النص المفهرس
صفحات 41-60
ربع المنجيات كتاب الفقر والزهد حر وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يقولُ اللهُ تعالى يومَ القيامةِ: أينَ صفوتي مِنْ خلقي ؟ فتقولُ الملائكةُ: ومَنْ هُمْ يا ربَنا؟ فيقولُ: فقراءُ المسلمينَ القانعونَ بعطائي ، الراضونَ بقدري ، أدخلوهُمُ الجنَّةَ ، فيدخلونَها ، ويأكلونَ ويشربونَ والناسُ في الحسابِ يتردّدونَ)) (١) . فهذا في القانع والراضي ، وأمَّا الزاهدُ .. فسنذكرُ فضلَهُ في الشطرِ الثاني مِنَ الكتابِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى . وأمَّا الآثارُ في الرضا والقناعةِ .. فكثيرةٌ ، ولا يخفى أنَّ القناعةَ يضادُّها الطمعُ، وقدْ قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : (إنَّ الطمعَ فقرٌ، واليأسَ غنىَ، وإنَّهُ مَنْ يئسَ عمَّا في أيدي الناسِ وقنعَ .. استغنى عنهُمْ)(٢) . وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ( ما مِنْ يومٍ إلا وملكٌ ينادي مِنْ تحتٍ العرشِ: يا بنَ آدَمَ ؛ قليلٌ يكفيكَ خيرٌ مِنْ كثيرٍ يطغيكَ)(٣). وقال أبو الدرداءِ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ: ( ما مِنْ أحدٍ إلا وفي عقلِهِ (١) قال الحافظ العراقي: (رواه الديلمي في ((مند الفردوس)) من حديث أنس). ((إتحاف)) (٢٨٣/٩)، وعند الديلمي في ((مسند الفردوس)) ( ٨٠٥٨) من حديثه رضي الله عنه: (( يقول الله عز وجل يوم القيامة: أدنوا مني أحبائي ... )) الحديث . (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٦٣٢)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٥٠/١). (٣) قد روى أحمد في ((المسند)) (١٩٧/٥) عن أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعاً: (( ما طلعت شمس قط إلا بعث بجنبيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين : يا أيها الناس؛ هلموا إلى ربكم؛ فإن ما قلَّ وكفى خير مما كثر وألهى ... )) الحديث. ٤١ كتاب الفقر والزهد ربع المنجيات حر نقصٌ، وذلكَ أنَّهُ إذا أتتْهُ الدنيا بالزيادةِ .. ظلَّ فرحاً مسروراً ، والليلُ والنهارُ دائبانِ في هدم عمرِهِ ثمَّ لا يحزنُهُ ذلكَ، ويحَ ابنِ آدمَ! ما ينفعُ مالٌ يزيدُ وعمرٌ ينقصُ؟!)(١). وقيلَ لبعضٍ الحكماءِ : ما الغنى؟ قالَ : قلَّةُ تمنِّكَ، ورضاكَ بما يكفيكَ(٢) . وقيلَ : كانَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ مِنْ أهلِ النعمِ بخراسانَ ، فبينَما هوَ يشرفُ مِنْ قصرٍ لهُ ذاتَ يومٍ . . إذْ نظرَ إلى رجلٍ في فناءِ القصرِ وفي يدِهِ رغيفٌ يأكلُهُ ، فلمَّا أكلَ .. نامَ ، فقالَ لبعضٍ غلمانِهِ : إذا قامَ .. فجثْني بهِ ، فلمَّا قامَ .. جاءَ بهِ إليهِ، فقالَ إبراهيمُ: أيُّها الرجلُ ؛ أكلتَ الرغيفَ وأنتَ جائعٌ؟ قالَ: نعمْ، قالَ : فشبعتَ ؟ قالَ: نعمْ، قالَ: ثمَّ نمتَ طيِّباً؟ قالَ : نعمْ ، فقالَ إبراهيمُ في نفسِهِ : فما أصنعُ أنا بالدنيا والنفسُ تقنعُ بههذا القذْر(٣). ومرَّ رجلٌ بعامرِ بنِ عبدِ قيسٍ وهوَ يأكلُ ملحاً وبقلاً ، فقالَ لهُ : يا عبدَ اللهِ ؛ أرضيتَ مِنَ الدنيا بهذا ؟ فقالَ : ألا أدلّكَ على مَنْ رضيَ بشرٌ (١) رواه ابن أبي الدنيا في (( الزهد)) (٤٧٧). (٢) أي: عدم تعلق النفس بالآمال، والرضا بما يسر له في الحال، وهذا أحسن ما عرف به الغنى. («إتحاف)) (٢٨٤/٩). (٣) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٨٧/٦). :. 4 ٤٢ .. ربع المنجيات حز كتاب الفقر والزهد حر مِنْ هذا؟ قالَ : بلى ، قالَ: مَنْ رضيَ بالدنيا عوضاً عن الآخرةِ (١). وكانَ محمدُ بنُّ واسع رحمةُ اللهِ عليهِ يخرجُ خبزاً يابساً فيبلُّهُ بالماءِ ويأكلُهُ بالملح ويقولُ : مَنْ رضيَ مِن الدنيا بهذا .. لمْ يحتجْ إلى أحدٍ (٢). وقال الحسنُ : لعنَ اللهُ أقواماً أقسمَ اللهُ تعالى لهمْ ثُمَّ لمْ يصدّقوهُ، ثمَّ قرأَ: ﴿وَفِ اْلَّمَاءِ رِزْقُّكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾﴿ فَوَرَبِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ ... ﴾ الآيةَ(٣). جن. وكانَ أبو ذرٍّ رضيَ اللهُ عنهُ يوماً جالساً في الناس، فأتتْهُ امرأتُهُ فقالَتْ لهُ: أتجلسُ بينَ هؤلاءِ ؟! واللهِ ؛ ما في البيتِ هِفَّةٌ ولا سُّفَّةٌ ، فقالَ: يا هذهِ ؛ إنَّ بينَ أيدينا عقبةً كؤوداً لا ينجو منها إلا كلُّ مخفٍّ ، فرجعَتْ وهيَ راضيةٌ (٤). وقالَ ذو النونِ رحمهُ اللهُ : (أقربُ الناسِ إلى الكفرِ ذو فاقَةٍ لا صبرَ لهُ)(٥). وقيلَ لبعضِ الحكماءِ : ما مالُكَ ؟ فقالَ : التجمُّلُ في الظاهرِ ، والقصدُ (١) ولفظ ((القوت)): (وكان عامر بن عبد قيس إذا عوتب في تقلله من الدنيا .. يقول: بل أنتم - والله - رضيتم بالقليل ، وكان غيره يقول : إذا قيل له : أزهد الناس ، فقال : أنتم أزهد مني؛ لأني زهدت في قليل يفنى، وأنتم زهدتم في كثير يبقى). ((إتحاف)) (٢٨٤/٩). (٢) روى أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٥٣/٢) نحوه . (٣) رواه الطبري في ((تفسيره)) (٢٥٣/٢٦/١٣) عن الحسن بلاغاً . (٤) بنحوه رواه ابن عدي في ((الكامل)) (٢٧٦/٦)، وأبو نعيم في « الحلية)) (٢٢٥/١)، والهفة والسفة بوزن المرة: ما يهف وما يف، والهفَّة: من صغار السمك ، والشُفَّة : حبة من السويق ، تكني عن العدم . (٥) وقد روى أبو نعيم في ((الحلية)) (٥٣/٣) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً: («كاد الفقر أن يكون كفراً، وكاد الحسد أن يغلب القدر)). ٤٣ حن .دن ثر. كتاب الفقر والزهد ٥٠ ـير: ربع المنجيات في الباطنِ ، واليأسُ ممَّا في أيدي الناسِ . ورُوِيَ أَنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قالَ في بعضِ الكتبِ المنزلةِ : يا بنَ آدَمَ ؛ لوْ كانَتِ الدنيا كلُّها لكَ .. لمْ يكنْ لكَ منها إلا القوتُ، فإذا أنا أعطيتُكَ منها القوتَ ، وجعلتُ حسابَها على غيرِكَ .. فأنا محسنٌ إليكَ . وقدْ قيلَ في القناعةِ (١) : [من البسيط] وَأَقْنَعْ بِيَأْسِ فَإِنَّ الْعِزَّ فِي أَلْيَاسِ إِضْرَعْ إِلَى اللهِ لا تَضْرَعْ إِلَى النَّاسِ إِنَّ الْغَنِيَّ مَنِ أُسْتَغْنَى عَنِ النَّاسِ وَأَسْتَغْنِ عَنْ كُلِّ ذِي قُرْبَى وَذِي رَحِمٍ وقيلَ أيضً(٢) : [من البسيط] يا جامِعاً مانِعاً وَالدَّهْرُ يَرْمُقُهُ مُفَكِّراً كَيْفَ تَأْتِيهِ مَنِيُهُ جَمَعْتَ مالاً فَفَكِّرْ هَلْ جَمَعْتَ لَهُ الْمَالُ عِنْدَكَ مَخْزُونٌ لِوارِثِهِ أَزْفِهْ بِيَالٍ فَتَىَ يَغْدُو عَلَىْ ثِقَةٍ فَأَلْعِرْضُ مِنْهُ مَصُونٌ ما يُدَنِّسُهُ إِنَّ الْقَنَاعَةَ مَنَ يَحْلُلْ بِساحَتِها مُقَدِّراً أَيّ بابٍ مِنْهُ يُغْلِقُهُ أَغادِياً أَمْ بِها يَسْرِي فَتَطْرُقُهُ يبا جامِعَ ألْمالٍ أَثَّاماً تُفَرِّقُهُ ما أَلْمَالُ مالَكَ إِلاَّ يَوْمَ تْفِقُهُ إِنَّ الَّذِي قَسَمَ الأَرْزاقَ يَرْزُقُهُ وَأَلْوَجْهُ مِنْهُ جَدِيدٌ لَيْسَ يُخْلِقُهُ لَمْ يَلْقَ فِي ظِلِّها هَمّاً يُؤَرِّقُهُ (١) البيتان لابن أبي حازم في ((ديوانه)) (ص ٦٣). (٢) الأبيات للعطوي. انظر ((ديوانه)) ( ص ٨٤ ، ضمن مجلة المورد، المجلد الأول ١٣٩١-١٩٧١ - العددان ١ و٢)، و((شرح نهج البلاغة)) (٥٥/٢٠). ٤٤ ربع المنجيات كتاب الفقر والزهد حرة حر بيان فضل الفقه على الغنى ن اعلمْ : أنَّ الناسَ قدِ اختلفوا في هذا، فذهبَ الجنيدُ والخوَّاصُ والأكثرونَ إلى تفضيلِ الفقرِ (١)، وقالَ ابنُ عطاءٍ: (الغنيُّ الشاكرُ القائمُ بحقُّهِ أفضلُ مِنَ الفقيرِ الصابرِ)(٢)، ويُقالَ: إنَّ الجنيدَ دعا على ابنِ عطاءٍ لمخالفتِهِ إِيَّاهُ في هذا، فأصابَتْهُ محنةٌ (٣). وقدْ ذكرنا ذلكَ في كتابِ الصبرِ ، ووجهَ التفاوتِ بينَ الصبرِ والشكرِ ، ومهدنا سبيلَ طلبِ الفضيلةِ في الأعمالِ والأحوالِ ، وأنَّ ذلك لا يمكنُ إلا بتفصيلٍ . وأمَّا الفقرُ والغنى إذا أُخذا مطلقاً .. لمْ يستربْ مَنْ قرأُ الأخبارَ والآثارَ في تفضيلِ الفقرِ ، ولا بدَّ فيهِ مِنْ تفصيلٍ ، فنقولُ : إنَّما يُتصوَّرُ الشكُّ في مقامينٍ : أحدُهُما : فقيرٌ صابرٌ ليسَ بحريصٍ على الطلبِ ، بلْ هوَ قانعٌ أَوْ راضٍ بالإضافةِ إلى غنيٍّ منفقٍ مالَهُ في الخيراتِ ، ليسَ حريصاً على إمساكِ المالِ . والثاني : فقيرٌ حريصٌّ معَ غنيٌّ حريصٍ ؛ إذْ لا يخفى أنَّ الفقيرَ القانعَ (١) والخواص