعلتُ لهُ
مخرجاً)(٣).
وأمَّا الآثارُ :
فقدْ قالَ سعيدُ بنُ جبيرٍ : ( لدغَتْني عقربٌ، فأقسمَتْ عليَّ أمِّ
لتسترقيَنْ ، فناولتُ الراقيَ يديَ التي لمْ تُلُدغْ) (٤).
(١) رواه أحمد في (( المسند)) (٢٥١/٤) واللفظ له، والترمذي (٢٠٥٥)، والنسائي في
(«السنن الكبرى)) (٧٥٦١)، وابن ماجه (٣٤٨٩).
(٢) كذا في القوت)) (٢٢٩/١)، وأما قوله عليه السلام حين ألقي في النار : (حسبي الله
ونعم الوكيل ) .. فقد رواه البخاري (٤٥٦٤)، وخبره مع جبريل عليه السلام رواه
بتحوه الطبري في ((تفسيره)) ( ٦٠/١٧/١٠).
٩
(٣) رواه تمام في ((فوائده)) ( ١٧٠٠) من حديث كعب بن مالك رضى الله عنه مرفوعاً .
(٤) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٧٥/٤)، وزاد: ( وكرهت أن أحتثها ) .
C.
C:
١٩٨
كن
ون

ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
وقرأَ الخوَّاصُ قولَهُ تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيّ الَّذِىِ لَا يَمُوتُ﴾ إلى
آخرِها ، فقالَ: ( ما ينبغي للعبدِ بعدَ هذهِ الآيةِ أنْ يلجأَ إلى أحدٍ غيرِ اللهِ عزَّ
وجلَّ(١).
وقيلَ لبعضٍ العلماءِ في منامِهِ : ( مَنْ وثقَ باللهِ تعالى .. فقدْ أحرزَ
قوتَةً)(٢).
وقالَ بعضُ العلماءِ : ( لا يشغلَنَّكَ المضمونُ لكَ مِنَ الرزقِ عنِ
المفروضِ عليكَ مِنَ العملِ فتضيعَ أمرَ آخرتِكَ ، ولا تنالَ مِنَ الدنيا إلا ما قدْ
كتبَ اللهُ لكَ)(٣).
وقالَ يحيى بن معاذٍ : ( في وجودِ العبدِ الرزقَ مِنْ غيرِ طلبٍ دلالةٌ على
أنَّ الرزقَ مأمورٌ بطلبِ العبدِ )(٤).
وقالَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ : سألتُ بعضَ الرهبانِ : مِنْ أينَ تأكلُ ؟ فقال
لي : ليسَ هذا العلمُ عندي ، ولكنْ سلْ ربِّي مِنْ أينَ يطعمُني(٥) .
وقالَ هَرِمُ بنُ حَيَّانَ لأويس القرنيِّ : أينَ تأمرُني أنْ أكونَ ؟ فأوماً إلى
(١) الخواص هو سليمان أبو أيوب، انظر خبره هذا في (( مختصر تاريخ دمشق))
( ١٠ /١٩٦ ) .
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣١٠/٩).
(٣) نقله صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (٣٨٩/٩).
(٤) نقله صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (٣٨٩/٩).
(٥) رواه أبو نعيم في ((الحلية)). ((إتحاف)) (٣٨٩/٩).
١٩٩
مصر»

كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
الشام ، فقالَ هرمٌ : كيفَ المعيشةُ بها ؟ قالَ أويسٌ : أفِّ لههذهِ القلوبِ! قدْ
خالطَها الشكُّ فما تنفعُها الموعظةُ(١).
وقالَ بعضُهُمْ: ( متى رضيتَ باللهِ وكيلاً .. وجدتَ إلى كلِّ خيرِ
سبيلاً ) ، نسألُ اللهَ تعالى حسنَ الأدبِ .
(١) رواه الخلال في ((الحث على التجارة والصناعة والعمل)) (١٢٨) ولم يذكر فيه هرماً،
ولقاء هرم بأويس رواه الحاكم في ((المستدرك)) ( ٤٠٦/٣).
٢٠٠
حن