النص المفهرس

صفحات 21-40

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
بيان فضيلة الفقه مطلقاً
أمَّا مِنَ الآياتِ .. فيدلُّ عليهِ قولُهُ تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ
مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ ... ) الآيةَ.
وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُخْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا
يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾.
ساقَ الكلامَ في معرضِ المدحِ ، ثمَّ قدَّمَ وصفَهُمْ بالفقرِ على وصفِهِمْ
بالهجرةِ والإحصارِ ، وفيهِ دلالةٌ ظاهرةٌ على مدْحِ الفقرِ .
وأمَّا الأخبارُ في مدح الفقرِ .. فأكثرُ مِنْ أنْ تُحصىُ ؛ فقدْ قالَ عبدُ اللهِ بنُ
عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لأصحابِهِ : ((أيُّ
الناس خيرٌ؟)) فقالوا : موسرٌ من المالِ يعطي حقَّ اللهِ في نفسِهِ ومالِهِ ،
فقالَ: (( نعمَ الرجلُ هذا وليسَ بهِ))، قالوا: فمَنْ خيرُ الناس
يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: ((فقيرٌ يعطي جهدَهُ))(١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لبلالٍ: (( القَ الله فقيراً، ولا تلقَهُ غنيّاً))(٢).
٠
(١) كذا في ((القوت)) (٢٦٣/١)، وقد رواه الطيالسي في ((مسنده)) ( ١٨٥٢)، وابن
عدي في ((الكامل)) (٢٣٨/٤)، وأبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) (٢٦٢/٢).
(٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣١٦/٤)، ورواه الطبراني في ((الكبير))
(٣٤١/١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٤٩/١) ولفظه عندهما: (( يا بلال؛ مت
فقيراً، ولا تمت غنياً))، قلت: وكيف ذاك؟ قال : « ما رزقت فلا تخبأ ، وما سئلت
فلا تمنع))، فقلت: يا رسول الله؛ كيف لي بذاك؟ فقال: ((هو ذاك أو النار)).
٢١
نزع
:3
من
٠
..... . . ...... ......

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ اللهَ يحبُّ الفقيرَ المتعفِّفَ أبا
العيالِ))(١) .
وفي الخبرِ المشهورِ : (( يدخلُ فقراءُ أمَّتي الجنَّةَ قبلَ أغنيائِها بخمسٍ مئةٍ
عامٍ))(٢).
وفي حديثٍ آخرَ: (( بأربعينَ خريفاً))(٣) أيْ: أربعينَ سنةً، فيكونُ
المرادُ بهِ تقديرَ تقدُّم الفقيرِ الحريصِ على الغنيِّ الحريصِ ، والتقديرُ بخمسٍٍ
مئة عامِ تقديرُ تقدُّم الفقيرِ الزاهدِ على الغنيِّ الراغبِ ، وما ذكرناهُ مِنِ
اختلافِ درجاتِ الفقرِ يعرِّفُكَ بالضرورةِ تفاوتاً بينَ الفقراءِ في درجاتِهِمْ ،
وكانَ الفقيرُ الحريصُ على درجتينِ مِنْ خمسٍ وعشرينَ درجةٌ مِنَ الفقيرِ
الزاهدِ ؛ إذْ هذهِ نسبةُ الأربعينَ إلى خمسٍ مئةٍ .
ولا تظنَّنَّ أنَّ تقديرَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يجري على لسانِهِ
جزافاً وبالاتفاقِ ، بل لا يستنطقُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلا بحقيقةِ الحقِّ ،
فإنَّهُ لا ينطقُ عنِ الهوى ، إنْ هوَ إلا وحيٌّ يُوحى، وهذا كقولِهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ: ((الرؤيا الصالحةُ جزءٌ مِنْ سنَّةٍ وأربعينَ جزءاً مِنَ النبوّةِ))(٤)،
حن حن حن حن حنة
(١) رواه ابن ماجه ( ٤١٢١) .
(٢) رواه الترمذي ( ٢٣٥٣) .
(٣)
رواه مسلم ( ٢٩٧٩ ) .
(٤) رواه البخاري ( ٦٩٨٩) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً ، ومسلم
(٢٢٦٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً .
٢٢
ـكن

