النص المفهرس

صفحات 81-100

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
رضيَ اللهُ عنهُ على صحَّةِ هذا المعنى الذي يغفُلُ عنهُ كثيرٌ مِنَ الفقهاءِ ، وقدْ
قررناهُ في مواضعَ ، ولا تستدلَّ بغفلتِكَ عنْ هذا الفقهِ على بطلانِ فعلِ عمرَ
رضيَ اللهُ عنهُ .
فإذا عرفتَ أنَّ السؤالَ يُباحُ لضرورةٍ .. فاعلمْ أنَّ الشيءَ إمَّا أنْ يكونَ
مضطراً إليهٍ ، أوْ محتاجاً إليهِ حاجةٌ مهمَّةً ، أوْ حاجةً خفيفةً ، أَوْ مستغنىّ
عنهُ ، فهذهِ أربعةُ أحوالٍ .
أمَّا المضطرُّ إليهِ : فهوَ سؤالُ الجائع عندَ خوفِهِ على نفسِهِ موتاً أوْ
مرضاً ، وسؤالُ العاري وبدنُهُ مكشوفٌ ليسَ معهُ ما يواريهِ ، وهوَ مباحٌ مهما
وُجِدَتْ بقيَّةُ الشروطِ في المسؤولِ بكونِهِ مباحاً ، والمسؤولِ منهُ بكونِهِ راضياً
في الباطنِ ، والسائلِ بكونِهِ عاجزاً عنِ الكسبِ ؛ فإنَّ القادر على الكسب
وهوَ بِطَّالٌ ليسَ لهُ السؤالُ إلا إذا استغرقَ طلبُ العلم أوقاتَهُ، وكلُّ مَنْ لهُ خطّ
فهوَ قادرٌ على الكسبِ بالوراقةِ .
وأمَّا المستغني .. فهوَ الذي يطلبُ شيئاً وعندَهُ مثلُهُ أوْ أمثالُهُ، فسؤالُهُ
حرامٌ قطعاً . وهذانِ طرفانٍ واضحانٍ .
وأمَّا المحتاجُ حاجةً مهمَّةً: فكالمريضِ الذي يحتاجُ إلى دواءٍ ليسَ يظهرُ
خوفُهُ لوْ لمْ يستعملْهُ ولكنَّهُ لا يخلو عنْ خوفٍ ، وكمَنْ لهُ جبَّةٌ ولا قميصَ
تحتها في الشتاءِ وهوَ يتأذَّى بالبردِ تأذِّياً لا ينتهي إلى حدِّ الضرورةِ ، وكذلكَ
مَنْ يسألُ لأجلِ الكراءِ وهوَ قادرٌ على المشي بمشقَّةٍ ، فهذا أيضاً ينبغي أنْ
٨١

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
دن:
تسترسلَ عليهِ الإباحةُ ؛ لأنَّها أيضاً حاجةٌ محقَّقةٌ ، ولكن الصبرُ عليهِ أولى ،
وهو بالسؤالِ تاركٌ للأولى، ولا يُسمَّى سؤالُهُ مكروهاً مهما صدقَ في
السؤالِ وقالَ : ( ليسَ تحتَ جبَّتي قميصٌ ، والبردُ يؤذيني أذىْ أطيقُهُ ،
ولكنْ يشقُّ عليَّ)، فإذا صدقَ .. فصدقُهُ يكونُ كفَّارةً لسؤالِهِ إنْ شاءَ اللهُ .
وأنَّا الحاجةُ الخفيفةُ : فمثلُ سؤالِهِ قميصاً ليلبسَهُ فوقَ ثيابِهِ عندَ خروجِهِ
فيسترَ الخروقَ التي في ثيابِهِ عنْ أعينِ الناسِ ، وكمَنْ يسألُ لأجلِ الأدم وهوَ
واجدٌ للخبزِ ، وكمَنْ يسألُ لكراءِ الفرسِ في الطريقِ وهوَ واجدٌ كراءَ
الحمارِ ، أَوْ يسألُ كراءَ المحملِ وهوَ قادرٌ على الراحلةِ ، فهذا ونحوُهُ إنْ
كانَ فيهِ تلبيسُ حالٍ بإظهارِ حاجةٍ غيرِ هذهِ .. فهوَ حرامٌ ، وإنْ لمْ يكنْ وكانَ
فيهِ شيءٌ مِنَ المحذوراتِ الثلاثةِ ؛ مِنَ الشكوى، أوِ الذلِّ، أَوْ إيذاءٍ
المسؤولِ .. فهوَ حرامٌ ؛ لأنَّ مثلَ هذهِ الحاجةِ لا تصلحُ لأَنْ تُبَاحَ بها هذهِ
المحذوراتُ ، وإنْ لمْ يكنْ فيها شيءٌ مِنْ ذلكَ .. فهوَ مباحٌّ معَ الكراهةِ .
فإنْ قلتَ : فكيفَ يمكنُ إخلاءُ السؤالِ عنْ هذهِ المحذوراتِ ؟
فاعلمْ : أنَّ الشكوى تندفعُ بأنْ يظهرَ الشكرَ اللهِ تعالى والاستغناءَ عنِ
الخلقِ ، ولا يسألَ سؤالَ محتاج ، ولكنْ يقولُ: ( أنا مستغنٍ بما أملكُهُ ،
ولكنْ تطالبُني رعونةُ النفسِ بثوبٍ فوقَ ثيابي ، وهوَ فضلةٌ عنِ الحاجةِ
وفضولٌ مِنَ النفسِ ) ، فيخرجُ بهِ عنْ حدِّ الشكوى .
٨٢