هو إبراهيم بن أحمد، وضع كتاباً سماه (( شرف الفقراء))، ونقل تفضيله الطوسي في ((اللمع)) (ص٧٤) . (٢) قوت القلوب (٢٦٤/١) . (٣) قوت القوب (٢٠١/١، ٢٦٤). ::: ٤٥ جن كتاب الفقر والزهد ـبو .. ربع المنجيات أفضلُ مِنَ الغنيِّ الحريصِ الممسكِ ، وأنَّ الغنيَّ المنفقَ مالَهُ في الخيراتِ أفضلُ مِنَ الفقيرِ الحريصِ . ـنتـ - أمّا الأوَّلُ : فربَّما يُظُّ أنَّ الغنيَّ أفضلُ مِنَ الفقيرِ ؛ لأَنَّهُما تساويا في ضعفِ الحرصِ على المالِ ، والغنيُّ متقرِّبٌ بالصدقاتِ والخيراتِ والفقيرُ عاجزٌ عنهُ ، وهذا هوَ الذي ظنَّهُ ابنُ عطاءٍ فيما نحسبُهُ، فأمَّا الغنيُّ المتمتِّعُ بالمالِ - وإنْ كانَ في مباحٍ - فلا يُتصوَّرُ أنْ يُفضَّلَ على الفقيرِ القانع . وقدْ يشهدُ لهُ ما رُوِيَ في الخبرِ أنَّ الفقراءَ شكَوا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ سبقَ الأغنياءِ بالخيراتِ والصدقاتِ والحجِّ والجهادِ ، فعلَّمَهُمْ كلماتٍ في التسبيحِ وذكرَ لَهُمْ أَنَّهُمْ ينالونَ بها فوقَ ما نالَهُ الأغنياءُ، فتعلَّمَ الأغنياءُ ذلكَ ، فكانوا يقولونَهُ ، فعاد الفقراءُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فأخبروه ، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((ذلكَ فضلُ اللهِ يؤتيهِ مَنْ يشاءُ))(١) . وقدِ استشهدَ ابنُ عطاءٍ أيضاً لمَّا سُئِلَ عنْ ذلكَ فقالَ: ( الغنى أفضلُ لأنَّهُ وصْفُ الحقِّ )(٢). أمَّا دليلُهُ الأوَّلُ .. ففيهِ نظرٌ؛ لأنَّ الخبرَ قدْ وردَ مفضَّلاً تفصيلاً يدلُّ على خلافِ ذلكَ ، وهوَ أنَّ ثوابَ الفقيرِ في التسبيحِ يزيدُ على ثوابِ الغنيِّ، وأنَّ فوزَهُمْ بذلكَ الثوابِ فضلُ اللهِ يؤتِيهِ مَنْ يشاءُ ؛ فقد روى زيدُ بنُ أسلمَ ـدرة (١) رواه البخاري ( ٨٤٣)، ومسلم (٥٩٥) . (٢) قوت القلوب (٢٦٤/١) . ٤٦ خر ربع المنجيات :الميزة كتاب الفقر والزهد عنْ أنسٍ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : بعثَ الفقراءُ رسولاً إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقالَ: إنِّي رسولُ الفقراءِ إليكَ، فقالَ: « مرحباً بكَ وبمَنْ جئتَ مِنْ عنِدِهِمْ، جئتَ مِنْ عندِ قومِ أحبُّهُمْ))، قالَ : قالوا : يا رسولَ اللهِ؛ إنَّ الأغنياءَ ذهبوا بالجنَّةِ ؛ يحجُونَ ولا نقدرُ عليهِ، ويعتمرونَ ولا نقدرُ عليهِ ، وإذا مرضوا .. بعثوا بفضْلٍ أموالِهِمْ ذخيرةً لهُمْ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((بلِّغْ عنِّي الفقراءَ أنَّ لمَنْ صبرَ واحتسبَ منَكُمْ ثلاثَ خصالٍ ليسَتْ للأغنياءِ ، أَمَّا خصلةٌ واحدةٌ : فإنَّ في الجنَّةِ غرفاً ينظرُ إليها أهلُ الجنَّةِ كما ينظرُ أهلُ الأرضِ إلى نجوم السماءِ ، لا يدخلُها إلا نبيٌّ فقيرٌ أَوْ شهيةٌ فقيرٌ أَوْ مؤمنٌ فقيرٌ، والثانيةُ : يدخلُ الفقراءُ الجنَّةَ قبلَ الأغنياءِ بنصفٍ يومٍ ، وهوَ خمسُ مئة عام ، والثالثةُ: إذا قالَ الغنيُّ: سبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ ولا إلهَ إلا اللهُ واللهُ أكبرُ ، وقالَ الفقيرُ مثلَ ذلكَ .. لمْ يلحقِ الغنيُّ بالفقيرِ وإنْ أنفقَ فيها عشرةَ آلافِ درهمٍ ، وكذلكَ أعمالُ البرِّ كلَّها))، فرجعَ إليهِمْ فأخبرَهُمْ بما قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ، فقالوا: رضينا رضينا (١). فهذا يدلُّ على أنَّ قولَهُ: ((ذلكَ فضلُ اللهِ يؤتيهِ مَنْ يشاءُ)) أيْ : مزيدُ ثوابِ الفقراءِ على ذكرِهِمْ . (١) كذا في ((القوت)) (٢٦٢/١)، وقال الحافظ العراقي: ( لم أجده هكذا بههذا السياق، والمعروف فى هذا المعنى ما رواه ابن ماجه [٤١٢٤] من حديث ابن عمر : اشتكى فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فضل به عليهم أغنياؤهم، فقال: (( يا معشر الفقراء ، ألا أبشركم أن فقراء المؤمنين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم؛ خمس مئة عام))، وإسناده ضعيف). ((إتحاف)) (٢٨٧/٩). ٤٧ كتاب الفقر والزهد ربع المنجيات وأمَّا قولُهُ : (إنَّ الغنى وصفُ الحقِّ ) .. فقدْ أجابَهُ بعضُ الشيوخ فقالَ : أترى أنَّ الحقَّ غنيٌّ بالأسبابِ والأعراضِ ؟! فانقطعَ ولمْ ينطقُ(١). وأجابَ آخرونَ فقالوا : إنَّ التكتُّرَ مِنْ صفاتِ الحقِّ ، فينبغي أنْ يكونَ أفضلَ مِنَ التواضع! ثمَّ قالوا: بلْ هذا يدلُّ على أنَّ الفقرَ أفضلُ؛ لأنَّ صفاتِ العبوديةِ أفضلُ للعبدِ ؛ كالخوفِ والرجاءِ ، وصفاتُ الربوبيّةِ لا ينبغي أنْ يُنازِعَ فيها ، ولذلكَ قالَ تعالى فيما روى عنهُ نبِيُّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : ((الكبرياءُ ردائي والعظمةُ إزاري، فمَنْ نازعَني فيهِما .. قصمتُهُ))(٢). وقالَ سهلٌ : ( حبُّ العزِّ والبقاءِ شركٌ في الربوبيةِ ومنازعةٌ فيها ؛ لأنَّهُما مِنْ صفاتِ الرِّ تعالى)(٣). فِمِنْ هذا الجنسِ تكلّموا في تفضيلِ الغنى والفقرِ ، وحاصلُ ذلكَ : تعلُّقٌ بعموماتٍ تقبلُ التأويلَ ، وبكلماتٍ قاصرةٍ لا تبعدُ مناقضتُها ، إذْ كما يُناقضُ قولُ مَنْ فضَّلَ الغنى بأنَّهُ صفةُ الحقِّ .. بالتكثُرِ؛ فكذلكَ يُناقضُ قولُ مَنْ فضَّلَ الفقرَ بأنَّهُ وصفُ العبدِ .. بالعلم والمعرفةِ ؛ فإنَّهُ وصفُ الربِّ تعالى، والجهلُ والغفلةُ وصفُ العبدِ، وليسَ لأحدٍ أنْ يفضِّلَ الغفلةَ على العلمِ . فكشفُ الغطاءِ عنْ هذا هوَ ما ذكرناهُ في كتابِ الصبرِ ، وهوَ أنَّ ما لا (١) قوت القلوب (٢٦٤/١). (٢) رواه مسلم (٢٦٢٠)، وأبو داوود ( ٤٠٩٠). (٣) قوت القلوب (٢٦٤/١) . ٤٨ ربع المنجيات كتاب الفقر والزهد يُرادُ لعينِهِ بلْ يُرادُ لغيرِهِ .. فينبغي أنْ يُضافَ إلى مقصودِهِ ؛ إذْ بهِ يظهرُ فضلُهُ، والدنيا ليسَتْ محذورةً لعينِها ، ولكنْ لكونِها عائقةً عنِ الوصولِ إلى اللهِ تعالىُ ، ولا الفقرُ مطلوبٌ لعينِهِ، لكنْ لأَنَّ فيهِ فقدَ العائقِ عنِ اللهِ تعالى ، وعدمَ الشاغلِ عنهُ ، وكمْ مِنْ غنيٌّ لمْ يشغلْهُ الغنى عنِ اللهِ عزَّ وجلَّ، مثلَ سليمانَ عليهِ السلامُ، وعثمانَ ، وعبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ رضيَ اللهُ عنهُما ، وكمْ مِنْ فقيرٍ شغلَهُ الفقرُ وصرفَهُ عنِ المقصدِ ، وغايةُ المقصدِ في الدنيا هوَ حبُّ اللهِ تعالى والأنسُ بهِ ، ولا يكونُ ذلكَ إلا بعدَ معرفتِهِ ، وسلوكُ سبيلِ المعرفةِ معَ الشواغلِ غيرُ ممكنٍ ، والفقرُ قَدْ يكونُ مِنَ الشواغلِ ؛ كما أنَّ الغنى قدْ يكونُ مِنَ الشواغلِ ، وإنَّما الشاغلُ على التحقيقِ حبُّ الدنيا ؛ إذْ لا يجتمعُ معَهُ حبُّ اللهِ في القلبِ ، والمحبُّ للشيءٍ مشغولٌ بهِ سواءٌ كانَ في فراقِهِ أوْ في وصالِهِ ، وربما يكونُ شغلُهُ في الفراقِ أكثرَ ، وربما يكونُ شغلُهُ في الوصالِ أكثرَ ، والدنيا معشوقةُ الغافلينَ ، المحرومُ منها مشغولٌ بطلبها ، والقادرُ عليها مشغولٌ بحفظِها والتمتع بها . فإذاً ؛ إنْ فرضتَ فارغينٍ عنْ حبِّ المالِ ؛ بحيثُ صارَ المالُ في حقِّهِما كالماءِ .. استوى الفاقدُ والواجدُ ؛ إذْ كلُّ واحدٍ غيرُ متمتِّع إلا بقدْرِ الحاجةِ، ووجودُ قدْرِ الحاجةِ أفضلُ مِنْ فقدِهِ ؛ إذِ الجائعُ يسلكُ سبيلَ الموتِ لا سبيلَ المعرفةِ . وإنْ أخذتَ الأمرَ باعتبارِ الأكثرِ .. فالفقيرُ عنِ الخطرِ أبعدُ؛ إذْ فتنةٌ السرَّاءِ أشدُّ مِنْ فتنةِ الضرَّاءِ ، ومِنَ العصمةِ ألا يقدرَ ، ولذلكَ قالَ الصحابةُ ٠٠ حن ٤٩ كتاب الفقر والزهد جنيه ربع المنجيات حن: دن رضيَ اللهُ عنهُمْ: ( بُلينا بفتنةِ الضرَّاءِ فصبرنا، وبُلينا بفتنةِ السرَّاءِ فلمْ نصبرْ)(١) ، وهذهِ خِلقةُ الآدميينَ كلِّهِمْ إلا الشاذَّ الفذَّ الذي لا يُوجدُ في الأعصار الكثيرةِ إلا نادراً . ولمَّا كانَ خطابُ الشرع معَ الكلِّ لا معَ ذلكَ النادرِ ، والضراءُ أصلحُ للكلِّ دونَ ذلكَ النادرِ .. زجرَ الشرعُ عنِ الغنىُ وذقَّهُ، وفضَّلَ الفقرَ ومدحَهُ ، حتى قالَ عيسى عليهِ السلامُ : ( لا تنظروا إلى أموالِ أهلِ الدنيا ، فإنَّ بريقَ أموالِهِمْ يذهبُ بنورِ إِيمانِكُمْ) (٢). وقالَ بعضُ العلماءِ : ( تقليبُ الأموالِ يمصُّ حلاوةَ الإيمانِ )(٣) . وفي الخبرِ: ((لكلِّ أمةٍ عجلٌ ، وعجلُ هذهِ الأمّةِ الدينارُ والدرهمُ))(٤)، وكانَ أصلُ عجلِ قوم موسىُ مِنْ حليةِ الذهبِ والفضةِ أيضاً . واستواءُ المالِ والماءِ والذهبِ والحجرِ إنَّما يُتصوَّرُ للأنبياءِ والأولياءِ ، ثُمَّ يتمُّ لَهُمْ ذلكَ بعدَ فضْلِ اللهِ تعالى بطولِ المجاهدةِ ، إذْ كانَ النبيُّ صلَّى اللهُ (١) رواه الخرائطى فى ((اعتلال القلوب)) (٢١٩) عن معاذ بن جبل رضي الله عنه. (٢) قوت القلوب (٢٦٢/١). (٣) قوت القلوب (٢٦٢/١). حزن (٤) قال الحافظ العراقي: (رواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) [٥٠١٩] من طريق أبي عبد الرحمن السلمي من حديث حذيفة بإسناد فيه جهالة ) . ((إتحاف)» (٢٨٩/٩ ) . + ربع المنجيات كتاب الفقر والزهد عليهِ وسلَّمَ يقولُ للدنيا: ((إليكِ عنِّي)) إذْ كانَتْ تتمثَّلُ لهُ بزينتِها(١). حں وكانَ عليّ رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ: ( يا صفراءُ ؛ غرِّي غيري ، ويا بيضاءُ؛ غرِّي غيري)(٢) وذلكَ لاستشعارِهِ في نفسِهِ ظهورَ مبادي الاغترارِ بها لولا أنْ رأى برهانَ ربِّهِ، وذلكَ هوَ الغنى المطلقُ، إذْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «ليسَ الغنى عنْ كثرةِ العرض، إنَّما الغنى غنى النفسِ)) (٣). وإذا كانَ ذلكَ بعيداً .. فإذاً الأصلحُ لكافَّةِ الخلقِ فقْدُ المالِ وإنْ تصدَّقوا بهِ وصرفوهُ إلى الخيراتِ ؛ لأنَّهُمْ لا ينفكُّونَ في القدرةِ على المالِ عنْ أنْسٍ بالدنيا ، وتمتع بالقدرةِ عليها ، واستشعارِ راحةٍ في بذلِها ، وكلُّ ذلكَ يورثُ الأنْسَ بهذا العالم ، وبقدْرِ ما يأنسُ العبدُ بالدنيا يستوحشُ مِنَ الآخرةِ ، وبقدْرِ ما يأنسُ بصفةٍ مِنْ صفاتِهِ - سوى صفةِ المعرفةِ باللهِ - يستوحشُ مِنَ اللهِ ومِنْ حبِّهِ ، ومهما انقطعَتْ أسبابُ الأنسِ بالدنيا .. تجافى القلبُ عنِ الدنيا وزهرتِها ، والقلبُ إذا تجافى عمَّا سوى اللهِ تعالى وكانَ مؤمناً باللهِ .. انصرفَ - لا محالةَ - إلى اللهِ؛ إذْ لا يُتصوَّرُّ قلبٌ فارغٌ . جن. ے وليسَ في الوجودِ إلا اللهُ تعالى وغيرُهُ، فَمَنْ أَقبلَ على غيرِهِ .. فقدْ تجافى عنهُ، ومَنْ أقبلَ عليهِ .. تجافىُ عنْ غيرِهِ ، ويكونُ إقبالُهُ على أحدِهِما (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (١١)، والبزار في ((مسنده)) (٤٤)، والحاكم في ((المستدرك)) (٣٠٩/٤)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠٠٣٩). (٢) رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (٨١/١). (٣) رواه البخاري (٦٤٤٦)، ومسلم ( ١٠٥١). : جني جنيجن جن: ٠جن:٥٥٠ كتاب الفقر والزهد ربع المنجيات ونحن بقدْرٍ تجافيهِ عنِ الآخرِ ، وقربُهُ مِنْ أحدِهِما بقدْرِ بعدِهِ مِنَ الآخرِ ، ومثلُهُما مثلُ المشرقِ والمغربِ ، فإنَّهُما جهتانِ ، فالمتردِّدُ بينَهُما بقدْرِ ما يقربُ مِنْ أحدِهِما يبعدُ مِنَ الآخرِ ، بلْ عينُ القرْبِ مِنْ أحدِهِما هوَ عينُ البعدِ مِنَ الآخرِ ، فعينُ حبُّ الدنيا هوَ عينُ بغضِ اللهِ تعالى ، فينبغي أنْ يكونَ مطمحُ نظرِ العارفِ قلبَهُ في عزوفِهِ عنِ الدنيا وأنسِهِ بها . فإذاً ؛ فضْلُ الفقيرِ والغنيِّ بحسَبِ تعلُّقِ قلبيهِما بالمالِ فقطْ ، فإنْ تساويا فيهِ .. تساوَتْ درجتُهُما، إلا أنَّ هذا مزلَّةُ قدم وموضعُ غرورٍ ؛ فإنَّ الغنيَّ ربما يظنُّ أنَّهُ منقطعُ القلبِ عنِ المالِ ويكونُ حِبُّهُ دفيناً في باطنِهِ وهوَ لا يشعرُ بهِ ، وإنَّما يشعرُ بهِ إذا فقدَهُ، فليجرِّبْ نفسَهُ بتفريقِهِ أوْ إذا سُرِقَ منهُ ، فإنْ وجدَ لقلبهِ إليهِ التفاتاً .. فليعلمْ أنَّهُ كانَ مغروراً ، فَكَمْ مِنْ رجلٍ باعَ سُرِّيَّةً لَهُ لظنِّهِ أنَّهُ منقطعُ القلبِ عنها، فبعدَ لزومِ البيع وتسليمِ الجاريةِ .. اشتعلَتْ مِنْ قلبِهِ النارُ التي كانَتْ مستكنَّةً فيهِ ، فتحقَّقَ بهِ أنَّهُ كانَ مغروراً، وأنَّ العشقَ كانَ مستكنّاً في الفؤادِ استكنانَ النارِ تحتَ الرمادِ ، وهذا حالُ كلِّ الأغنياءِ ، إلا الأنبياء والأولياءَ . وإذا كانَ ذلكَ محالاً أوْ بعيداً .. فلنطلقِ القولَ بأنَّ الفقرَ أصلحُ لكافَّةِ الخلقِ وأفضلُ ؛ لأنَّ علاقةَ الفقيرِ وأنسَهُ بالدنيا أضعفُ ، وبقدْرِ ضعفٍ علاقتِهِ يتضاعفُ ثوابُ تسبيحاتِهِ وعباداتِهِ ، فإنَّ حركاتِ اللسانِ ليسَتْ مرادةً الأعيانِها ، بلْ ليتأكَّدَ بها الأنسُ بالمذكورِ ، ولا يكونُ تأثيرُها في إثارةِ الأنسِ في قلبٍ فارغٍ مِنْ غيرِ المذكورِ كتأثيرِها في قلبٍ مشغولٍ . ٥٢ ربع المنجيات تر كتاب الفقر والزهد ولذلكَ قالَ بعضُ السلفِ : ( مثلُ مَنْ تعبَّدَ وهوَ في طلبِ الدنيا مثلُ مَنْ يطفىءُ النارَ بالحلفاءِ، ومثلُ مَنْ يغسلُ يدَهُ مِنَ الْغَمَرِ بالسمكِ)(١) . وقالَ أبو سليمانَ الدارانيُّ رحمهُ اللهُ تعالى: ( تنفُسُ فقيرٍ دونَ شهوةٍ لا يقدرُ عليها أفضلُ مِنْ عبادةِ غنيٍّ أَلْفَ عامٍ)(٢). ـحة؟ وعنِ الضَّّاكِ قالَ : ( مَنْ دخلَ السوقَ ، فرأى شيئاً يشتهيهِ ، فصبرَ واحتسبَ .. كانَ خيراً لهُ مِنْ ألفِ دينارٍ ينفقُها كلَّها في سبيلِ اللهِ تعالى ) . وقالَ رجلٌ لبشرِ بنِ الحارثِ رحمهُ اللهُ : ادعُ اللهَ لي ، فقدْ أضرَّ بي الفقرُ والعيالُ، فقالَ : إذا قالَ لكَ عيالُكَ: ليسَ عندَنا دقيقٌ ولا خبرٌ . . فادعُ لي في ذلكَ الوقتِ ؛ فإنَّ دعاءَكَ أفضلُ مِنْ دعائي(٣). وكانَ يقولُ : ( مثلُ الغنيِّ المتعبِّدِ مثلُ روضةٍ على مزبلةٍ ، ومثلُ الفقيرِ المتعبِّدِ مثلُ عقدِ الجوهرِ في جيدِ الحسناءِ )(٤) . وقدْ كانوا يكرهونَ سماعَ علمِ المعرفةِ مِنَ الأغنياءِ(٥) . وقدْ قالَ أبو بكرِ الصدِّيقُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( اللهمَّ ؛ إنِّي أسألُكَ الذلَّ عندَ النصَفِ مِنْ نفسي، والزهدَ فيما جاوزَ الكفافَ )(٦) ، وإذا كانَ مثلُ الصدِّيقِ (١) قوت القلوب (٢٦٢/١)، والغَمَر : ريح اللحم وزهمه . (٢) قوت القلوب ( ١٩٢/٢ ). (٣) قوت القلوب ( ٢/ ١٩٢ ). قوت القلوب ( ٢ / ١٩٢ ) . (٤) (٥) قوت القلوب (١٩٣/٢). (٦) قوت القلوب (٢٦٢/١) . ٥٣ كتاب الفقر والزهد ربع المنجيات كن: ض حل رضيَ اللهُ عنهُ في كمالِ حالِهِ يحذرُ مِنَ الدنيا ووجودِها .. فكيفَ يُشَكُّ في أنَّ فقدَ المالِ أصلحُ مِنْ وجودِهِ ؟! هذا معَ أنَّ أحسنَ أحوالِ الغنيِّ أنْ يأخذَ حلالاً ، وينفقَ طيِّباً ، ومعَ ذلكَ فيطولُ حسابُهُ في عرصاتِ القيامةِ ، ويطولُ انتظارُهُ ، ومَنْ نُوقِشَ الحسابَ .. عُذِّبَ، ولهذا تأخّرَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ عنِ الجنَّةِ ؛ إذْ كانَ مشغولاً بالحسابِ كما رآهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(١). ولهذا قالَ أبو الدرداءِ : ما أحبُّ أنَّ لي حانوتاً على بابِ المسجدِ ولا تخطئُني فيهِ صلاةٌ وذكرٌ وأربحُ كلَّ يومٍ أربعينٍ ديناراً وأتصدَّقُ بها في سبيلِ اللهِ تعالى، قيلَ: وما تكرهُ؟ قالَ: سوءَ الحسابِ(٢). ولذلكَ قالَ سفيانُ رحمهُ اللهُ: ( اختارَ الفقراءُ ثلاثةَ أشياءَ ، واختارَ الأغنياءُ ثلاثةَ أشياءَ ؛ اختارَ الفقراءُ راحةَ النفسِ ، وفراغَ القلبِ ، وخفَّةً الحسابِ، واختارَ الأغنياءُ تعبَ النفسِ ، وشغلَ القلبِ ، وشدَّةَ الحسابِ ). وما ذكرَهُ ابنُ عطاءٍ مِنْ أَنَّ الغنى وصفُ الحقِّ ؛ فهوَ بذلكَ أفضلُ .. فهوَ صحيحٌ ، ولكنْ إذا كانَ العبدُ غنّاً عنْ وجودِ المالِ وعدمِهِ جميعاً ، بأنْ يستويَ عندَهُ كلاهما، فأمَّا إذا كانَ غنيّاً بوجودِهِ ومفتقراً إلى بقائِهِ .. فلا يضاهي غناهُ غنى اللهِ تعالى؛ لأنَّ اللهَ تعالى غنيٌّ بذاتِهِ ، لا بما يُصوَّرُ زوالُهُ، والمالُ يُتَصوَّرُ زوالُهُ بأنْ يُسرقَ . (١) رواه الطبراني في (( الكبير)) (٢٣٦/٨). (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٠٩/١). ٥٤ محد سسيستـ ربع المنجيات : كتاب الفقر والزهد وما ذُكِرَ في الردِّ عليهِ مِنْ أَنَّ اللهَ ليسَ غنيّاً بالأعراضِ والأسبابِ .. صحيحٌ في ذمِّ غنيٍّ يريدُ بقاءَ المالِ، وما ذُكِرَ مِنْ أَنَّ صفاتِ الحقِّ لا تليقُ بالعبدِ .. غيرُ صحيحٍ ، بلِ العلمُ مِنْ صفاتِهِ عزَّ وجلَّ، وهوَ أفضلُ شيءٍ للعبدِ ، بلْ منتهى العبدِ أنْ يتخلَّقَ بأخلاقِ اللهِ تعالى ، وقدْ سمعتُ بعضَ المشايخ يقولُ : إنَّ سالكَ الطريقِ إلى اللهِ تعالىُ قبلَ أنْ يقطعَ الطريقَ تصيرُ الأسماءُ التسعةُ والتسعونَ أوصافاً لهُ ؛ أيْ : يكونُ لهُ مِنْ كلِّ واحدٍ نصيبٌ . وأمَّا التكبِّرُ .. فلا يليقُ بالعبدِ، فإنَّ التكثُّرَ على مَنْ لا يستحقُّ التكبُّرَ عليهِ ليسَ مِنْ صفاتِ اللهِ تعالى، وأمَّا التكتُّرُ على مَنْ يستحقُّهُ ؛ كتكبُّرِ المؤمنِ على الكافرِ ، وتكثُرِ العالمِ على الجاهلِ ، والمطيعِ على العاصي .. فيليقُ بهِ . نعمْ، قدْ يُرادُ بالتكُّرِ الزهوُ والصلفُ والإيذاءُ ، وليسَ ذلكَ مِنْ وصفِ اللهِ تعالى، وإنَّما وصفُ اللهِ تعالى أنَّهُ أكبرُ مِنْ كلِّ شيءٍ، وأَنَّهُ يعلمُ أنَّهُ كذلكَ ، والعبدُ مأمورٌ بأنْ يطلبَ أعلى المراتبِ إنْ قدرَ عليهِ ، ولكنْ بالاستحقاقِ كما هوَ حقُّهُ ، لا بالباطلِ والتلبيسِ ، فعلى العبدِ أنْ يعلمَ أنَّ المؤمنَ أكبرُ مِنَ الكافِرِ ، والمطيعَ أكبرُ مِنَ العاصي ، والعالمَ أكبرُ مِنَ الجاهلِ ، والإنسانَ أكبرُ مِنَ البهيمةِ والجمادِ والنباتِ ، وأقربُ إلى اللهِ تعالى منها ، فلو رأىُ نفسَهُ بهذهِ الصفةِ رؤيةً محقَّقةً لا شكَّ فيها .. لكانَتْ صفةٌ التكتُّرِ حاصلةً لهُ ولائقةً بهِ وفضيلةً في حقِّهِ ، إلا أنَّهُ لا سبيلَ لهُ إلى معرفتِهِ ، فإنَّ ذلكَ موقوفٌ على الخاتمةِ ، وليسَ يدري الخاتمةَ كيفَ تكونُ ، وكيفَ تتفقُ، فلجهلِهِ بذلكَ وجبَ ألا يعتقدَ لنفسِهِ رتبةً فوقَ رتبةِ الكافرِ ؛ إذْ ربما ـدن كتاب الفقر والزهد ربع المنجيات يُختمُ للكافرِ بالإيمانِ ويُختمُ لهُ بالكفرِ ، فلمْ يكنْ ذلكَ لائقاً بهِ ؛ لقصور علمِهِ عنْ معرفةِ العاقبةِ . CG ولمَّا تُصوِّرَ أنْ يعلمَ الشيءَ على ما هوَ بهِ .. كانَ العلمُ كمالاً في حقِّهِ ؛ لأنَّهُ مِنْ صفاتِ اللهِ ، ولمَّا كانَتْ معرفةُ بعضِ الأشياءِ قدْ تضرُّهُ .. صارَ ذلكَ العلمُ نقصاً في حقِّهِ ؛ إذْ ليسَ مِنْ أوصافِ اللهِ تعالى علمٌ يضرُّهُ، فمعرفةٌ الأمورِ التي لا ضررَ فيها هيّ التي تُتَصوَّرُ في العبدِ مِنْ صفاتِ اللهِ تعالى ، فلا جرمَ هوَ منتهى الفضيلةِ ، وبهِ فضلَ الأنبياءُ والأولياءُ والعلماءُ . فإذاً؛ لوٍ استوى عندَهُ وجودُ المالِ وعدمُهُ .. فهذا نوعٌ مِنَ الغنى يضاهي بوجهٍ مِنَ الوجوهِ الغنى الذي يُوصفُ بهِ اللهُ سبحانَهُ(١)، فهوَ فضيلةٌ، أمَّا الغنى بوجودِ المالِ .. فلا فضيلةَ فيهِ أصلاً . ٠٢٧ فهذا بيانُ نسبةِ حالِ الفقيرِ القانع إلى حالِ الغنيِّ الشاكرِ . - المقامُ الثاني : في نسبةِ حالِ الفقيرِ الحريصِ إلى حالِ الغنيِّ الحريصِ: ولنفرضْ ذلكَ في شخصٍ واحدٍ هوّ طالبٌ للمالِ وساع فيهِ وفاقدٌ لهُ ثمَّ وجدَهُ ، فلهُ حالةُ الفقدِ وحالةُ الوجودِ ، فأيُّ حالتيهِ أفضلُ ؟ فنقولُ : ننظرُ؛ فإنْ كانَ مطلوبُهُ ما لا بدَّ منهُ في المعيشةِ ، وكانَ قصدُهُ أنْ يسلكَ سبيلَ الدينِ ، ويستعينَ بهِ عليهِ .. فحالُ الوجودِ أفضلُ ؛ لأنَّ الفقرَ (١) يضاهي هنا : يشاكل ويشابه ، ويقال : فلان يضاهي فلاناً ؛ أي : يتابعه . ٥٦ كن. G ربع المنجيات كتاب الفقر والزهد يشغلُهُ بالطلبِ ، وطالبُ القوتِ لا يقدرُ على الذكرِ والفكرِ إلا قدرةً مدخولةً بشغلٍ ، والمكفيُّ هوَ القادرُ . ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اللهمَّ؛ اجعلْ قوتَ آلِ محمدٍ كفافاً)) (١) . وقالَ: ((كادَ الفقرُ أنْ يكونَ كفراً »(٢) أي: الفقرُ معَ الاضطرارِ فيما لا بدَّ منهُ . جن وإنْ كانَ المطلوبُ فوقَ الحاجةِ، أوْ كانَ المطلوبُ قدْرَ الحاجةِ ولكنْ لمْ يكنِ المقصودُ الاستعانةَ بهِ على سلوكِ سبيلِ الدينِ .. فحالةُ الفقرِ أصلحُ وأفضلُ ؛ لأنَّهُما استويا في الحرصِ وحبّ المالِ ، واستويا في أنَّ كلَّ واحدٍ منهُما ليسَ يقصدُ بهِ الاستعانةَ على طريقِ الدينِ ، واستويا في أنَّ كلَّ واحدٍ منهُما ليسَ يتعرَّضُ لمعصيةٍ بسببِ الفقرِ والغنى، ولكنِ افترقا في أنَّ الواجدَ يأنسُ بما وجدَهُ، فيتأكَّدُ حبُّهُ في قلبهِ ، ويطمئنُّ إلى الدنيا ، والفاقدُ المضطرُّ يتجافى قلبُهُ عنِ الدنيا ، وتكونُ الدنيا عندَهُ مثلَ السجنِ الذي يبغي الخلاصَ منهُ . ومهما استوتِ الأمورُ كلُّها ، وخرجَ مِنَ الدنيا رجلانِ ؛ أحدُهُما أشدُّ ركوناً إلى الدنيا .. فحالُهُ أشدُّ لا محالةَ؛ إذْ يلتفتُ قلبُهُ إلى الدنيا، (١) رواه البخاري (٦٤٦٠)، ومسلم (١٠٥٥) بلفظ: ((اللهم؛ ارزق آل محمد