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
فإنَّهُ تقديرُ تحقيقٍ لا محالةَ ، ولكنْ ليسَ في قوَّةِ غيرِهِ أنْ يعرفَ علَّةَ تلكَ
النسبةِ إلا بتخمينٍ ، فأمَّا بالتحقيقِ .. فلا، إذْ يعلمُ أنَّ النبوَّةَ عبارةٌ عمَّا
يختصُّ بهِ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ويفارقُ بهِ غيرَهُ، وهوَ يختصُّ بأنواعٍ مِنَ
الخواصِّ :
أحدُها : أنَّهُ يعرفُ حقائقَ الأمور المتعلِّقةِ باللهِ وصفاتِهِ وملائکتِهِ والدارِ
الآخرةِ لا كما يعلمُهُ غيرُهُ ، بلْ مخالفاً لهُ بكثرةِ المعلوماتِ ، وبزيادةِ اليقينِ
والتحقيقِ والكشفِ .
والثاني : أنَّ لهُ في نفسِهِ صفةٌ بها تتمُّ لهُ الأفعالُ الخارقةُ للعاداتِ ، كما
أنَّ لنا صفةً بها تتمُّ الحركاتُ المقرونةُ بإرادتِنا واختيارِنا وهيَ القدرةُ ، وإنْ
كانَتِ القدرةُ والمقدورُ جميعاً مِنْ فعلِ اللهِ تعالى .
والثالثُ : أنَّ لهُ صفةً بها يبصرُ الملائكةً ويشاهدُهُمْ ، كما أنَّ للبصيرِ
صفةً بها يفارقُ الأعمى حتَّى يدركَ بها المبصراتِ .
خري.
والرابعُ : أنَّ لهُ صفةٌ بها يدركُ ما سيكونُ في الغيبِ ؛ إمَّا في اليقظةِ ،
وإمَّا في المنام ، إذْ بها يطالعُ اللوحَ المحفوظَ ، فيرى ما فيهِ مِنَ الغيبِ .
فهذهِ كمالاتٌ وصفاتٌ يُعلمُ ثبوتُها للأنبياءِ ، ويُعلمُ انقسامُ كلِّ واحدٍ
منها إلى أقسام ، وربَّما يمكنُنا أنْ نقسمَها إلى أربعينَ ، وإلى خمسينَ ، وإلى
ستينَ ، ويمكنُنا أيضاً أنْ نتكلَّفَ تقسيمها إلى ستةٍ وأربعينَ ؛ بحيثُ تقعُ
الرؤيا الصحيحةُ جزءاً واحداً مِنْ جملتِها ، ولكنْ تعيينُ طريقٍ واحدٍ مِنْ طرقِ
٢٣

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
التقسيماتِ الممكنةِ لا يمكنُ إلا بظنٍّ وتخمينٍ ، فلا ندري تحقيقاً أنَّهُ الذي
أرادَهُ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أمْ لا ، وإنَّما المعلومُ مجامعُ الصفاتِ
التي بها تتمُّ النبوَّةُ وأصلُ انقسامِها ، وذلكَ لا يرشدُنا إلى معرفةِ علَّةِ
التقديرِ .
وكذلكَ نعلمُ أنَّ الفقراءَ لهمْ درجاتٌ كما سبقَ ، فأمَّا لِمَ كانَ هذا الفقيرُ
الحريصُ مثلاً على نصفِ سدسٍ درجةِ الفقيرِ الزاهدِ (١) ، حتى لمْ يقتضٍ لهُ
التقدُّمَ بأكثرَ مِنْ أربعينَ سنةً إلى الجنةِ ، واقتضى ذلكَ التقدُّمَ بخمسٍ مئةٍ
عامٍ .. فليسَ في قوَّةِ البشرِ غيرِ الأنبياءِ الوقوفُ على ذلكَ إلا بنوعٍ مِنَ
التخمينِ ، ولا وثوقَ بهِ ، والغرضُ التنبيهُ على منهاج التقديرِ في أمثالِ هذهِ
الأمور ؛ فإنَّ الضعيفَ الإيمانِ قدْ يظنُّ أنَّ ذلكَ يجري مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلّمَ على سبيلِ الاتفاقِ ، وحاشا منصبَ النبوَّةِ عنْ ذلكَ .
ولنرجعْ إلى نقلِ الأخبارِ، فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أيضاً : (( خيرُ
هذهِ الأمَّةِ فقراؤُها، وأسرعُها تضجُّعاً في الجنَّةِ ضعفاؤُها))(٢).
ـدن
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ لي حرفتينِ اثنتينِ، فمَنْ أحبَّهُما ..
فقدْ أحبَّني، ومَنْ أبغضَهُما .. فقدْ أبغضَني؛ الفقرُ والجهادُ))(٣).
(١) أي : على التقريب.
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٦٣/١)، ورواه الدولابي في «الكنى والأسماء)) (١٣٨/٢)،
وهو عند الديلمي في ((مسند الفردوس)) ( ٢٩٢١).
(٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٥٣)، ورواه ابن النجار في (( ذيل
تاريخ بغداد)» ( ١٤٣/١٧)، وانظر ((تنزيه الشريعة)) (١٨٢/٢).
٢٤

ربع المنجيات
ـحن
كتاب الفقر والزهد
ورُوِيَ أنَّ جبريلَ عليهِ السلامُ نزلَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ،
فقالَ : يا محمدُ ؛ إِنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقرأُ عليكَ السلامَ ويقولُ : أتحبُّ أنْ
أجعلَ هذهِ الجبالَ ذهباً وتكونَ معَكَ حيثُما كنتَ ؟ فأطرقَ رسولُ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ساعةً ثمَّ قالَ: (( يا جبريلُ؛ إنَّ الدنيا دارُ مَنْ لا دارَ
لهُ، ومالُ مَنْ لا مالَ لهُ، ولها يجمعُ مَنْ لا عقلَ لهُ))، فقالَ لهُ جبريلُ :
يا محمدُ ؛ ثبَّكَ اللهُ بالقولِ الثابتِ (١).
2
ورُويَ أنَّ عيسى عليهِ السلامُ مرَّ في سياحتِهِ برجلٍ نائمٍ ملتفٍّ في عباءةٍ ،
فأيقظَهُ وقالَ : يا نائمٌ ؛ قمْ فاذكرِ اللهَ تعالى ، فقالَ : ما تريدُ مِنِّي؟ إنِّي قدْ
تركتُ الدنيا لأهلِها، فقالَ لهُ : فنمْ إذاً حبيبي نمْ (٢).
ومرَّ موسى صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ برجلٍ نائمٍ على الترابِ وتحتَ رأسِهِ
لبنةٌ ، ووجهُهُ ولحيتُهُ في الترابِ ، وهوَ متزرٌ بعباءةٍ ، فقالَ: يا ربِّ؛ عبدُكَ
هذا في الدنيا ضائعٌ ، فأوحى الله تعالىُ إليهِ : يا موسى ؛ أما علمتَ أنِّي إذا
95 0
(١) الخبر جامع بين حديثين؛ فالأول حديث: ((عرض عليَّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة
ذهباً ... )) الذي رواه الترمذي (٢٣٤٧) عن أبي أمامة رضي الله عنه ، والثاني :
((الدنيا دار من لا دار له ... )) الذي رواه أحمد في ((المسند)) (٧١/٦) من حديث
عائشة رضي الله عنها مرفوعاً ، مقتصراً على قوله صلى الله عليه وسلم: ((الدنيا دار من
لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له))، وزاد ابن أبي الدنيا في روايته له في ((ذم
الدنيا)) (١٨٢): ((ومال من لا مال له)).
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٦٤/١)، ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٤٠٦/١٠).
٢٥
مان