++ +
ربع المنجيات
هي:
كتاب الفقر والزهد
وأمَّا الذلُّ .. فأنْ يسألَ أباهُ أَوْ قَريبَهُ أَوْ صديقَهُ الذي يعلمُ أنَّهُ لا ينقصُهُ
ذلكَ في عينِهِ ، ولا يزدريهِ بسببِ سؤالِهِ ، أوِ الرجلَ السخيَّ الذي قدْ أعدَّ
مالَهُ لمثلِ هذهِ المكارمِ ، فيفرحُ بوجودٍ مثلِهِ ، ويتقلَّدُ منهُ مِنَّةً بقبولِهِ ،
فيسقطُ عنهُ الذُّ بذلكَ ، فإنَّ الذلَّ لازمٌ للمنَّةِ لا محالةً .
وأمَّا الإيذاءُ .. فسبيلُ الخلاصٍ عنهُ ألا يعيِّنَ شخصاً بالسؤالِ بعينِهِ ، بلْ
يلقي الكلامَ عرضاً بحيثُ لا يقدمُ على البذلِ إلا متبرَّعٌ بصدقِ الرغبةِ .
وإنْ كانَ في القومِ شخصٌّ مرموقٌ لوْ لمْ يبذلْ لكانَ يُلامُ .. فهذا إيذاءً ،
فإنَّهُ ربما يبذلُ كُرهاً خوفاً مِنَ الملامةِ ، ويكونُ الأحبُّ إليهِ في الباطنِ
الخلاصَ لوْ قدرَ عليهِ مِنْ غيرِ ملامةٍ .
وأمَّا إذا كانَ يسألُ شخصاً معيّناً .. فينبغي ألا يصرِّحَ، بلْ يعرِّضُ تعريضاً
يُبقي لهُ سبيلاً إلى التغافلِ إنْ أرادَ ، فإذا لمْ يتغافلْ معَ القدرةِ عليهِ .. فذلكَ
لرغبتِهِ ، وأنَّهُ غيرُ متأذِّ بهِ .
وينبغي أنْ يسألَ مَنْ لا يستحيي منهُ لوْ ردَّهُ أوْ تغافلَ عنهُ، فإنَّ الحياءَ مِنَ
السائلِ يؤذي ؛ كما أنَّ الرياءَ معَ غيرِ السائلِ يؤذي .
فإِنْ قلتَ : فإذا أخذَ معَ العلم بأنَّ باعثَ المعطي هوَ الحياءُ منهُ أَوْ مِنَ
الحاضرينَ ، ولولاهُ لما ابتدأهُ بهِ .. فهوَ حلالٌ أوْ شبهةٌ ؟
فأقولُ : ذلكَ حرامٌ محضٌ لا خلافَ فيهِ بينَ الأمَّةِ ، وحكمُهُ حكمُ أخذٍ
٨٣

كتاب الفقر والزهد
نحمـ
ربع المنجيات
حن
مالِ الغيرِ بالضربِ والمصادرةِ ، إذْ لا فرقَ بينَ أنْ يضربَ ظاهرَ جلِدِهِ بسياطٍ
الخشبِ، أوْ يضربَ باطنَ قلِهِ بسوطِ الحياءِ وخوفِ الملام ، وضربُ
الباطنِ أشدُّ نكايةً في قلوبِ العقلاءِ ، ولا يجوزُ أنْ يُقالَ : هوَ في الظاهرِ قدْ
رضيَ بهِ ، وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((نحنُ نحكمُ بالظاهرِ واللهُ يتولّى
السرائرَ))(١)؛ فإنَّ هذهِ ضرورةُ القضاةِ في فصلِ الخصوماتِ ، إذْ لا يمكنُ
ردُّهُمْ إلى البواطنِ وقرائنِ الأحوالِ ، فاضطروا إلى الحكمِ بظاهرِ اللانِ معَ
أنَّهُ ترجمانٌ كثيرُ الكذبِ ، ولكنَّ الضرورةَ دعَتْ إليهِ ، وهذا سؤالٌ عمَّا بينَ
العبدِ وبينَ اللهِ تعالى، والحاكمُ فيه أحكمُ الحاكمينَ ، والقلوبُ عندَهُ
كالألسنةِ عندَ سائرِ الحكّام ، فلا تنظرْ في مثلِ هذا إلا إلى قلبِكَ وإنْ أفتَوكَ
وأفتَوكَ ، فإنَّ المفتيَ معلِمٌ القاضيَ والسلطانَ ليحكموا في عالمِ الشهادةِ ،
ومفتي القلوبِ هُمْ علماءُ الآخرةِ ، وبفتواهُمُ النجاةُ مِنْ سطوةِ سلطانٍ
الآخرةِ ، كما أنَّ بفتوى الفقيهِ النجاةَ مِنْ سطوةِ سلطانِ الدنيا .
(١) قال الحافظ ابن الملقن في ((البدر المنير)) (٥٩٠/٩): (هذا الحديث غريب لا أعلم
من خرجه من أصحاب الكتب المعتمدة ولا غيرها ، وسئل عنه حافظ زماننا جمال الدين
المزي فقال: لا أعرفه)، ويؤَّب الإمام مسلم في ((صحيحه)) ( باب الحكم بالظاهر
واللحن بالحجة) وساق (١٧١٣) حديث أم سلمة رضي الله عنها مرفوعاً: (( إنكم
تختصمون إلي ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما
أسمع منه ... )) الحديث، وروى مسلم (١٤٤/١٠٦٤) ضمن خبر: (( إني لم أومر
أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم)) الحديث ، قال الإمام النووي في (( شرحه
صحيح مسلم)) (١٦٣/٧): ( معناه : إني أمرت بالحكم بالظاهر ، والله يتولى
السرائر )، وانظر ((المقاصد الحسنة)) (ص ٩١).
٨٤
كن

