النص المفهرس

صفحات 121-140

ربع المنجيات
سحر
كتاب الفقر والزهد
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنِ اشتاقَ إلى الجنَّةِ .. سارعَ إلى
الخيراتِ ، ومَنْ خافَ مِنَ النارِ .. لها عنِ الشهواتِ ، ومَنْ ترقَّبَ الموتَ ..
تركَ اللذَّاتِ، ومَنْ زهدَ في الدنيا .. هانَتْ عليهِ المصيباتُ))(١).
ويروى عنْ نبيّا وعنْ عيسىُ صلواتُ اللهِ عليهِما وسلامُهُ: «أربعٌ
لا يُدركنَ إلا بعجبٍ: الصمتُ وهوَ أوَّلُ العبادةِ، والتواضعُ، وكثرةُ
الذكرِ، وقلَّةُ الشيءٍ))(٢).
وجميعُ الأخبارِ الواردةِ في مدحٍ بغضِ الدنيا وذمِّ حبِّها لا يمكنُ
حصرُها ، فإنَّ الأنباءَ ما بُعثوا إلا لصرفِ الناسِ عنِ الدنيا إلى الآخرةِ ، فإليهِ
يرجعُ أكثرُ كلامِهِمْ معَ الخلقِ ، وفيما أوردناهُ كفايةٌ ، واللهُ المستعانُ .
وأمَّا الآثارُ :
فقدْ جاءَ في الأثرِ : ( لا تزالُ لا إلهَ إلا اللهُ تدفعُ عنِ العبادِ سخطَ اللهِ عزَّ
وجلَّ ما لم يبالوا ما نقصَ مِنْ دنياهُمْ)، وفي لفظٍ آخرَ : ( ما لمْ يؤثروا
صفقةً دنياهُمْ على دينِهِمْ، فإذا فعلوا ذلكَ وقالوا : لا إلهَ إلا اللهُ ..
(١) رواه ابن حبان في ((المجروحين)) (٣٠/٢)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٠/٥)،
والبيهقي في ((الشعب)) (١٠١٣٤) من حديث علي كرم الله وجهه مرفوعاً .
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٦٦/١)، ورواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣١١/٤)،
والطبراني في «الكبير)) (٢٥٦/١)، والبيهقي في ((الشعب)) (٤٦٢٨).
١٢١
حن ، حن حن جن، جن.
0

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
در
قالَ اللهُ تعالى: كذبتُمْ، لستُمْ بها صادقينَ)(١).
Dp-
وعنْ بعضِ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ قالَ : ( تابعنا الأعمالَ كلَّها ، فلمْ
نرَ في أمرِ الآخرةِ أبلغَ مِنْ زهدٍ في الدنيا )(٢) .
وقالَ بعضُ الصحابةِ لصدرِ منَ التابعينَ : أنتُمْ أكثرُ أعمالاً واجتهاداً مِنْ
أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وهُمْ كانوا خيراً منكُمْ، قيلَ :
ولِمَ ذلكَ ؟ قالَ : كانوا أزهدَ في الدنيا منكُمْ (٣) .
وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( الزهادةُ في الدنيا راحةُ القلبِ والجسدِ)(٤).
وقالَ بلالُ بنُ سعدٍ : ( كفى بهِ ذنباً أنَّ اللهَ تعالى يزهِّدُنا في الدنيا ونحنُ
نرغبُ فيها )(٥) .
وقالَ رجلٌ لسفيانَ : أشتهي أنْ أرى عالماً زاهداً ، فقالَ : ويحَكَ ! تلكَ
ضالَّةٌ لا تُوجِدُ(٦) .
(١) كذا في ((القوت)) (٢٤٣/١)، وقد رواه مرفوعاً من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله
عنهما ابنُ عدي في ((الكامل)) (٢١٤/٢).
(٢) والقول لأبي واقد الليثي رضي الله عنه، رواه له أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٥٩/٨)،
والبيهقي في ((الشعب )) ( ١٠٢٠٠).
(٣) كذا في ((القوت)) (٢٤٣/١)، ورواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٥٠١) عن
عبد الله بن مسعود رضى الله عنه يخاطب صدر التابعين الأول .
(٤) رواه ابن المبارك في ((الزهد)» ( ٥٩٣) .
(٥) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٤٨٤)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٢٤/٥) .
(٦) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص٧٥)، وأبو نعيم في الحلية)) (٥٢/٧).
١٢٢
-

ربع المنجبات
صر
كتاب الفقر والزهد
؟
وقالَ وهبُّ بنُ منبِّهِ : إنَّ للجنَّةِ ثمانيةَ أبوابٍ، فإذا صارَ أهلُ الجنَّةِ
إليها .. جعلَ البؤَّابونَ يقولونَ: وعزَّةِ ربًِّا؛ لا يدخلُها أحدٌ قبلَ الزاهدينَ
في الدنيا والعاشقينَ للجنَّةِ .
وقالَ يوسفُ بنُ أسباطٍ رحمهُ اللهُ : إنِّي لأشتهي مِنَ اللهِ ثلاثَ خصالٍ :
أنْ أموتَ حينَ أموتُ وليسَ في ملكي درهمٌ ، ولا يكونُ عليَّ دينٌ ، ولا على
عظمي لحمٌ ، فأُعطيَ ذلكَ كلَّه .
ورُوِيَ أنَّ بعضَ الخلفاءِ أرسلَ إلى الفقهاءِ بجوائزَ فقبلوها ، وأرسلَ إلى
الفضيلِ بعشرةِ آلافٍ فلمْ يقبلْها ، فقالَ لهُ بنوهُ : قدْ قبلَ الفقهاءُ وأنتَ تردّ
على حالتِكَ هذهِ ! فبكى الفضيلُ وقالَ : أتدرونَ ؟ ما مثلي ومثلُكُمْ إلا كمثلٍ
قومٍ كانَتْ لهُمْ بقرةٌ يحرثونَ عليها ، فلما هرمَتْ .. قالوا : اذبحوها وانتفعوا
بجلدِها ، وكذلكَ أَنتُمْ أردتُمْ ذبحي على كبرٍ سنِّي ، موتوا يا أهلي جوعاً
خيرٌ لكمْ مِنْ أنْ تذبحوا فضيلاً(١).
وقالَ عبيدُ بنُ عميرٍ : ( كانَ عيسى ابنُ مريمَ عليهِ السلامُ يلبسُ الشعرَ ،
ويأكلُ الشجرَ ، وليسَ لهُ ولدٌ يموتُ ، ولا بيتٌ يخربُ، ولا يدخرُ لغدٍ ،
أينَما أدركَهُ المساءُ .. نامَ)(٢).
(١) رواه ضمن خبر طويل فيه قصة زيارة هارون الرشيد له أبو نعيم في « الحلبة))
(١٠٥/٨)، والبيهقي في ((الشعب)) (٧٠٢٨) بنحوه .
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٣٥٣٦٧).
١٢٣