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
نظرتُ إلى عبدي بوجهي كلِّهِ .. زويتُ عنهُ الدنيا كلَّها(١).
وعنْ أبي رافع أنَّهُ قالَ : وردَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
ضيفٌ، فلمْ يجدْ عندَهُ ما يصلحُهُ ، فأرسلَني إلى رجلٍ مِنْ يهودِ خيبرَ ،
وقالَ : ((قُلْ لهُ : يقولُ لكَ محمدٌ : أسلفْني أوْ بعْني دقيقاً إلى هلالٍ
رجب))، قالَ: فأتيتُهُ، فقالَ : لا واللهِ إلا برهنِ ، فأخبرتُ رسولَ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بذلكَ ، فقالَ : أما واللهِ إنِّي لأمينٌ في أهلِ السماءِ أمينٌ
في أهلِ الأرضِ ، ولوْ باعَني أوْ أسلفَني .. لأذَّيتُ إليهِ ، اذهبْ بدرعي هذا
إليهِ فارهنْهُ))، فلمّا خرجتُ .. نزلَتْ هذهِ الآيةُ: ﴿ وَلَا تَمُدَنَّ عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا
مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَوَةِ الدُّنْيَا ... ﴾ الآيةَ؛ تعزيةً لهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
عنِ الدنيا(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((الفقرُ أزينُ بالمؤمنِ مِنَ العذارِ الحسنِ
على خدِّ الفرسِ))(٣).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مَنْ أصبحَ منكمُ آمناً في سرِبِهِ ، معافىً في
من
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٢٧٤)، وهو عند صاحب ((القوت))
(١/ ٢٦٤ ) .
٢
(٢) رواه البزار في ((مسنده)) (٣٨٦٣)، والطبراني في ((الكبير)) (٣٣١/١)، وأبو نعيم
في «معرفة الصحابة)) (١/ ٢٥٢) .
(٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٥٦٨)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٩٤/٧)،
والبيهقي في ((الشعب)) (١٠٠٢٧).
٢٦

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
جسمِهِ ، عندَهُ قوتُ يومِهِ .. فكأنَّما حيزَتْ لهُ الدنيا بحذافيرِها)»(١)
وقالَ كعبُ الأحبارِ : قالَ اللهُ تعالى لموسى عليهِ السلامُ : يا موسى ؛
إذا رأيتَ الفقرَ مقبلاً .. فقلْ: مرحباً بشعار الصالحينَ(٢)
وقالَ عطاءٌ الخراسانيُّ : مرَّ نبيٌّ مِنَ الأنبياءِ بساحلٍ ، فإذا هوَ برجلٍ
يصطادُ حيتاناً ، فقالَ : باسم اللهِ ، وألقى شبكتَهُ ، فلمْ يخرجْ فيها شيءٌ ،
ثُمَّ مرَّ بآخرَ ، فقالَ : باسم الشيطانِ ، وألقى شبكَتَهُ ، فخرجَ فيها مِنَ
الحيتانِ ما كانَ يتقاعسُ مِنْ كثرتِها ، فقالَ النبيُّ : يا ربِّ؛ ما هذا وقدْ
علمتُ أنَّ كلَّ ذلكَ بيدِكَ ؟! فقالَ اللهُ عزَّ وجلَّ للملائكةِ : اكشفوا لعبدي عنْ
منزلتيهما ، فلمَّا رأى ما أعدَّ اللهُ تعالى لهذا مِنَ الكرامةِ ولذاكَ مِنَ الهوانِ ..
قالَ : رضيتُ يا ربِّ(٣).
وقالَ نبينا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اطلعتُ في الجنَّةِ ، فرأيتُ أكثرَ
أهلِها الفقراءَ ، واطلعتُ في النارِ ، فرأيتُ أكثرَ أهلِها الأغنياءَ
والنساءَ))(٤)، وفي لفظٍ آخرَ: ((فقلتُ: أينَ الأغنياءُ؟ فقيلَ: حبسَهُمُ
(١) رواه الترمذي (٢٣٤٦)، وابن ماجه (٤١٤١) من حديث عبيد بن محصن رضي الله
عنه ، وليس عندهما: (بحذافيرها)، وهي عند أبي نعيم في (( الحلية)) (٢٤٩/٥)
من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه .
(٢) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (٥/٦).
(٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٦٢١).
(٤) كذا في «القوت)» (٢٤٢/١)، ورواه أحمد في «المسند)) (١٧٣/٢).
٢٧
-------
-------------