- ٠٠ ٠
ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
فإذاً ؛ ما يأخذُهُ معَ الكراهةِ لا يملكُهُ بينَهُ وبينَ اللهِ تعالىٌ ، ويجبُ عليهِ
ردُّهُ على صاحبِهِ ، فإنْ كانَ يستحبي مِنْ أنْ يستردَّهُ ولمْ يستردُّهُ .. فعليهِ أنْ
يثيبَهُ على ذلكَ بما يساوي قيمتهُ في معرضِ الهديَّةِ والمقابلةِ ، ليتفصَّى عنْ
عهدتِهِ ، فإنْ لمْ يقبلْ هديَّتَهُ .. فعليهِ أنْ يردّ ذلكَ إلى ورثتِهِ ، فإنْ تلفَ في
يدِهِ .. فهوَ مضمونٌ عليهِ بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى، وهوَ عاصٍ بالتصرُّفِ فيهِ ،
وبالسؤالِ الذي حصلَ بهِ الأذى .
فإنْ قلتَ : فهذا أمرٌ باطنٌ يعرُ الاطلاعُ عليهِ، فكيفَ السبيلُ فيهِ ؟
فربما يظنُّ السائلُ أنَّهُ راضٍ ولا يكونُ هوَ في الباطنِ راضياً .
فأقولُ : لهذا تركَ المتقونَ السؤالَ رأساً ، فما كانوا يأخذونَ مِنْ أحدٍ شيئاً
أصلاً ، فكانَ بشرٌ لا يأخذُ مِنْ أحدٍ أصلاً إلا مِنَ السريِّ رحمةُ اللهِ عليهما ، وقالَ:
( لأنِّي علمتُ أنَّهُ يفرحُ بخروجِ المالِ مِنْ يدِهِ، فأنا أعينُهُ على ما يحبُّهُ)(١).
وإنَّما عظمَ النكيرُ في السؤالِ وتأكَّدَ الأمرُ بالتعفُّفِ لههذا؛ لأنَّ هذا الأذى
إنَّما يحلُّ بضرورةٍ ، وهوَ أن يكونَ السائلُ مشرفاً على الهلاكِ ، ولمْ يبقَ لهُ سبيلٌ
إلى الخلاصِ ، ولمْ يجدْ مَنْ يعطيهِ مِنْ غيرِ كراهةٍ وأذىّ ، فيُباحُ لَهُ ذلكَ كما يُباحُ
لهُ أكلُ لحم الخنزيرِ وأكلُ لحمِ الميتةِ ، فكانَ الامتناعُ طريقَ الورعينَ .
ومِنْ أربابِ القلوبِ مَنْ كانَ واثقاً ببصيرتِهِ في الاطلاع على قرائنِ
(١) قوت القلوب (١٩٩/٢).
٨٥

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
ـحن
الأحوالِ ، فكانوا يأخذونَ مِنْ بعضِ الناسِ دونَ البعضِ ، ومنهُمْ مَنْ كانَ
لا يأخذُ إلا مِنْ أصدقائِهِ، ومنهُمْ مَنْ كانَ يأخذُ ممَّا يعطى بعضاً ويردُ بعضاً ،
كما فعلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في الكبشِ والسمنِ والأقطِ(١)، وكانَ
هذا فيما يأتيهِمْ مِنْ غيرِ سؤالٍ ؛ فإنَّ ذلكَ لا يكونُ إلا عنْ رغبةٍ ، ولكنْ قَدْ
تكونُ رغبتُهُ طمعاً في جاهٍ ، أوْ طلباً لرياءٍ وسمعةٍ ، فكانوا يحترزونَ مِنْ ذلكَ .
فأمَّا السؤالُ .. فقدِ امتنعوا عنهُ رأساً إلا في موضعينٍ :
أحدُهُما : الضرورةُ : فقدْ سألَ ثلاثةٌ مِنَ الأنبياءِ في موضع الضرورةِ ؛
سليمانُ ، وموسى ، والخضرُ عليهِمُ السلامُ ، ولا شكَّ في أنَّهُمْ ما سألوا إلا
مَنْ علموا أنَّهُ يرغبُ فيهِمْ .
والثاني : الؤالُ مِنَ الأصدقاءِ والإخوانِ: فقدْ كانوا يأخذونَ مالَهُمْ بغيرِ
سؤالٍ واستئذانٍ ؛ لأنَّ أربابَ القلوبِ علموا أنَّ المطلوبَ رضا القلبِ لا نطقُ
اللسانِ ، وكانوا قدْ وثقوا بإخوانِهِمْ أَنَّهُمْ كانوا يفرحونَ بمباسطتِهِمْ، فإذاً ؛
كانوا يسألونَ الإخوانَ عندَ شكِّهِمْ في اقتدارِ إخوانِهِمْ على ما يريدونَهُ ،
وإلا .. فكانوا يستغنونَ عنِ الؤالِ .
وحدُّ إياحةِ السؤالِ: أنْ تعلمَ أنَّ المسؤولَ بصفةٍ لوْ علمَ ما بكَ مِنَ
الحاجة .. لابتدأَّكَ دونَ السؤالِ، فلا يكونُ لسؤالِكَ تأثيرٌ إلا في تعريفٍ
حاجتِكَ، فأمَّا في تحريكِهِ بالحياءِ ، وإثارةِ داعيتِهِ بالحيلِ .. فلا .
(١) روى ذلك أحمد في ((المسند)) (١٧٢/٤).
عمر:
٨٦
جن جن"

ربع المنجيات
تمد حه
رومي-٢»
كتاب الفقر والزهد
ويتصدَّى للسائل حالةٌ لا يشكُّ فيها في الرضا بالباطنِ ، وحالةٌ لا يشكُ
في الكراهةِ ، ويعلمُ ذلكَ بقرينةِ الأحوالِ ، فالأخذُ في الحالةِ الأولىُ حلالٌ
طِلْقٌ ، وفي الثانيةِ حرامٌ سُختٌ ، ويتردّدُ بينَ الحالتينِ أحوالٌ يشكُّ فيها ،
فليستفتِ فيها قلبَهُ، وليترْ حزَّازَ القلبِ، فإنَّهُ الإثمُ ، وليدعْ ما يريبُهُ إلى
ما لا يريبُهُ، وإدراكُ ذلكَ بقرائنِ الأحوالِ سهلٌ على مَنْ قَويَتْ فطنتُهُ ،
وضعفَ حرصُهُ وشهوتُهُ ، فإنْ قويّ الحرْصُ وضعفَتِ الفطنةٌ .. تراءَى لَهُ
ما يوافقُ غرضَهُ ، فلا يتفطَّنُ للقرائنِ الدالّةِ على الكراهةِ .
وبهذهِ الدقائقِ يُطلعُ على سرِّ قولِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((إنَّ أطيبَ ما أكلَ الرجلُ مِنْ كسبهِ))(١) ، وقدْ أُوتِيَ جوامع الكلم ؛ لأنَّ مَنْ
لا كسبَ لهُ، ولا مالٌ ورثهُ مِنْ كسبٍ أبيهِ أوْ أحدٍ قرابتِهِ ؛ فيأكلُ مِنْ أيدي
الناس ، وإِنْ أُعطيَ بغيرِ سؤالٍ .. فإنَّما يُعطى بدينِهِ، ومتى يكونُ باطنُهُ
بحيثُ لوِ انكشفَ .. لا يُعطى بدينِهِ؟! فيكونُ ما يأخذُهُ حراماً ، وإنْ أُعطيَ
بسؤالٍ .. فأينَ مَنْ يطيبُ قلبُهُ بالعطاءِ إذا سُئِلَ ؟ وأينَ مَنْ يقتصرُ في السؤالِ
على حدِّ الضرورةٍ ؟
فإذا فتَّشتَ أحوالَ مَنْ يأكلُ مِنْ أيدي الناسِ .. علمتَ أنَّ جميعَ ما يأكلُهُ
أَوْ أكثرَهُ سحتٌ، وأنَّ الطيِّبَ هوَ الكسبُ الذي اكتسبتَهُ بحلالِكَ أنتَ أَوْ
مورِّثُكَ .
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (١٤١/٤)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٠/٢).
٨٧
بكر
حر
١

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
فإذاً ؛ بعيدٌ أنْ يجتمعَ الورعُ معَ الأكلِ مِنْ أيدي الناسِ .
فنسألُ اللهَ تعالىُ أنْ يقطعَ طمعَنا عنْ غيرِهِ ، وأنْ يغنيَنا بحلالِهِ عنْ حرامِهِ
وبفضلِهِ عمَّنْ سواهُ، بمنِّهِ وسعةِ جودِهِ ؛ فإنَّهُ على ما يشاءُ قديرٌ .
:
٨٨
حى ..
جن

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
بيان مقدار الغنى المخزم للسؤال
اعلمْ: أنَّ قولَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ سألَ عنْ ظهرٍ غنىً .. فإنَّما
يسألُ جمراً ، فليستقلَّ منهُ، أَوْ ليستكثرْ)) (١) صريحٌ في التحريمِ ، ولكنْ حدٌ
الغنى مشكلٌ، وتقديرُهُ عسيرٌ ، وليسَ إلينا وضعُ المقاديرِ ، بلْ يُستدركُ
ذلكَ بالتوقيفِ .
وقدْ وردَ في الحديثِ : ((استغنوا بغنى اللهِ تعالى عنْ غيرِهِ))، قالوا:
وما هوَ: قالَ: ((غداءُ يومٍ وعشاءُ ليلةٍ)) (٢).
وفي حديثٍ آخرَ : (( مَنْ سألَ ولهُ خمسونَ درهماً أَوْ عدلُها مِنَ
الذهب .. فقدْ سألَ إلحافاً)) (٣).
ووردَ في لفظٍ آخرَ: (( أربعون درهماً »(٤)
٠
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٣١/٢)، وبنحوه أبو داوود (١٦٢٩).
(٢) كذا في ((القوت)) (١٩٣/٢)، وأورده الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٢٨٠)،
وهو عند أبي داوود (١٦٢٩) ولفظه: (( من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من
النار))، فقالوا: وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة؟ قال: (( قدر ما يغديه
ويعشيه))، وعند أحمد في «المسند)) (١٤٧/١) من حديث علي كرم الله وجهه :
قالوا: وما ظهر غنىّ؟ قال: ((عشاء ليلة)).
(٣) رواه أبو داوود (١٦٢٦)، والترمذي (٦٥٠)، والنسائي (٩٧/٥)، وابن ماجه
( ١٨٤٠ ) بنحوه.
(٤) رواه أبو داوود (١٦٢٧، ١٦٢٨)، والنسائي (٩٨/٥).
G؟
٨٩
ـور

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
ومهما اختلفَتِ التقديراتُ وصحَتِ الأخبارُ .. فينبغي أنْ يُقطعَ بورودِها
على أحوالٍ مختلفةٍ ، فإنَّ الحقَّ في نفسِهِ لا يكونُ إلا واحداً ، والتقديرُ
ممتنعٌ ، وغايةُ الممكنِ فيهِ تقريبٌ ، ولا يتمُّ ذلكَ إلا بتقسيم محيطٍ بأحوالٍ
المحتاجينَ ، فنقولُ :
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا حقَّ لابنِ آدمَ إلا في ثلاثٍ :
طعامٌ يقيمُ صلبَهُ ، وثوبٌّ يواري عورتَهُ، وبيتٌ يكتُّهُ، فما زادَ فهوَ
حسابٌ))(١) ، فلنجعلْ هذهِ الثلاثَ أصلاً في الحاجاتِ لبيانِ أجناسِها ،
والنظرُّ في الأجناسِ والمقاديرِ والأوقاتِ .
فأمَّا الأجناسُ : فهيَ هذهِ الثلاثُ، ويلحقُ بها ما في معناها، حتَّى
يلحقُ بها الكراءُ للمسافرِ إذا كانَ لا يقدرُ على المشي ، وكذلكَ ما يجري
مَجَراهُ مِنَ المهمَّاتِ ، ويلحقُ بنفسِهِ عيالُهُ وولدُهُ ، وكلُّ مَنْ تحتَ كفالتِهِ
كالدابة أيضاً .
وأمَّا المقاديرُ : فالثوبُ يُراعىُ فيهِ ما يليقُ بذوي الدينِ ، وهوَ ثوبٌ
واحدٌ، وقميصٌ، ومنديلٌ، وسراويلُ، ومداسٌ ، فأمَّا الثاني مِنْ كلِّ
جنسٍ .. فهوَ مستغنىّ عنهُ، وليقسْ على هذا أثاثَ البيتِ جميعَهُ.
ولا ينبغي أنْ يطلبَ رقةً الثيابِ ، وكونَ الأوانِي مِنَ النحاسِ والصفرِ فيما
(١) قوت القلوب (١٩٨/٢)، ورواه الترمذي (٢٣٤١) بنحوه .
وانه.
٩٠
مكن
درة