كتاب الفقر والزهد
نجتهد عونعن
ربع المنجيات
حن .. حن
وقالَتِ امرأةٌ أبي حازمٍ لأبي حازم : هذا الشتاءُ قَدْ هجمَ علينا ، ولا بدَّ
لنا مِنَ الطعام والثيابِ والحطبِ ، فقالَ لها أبو حازم : مِنْ هذا كلِّهِ بدِّ ،
ولكنْ لا بدَّ لنا مِنَ الموتِ، ثمَّ البعثِ، ثمَّ الوقوفِ بينَ يديِ اللهِ عزَّ وجلَّ ،
ثُمَّ الجنَّةِ أوِ النارِ(١).
وقيلَ للحسنِ : لِمَ لا تغسلُ قميصَكَ؟ قالَ : الأمرُ أعجلُ مِنْ
ذلكَ (٢)
6
وقالَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ : ( قَدْ حُجبَتْ قلوبُنا بثلاثةِ أغطيةٍ ، فلنْ يُكشفَ
للعبدِ اليقينُ حتَّى تُرَفعَ هذِهِ الحُجُبُّ : الفرحُ بالموجودِ ، والحزنُ على
المفقودِ ، والسرورُ بالمدح ، فإذا فرحتَ بالموجودِ .. فأنتَ حريصٌ ، وإذا
حزنتَ على المفقودِ .. فأنتَ ساخطٌ والساخطُ معذَّبٌ، وإذا سُررتَ
بالمدحِ .. فأنتَ معجبٌّ والعجْبُ يحبطُ العملَ )(٣).
وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ( ركعتانٍ مِنْ زاهدٍ قلبُهُ خيرٌ لهُ وأحبُّ
إلى اللهِ مِنْ عبادةِ المتعبدينَ المجتهدينَ إلى آخرِ الدهرِ أبداً سرمداً)(٤).
(١) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) (٥١٥/٧)، والدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم)
(ص٥٠ ).
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ( ٢٧٠/٦).
(٣) كذا في ((القوت)) (٢٥٠/١)، ورواه أبو نعيم في «الحلية)) (٣٤/٨) بنحوه.
(٤) قوت القلوب (٢٦٥/١) حيث قال: (وروى مسروق عن ابن مسعود) وذكره .
١٢٤
بون
---

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
وقالَ بعضُ السلفِ : ( نعمةُ اللهِ علينا فيما صرفَ عنَّا أكثرُ مِنْ نعمتِهِ فيما
صرفَ إلينا)(١)، وكأنَّهُ التفتَ إلى معنى قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((إنَّ اللهَ تعالى يحمي عبدَهُ المؤمنَ الدنيا وهوَ يحبُّهُ كما تحمونَ مريضَكُمُ
الطعامَ والشرابَ تخافونَ عليهِ))(٢)، فإذا فُهِمَ هذا .. عُلِمَ أنَّ النعمةَ في
المنع المؤدِّي إلى الصحةِ أكبرُ منها في الإعطاءِ المؤدِّي إلى السقمِ .
وكانَ الثوريُّ يقولُ: ( الدنيا دارُ التواءٍ لا دارُ استواءٍ ، ودارُ ترحٍ لا دارُ
فرحٍ، مَنْ عرفَها .. لمْ يفرحْ برخاءٍ ، ولمْ يحزنْ على شقاءٍ)(٣).
وقالَ سهلٌ : ( لا يخلصُ العملُ لمتعبدٍ حتَّى لا يفزعَ مِنْ أربعةِ أشياءَ :
الجوعُ، والعريُّ، والفقرُ، والذلُّ)(٤).
وقالَ الحسنُ البصريُّ : ( أدركتُ أقواماً وصحبتُ طوائفَ ما كانوا
يفرحونَ بشيءٍ مِنَ الدنيا أقبلَ ، ولا يأسفونَ على شيءٍ منها أدبرَ ، ولهيَ
كانَتْ في أعينِهِمْ أهونَ مِنَ الترابِ ، كانَ أحدُهُمْ يعيشُ خمسينَ سنةً وستينَ
سنةً لمْ يُطوَ لهُ ثوبٌ، ولمْ يُنصبْ له قدْرٌ، ولمْ يجعلْ بينَهُ وبينَ الأرضِ
شيئاً، ولا أمرَ مَنْ في بيتِهِ بصنعةِ طعامٍ قطّ، فإذا كانَ الليلُ .. فقيامٌ على
(١) قوت القلوب (٢٦٦/١).
(٢) رواه الترمذي (٢٠٣٦) .
(٣) قوت القلوب (٢٦٦/١)، وأورده الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٨١٨٦) من
حديث ابن عمر رضي الله عنهما .
(٤) رواه القشيري في ((رسالته)) (ص ٣٤٥).
١٢٥
13