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
الجدُّ))(١)، وفي حديثٍ آخرَ: ((فرأيتُ أكثرَ أهل النار النساءَ ، فقلتُ :
ما شأنُهُنَّ؟ فقيلَ: شغلَهُنَّ الأحمرانِ؛ الذهبُ والزعفرانُ)) (٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((تحفةُ المؤمنِ في الدنيا الفقرُ))(٣)
وفي الخبرِ: ((آخرُ الأنبياءِ دخولاً الجنَّةَ سليمانُ بنُ داوودَ ؛ لمكانٍ ملکِهِ ،
وآخرُ أصحابي دخولاً الجنَّةَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ ؛ لأجلِ غناهُ))(٤).
وفي حديثٍ آخرَ : ((رأيتُهُ دخلَ الجنَّةَ زحفاً »(٥).
(١) كذا في ((القوت)) (٢٤٢/١)، وعند مسلم من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما
مرفوعاً: ((قمت على باب الجنة، فإذا عامة من دخلها المساكين ، وإذا أصحاب الجدّ
محبوسون ... )) الحديث .
(٢) قوت القلوب (٢٥٢/٢)، وروى أحمد في «المسند)) (٢٥٩/٥) نحوه ، وفيه :
( الحرير ) بدل ( الزعفران)، وعند مسلم (٢٧٣٨) مرفوعاً: ((إن أقلَّ ساكني الجنة
النساء))، وذكر الزعفران جاء عند أبي نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٣٤٠٢/٦).
(٣) كذا في ((القوت)) (٢٤٣/١)، قال الحافظ العراقي: (رواه محمد بن خفيف
الشيرازي في ((شرف الفقراء)"، والديلمي في «مسند الفردوس)» [٢٣٩٩] من حديث
معاذ بن جبل بسند لا بأس به ). ((إتحاف)) (٢٧٦/٩).
حزة
(٤) قوت القلوب (٢٠٣/١)، وروى الطبراني في (( الأوسط)) (٤١٢٥) من حديث
معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعاً: (( الأنبياء كلهم يدخلون الجنة قبل داوود وسليمان
بألفي عام ... )) الحديث، وروى البزار في ((مسنده)) (٧٠٠٣) من حديث أنس
رضي الله عنه مرفوعاً: (( إن أول من يدخل الجنة من أغنياء أمتي عبد الرحمن بن
عوف ، والذي نفس محمد بيده لن يدخلها إلا حبواً)).
ـحن
حن
حن
(٥) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣١١/٣)، والبيهقي في ((الشعب)) (٣٠٦٤)،
ولفظه: (( يا بن عوف؛ إنك من الأغنياء، ولن تدخل الجنة إلا زحفاً ... )).
٢٨
حن

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
وقالَ عيسى عليهِ السلامُ : ( بشدةٍ يدخلُ الغنيُّ الجنةَ)(١).
وفي خبرٍ آخرَ عنْ أهلِ البيتِ رضيَ اللهُ عنهُمْ: أَنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
قالَ: ((إذا أحبَّ اللهُ عبداً .. ابتلاهُ، فإذا أحبَّهُ الحبَّ البالغَ .. اقتناهُ))،
قيلَ: وما اقتناهُ؟ قالَ: ((لمْ يترفْ لهُ أهلاً ولا مالاً))(٢).
وفي الخبرِ : ( إذا رأيتَ الفقرَ مقبلاً .. فقلْ: مرحباً بشعارِ الصالحينَ ،
وإذا رأيتَ الغنى مقبلاً .. فقلْ: ذنبٌ عُجِّلتْ عقوبتُهُ)(٣).
وقالَ موسى عليهِ السلامُ: يا ربِّ ؛ مَنْ أحبَّاؤُكَ مِنْ خلقِكَ حتَّى أحبَّهُمْ
لأجلِكَ ؟ فقالَ : كلُّ فقيرٍ فقيرِ (٤) . فيمكنُ أنْ يكونَ الثاني للتأكيدِ ، ويمكنُ
أنْ يُرادَ بهِ الشديدُ الضرُّ.
حن
وقالَ عيسى عليهِ السلامُ: ( إنِّي لأحبُّ المسكنةَ وأبغضُ النعماءَ )(٥)،
(١) كذا في ((القوت)) (٢٥٦/١)، وفيه: ( أو قال: بعجب ... )، ورواه ابن أبي شيبة
في ((المصنف)) (٣٥٣٧٨) ولفظه: ( لشدَّة ما يدخل الغنى الجنة ) .
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٤٣/١)، ورواه ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني))
(٢٤٩٩)، والدولابي في ((الكنى والأسماء)) (٤٦/١)، وهو عند الديلمي في
(«مسند الفردوس)) ( ٩٦٨) كلهم من حديث أبي عنبة الخولاني رضي الله عنه مرفوعاً ،
ورواه أبو نعيم في « الحلية» (٢٥/١) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه مقتصراً
على الشطر الأخير منه .
(٣) كذا في ((القوت)) (١٩٤/٢)، وتقدم قريباً عن كعب الأجار، وهو عند الديلمي في
(«مسند الفردوس)» (٤٤٦٩) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه .
(٤) قوت القلوب (٢/ ١٩٤)، واللحاق بنحوه عنده .
(٥) قوت القلوب (٢/ ١٩٤)، وفيه: (الغنى) بدل (النعماء ).
٢٩
كن ان لان ان ان.