ربع المنجيات
عن . حن:
كتاب الفقر والزهد
يكفي فيهِ الخزفُ ؛ فإنَّ ذلكَ مستغنى عنهُ ، فيقتصرُ مِنَ العددِ على واحدٍ ،
ومِنَ النوعِ على أخسِّ أجناسهِ ما لمْ يكنْ في غايةِ البعدِ عنِ العادةِ .
وأمَّا الطعامُ .. فقدْرُهُ في اليوم مدٌّ، وهوَ ما قدَّرَهُ الشرعُ، ونوعُهُ
ما يُقتاتُ ولوْ كانَ منَ الشعيرِ، والأدمُ على الدوام فضلةٌ، وقطعُهُ بالكلِّيّةِ
إضرارٌ ، ففي طلبِهِ في بعضِ الأحوالِ رخصةٌ .
وأمَّا المسكنُ .. فأقلُّهُ ما يجزىءُ مِنْ حيثُ المقدارُ ، وذلكَ مِنْ غيرِ
زينةٍ ، فأمَّا السؤالُ للزينةِ والتوسُّع .. فهوَ سؤالٌ عنْ ظهرِ غنىّ .
جن"حن
مير
ثنحن حنيحة
وأمَّا بالإضافةِ إلى الأوقاتِ : فما يحتاجُ إليهِ في الحالِ مِنَ طَعامِ يومٍ
وليلةٍ، وثوبٍ يلبسُهُ، ومأوىّ يكنُّهُ .. فلا شكَّ فيهِ، فأمَّا سؤالُهُ
للمستقبل .. فهذا لهُ ثلاثُ درجاتٍ :
إحداها : ما يحتاجُ إله في غدٍ .
والثانيةُ : ما يحتاجُ إليهِ في أربعينَ يوماً أَوْ خمسينَ يوماً .
والثالثةُ : ما يحتاجُ إليهِ في السنةِ .
ولنقطعْ بأنَّ مَنْ معَهُ ما يكفيهِ لهُ ولعيالِهِ - إنْ كانَ لهُ عيالٌ - لسنةٍ .. فسؤالُهُ
حرامٌ؛ فإنَّ ذلكَ غايةُ الغنى، وعليهِ يُنزَّلُ التقديرُ بخمسينَ درهماً في
الحديثِ ، فإنَّ خمسةً دنانيرَ تكفي المنفردَ في السنةِ إذا اقتصدَ، أَمَّا
المعيلُ .. فربما لا يكفيهِ ذلكَ .
وإنْ كانَ يحتاجُ إليهِ قبلَ السنةِ ؛ فإنْ كانَ قادراً على السؤالِ ولا تفوتُهُ
فح-
٩١
.. عن ٠٠ ٧ج فن در حل حل
بدن

كتاب الفقر والزهد
جـ
ربع المنجيات
حن:حى.
فرصتُهُ .. فلا يحلُّ لهُ السؤالُ؛ لأنَّهُ مستغنٍ في الحالِ ، وربما لا يعيشُ إلى
الغدِ ، فيكونُ قدْ سألَ ما لا يحتاجُ ، فيكفيهِ غداءُ يومٍ وعشاءُ ليلةٍ ، وعليهِ
يُنزَّلُ الخبرُ الذي وردَ في التقديرِ بههذا القدْرِ .
وإنْ كانَ يفوتُهُ فرصةُ السؤالِ، ولا يجدُ مَنْ يعطيهِ لوْ أَخَّرَ .. فيُباحُ لهُ
السؤالُ ؛ لأنَّ أملَ البقاءِ سنةً غيرُ بعيدٍ ، فهوَ بتأخيرِ السؤالِ خائفٌ أنْ يبقى
مضطراً عاجزاً عمَّا يعينُهُ .
فإنْ كانَ خوفُ العجزِ عنِ السؤالِ في المستقبلِ ضعيفاً ، وكانَ ما لأجلِهِ
السؤالُ خارجاً عنْ محلِّ الضرورةِ .. لمْ يخلُ سؤالُهُ عنْ كراهةٍ ، وتكونُ
كراهتُهُ بحسَبِ درجاتِ ضعفِ الاضطرارِ وخوفِ الفوتِ وتراخي المدةِ التي
فيها يُحتاجُ إلى السؤالِ .
وكلُّ ذلكَ لا يقبلُ الضبطَ ، وهوَ منوطٌ باجتهادِ العبدِ ونظرِهِ لنفسِهِ بينَهُ
وبينَ اللهِ تعالىُ ، فيستفتي فيهِ قلبَهُ، ويعملُ بهِ إنْ كانَ سالكاً طريقَ الآخرةِ ،
وكلَّما كانَ يقينُهُ أقوى ، وثقتُهُ بمجيءٍ الرزقِ في المستقبلِ أتمَّ، وقناعتُهُ
بقوتِ الوقتِ أظهرَ .. فدرجتُهُ عندَ اللهِ تعالى أعلىُ(١) ، فلا يكونُ خوفُ
الاستقبالِ وقدْ آتَاكَ اللهُ قوتَ يومِكَ لكَ ولعيالِكَ إلا مِنْ ضعفِ اليقينِ ،
(١) وهو داخل في حد قولهم : الصوفي ابن وقته؛ أي: يقنع بما تيسر له من كل شيء في
وقته ، سواء كان قوتاً ظاهرياً أو معنوياً، ولا يعلق قلبه بما سيأتي. ((إتحاف))
(٩ /٣١١ ) .
٩٢

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
والإصغاءِ إلى تخويفِ الشيطانِ، وقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن
كُنْثُم مُؤْمِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ
وَاَللَّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ .
والسؤالُ مِنَ الفحشاءِ التي أُبِيحَتْ بالضرورةِ ، وحالُ مَنْ يسألُ لحاجةٍ
متراخيةٍ عنْ يومِهِ وإنْ كانَ ممَّا يحتاجُ إليهِ في السنةِ .. أشدُّ مِنْ حالٍ مَنْ ملكَ
مالاً موروثاً واذَّخرَهُ لحاجةٍ وراءَ السنةِ ، وكلاهما مباحانٍ في الفتوى
الظاهرة ، ولكنَّهُما صادرانِ عنْ حبِّ الدنيا وطولِ الأملِ ، وعدم الثقةِ
بفضَّلِ اللهِ، وهذهِ الخصلةُ مِنْ أمَّهاتِ المهلكاتِ ، نسألُ اللهَ حسنَ التوفيقِ
بمنُّهِ و کرمِهِ .
جن
حمِ
جر:
٩٣