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
أطرافِهِمْ، يفترشونَ وجوهَهُمْ ، تجري دموعُهُمْ على خدودِهِمْ، يناجونَ
ربَّهُمْ فِي فكاكِ رقابِهِمْ، كانوا إذا عملوا الحسنةَ .. دأبوا في شكرِها ،
وسألوا اللهَ أنْ يتقبّلَها، وإذا عملوا السيئةَ .. أحزنَتْهُمْ، وسألوا اللهَ أن
يغفرَها لَهُمْ ، فلم يزالوا على ذلكَ ، وواللهِ ما سلموا مِنَ الذنوبِ ولا نجوا
إلا بالمغفرةٍ )(١) .
(١) رواه أحمد في ((الزهد)) (١٦٤٣).
ير
٤٥- ٠٤٥٠
١٢٦
حر حن
KO

*G
ربع المنجيات
ذرة . محن
كتاب الفقر والزهد
بيان درجات الزهد وأقسامه
بالإضافة إلى نفسه، وإلى المرغوب عنه، وإلى المرغوب فيه
اعلمْ : أنَّ الزهدَ في نفسِهِ يتفاوتُ بحسبٍ تفاوتِ قوَّتِهِ على درجاتٍ
ثلاثِ :
الدرجةُ الأولى - وهيَ السفلى منها - :
أنْ يزهدَ في الدنيا وهوَ لها مشتهٍ، وقلبُهُ إليها مائلٌ ، ونفسُهُ إليها
ملتفتةٌ، ولكنَّهُ يجاهدُها ويكفُّها، وهذا يُسمَّى المتزهِّدَ، وهوَ مبدأُ الزهدِ
في حقِّ مَنْ يصلُ إلى درجةِ الزهدِ بالكسبِ والاجتهادِ .
سكن شن جن جم حن
والمتزهِّدُ يذيبُ أوَّلاً نفسَهُ ثمَّ كيسَهُ(١)، والزاهدُ أوَّلاً يذيبُ كِيسَهُ ثمَّ
يذيبُ نفسَهُ في الطاعةِ ، لا في الصبرِ على ما فارقَهُ ، والمتزهِّدُ على خطرٍ ؛
فإنَّهُ ربما تغلبُهُ نفسُهُ، وتجذبُهُ شهوتُهُ، فيعودُ إلى الدنيا وإلى الاستراحةِ بها
في قليلٍ أوْ كثيرٍ .
الدرجةُ الثانيةُ :
الذي يتركُ الدنيا طوعاً لاستحقارهِ إِيَّاها بالإضافةِ إلى ما طمعَ فيهِ ؛
كالذي يتركُ درهماً لأجلِ درهمينٍ ، فإنَّهُ لا يشقُّ عليهِ ذلكَ وإنْ كانَ يحتاجُ
:3
:3
(١) بإخراج المرغوب منه. ((إتحاف)) (٣٣٧/٩).
١٢٧

كتاب الفقر والزهد
مومـ
2.
ربع المنجيات
إلى انتظارٍ قليلٍ ، ولكنْ هذا الزاهدُ يرى - لا محالةَ - زهدَهُ ويلتفتُ إليهِ ؛
كما يرى البائعُ المبيعَ ويلتفتُ إليهِ ، فيكادُ يكونُ معجباً بنفسِهِ وبزهدِهِ ،
ويظنُّ بنفسِهِ أنَّهُ تركَ شيئاً لهُ قدرٌ لما هوَ أعظمُ قدراً منهُ، وهذا أيضاً
نقصانٌ .
الدرجةُ الثالثةُ ۔ وهي العليا - :
أنْ يزهدَ طوعاً، ويزهدَ في زهدِهِ ، فلا يرى زهدَهُ ؛ إذْ لا يرى أنَّهَ تركَ
شيئاً، إذْ عرفَ أنَّ الدنيا لا شيءَ، فيكونُ كمَنْ تركَ خزفَةً وأخذَ جوهرةٌ ،
فلا يرىُ ذلكَ معاوضةً، ولا يرىُ نفسَهُ تاركاً شيئاً ، والدنيا بالإضافةِ إلى اللهِ
تعالى ونعيم الآخرةِ أخسُّ مِنْ خزفةٍ بالإضافةِ إلى جوهرةٍ .
فهذا هوَ الكمالُ في الزهدِ ، وسببُّهُ كمالُ المعرفةِ ، ومثلُ هذا الزاهدِ
آمنٌ مِنْ خطرِ الالتفاتِ إلى الدنيا، كما أنَّ تاركَ الخزفةِ بالجوهرةِ آمنٌ مِنْ
طلبِ الإقالةِ في البيعِ .
قالَ أبو يزيدَ لأبي موسى : عبدُ الرحيمٍ في أيِّ شيءٍ يتكلّمُ ؟ قالَ : في
الزهدِ ، قالَ : في أيِّ شيءٍ ؟ قالَ: في الدنيا ، فنفضَ يدَهُ وقالَ: ظننتُ أنَّهُ
يتكلّمُ في شيءٍ ، الدنيا لا شيءَ، أيشٍ يزهدُ فيها؟!(١).
(١) قوت القلوب (٢٦٩/١)، وأبو موسى هو هارون بن سليمان الكوفي ، وعبد الرحيم
هو ابن يحيى الأسود الأرموي الدمشقي. انظر ((الإتحاف)) (٣٣٨/٩).
عن ، عن سجن جو. جن جن حة
ت.
١٢٨

ربع المنجيات
ومثلُ مَنْ تركَ الدنيا للآخرةِ عندَ أهلِ المعرفةِ وأربابِ القلوبِ المعمورةِ
بالمشاهداتِ والمكاشفاتِ مثلُ مَنْ منعَهُ عنْ بابِ الملكِ كلبٌّ على بابِهِ ،
فألقى إليهِ لقمةً مِنْ خبزٍ ، فشغلَهُ بنفسِهِ ، ودخلَ البابَ ونالَ القربَ عندَ
الملكِ، حتَّى نفذَ أمرُهُ في جميع مملكتِهِ ، أَفترى أنَّهُ يرى لنفسِهِ يداً عندَ
الملكِ بلقمةِ خبزٍ ألقاها إلى كلبِهِ في مقابلةِ ما قدْ نالَهُ ؟
عن
سعى
بون كن جن
فالشيطانُ كلبٌّ على بابِ اللهِ تعالى يمنعُ الناسَ مِنَ الدخولِ ، معَ أنَّ
البابَ مفتوحٌ والحجابَ مرفوعٌ ، والدنيا كلقمةِ خبزٍ، إنْ أُكَلَتْ .. فلذَّتُها
في حالِ المضغِ ، وتنقضي على القربِ بالابتلاعِ، ثُمَّ يبقى ثفلُها في
المعدةِ ، ثمَّ تنتهي إلى النتنِ والقذرِ، ثمَّ يحتاجُ بعدَ ذلكَ إلى إخراجِ ذلكَ
الثفلِ ، فمَنْ تركَها لينالَ عزَّ الملكِ كيفَ يلتفتُ إليها ؟!
ونسبةُ الدنيا كلِّها - أعني ما يسلمُ لكلِّ شخصٍ منها وإنْ عُمِّرَ مئةً سنةٍ .
بالإضافةِ إلى نعيم الآخرةِ أقلُّ مِنْ لقمةٍ بالإضافةِ إلى ملكِ الدنيا ؛ إذْ لا نسبةً
للمتناهي إلى ما لا نهايةَ لهُ، والدنيا متناهيةٌ على القربِ ولوْ كانَتْ تتمادى
ألفَ أَلْفِ سنةٍ صافيةً عنْ كلِّ كدرٍ .. لكانَ لا نسبةَ لها إلى نعيمِ الأبدِ ، فكيفَ
ومدَّةُ العمر قصيرةٌ ولذَّاتُ الدنيا مكدرةٌ غيرُ صافيةٍ ؟! فأيُّ نسبةٍ لها إلى نعيمٍ
الأبد ؟!
فإذاً؛ لا يلتفتُ الزاهدُ إلى زهدِهِ إلا إذا التفتَ إلى ما زهدَ فيهِ ،
ولا يلتفتُ إلى ما زهدَ فيهِ إلا لأنَّهُ يراهُ شيئاً معتدّاً بهِ ، ولا يراهُ شيئاً معتداً بهِ
٩٥: ٢٥
١٢٩
ترغ
مكن
:2
كتاب الفقر والزهد
حں

۔
كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
سحن <٥
إلا لقصور معرفتِهِ ، فسببُ نقصانِ الزهدِ نقصانُ المعرفةِ .
فهذا تفاوتُ درجاتِ الزهدِ ، وكلُّ درجةٍ مِنْ هذهِ أيضاً لها درجاتٌ ، إذْ
تصبُّرُ المتزهِّدِ يختلفُ ويتفاوتُ أيضاً باختلافِ قَدْرِ المشقّةِ في الصبرِ ،
وكذلكَ درجةُ المعجبِ بزهدِهِ في قدْرِ التفاتِهِ إلى زهدِهِ .
whewr
وأمَّا انقسامُ الزهدِ بالإضافةِ إلى المرغوبِ فيهِ .. فهوَ أيضاً على ثلاثٍ
درجات :
الدرجةُ السفلىُ :
أنْ يكونَ المرغوبُ فيهِ النجاةَ مِنَ النارِ ومِنْ سائرِ الآلامِ ؛ كعذابِ القبرِ ،
ومناقشةِ الحسابِ ، وخطرِ الصراطِ ، وسائرٍ ما بينَ يدي العبدِ مِنَ الأهوالِ
كما وردَتْ بهِ الأخبارُ ؛ ففي الخبرِ: ((إنَّ الرجلَ ليُوقفُ في الحسابِ حتى
لو وردَتْ مئةُ بعيرٍ عطاشاً على عرقِهِ .. لصدرَتْ رِواءً))(١) ، فهذا هوَ زهدُ
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٠٤/١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً :
« التقى مؤمنان على باب الجنة ؛ مؤمن غني ومؤمن فقير كانا في الدنيا ، فأدخل الفقير
الجنة وحبس الغني ما شاء الله أن يحبس ثم أدخل الجنة ، فلقيه الفقير ، فيقول : أي
أخي ؛ ماذا حبسك؟ والله لقد احتبست حتى خفت عليك ، فيقول : أي أخي ؛ حبست
بعدك محبساً فظيعاً كريهاً ، وما وصلت إليك حتى سال مني من العرق ما لو ورده ألف
بعير كلها آكلة حمض .. لصدرت عنه رواء))، والحمض : نبت فيه ملوحة يحمل على
كثرة الشرب .
١٣٠
مقنته

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
الخائفينَ ، وكأنَّهُمْ رضوا بالعدم لوْ أعدموا ، فإنَّ الخلاصَ مِنَ الألم يحصلُ
بمجرَّدِ العدم(١).
ـون
الدرجةُ الثانيةُ :
أنْ يزهدَ رغبةً في ثوابِ اللهِ ونعيمِهِ ، واللذَّاتِ الموعودةِ في جنَّتِهِ مِنَ
الحورِ والقصورِ وغيرِها ، وهذا زهدُ الراجينَ ، فإنَّ هؤلاءِ ما تركوا الدنيا
قناعةً بالعدم والخلاصِ مِنَ الألمٍ ، بلْ طمعوا في وجودٍ دائمٍ ونعيمٍ سرمدٍ
لا آخرَ لهُ .
جن عن ان شر
الدرجةُ الثالثةُ - وهيَ العليا - :
ألا يكونَ لهُ رغبةٌ إلا في اللهِ وفي لقائِهِ ، فلا يلتفتُ قلبُهُ إلى الآلامِ ليقصدَ
الخلاصَ منها ، ولا إلى اللذاتِ ليقصدَ نيلَها والظفرَ بها ، بلْ هوَ مستغرقُ
الهمّ باللهِ تعالى، وهوَ الذي أصبحَ وهمومُهُ همِّ واحدٌ، وهوَ الموحِّدُ
الحقيقيُّ الذي لا يطلبُ غيرَ اللهِ تعالى؛ لأنَّ مَنْ طلبَ غيرَ اللهِ . . فقدْ عبدَهُ ،
وكلُّ مطلوبٍ معبودٌ، وكلُّ طالبٍ عبدٌ بالإضافةِ إلى مطلبِهِ ، وطلبُ غيرِ اللهِ
ت
(١) أشار الحافظ الزيدي إلى أن العدم هنا بمعنى الفقر إذا قال في ((إتحافه)) (٣٣٩/٩):
( لأن احتباس الغني إنما كان لسبب غناه )، وما يفيده لحاق المصنف الآتي أن العدم
هنا على إطلاقه .
١٣١

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
مِنَ الشركِ الخفيِّ، وهذا زهدُ المحبِينَ(١)، وهمُ العارفونَ؛ لأنَّهُ
لا يحبُّ اللهَ تعالى خاصَّةً إلا مَنْ عرفَهُ، وكما أنَّ مَنْ عرفَ الدينارَ وعرفَ
الدرهمَ وعلمَ أنَّهُ لا يقدرُ على الجمع بينَهُما .. لمْ يحبَّ إلا الدينارَ ؛ فكذلكَ
مَنْ عرفَ اللهَ، وعرفَ لذَّةَ النظرِ إلى وجهِهِ الكريمِ ، وعرفَ أنَّ الجمعَ بينَ
تلكَ اللذةِ وبينَ لذَّةِ التنقُمِ بالحورِ العينِ والنظرِ إلى نقشِ القصورِ وخضرةٍ
الأشجارِ غيرُ ممكنٍ .. فلا يحبُّ إلا لذَّةَ النظرٍ ولا يؤثرُ غيرَهُ .
ن؟
بسبببه
ولا تظنَّنَّ أنَّ أهلَ الجنَّةِ عندَ النظرِ إلى وجهِ اللهِ تعالى يبقى للذَّةِ الحور
والقصورِ متسعٌ في قلوبِهِمْ ، بلْ تلكَ الذَّةُ بالإضافةِ إلى لذَّةِ نعيم الجنَّةِ كلذَّةٍ
ملْكِ الدنيا والاستيلاءِ على أطرافِ الأرضِ ورقابِ الخلقِ بالإضافةِ إلى لذَّةِ
الاستيلاء على عصفورِ واللعبِ بهِ ، والطالبونَ لنعيمِ الجنَّةِ عندَ أهلِ المعرفةِ
وأربابِ القلوبِ كالصبيِّ الطالبِ للعبِ بالعصفورِ التاركِ اللذَّةِ الملْكِ ، وذلكَ
لقصورِهِ عنْ إدراكِ لذَّةِ الملكِ، لا لأنَّ اللعبَ بالعصفورِ في نفسِهِ أعلى وألذُّ
مِنَ الاستيلاءِ بطريقِ الملكِ على كافَّةِ الخلقِ .
جن حن دن
وأمَّا انقسامُهُ بالإضافةِ إلى المرغوبِ عنهُ : فقدْ كثرَتْ فيهِ الأقاويلُ ،
ولعلَّ المذكورَ فيهِ يزيدُ على مئةِ قولٍ ، فلا نشتغلُ بنقلِ الأقاويلِ ، ولكنْ
حن
تن
(١) وصاحب هذا المقام قد سباه الحب وشغفه الشوق ، فهو داخل في الخلق منفصل
منهم ، غير مضيع لما ألزمه الله من حقوقهم ، فأنَّى لإبليس أن يطمع في هذا ومعه
من الله عصمة وتأييد، فلولا القدر .. لرفعه إليه من حبه له. ((إتحاف)) (٣٤٠/٩).
١٣٢
حارة
.من
حن

ربع المنجيات
دوم
حن
كتاب الفقر والزهد
حن
مح
تشيرُ إلى كلام محيطٍ بالتفاصيلِ، حتَّى يتضحَ أنَّ أكثرَ ما ذُكرَ فيهِ قاصرٌ عنِ
الإحاطةِ بالكلِّ ، فنقولُ :
المرغوبُ عنهُ بالزهدِ لهُ إجمالٌ وتفصيلٌ ، ولتفصيلِهِ مراتبُ ، بعضُها
أشرحُ لآ حادِ الأقسامِ ، وبعضُها أجمعُ للجملِ .
أمَّا الإجمالُ في الدرجة الأولىُ: فهوَ كلُّ ما سوى اللهِ ، فينبغي أنْ يزهدَ
فيهِ ، حتَّى يزهدَ في نفسِهِ أيضاً .
حن
والإجمالُ في الدرجةِ الثانيةِ : أنْ يزهدَ في كلِّ صفةٍ للنفسِ فيها متعةٌ ،
وهذا يتناولُ جميعَ مقتضياتِ الطبع ؛ مِنَ الشهوةِ ، والغضبِ ، والكبرِ ،
والرئاسةِ ، والمالِ ، والجاهِ ، وغيرِها .
جن
وفي الدرجةِ الثالثةِ : أنْ يزهدَ في المالِ والجاهِ وأسبابهما ، إذْ إليهما
ترجعُ جميعُ حظوظِ النفسِ .
وفي الدرجةِ الرابعةِ : أَنْ يزهدَ في العلمِ والقدرةِ ، والدينارِ والدرهمِ
والجاهِ ، إذِ الأموالُ وإنْ كثرَتْ أصنافُها فيجمعُها الدينارُ والدرهمُ ، والجاهُ
وإنْ كثرَتْ أسبابُهُ فيرجعُ إلى العلمِ والقدرةِ ، وأعني بهِ كلَّ علمٍ وقدرةٍ
مقصودُها ملْكُ القلوبِ ، إذْ معنى الجاهِ هوَ ملكُ القلوبِ والقدرةُ عليها ،
كما أنَّ معنى المالِ ملكُ الأعيانِ والقدرةُ عليها .
فإنْ جاوزتَ هذا التفصيلَ إلى شرحٍ وتفصيلٍ أبلغَ مِنْ هذا .. فيكادُ
يخرجُ ما فيهِ الزهدُ عنِ الحصرِ ، وقدْ ذكرَ اللهُ تعالى في آيةٍ واحدةٍ سبعةً منها
١٣٣
ـدن
دن
خن
۔۔
٠٠
٠٠