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
ثر}
وكان أحبُّ الأسامي إليه صلواتُ اللهِ عليهِ أنْ يُقالَ لهُ: يا مسكينُ(١).
ولمَّا قالَ ساداتُ العربِ وأغنياؤُها للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : اجعلْ لنا
يوماً ولهم يوماً ، يجيئونَ إليكَ ولا نجيءُ، ونجيءُ إليكَ ولا يجيئونَ ،
يعنونَ بذلكَ الفقراءَ؛ مثلَ بلالٍ، وسلمانَ ، وصهيبٍ ، وأبي ذرٌّ ،
وخبَّابِ بنِ الأرتِّ، وعمارِ بنِ ياسرٍ ، وأبي هريرةَ، وأصحابِ الصُّفَّةِ مِنَ
الفقراءِ ، فأجابَهُمُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى ذلكَ، وذلكَ لأنَّهُمْ شكَوا
إليهِ التأذِّيَ برائحتِهِمْ، وكانَ لباسُ القومِ الصوفَ في شدَّةِ الحرِّ ، فإذا
عرقوا .. فاحَتِ الروائحُ مِنْ ثيابِهِمْ، فاشتدَّ على الأغنياءِ ذلكَ، منهُمُ
الأقرعُ بنُ حابسٍ التميميُّ ، وعيينةُ بنُ حصن الفزاريُّ ، وعباسُ بنُ مرداس
السلميُّ، وغيرُهُمْ، فأجابَهُمْ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ألا يجمعَهُمْ
وإِيَّاهُمْ في مجلسٍ واحدٍ ، فنزلَ عليهِ قولُهُ تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ
يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاَ عَنْهُمْ﴾ يعني الفقراءَ
﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا﴾ يعني الأغنياءَ ﴿ وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ, عَن ذِكْرِنَا﴾ يعني
الأغنياءَ ﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِن زَبِّكُمْ﴾ معَ الفقراءِ ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ
فَلْيَكْفُرْ ... ) الآيةَ(٢).
(١) قوت القلوب (١٩٤/٢).
(٢) رواه ابن ماجه (٤١٢٧)، والبزار في ((مسنده)) (٢١٢٩، ٢١٣٠) عن خباب بن
الأرت رضي الله عنه بنحوه ، ومؤاذاتهم لهم بريحهم رواه الطبري في (( تفسيره ))
(٢٩٠/١٥/٩) عن سلمان الفارسي، قال: جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله =
٣٠
مدن

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
واستأذنَ ابنُ أمّ مكتوم على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وعندَهُ رجلٌ مِنْ
ہے
أشرافِ قريشٍ ، فَشَقَّ ذلكَ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .
فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلٌَّ (١): أَنْ جَهُ اٌلْأَعْمَ : وَمَا يُدْرِبِكَ لَعَلَّهُ يَزَّلَّى :﴿ أَوْ
يَذْكَّرُ فَفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ يعني ابنَ أَمِّ مكتوم ﴿ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى : ﴿﴿ فَأَنْتَ لَمُ تَصَدَّى﴾ يعني
هذا الشريفَ (١)
٠
وعنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: « يُؤْتى بالعبدِ يومَ القيامةِ
فيعتذرُ اللهُ تعالى إليهِ كما يعتذرُ الرجلُ إلى الرجلِ في الدنيا ، فيقولُ :
وعزَّتي وجلالي ؛ ما زويتُ الدنيا عنكَ لهوانِكَ عليَّ، ولكنْ لما أعددتُ لكَ
مِنَ الكرامةِ والفضيلةِ ، اخرجْ يا عبدي إلى هذهِ الصفوفِ ، فمَنْ أطعمَكَ
فيَّ أَوْ كساكَ فيَّ يريدُ بذلكَ وجهي .. فخذْ بيدِهِ فهوَ لكَ، والناسُ يومَئذٍ قدْ
صلى الله عليه وسلم؛ عيينة بن حصن والأقرع بن حابس وذووهم ، فقالوا :
=
يا نبي الله ؛ إنك لو جلست في صدر المسجد ونفيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم - يعنون
سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين ، وكانت عليهم جباب الصوف ، ولم يكن عليهم غيرها
- جلسنا إليك وحادثناك ... الخبر .
(١) رواه الترمذي (٣٣٣١)، وروى الطبري في ((تفسيره)) (٦٨/٣٠/١٥) أن الشريف
كان العباس رضي الله عنه ، أو عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وقيل غير ذلك ، وفي
خطابه سبحانه له صلى الله عليه وسلم لطف ؛ إذ خاطبه بضمير الغائب ، ثم بيَّن أن
خطابه إنما هو تذكرة ، وإنما سيق العتاب تعظيماً لأمر الفقراء ، وروى ابن سعد في
((طبقاته)) (١٩٤/٤) أنه صلى الله عليه وسلم بعد هذا العتاب كان يكرم ابن أم
مكتوم ، واستخلفه على المدينة مرتين .
٣١
www