G
كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
ـتر
بيان أحوال السّائلين
قء.
كانَ بشرٌ رحمَهُ اللهُ يقولُ: ( الفقراءُ ثلاثةٌ: فقيرٌ لا يسألُ، وإنْ
أُعطيَ .. لا يأخذُ، فهذا معَ الروحانيينَ في عليينَ ، وفقيرٌ لا يسألُ ، وإنْ
أُعطيَ .. أخذَ ، فههذا معَ المقرَّبِينَ في جناتِ الفردوسِ ، وفقيرٌ يسألُ عندَ
فاقتِهِ ، فهذا معَ الصادقينَ مِنْ أصحابِ اليمينِ)(١) .
فإذاً؛ قدِ اتفقَ كلُّهُمْ على ذمِّ السؤالِ، وعلى أنَّهُ معَ الفاقةِ يحطُّ المرتبةَ
والدرجةَ .
وقال إبراهيمُ بنُ أدهمَ لشقيقِ بنِ إبراهيمَ حينَ قدمَ عليهِ مِنْ خراسانَ :
كيفَ تركتَ الفقراءَ مِنْ أصحابِكَ؟ قالَ: تركتُهُمْ إِنْ أُعطوا .. شكروا، وإِنْ
مُنعوا .. صبروا، وظنَّ أنَّهُ لمَّا وصفَهُمْ بتركِ السؤالِ فقدْ أثنى عليهِمْ غايةً
الثناءِ ، فقالَ إبراهيمُ : هكذا تركتُ كلابَ بلخ عندَنا ، فقالَ لهُ شقيقٌ :
فكيفَ الفقراءُ عندكَ يا أبا إسحاقَ ؟ فقالَ : الفقراءُ عندَنا إنْ مُنعوا ..
شكروا ، وإنْ أُعطوا .. آثروا، فقبَّلَ رأسَهُ وقالَ: صدقتَ يا أستاذُ(٢).
٤٠
فإذاً ؛ درجاتُ أربابِ الأحوالِ في الرضا والصبرِ والشكرِ والسؤالِ
كثيرةٌ ، فلا بدَّ لسالكِ طريقِ الآخرةِ مِنْ معرفتِها ، ومعرفةِ انقسامِها واختلافٍ
(١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٣٢٥٦)، والقشيري في ((رسالته)) (ص٣٠٤) بنحوه.
(٢) رواه بنحوه الدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم)) (ص ٣٠)، وأبو نعيم في
(الحلية)) (٣٧/٨)، وفيهما أنهما اجتمعا في مكة .
٩٤
حن:
دي

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
ـن
درجاتِها ، فإنَّهُ إذا لمْ يعلمْ .. لمْ يقدر على الترقّي مِنْ حضيضِها إلى
يفاعِها ، ومِنْ أسفل سافلينَ إلى أعلى علِِّينَ، وقَدْ خُلِقَ الإنسانُ في أحسنِ
تقويمٍ ، ثُمَّ رُدَّ إلى أسفل سافلينَ، ثمَّ أُمِرَ أنْ يترقَّى إلى أعلىُ علِّينَ، ومَنْ
لا يميزُ بينَ السفلِ والعلوٍ .. لا يقدرُ على الترقِّي قطعاً، وإنَّما الشكُّ فِيمَنْ
عرفَ ذلكَ، فإنَّهُ ربما يقدرُ عليهِ (١) .
وأربابُ الأحوالِ قدْ تغلبُهُمْ حالةٌ تقتضي أنْ يكونَ السؤالُ مزيداً لهُمْ في
درجاتِهِمْ، ولكنْ بالإضافةِ إلى حالِهِمْ، فإنَّ مثلَ هذهِ الأعمالِ بالنياتِ ؛
وذلكَ كما رُوِيَ أنَّ بعضَهُمْ رأى أبا الحسينِ النوريَّ رحمَهُ اللهُ يمدُّيدَهُ ويسألُ
الناسَ في بعضٍ المواطنِ ، قالَ : فاستعظمتُ ذلكَ واستقبحتُهُ لهُ ، فأتيتُ
الجنيدَ رحمهُ اللهُ فأخبرتُهُ ، فقالَ : لا يعظمْ هذا عليكَ ؛ فإنَّ النوريَّ لمْ
يسألِ الناسَ إلا ليعطيَهُمْ، وإنَّما سألَهُمْ ليثيبَهُمْ في الآخرةِ ، فَيُؤْجرونَ مِنْ حيثُ
لا يضرُّهُمْ - وكأنَّهُ أشارَ بهِ إلى قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((يدُ المعطي هيَ
العليا))(٢)، فقالَ بعضُهُمْ: يدُ المعطي هيَ يدُ الآخذِ للمالِ ؛ لأنَّهُ يعطي
الثوابَ ، والقدرُ لهُ لا لما يأخذُهُ - ثمَّ قالَ الجنيدُ: هاتِ الميزانَ، فوزنَ مئةً
درهم ، ثمَّ قبضَ قبضةً فألقاها على المئةِ، ثمَّ قالَ: احملْها إليهِ ، فقلتُ في
نفسي : إنَّما يُوزنُ الشيءُ ليُعرفَ مقدارُهُ، فكيفَ خلطَ بهِ مجهولاً وهوَ رجلٌ
حكيمٌ ؟! واستحييتُ أنْ أسألَهُ ، فذهبتُ بالصرَّةِ إلى النوريِّ، فقالَ : هاتٍ
ـن
ين بعد :يعين
(١) فالترقي تابع للمعرفة والتمييز. ((إتحاف)) (٣١٢/٩).
(٢) رواه النسائي ( ٦١/٥) عن طارق المحاربي رضي الله عنه مرفوعاً.
٩٥
مان