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
فقالَ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَتِ مِنَ النِّسَاءِ وَأَلْبَنِينَ وَاَلْقَتَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِـ
الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْفَمِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا﴾.
ثمَّ ردَّهُ في آيةٍ أخرى إلى خمسةٍ فقالَ عزَّ وجلَّ: ﴿أَعْلَمُوْاْ أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا
لَحِبُّ وَلَهُوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَّكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِىِ اْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ﴾ .
ثُمَّ ردَّهُ تعالى في موضع آخرَ إلى اثنينِ فقالَ: ﴿إِنَّمَا الْحَوَةُ الذُّنْيَا لَعِبٌ
وَلَهْوٌ﴾ .
زيت.
ثمَّ ردَّ الكلَّ إلى واحدٍ في موضع آخرَ فقالَ: ﴿ وَنَّهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَ * فَإِنَّ
اْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾، فالهوى لفظ يجمعُ جميعَ حظوظ النفسِ في الدنيا ،
فينبغي أنْ يكونَ الزهدُ فیهِ .
وإذا فهمتَ طريقَ الإجمالِ والتفصيلِ .. عرفتَ أنَّ البعضَ مِنْ هذهِ
لا يخالفُ البعضَ، وإنَّما يفارقُهُ في الشرح مرَّةً والإجمالِ أخرى .
والحاصلُ : أنَّ الزهدَ عبارةٌ عنِ الرغبةِ عنْ حظوظِ النفسِ كلِّها ، ومهما
رغبَ عنْ حظوظِ النفسِ .. رغبَ عنِ البقاءِ في الدنيا، فقصرَ أملُهُ
لا محالَةَ؛ لأنَّهُ إنَّما يريدُ البقاءَ ليتمثَّعَ، ويريدُ التمتُّعَ الدائمَ بإرادةِ البقاءِ ،
فإنَّ مَنْ أرادَ شيئاً .. أرادَ دوامَهُ، ولا معنى لحبِّ الحياةِ إلا حبُّ دوامٍ ما هوَ
موجودٌ أوْ ممكنٌ في هذهِ الحياةِ ، فإذا رغبَ عنها .. لمْ يردْها .
C
٢
ولذلكَ لمَّا كُتِبَ عليهِمُ القتالُ قالوا: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَثَبْتَ عَلَيْنَا الْفِنَالَ لَوْلَا أَخَّرْنَنَاً
إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾، فقال تعالى: ﴿قُلْ مَنَعُ الذُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ أيْ: لستُمْ تريدونَ
١٣٤
٠٠
۔
۔

ربع المنجيات
جر.
كتاب الفقر والزهد
البقاءَ إلا لمتاع الدنيا، فظهرَ عندَ ذلكَ الزاهدونَ، وانكشفَ حالُ المنافقينَ.
حن
ـود
أمَّا الزاهدونَ المحبُّونَ اللهِ تعالى .. فقاتلوا في سبيلِ اللهِ كأنَّهُمْ بنيانٌ
مرصوصٌ ، وانتظروا إحدى الحسنيينِ ، وكانوا إذا دُعوا إلى القتالِ ..
يستنشقونَ رائحةَ الجنَّةِ ، ويبادرونَ إليهِ مبادرةَ الظمآنِ إلى الماءِ الباردِ ؛
حرصاً على نصرةِ دينِ اللهِ عزَّ وجلَّ أوْ نيلِ رتبةِ الشهادةِ ، وكانَ مَنْ ماتَ منهُمْ
على فراشِهِ يتحسَّرُ على فوتِ الشهادةِ ، حتَّى إنَّ خالدَ بنَ الوليدِ رضيَ اللهُ
تعالى عنهُ لما احتضرَ للموتِ على فراشِهِ كانَ يقولُ : ( كمْ غررتُ بروحي
وهجمتُ على الصفوفِ طمعاً في الشهادةِ ، وأنا الآنَ أموتُ موتَ
العجائزِ)، فلمَّا ماتَ عُدَّ على جسدِهِ ثمان مئةِ ثقبٍ مِنْ آثارِ الجراحاتِ (١)،
هكذا كانَ حالُ الصادقينَ في الإيمانِ رضيَ اللهُ تعالى عنهُمْ أجمعينَ .
وأمَّا المنافقونَ .. ففرُّوا مِنَ الزحفِ خوفاً مِنَ الموتِ، فقيلَ لهُمْ: ﴿إِنَّ
اَلْمَوْتَ أَلَّذِى تَّفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَقِيكُمْ﴾، فإيثارُهُمُ البقاءَ على الشهادةِ
استبدالُ الذي هوَ أدنى بالذي هوَ خيرٌ، فأولئكَ الذينَ اشترَوُا الحياةَ الدنيا
بالآخرةِ ، فما ربحَتْ تجارتُهُمْ وما كانوا مهتدينَ .
وأمَّا المخلصونَ .. فإنَّ اللهَ تعالى اشترى منهُمْ أَنفسَهُمْ وأموالَهُمْ بأنَّ لهُمُ
(١) روى الدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم)) (ص١٤٢) عن أبي الزناد : أن خالد بن
الوليد لما حضرته الوفاة .. بكى وقال : لقد لقيت كذا وكذا زحفاً ، وما في جسدي شبر
إلا وفيه ضربة سيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح ، فهلأنا أموت على فراشي حتف أنفي
كما يموت البعير ، فلا نامت أعين الجبناء .
١٣٥