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
ألجمَهُمُ العرقُ، فيتخلَّلُ الصفوفَ ، وينظرُ مَنْ فعلَ ذلكَ بهِ ، فيأخذُ بيدِهِ
ويدخلُهُ الجنَّةَ))(١).
wwwww
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((أكثروا معرفةَ الفقراءِ، واتخذوا عندَهُمُ
الأياديَ ؛ فإنَّ لهم دولةً))، فقالوا: يا رسولَ اللهِ ؛ وما دولتُهُمْ؟ قالَ :
((إذا كانَ يومُ القيامةِ .. قيلَ لهُمُ: انظروا مَنْ أطعمَكُمْ كسرةً وسقاكُمْ شربةً
وكساكُمْ ثوباً فخذوا بيدِهِ ، ثمَّ أفيضوا بهِ إلى الجنَّةِ))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((دخلتُ الجنَّةَ، فسمعتُ حركةً أمامي ،
فنظرتُ فإذا بلالٌ ، ونظرتُ في أعلاها فإذا فقراءُ أمَّتي وأولادُهُمْ ، ونظرتُ
في أسفلِها فإذا فيها مِنَ الأغنياءِ والنساءِ قليلٌ ، فقلتُ : يا ربِّ ؛ ما شأنُهُمْ ؟
قالَ: أمَّا النساءُ .. فأضرّ بهنَّ الأحمرانِ الذهبُ والحريرُ، وأَمَّا الأغنياءُ ..
فاشتغلوا بطولِ الحسابِ ، وتفقدتُ أصحابي فلمْ أَرَ عبدَ الرحمْنِ بنَ
عوفٍ ، ثمَّ جاءَني بعدَ ذلكَ وهوَ يبكي ، فقلتُ : ما خلَّفَكَ عنِّي ؟ فقالَ :
(١) قال الحافظ العراقي: (رواه أبو الشيخ في كتاب ((الثواب)) من حديث أنس بسند
ضعيف ، يقول الله عز وجل يوم القيامة : أدنوا مني أحبائي ، فتقول الملائكة : ومن
أحباؤك ؟ فيقول : فقراء المسلمين ، فيدنون منه ، فيقول : أما إني لم أزو الدنيا عنكم
لهوان كان بكم عليَّ ، ولكن أردت بذلك أن أضعف لكم كرامتي اليوم ، فتمنَّوا عليّ
ما شئتم اليوم ... الحديث ، دون آخر الحديث، وأما أول الحديث .. فرواه أبو نعيم
في ((الحلية))، وسيأتي في الحديث الذي بعده). ((إتحاف)) (٢٧٨/٩).
(٢) رواه بنحوه النرسي في ((قضاء حوائج الإخوان)) (ص ٧٧) عن أبي عبد الرحمن
السلمي مرسلاً .
٣٢

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
أما واللهِ يا رسولَ الله ؛ ما خلصتُ إليكَ حتَّى لقيتُ المشيِّاتِ، وظننتُ أنِّي
لا أراكَ، فقلتُ: ولِمَ، قالَ: كنتُ أُحاسبُ بمالي))(١).
جر
فانظرْ إلى هذا وعبدُ الرحمنِ صاحبُ السابقةِ العظيمةِ معَ رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وهوَ مِنَ العشرةِ المخصوصينَ بأنَّهُمْ مِنْ أهلٍ
الجنَّةِ(٢)، وهوَ مِنَ الأغنياءِ الذينَ قالَ فيهِمْ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((إلا مَنْ قالَ بالمالِ هكذا وهكذا))(٣)، ومعَ هذا فقدِ استضرَّ بالغنى إلى
هذا الحدِّ .
ودخلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على رجلٍ فقيرٍ ولمْ يرَ لهُ شيئاً ،
فقالَ: ((لوْ قُسمَ نورُ هذا على أهلِ الأرضِ .. لوسعَهُمْ))(٤) .
2
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ألا أخبرُكُمْ بملوكِ أهلِ الجنةِ ؟)) قالوا:
(١) رواه بنحوه أحمد في ((المسند)) (٢٥٩/٥)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٣٦/٨)،
والبيهقي في (( الزهد الكبير)) (٤٤٥)، وخبر بلال رضي الله عنه مفرداً عند البخاري
(٣٦٧٩) .
(٢) كما روى ذلك أبو داوود (٤٦٤٨)، والترمذي ( ٣٧٤٨)، والنسائي في (( السنن
الكبرى)) (٨١٠٠)، وابن ماجه (١٣٤ ).
(٣) رواه البخاري (٢٣٨٨)، ومسلم (٩٤) في ( كتاب الزكاة ، باب الترغيب في
الصدقة ) .
(٤) روى البيهقي في ((الشعب)) (١٠٠٠٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً:
((إن ملوك أهل الجنة كل أشعث أغبر ذي طمرين، الذين إذا استأذنوا على الأمراء .. لم
يؤذن لهم ، وإذا طلبوا النساء .. لم ينكحوا، وإذا قالوا الحديث .. لم ينصت لقولهم ،
حاجة أحدهم تتجلجل في صدره ، لو قسم نوره بين أهل الأرض .. لوسعهم )) ، وهو
قريب من الحديث الآتي .
٣٣
15