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
الميزانَ ، فوزن مئةً وقالَ : ردَّها عليهِ ، وقلْ لهُ : أنا لا أقبلُ منكَ شيئاً ،
وأخذَ ما زادَ على المئةِ ، قالَ: فزادَ تعجّبي ، فسألتُهُ ، فقالَ : الجنيدُ رجلٌ
حكيمٌ، يريدُ أنْ يأخذَ الحبلَ بطرفيهٍ ، وزنَ المئةَ لنفسِهِ طلباً لثوابِ الآخرةِ ،
وطرحَ عليها قبضةً بلا وزنٍ للهِ عزَّ وجلَّ ، فأخذتُ ما كانَ للهِ تبارك وتعالى ،
ورددتُ ما جعلَهُ لنفسِهِ ، قالَ : فرددتُها إلى الجنيدِ ، فبكى وقالَ : أخذَ مالَهُ
وردَّ مالَنا، واللهُ المستعانُ(١).
فانظرِ الآنَ كيفَ صفَتْ قلوبُهُمْ وأحوالُهُمْ ، وكيفَ خلصَتْ للهِ أعمالُهُمْ ،
حتَّى كانَ يشاهدُ كلُّ واحدٍ قلبَ صاحبهٍ مِنْ غيرِ مناطقةٍ باللسانِ ، ولكنْ
بتشاهدِ القلوبِ وتناجي الأسرارِ ، وذلكَ نتيجةُ أكلِ الحلالِ ، وخلوِّ القلبِ
عنْ حبِّ الدنيا ، والإقبالِ على اللهِ تعالى بكنهِ الهمَّةِ .
فمَنْ أَنكرَ ذلكَ قبلَ تجربةٍ طريقِهِ . . فهوَ جاهلٌ ؛ كمَنْ ينكرُ مثلاً كونَ
الدواءِ مسهلاً قبلَ شرِبِهِ، ومَنْ أنكرَهُ بعدَ أنْ طالَ اجتهادُهُ حتَّى بذلَ كنْهَ
مجهودِهِ ولمْ يصلْ، فأنكرَ ذلكَ لغيرِهِ .. كانَ كمَنْ شربَ المسهلَ فلمْ يؤثِّرُ
في حقِّهِ خاصَّةً لعلَّةٍ في باطنِهِ ، فأخذَ ينكرُ كونَ الدواءِ مسهلاً ، وهذا وإنْ
كانَ في الجهلِ دونَ الأوَّلِ ولكنَّهُ ليسَ خالياً عنْ حظّ وافٍ مِنَ الجهلِ .
(١) رواه أبو طالب المكي في ((القوت)) (٢٠١/٢)، قال الحافظ الزبيدي في «إتحافه)»
(٣١٣/٩): (فمن كان بهذه المثابة من المعرفة والاستشراف على الخواطر كيف
لا يكون السؤال مزيداً في درجاته ؟!) .
..!
سس
متك
٩٦
. بكن
جن
- - -- - -

-
ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
ـحن
بلِ البصيرُ أحدٌ رجلينِ :
إمَّا رجلٌ سلكَ الطريقَ فظهرَ لهُ مثلَ ما ظهرَ لهُمْ، فهوَ صاحبُ الذوقِ
والمعرفةِ ، وقدْ وصلَ إلى عينِ اليقينِ .
وإمَّا رجلٌ لمْ يسلكِ الطريقَ ، أَوْ سلكَ ولمْ يصلْ ، ولكنَّهُ آمنَ بذلكَ
وصدَّقَ بهِ ، فهوَ صاحبُ علم اليقينِ ، وإنْ لمْ يكنْ واصلاً إلى عينِ اليقينِ ،
ولعلم اليقينِ أيضاً رتبةٌ وإنْ كانَ دونَ عينِ اليقينِ .
ومَنْ خلا عنْ علمِ اليقينِ وعينِ اليقينِ .. فهوَ خارجٌ عنْ زمرةِ المؤمنينَ ،
ويُحشرُ يومَ القيامةِ في زمرةِ الجاحدينَ المستكبرينَ ، الذينَ همْ قتلى العقولِ
الضعيفةِ وأتباعُ الشياطينِ .
فنسألُ اللهَ تعالى أنْ يجعلَنا مِنَ الراسخينَ في العلم، القائلينَ: ﴿ءَامَنَّا
◌ِهِ، كُلِّ مِنْ عِنْدٍ رَيِّنَاْ وَمَا يَذَكَّرْ إِلَّ أُوْلُواْ آَلْأَ لْبَبٍ﴾.
0
٩٧
حن

كتاب الفقر والزهد
,و جي
ربع المنجيات
ـدن
الشَّظِرُ الثَّانِى مِنَ الكِتَاب
في الأحد
XX
وفيهِ بيانُ حقيقةِ الزهدِ ، وبيانُ فضيلةِ الزهدِ ، وبيانُ درجاتِ الزهدِ
وأقسامِهِ ، وبيانُ تفصيلِ الزهدِ في المطعمِ والملبسِ والمسكنِ والأثاثِ
وضروراتِ المعيشةِ ، وبيانٌ علامةِ الزهدِ .
بيان حقيقة الزّحد
اعلمْ : أنَّ الزهدَ في الدنيا مقامٌ شريفٌ مِنْ مقاماتِ السالكينَ ، وينتظمُ
هذا المقامُ مِنْ علمٍ وحالٍ وعملٍ كسائرِ المقاماتِ ؛ لأنَّ أبوابَ الإيمانِ كلّها
كما قالَ السلفُ ترجعُ إلى عقدٍ وقولٍ وعملٍ(١) .
؟
وكأنَّ القولَ لظهورِهِ أُقيمَ مقامَ الحالِ ؛ إذْ بهِ يظهرُ الحالُ الباطنُ ،
وإلا .. فليسَ القولُ مراداً لعينِهِ، وإنْ لمْ يكنْ صادراً عنْ حالٍ .. سُمِّيَ
إسلاماً ولمْ يُسمَّ إيماناً(٢) ، والعلمُ هوَ السببُ في الحالِ ، يجري مَجرى
٩
(١) فالعقد يرجع إلى القلب، والقول يرجع إلى اللسان ، والعمل يرجع إلى الجوارح .
(إتحاف)) (٩ /٣١٧) .
(٢) فالعلم هو الأصل الذي هو عقد من عقود الإيمان بالله أو الله ، والحال ما ينشأ عنه من
المواجيد ، والعمل هو ما تنشئه المواجيد على القلوب والجوارح من الأعمال .
(«إتحاف )) (٣١٧/٩) .
ونه
٩٨
٠٠٠