كتاب الفقر والزهد
حميد
ربع المنجيات
الجنَّةَ، فلما رأَوا أنَّهُمْ تركوا تمتُّعَ عشرينَ سنةً مثلاً أُوْ ثلاثينَ سنةً بتمتُّع
الأبدِ . . استبشروا ببيعِهِمُ الذي بايعوا بهِ .
فهذا بيانُ المزهودِ فيهِ .
وإذا فهمتَ هُذا .. علمتَ أن ما ذكرَهُ المتكلِّمونَ في حدِّ الزهدِ لمْ
يشيروا بهِ إلا إلى بعضٍ أقسامِهِ، فذكرَ كلُّ واحدٍ منهُمْ ما رآهُ غالباً على نفسِهِ
أَوْ على مَنْ كانَ يخاطبُهُ .
فقالَ بشرٌ رحمَهُ اللهُ تعالى: (الزهدُ في الدنيا هوَ الزهدُ في الناس)(١)،
وهذا إشارةٌ إلى الزهدِ في الجاهِ خاصَّةً .
١٥٠
وقالَ قاسمٌ الجوعيُّ : ( الزهدُ في الدنيا هوَ الزهدُ في الجوفِ ، فبقدْر
ما تملكُ مِنْ بطنِكَ كذلكَ تملكُ مِنَ الزهدِ )(٢)، وهذا إشارةٌ إلى الزهدِ في
شهوةٍ واحدةٍ ، ولعمري هيَ أغلبُ الشهواتِ على الأكثرِ، وهيَ المهيِّجةُ
لأكثرِ الشهواتِ .
وقال الفضيلُ : ( الزهدُ في الدنيا هوَ القناعةُ)(٣)، وهذا إشارةٌ إلى
المالِ خاصَّةٌ .
حن حج جرج . عن
(١) كذا في ((القوت)) (٢٥٢/١)، ونحوه أورده المحاسبي في ((الوصايا)) (ص٢٤٦).
(٢) قوت القلوب (٢٥٢/١).
(٣) كذا في ((القوت)) (٢٥٢/١)، ورواه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله))
(٦٤٧ ) .
-من -ئن، جن جن -ئن
ـوت
١٣٦
: ٥ نور حن
٠٠
حن
درة .
-
ـت®
ـنء.

ربع المنجيات
رم.
كتاب الفقر والزهد
ـحن
وقالَ الثوريُّ: (الزهدُ هوّ قصرُ الأملِ)(١)، وهذا جامعٌ لجميع
الشهواتِ ، فإنَّ مَنْ يميلُ إلى الشهواتِ يحدِّثُ نفسَهُ بالبقاءِ ، فيطولُ أملُهُ ،
ومَنْ قصرَ أملُهُ .. فكأنَّهُ رغبَ عنِ الشهواتِ كلِّها .
وقالَ أويسٌ : ( إذا خرجَ الزاهدُ يطلبُ .. ذهبَ الزهدُ عنهُ)(٢)،
وما قصدَ بهذا حذَّ الزهدِ ، ولكنْ جعلَ التوكُّلَ شرطاً في الزهدِ .
وقالَ أويسٌ أيضاً : ( الزهدُ هوَ تركُ الطلبِ للمضمونِ )(٣)، وهوَ إشارةٌ
إلى الرزقِ .
وقالَ أهلُ الحديثِ : ( الدنيا هوَ العملُ بالرأي والمعقولِ ، والزهدُ إنَّما
هوَ اتباعُ العلمِ ولزومُ السنةِ)(٤)، وهذا إنْ أُريدَ بهِ الرأيُّ الفاسدُ والمعقولُ
الذي يُطلبُ بهِ الجاهُ في الدنيا .. فهوَ صحيحٌ ، ولكنَّهُ إشارةٌ إلى بعضٍ
أسبابِ الجاهِ خاصَّةً ، أوْ إلى بعضٍ ما هوَ منْ فضولِ الشهواتِ ، فإنَّ مِنَ
العلومِ ما لا فائدةَ فيهِ في الآخرةِ ، وقدْ طوَّلوها حتَّى ينقضي عمرُ الإنسانِ في
الاشتغالِ بواحدٍ منها، فشرطُ الزاهدِ أنْ يكونَ الفضولُ أوَّلَ مرغوبٍ عنهُ
عندَهُ .
وقالَ الحسنُ : ( الزاهدُ الذي إذا رأى أحداً .. قالَ: هذا أفضلُ
(١) قوت القلوب (١/ ٢٥٢).
قوت القلوب (١/ ٢٥٢).
(٢)
قوت القلوب (١/ ٢٦٧ ) .
(٣)
(٤) قوت القلوب (١/ ٢٦٧).
١٣٧
جح ..
حن جن
حن ون جم

كتاب الفقر والزهد
موم
ربع المنجيات
مِنِّي)(١) ، فذهبَ إلى أنَّ الزهدَ هوَ التواضعُ، وهذا إشارةٌ إلى نفي الجاهِ
والعجبٍ ، وهوّ بعضُ أقسام الزهدِ .
وقالَ بعضُهُمْ: ( الزهدُ هوَ طلبُ الحلالِ)(٢) ، وأينَ هذا ممَّنْ يقولُ:
( الزهدُ هوَ تركُ الطلبِ ) كما قالَ أويسٌ، ولا شكّ في أنَّهُ أرادَ بهِ تركَ طلبٍ
الحلالِ ؟!
G
وقدْ كانَ يوسفُ بنُ أسباطٍ يقولُ : ( مَنْ صبرَ على الأذى ، وتركَ
الشهواتِ، وأَكلَ الخبزَ مِنْ حلالٍ .. فقدْ أخذَ بأصلِ الزهدِ)(٣).
وفي الزهدِ أقاويلُ وراءَ ما نقلناهُ ، فلمْ نرَ في نقلِها فائدةٌ ، فإنَّ مَنْ طلبَ
كشفَ حقائقِ الأمورِ مِنْ أقاويلِ الناسِ .. رآها مختلفةً، فلا يستفيدُ إلا
الحيرةَ ، وأمَّا مَنِ انكشفَ لهُ الحقُّ في نفسِهِ ، وأدركُهُ بمشاهدةٍ مِنْ قلبهِ ،
لا بتلقُّفٍ مِنْ سمعهِ . . فقدْ وثقَ بالحقِّ، واطلعَ على قصورِ مَنْ قَضَّرَ لقصورِ
بصيرتِهِ ، وعلى اقتصارِ مَنِ اقتصرَ معَ كمالِ المعرفةِ لاقتصارِ حاجتِهِ .
وهؤلاءٍ كلَّهُمُ اقتصروا لا لقصورٍ في البصيرةِ، ولكنَّهُمْ ذكروا ما ذكروهُ
عندَ الحاجةِ ، فلا جرمَ ذكروهُ بقدْرِ الحاجةِ ، والحاجاتُ تختلفُ ، فلا جرمَ
الكلماتُ تختلفُ .
وقدْ يكونُ سببُ الاقتصارِ الإخبارَ عنِ الحالةِ الراهنةِ التي هيَ مقامُ العبدِ
(١) رواه البيهقي في (( الزهد الكبير)) (٧٤).
(٢) قوت القلوب (٢٦٨/١).
(٣) رواه البيهقي في ((الزهد الكبير)) (٤٠٤).
١٣٨
حرن حل : دن
حن ثن
مدن
جن