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
شن
حن
بلى يا رسولَ اللهِ، قالَ: (( كلُّ ضعيفٍ مستضعفٍ أغبرَ أشعثَ ذي طمرينٍ
لا يؤبَّهُ لهُ، لو أقسم على اللهِ .. لأبرَّهُ)) (١).
وقالَ عمرانُ بنُ حصينِ : كانَتْ لي مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
منزلةٌ وجاهٌ ، فقالَ : (( يا عمرانُ ؛ إنَّ لكَ عندَنا منزلةً وجاهاً ، فهلْ لكَ في
عيادةٍ فاطمةَ بنتِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؟ )) فقلتُ : نعمْ،
بأبي أنت وأمي يا رسولَ اللهِ ، فقامَ وقمتُ معَهُ، حتَّى وقفَ بيابِ فاطمةَ ،
فقرعَ البابَ وقالَ: ((السلامُ عليكُمْ، أأدخلُ؟ )) فقالَتِ: ادخلْ
يا رسولَ اللهِ، قالَ: ((أنا ومَنْ معي؟)) قالَتْ: ومَنْ معَكَ يا رسولَ اللهِ ؟
قالَ: ((عمرانُ ))، فقالَتْ فاطمةُ: والذي بعثَكَ بالحقِّ نبيّاً؛ ما عليَّ إلا
عباءةٌ، قالَ: ((اصنعي بها هكذا وهكذا)) وأشارَ بيدِهِ، فقالَتْ : هذا
جسدي قدْ واريتُهُ ، فكيفَ برأسي ؟ فألقى إليها ملاءةً كانَتْ عليهِ خَلَقةٌ
فقالَ : (( شدِّي بها على رأسِكِ))، ثمَّ أذنَتْ لهُ فدخلَ، فقالَ: ((السلامُ
عليكُمْ يا ابنتاهُ، كيفَ أصبحتِ ؟ )) قالَتْ: أصبحتُ - واللهِ - وجعةٌ ،
وزادَني وجعاً على ما بي أنِّي لستُ أقدرُ على طعام آكلُهُ ، فقدْ أضرَّ بي
الجوعُ، فبكى رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقالَ: (( لا تجزعي
يا ابنتاهُ ، فواللهِ ؛ ما ذقتُ طعاماً منذُ ثلاثٍ وإنِّي لأكرمُ على اللهِ منكِ ، ولوْ
ون فخ جن جم حن من حن
(١) رواه البخاري (٤٩١٨)، ومسلم ( ٢٨٥٣) وفيهما: (( ألا أخبركم بأهل
الجنة ... ))، وعند ابن ماجه ( ٤١١٥) من حديث معاذ رضي الله عنه: (( ألا أخبرك
عن ملوك الجنة ... )) ولم يقل فيه : ( أشعث أغبر ) .
ـئن
٣٤
٠كن

قَء
ربع المنجيات
تججير
چے
كتاب الفقر والزهد
حـ
سألتُ ربِّي .. لأطعمَني، ولكنِّي آثرتُ الآخرةَ على الدنيا))، ثمَّ ضربَ بيدِهِ
على منكبها وقالَ لها : ((أبشري، فواللهِ ؛ إنَّكِ لسيدةُ نساءِ أهلِ الجنَّةِ))،
قالَتْ : فأين آسيةُ امرأةُ فرعونَ ومريمُ بنتُ عمرانَ؟ قالَ: « آسيةُ سيِّدةُ نساءٍ
عالمِها ، ومريمُ سيِّدةُ نساءٍ عالِمِها ، وخديجةُ سيدةُ نساءِ عالِمِها ، وأنتِ
سيِّدَةُ نساءٍ عالِمِكِ، إنَّكنَّ في بيوتٍ مِنْ قصبٍ ، لا أذى فيها ولا صخبَ
ولا نصبَ))، ثمَّ قالَ لها: ((اقنعي بابنِ عمِّكِ، فواللهِ؛ لقدْ زوجتُكِ سيِّداً
في الدنيا سيِّداً في الآخرةِ))(١) .
ورُويَ عنْ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ، عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
قالَ: ((إذا أبغضَ الناسُ فقراءَهُمْ، وأظهروا عمارةً الدنيا ، وتكالبوا على
جمعِ الدراهمِ .. رماهُمُ اللهُ بأربع خصالٍ: بالقحطِ مِنَ الزمانِ ، والجورِ مِنَ
السلطانِ، والخيانةِ مِنْ ولاةِ الأحكام، والشوكةِ مِنَ الأعداءِ))(٢).
ـن
حن حن حن حن
(١) رواه الآجري في ((الشريعة)) (١٦٠٧)، ورواه مختصراً من حديث معقل بن يسار
رضي الله عنه أحمد في ((المسند)) (٢٦/٥)، والطبراني في (( الكبير)
(٢٢٩/٢٠)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (١٢٦/٤٢).
(٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣٢٥/٤)، وفيه: (علماءَهم) بدل ( فقراءهم) ،
وعليه فقد لا يصلح شاهداً هنا ، وقد سقط هذا الحديث من جميع النسخ إلا (س ) ،
واستكمل من نسخة الحافظ الزبيدي (٩/ ٢٨٠)، وهو في نسخة الحافظ العراقي
كذلك؛ إذ أثبت تخريجه في « المغني ".
٣٥

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
وأمَّا الآثارُ :
فقدْ قالَ أبو ذرٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( ذو الدرهمين أشدُّ حبساً - أوْ قالَ :
أشدُّ حساباً - مِنْ ذي الدرهمِ)(١).
وأرسلَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ إلى سعيدِ بنِ عامٍ بألفِ دينارٍ ، فجاءَ كئيباً
حزيناً ، فقالَتِ امرأتُهُ: أحدثَ أمرٌ ؟ قالَ : أشدُّ مِنْ ذلكَ، ثمَّ قالَ : أريني
درعَكِ الخَلَقَ ، فشقَّهُ وجعلَهُ صرراً وفرَّقَهُ، ثمَّ قامَ يصلّي ويبكي إلى
الغداةِ، ثُمَّ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: (( يدخلُ
فقراءُ المسلمينَ الجنَّةَ قبلَ الأغنياءِ بخمسٍ مئةٍ عامٍ ، حتَّى إنَّ الرجلَ مِنَ
الأغنياءِ يدخلُ في غمارِهِمْ فيُؤخذُ بيدِهِ فيُستخرجُ))(٢) .
وقال أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ: ( ثلاثةٌ يدخلونَ الجنَّةَ بغيرِ حسابٍ :
رجلٌ يريدُ أنْ يغسلَ ثوبَهُ فلمْ يكنْ لهُ خَلَقٌ يلبسُهُ ، ورجلٌ لمْ يُنصبْ لهُ على
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٥٥٥)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١/ ١٦٤).
(٢) رواه بنحوه أبو نعيم في «الحلية)) (٢٤٦/١)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
(١٤٥/٢١)، وروى المرفوع وحده بنحوه الطبراني في ((الكبير)) (٥٨/٦)، ولفظ
المرفوع عندهم: (( يجمع الله عز وجل الناس للحساب ، فيجيء فقراء المؤمنين يزفون
كما تزف الحمام ، فيقال لهم : قفوا عند الحساب ، فيقولون : ما عندنا حساب
ولا آتيتمونا شيئاً ، فيقول ربهم : صدق عبادي ، فيفتح لهم باب الجنة ، فيدخلونها قبل
الناس بسبعين عاماً))، وروى الخمس مئة عام الترمذي (٢٣٥٣) عن أبي هريرة
رضي الله عنه مرفوعاً .
٣٦