قوتاً))، وبلفظ المصنف رواه ابن حبان في (صحيحه)) ( ٦٣٤٣). (٢) رواه أبو الشيخ في ((التوبيخ والتنبيه)) (٧٤)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٥٣/٣)، والبيهقي في (( الشعب)) (٦١٨٨) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً. ٥٧ بحـ كتاب الفقر والزهد ربع المنجيات درے. ويستوحشُ مِنَ الآخرةِ بقدْرِ تأكُّدِ أنسِهِ بالدنيا ، وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( إنَّ روحَ القدسِ نفثَ في رُوعي : أحببْ مَنْ أحببتَ فإنَّكَ مفارقُهُ))(١) ، وهذا تنبيهٌ على أنَّ فراقَ المحبوبِ شديدٌ . فينبغي أنْ تحبَّ مَنْ لا يفارقُكَ، وهوَ اللهُ تعالى ، ولا تحبّ ما يفارقُكَ ، وهوَ الدنيا ؛ فإنَّكَ إذا أحببتَ الدنيا .. كرهْتَ لقاءَ اللهِ تعالى ، فيكونُ قدومُكَ بالموتِ على ما تكرهُهُ ، وفراقُكَ لما تحبُّهُ ، وكلُّ مَنْ فارقَ محبوباً فيكونُ أذاهُ في فراقِهِ بقدْرِ حبِّهِ وقدْرٍ أنسِهِ بهِ ، وأنسُ الواجدِ للدنيا بالدنيا أكثرُ مِنْ أنسِ الفاقدِ لها وإنْ كانَ حريصاً عليها . به. فإذاً؛ قدِ انكشفَ بهذا التحقيقِ أنَّ الفقرَ هوَ الأشرفُ والأفضلُ والأصلحُ لكافَّةِ الخلقِ إلا في موضعینِ : أحدُهُما : غنىَّ مثلُ غنى عائشةَ رضيَ اللهُ عنها ، استوى عندَهُ الوجودُ والعدمُ ، فيكونُ الوجودُ مزيداً لهُ ، إذْ يستفيدُ بهِ أدعيةَ الفقراءِ والمساكينِ وجمعَ هِمَمِهِمْ . والثاني : الفقرُ عنْ مقدارِ الضرورةِ ، فإنَّ ذلكَ يكادُ أنْ يكونَ كفراً ، ٢ (١) الشطر الأول من الحديث رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٢٥/١١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦/١٠)، والثاني رواه أيضاً أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٠٢/٣)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ١٠٠٥٨). جر ٢ ٥٨ ربع المنجيات كتاب الفقر والزهد ولا خيرَ فيهِ بوجهٍ مِنَ الوجوهِ ، إلا إذا كانَ وجودُهُ يُبقي حياتَهُ ، ثمَّ يستعينُ بقوتِهِ وحياتِهِ على الكفرِ والمعاصي ، ولوْ ماتَ جوعاً .. لكانَتْ معاصيهِ أقلَّ ، فالأصلحُ لهُ أنْ يموتَ جوعاً ولا يجدَ ما يُضطرُّ إليهِ أيضاً . فهذا تفصيلُ القولِ في الغنى والفقرِ ، ويبقى النظرُ في فقيرٍ حريصٍ متكالبٍ على طلبِ المالِ ، ليسَ لهُ همٍّ سواءُ، وفي غنيٌّ دونَهُ في الحرصِ على حفظِ المالِ، ولمْ يكنْ تفجُّعُهُ بفقْدِ المالِ لوْ فقدَهُ كتفجُّع الفقيرِ بفقدِهِ ، فهذا في محلِّ النظرِ ، والأظهرُ : أنَّ بعدَهُما عنِ اللهِ تعالى بقدْرِ قوَّةِ تفجُّعِهِما لفقدِ المالِ، وقربَهُما بقدْرٍ ضعفٍ تفجُّعِهِما بفقدِهِ ، والعلمُ عندَ اللهِ تعالی فیهِ . 0 ٢٤٥- ٥٩ حن. فن شروع ـن كتاب الفقر والزهد ربع المنجيات بيان آداب الفقير في فقده اعلمْ : أَنَّ للفقيرِ آداباً في باطنِهِ وظاهرِهِ ، ومخالطتِهِ وأفعالِهِ ، ينبغي أنْ يراعيَها . فأمَّا أدبُ باطنِهِ : فألا يكونَ فيهِ كراهةٌ لما ابتلاهُ اللهُ تعالى بهِ مِنَ الفقرِ ؛ أعني أنَّهُ لا يكونُ كارهاً فعلَ اللهِ مِنْ حيثُ إنَّهُ فعلُهُ وإنْ كانَ كارهاً للفقرِ ؛ كالمحجومِ يكونُ كارهاً للحجامةِ لتأَلُّمِهِ بها ، ولا يكونُ كارهاً فعلَ الحجَّامِ ، ولا كارهاً للحجَّامِ ، بلْ ربما يتقلَّدُ منهُ منَّةً . فهذا أقلُّ درجاتِهِ ، وهوَ واجبٌ ، ونقيضُهُ حرامٌ ومحبطٌ ثوابَ الفقرِ ، وهوَ معنى قولِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( يا معشرَ الفقراءِ ؛ أعطوا اللهَ الرضا مِنْ قلوبِكُمْ .. تظفروا بثوابٍ فقرِكُمْ، وإلا .. فلا))(١) . وأرفعُ مِنْ هذا : ألا يكونَ كارهاً للفقرِ ، بلْ يكونُ راضياً بهِ . وأرفعُ منهُ : أنْ يكونَ طالباً لهُ، وفرحاً بهِ ؛ لعلمِهِ بغوائلِ الغنى ، ويكونَ متوكلاً في باطنِهِ على اللهِ تعالى، واثقاً بهِ في قَدْرِ ضرورتِهِ أنَّهُ يأتيهِ لا محالةَ ، ويكونَ كارهاً للزيادةِ على الكفافِ . (١) قوت القلوب (١٩٤/٢)، وهو عند الديلمي في ((مند الفردوس)) (٨٢١٦)، وحكى سنده الحافظ ابن حجر في ((زهر الفردوس)) (٢٨١/٤)، وانظر «الإتحاف)) (٩/ ٢٨٣، ٦٥٠ ) . ٦٠