-- --- +
ربع المنجيات
موجبـ
ميـ
كتاب الفقر والزهد
جن
في نفسِهِ ، والأحوالُ تختلفُ ، فلا جرمَ الأقوالُ المخبرةُ عنها تختلفُ .
وأمَّا الحقُّ في نفسِهِ .. فلا يكونُ إلا واحداً، ولا يُتصوَّرُ أنْ يختلفَ ، وإنَّما
الجامعُ مِنْ هذهِ الأقاويلِ ، الكاملُ في نفسِهِ وإنْ لمْ يكنْ فيهِ تفصيلٌ .. ما قالَةُ
أبو سليمان الدارانيُّ ؛ إذْ قالَ: ( سمعنا في الزهدِ كلاماً كثيراً ، والزهدُ عندَنا
تركُ كلِّ شيءٍ يشغلُكَ عنِ اللهِ عزَّ وجلَّ)(١)، وقدْ فضَّلَ مرَّةً وقالَ: ( مَنْ
تزوَّجَ، أَوْ سافرَ في طلبِ المعيشةِ، أَوْ كتبَ الحديثَ .. فقدْ ركنَ إلى
الدنيا)(٢)، فجعلَ جميعَ ذلكَ ضدّاً للزهدِ، وقدْ قرأَ أبو سليمانَ قولَهُ تعالى :
﴿إِلَّا مَنْ أَنَ اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فقالَ: (هوَ القلبُ الذي ليسَ فيهِ غيرُ اللهِ تعالى)(٣).
وقالَ : ( إنَّما زهدوا في الدنيا لتفرغَ قلوبُهُمْ مِنْ همومِها للآخرةِ )(٤)
فهذا بيانُ انقسام الزهدِ بالإضافةِ إلى أصنافِ المزهودِ فيهِ .
va
فأمَّا بالإضافةِ إلى أحكامِهِ : فينقسمُ إلى فرضٍ ، ونفلٍ ، وسلامةٍ ؛ كما
قالَهُ إبراهيمُ بنُ أدهمَ ، فالفرضُ هوَ الزهدُ في الحرامِ ، والنفلُ هوَ الزهدُ في
الحلالِ ، والسلامةُ هوَ الزهدُ في الشبهاتِ (٥) .
٠
وقدْ ذكرنا تفاصيلَ درجاتِ الورع في كتابِ الحلالِ والحرام ، وذلكَ مِنَ
(١) بنحوه عند صاحب (القوت)) (٢٥٢/١) .
(٢)
قوت القلوب (١/ ٢٥٢).
قوت القلوب (١/ ٢٥٢) .
(٣)
(٤) قوت القلوب (١/ ٢٥٢) .
(٥) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦/٨).
د):
١٣٩
ـحر
بون:٠٠ كن
جن
۔۔ژن

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
الزهدِ ، إِذْ قِيلَ لمالكِ بنِ أنسٍ : ما الزهدُ ؟ قالَ : التقوى .
وأمَّا بالإضافةِ إلى خفايا ما يُتركُ : فلا نهايةَ للزهدِ فيهِ ، إذْ لا نهايةً لما
تتمثَّعُ بهِ النفسُ في الخطراتِ واللحظاتِ وسائرِ الحالاتِ ، لا سيما خفايا
الرياءِ ، فإنَّ ذلكَ لا يطلعُ عليهِ إلا سماسرةُ العلماءِ، بلِ الأمورُ الظاهرةُ أيضاً
درجاتُ الزهدِ فيها لا تتناهى .
فِمِنْ أقصى درجاتِها زهدُ عيسى عليهِ السلامُ ، إذْ توسَّدَ حجراً في نومِهِ ،
فقالَ لهُ الشيطانُ : أما كنتَ تركتَ الدنيا ، فما الذي بدا لكَ ؟ قالَ :
وما الذي تجدَّدَ ؟ قالَ : توسدتَ الحجرَ - أي : تنعمتَ برفع رأسِكَ عنِ
الأرضِ في النوم - فرمى الحجرَ وقالَ: خذهُ معَ ما تركتُهُ لكَ (١).
ورُوِيَ عنْ يحيى بنِ زكريا عليهما السلامُ أنَّهُ لبسَ المسوحَ حتَّى نَقِبَ
جلدُهُ ؛ تركاً للتنقُّمٍ بلينِ اللباسِ، واستراحةٍ حسُ اللمسِ ، فسألَتْهُ أمُّهُ أنْ
يلبسَ مكانَها جبَّةً مِنْ صوفٍ ، ففعلَ ، فأوحى الله تعالى إليه : يا يحيى ؛
آثرتَ عليَّ الدنيا! فبكى ونزعَ الصوفَ، وعادَ إلى ما كانَ عليهِ (٢) .
حن
ـحن
وقالَ أحمدُ رحمهُ اللهُ : ( الزهدُ زهدُ أويسٍ ، بلغَ مِنَ العريِ إلى أنْ
جلسَ في قَوْصرَّةٍ)(٣).
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)) (٥٥٧) عن إسماعيل بن أبي خالد .
(٢) قوت القلوب (٢٦٥/١).
(٣) نحوه عند أحمد في ((الورع)) (٢٤٢)، وهو في «القوت)) (٢٦٧/١)، والقوصرَّة -
وتخفف - : وعاء للتمر من قصب .
ثن من جن جن ض أن
فكرت
١٤٠
حر
ـكن
حں