سبي ســ
ربع المنجيات
حوالي 5مجم
كتاب الفقر والزهد
حن
حر
المثمرِ ، والعملُ يجري مِنَ الحالِ مَجرى الثمرةِ ، فلنذكرِ الحالَ معَ كلا
طرفيهِ مِنَ العلمِ والعملِ .
أمَّا الحالُ :
فنعني بها ما يُسمَّى زهداً، وهوَ عبارةٌ عنِ انصرافِ الرغبةِ عنِ الشيءِ إلى
ما هو خيرٌ منهُ، فكلُّ مَنْ عدلَ عنْ شيءٍ إلى غيرِهِ بمعاوضةٍ وبيع وغيرِهِ فإنَّما
عدلَ عنهُ لرغبتِهِ عنهُ، وإنَّما عدلَ إلى غيرِهِ لرغبتِهِ في غيرِهِ ، فحالُهُ بالإضافةِ إلى
المعدولِ عنهُ يُسمَّىُ زُهداً، وبالإضافةِ إلى المعدولِ إليهِ يُسمَّى رغبةً وحبّاً .
من
حز:
فإذاً ؛ يستدعي حالُ الزهدِ : مرغوباً عنهُ، ومرغوباً فيهِ هوَ خيرٌ مِنَ
المرغوب عنه .
0
وشرطُ المرغوبِ عنهُ : أنْ يكونَ أيضاً هو مرغوباً فيهِ بوجهٍ مِنَ الوجوهِ ،
فَمَنْ رغبَ عمَّا ليسَ مطلوباً في نفسِهِ لا يُسمَّى زاهداً ، إذْ تاركُ التراب
والحجرِ وما أشبهَهُ لا يُسمَّى زاهداً، وإنَّما يُسمَّى زاهداً مَنْ تركَ الدراهمَ
والدنانيرَ ؛ لأنَّ الترابَ والحجرَ ليسا في مَظِنَّةِ الرغبةِ .
وشرطُ المرغوبِ فيهِ : أنْ يكونَ عندَهُ خيراً مِنَ المرغوبِ عنهُ، حتَّى
تغلبَ هذهِ الرغبةُ ، فالبائعُ لا يقدمُ على البيع إلا والمُشتَرِىُ عندَهُ خيرٌ مِنَ
المبيع ، فيكونُ حالُهُ بالإضافةِ إلى المبيع زهداً فيهِ ، وبالإضافةِ إلى العوضِ
عنهُ رغبةً فيهِ وحبّاً، ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ تَخْسِ دَرَهِمَ مَعْدُودَةٍ
وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّهِدِينَ﴾؛ معناهُ: باعوهُ، فقدْ يُطلقُ الشراءُ بمعنى
فة.
فی».
٩٩
حن .
حل

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
حن
البيع ، ووصفَ إخوةً يوسفَ بالزهدِ فيهِ إذْ طمعوا أنْ يخلوَ لهُمْ وجهُ أبيهِمْ ،
وكانَ ذلكَ عندَهُمْ أحبَّ إليهمْ مِنْ يوسفَ ، فباعوهُ طمعاً في العوضِ .
2
فإذاً؛ كلُّ مَنْ باعَ الدنيا بالآخرةِ .. فهوَ زاهدٌ في الدنيا ، وكلُّ مَنْ باعَ
الآخرةَ بالدنيا .. فهوَ أيضاً زاهدٌ ولكنْ في الآخرةِ ، ولكنَّ العادةَ جاريةٌ
بتخصيصِ اسمِ الزهدِ بمَنْ يزهدُ في الدنيا، كما خُصِّصَ اسمُ الإلحادِ بمَنْ
يميلُ إلى الباطلِ خاصَّةً وإنْ كانَ هوَ للميلِ في وضعِ اللسانِ .
ولمَّا كانَ الزهدُ رغبةً عنْ محبوبٍ بالجملةِ .. لمْ يُتصوَّرْ إلا بالعدولِ إلى
شيءٍ هوَ أحبُّ منْهُ، وإلا .. فتركُ المحبوبِ بغيرِ الأحبِّ محالٌ (١).
والذي يرغبُ عنْ كلِّ ما سوى اللهِ حتَّى الفراديس ، ولا يحبُّ إلا اللهَ
تعالى .. فهوَ الزاهدُ المطلقُ .
والذي يرغبُ عنْ كلِّ حظّ يُنالُ في الدنيا ، ولمْ يزهدْ في مثلِ تلكَ
الحظوظِ في الآخرةِ ، بلْ طَمعَ في الحورِ والقصورِ ، والأنهارِ والفواكهِ ..
فهوَ أيضاً زاهدٌ، ولكنَّهُ دونَ الأوَّلِ .
والذي يتركُ مِنْ حظوظِ الدنيا البعضَ دونَ البعضِ ؛ كالذي يتركُ المالَ
دونَ الجاهِ ، أَوْ يتركُ التوسُّعَ في الأكلِ ولا يتركُ التجمُّلَ في الزينةِ .. فلا
يستحقُّ اسمَ الزاهدِ مطلقاً، ودرجتُهُ في الزهَّادِ درجةٌ مَنْ يتوبُ عنْ بعضٍ
المعاصي في التائبينَ ، وهوَ زهدٌ صحيحٌ ؛ كما أنَّ التوبةَ عنْ بعضٍ المعاصي
ـن
(١) وبهذا يفارق الفقر؛ فإن حقيقة الفقر الفقد والاحتياج. ((إتحاف)) (٣١٨/٩).
١٠٠
٥٤٣ -٠٠٠٠