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
مستوقدٍ قدرانِ ، ورجلٌ دعا بشرابِهِ فلا يُقالُ لهُ : أيَّها تريدُ ؟)(١).
وقيلَ : جاءَ فقيرٌ إلى مجلسِ الثوريِّ رحمهُ اللهُ، فقالَ لهُ: تخطّ ، لوْ
كنتَ غنياً .. ما قرَّبِتُكَ، وكانَ الأغنياءُ مِنْ أصحابِهِ يودُّونَ أنَّهُمْ فقراءُ ؛
لكثرةٍ تقريبهِ الفقراءَ وإعراضِهِ عنِ الأغنياءِ(٢).
C
وقالَ المؤملُ : ( ما رأيتُ الغنيَّ أذلّ منهُ في مجلسِ الثوريِّ، ولا رأيتُ
الفقيرَ أعزَّ منهُ في مجلسِ الثوريِّ رحمهُ اللهُ)(٣).
وقالَ بعضُ الحكماءِ : ( مسكينٌ ابنُ آدَمَ ، لوْ خافَ مِنَ النارِ كما يخافُ
مِنَ الفقرِ .. لنجا منهُما جميعاً، ولوْ رغبَ في الجنَّةِ كما يرغبُ في الغنى ..
لفازَ بهما جميعاً، ولوْ خافَ اللهَ في الباطنِ كما يخافُ خلقَهُ في الظاهرِ ..
لسعدَ في الدارينِ جميعاً ) (٤).
وقالَ ابنُ عباس : ( ملعونٌ مَنْ أكرمَ بالغنى وأهانَ بالفقرِ )(٥).
وقالَ لقمانُ لابنِهِ: (لا تحقرنَّ أحداً لخُلْقَانِ ثيابِهِ ، فإنَّ رَبَّكَ وريَّهُ واحدٌ).
(١) رواه أبو بكر الدينوري في ((القناعة)) (٤٧)، وكذا أورده الديلمي في ((مسند الفردوس))
(٢٤٩٠)، كلاهما عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً، وعزاه المتقي الهندي في (( كنز
العمال)) (٦٠٧٨) لأبي الشيخ في (( الثواب)) عن أبي سعيد رضي الله عنه.
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)). («إتحاف)) (٢٨٢/٩).
(٣) كذا أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٥٣)، ورواه أبو نعيم في
«الحلية)) (٣٦٥/٦) عن قبيصة بن عقبة لا عن المؤمل بن إسماعيل .
(٤) روى بعضه عن يحيى بن معاذ الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢١٥/١٤)، وأورده
القشيري في ( الرسالة)) (ص ٢٣٦) .
(٥) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣٥٦/٦٠) .
٣٧

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
وقالَ يحيى بن معاذٍ : ( حبُّكَ للفقراءِ مِنْ أخلاقِ المرسلينَ ، وإيثارُكَ
مجالستَهُمْ مِنْ علامةِ الصالحينَ، وفرارُكَ مِنْ صحبتِهِمْ مِنْ علامةِ المنافقينَ ).
وفي الأخبارِ عنِ الكتبِ السالفةِ : أنَّ اللهَ تعالى أوحى إلى بعضٍ أنبيائِهِ :
احذرْ أنْ أمقتَكَ فتسقطَ مِنْ عيني ، فأصبَّ عليكَ الدنيا صبّاً(١) .
وكانَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها تفرِّقُ مئةَ ألفِ درهمٍ في يومِها ، يوجهُها
إليها معاويةُ وابنُ عامٍ وغيرُهما ، وإنَّ درعَها المرفوعٌ ، وتقولُ لها الجاريةُ :
لوِ اشتريتِ لكِ بدرهع لحماً تفطرينَ عليهِ وكانَتْ صائمةً ، فقالَتْ : لوْ
ذكرتيني .. لفعلتُ(٢).
وكانَ قدْ أوصاها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقالَ: (( إنْ أردتِ
اللحوقَ بي .. فعليكِ بعيشِ الفقراءِ، وإيّاكِ ومجالسةَ الأغنياءِ ، ولا تنزعي
درعَكِ حتَّى ترقِّعيهِ))(٣) .
وجاءَ رجلٌ إلى إبراهيمَ بنِ أدهمَ بعشرةِ آلافِ درهمٍ ، فأبىُ عليهِ ، فطلبَ
إليهِ الرجلُ قبولَها ، فقالَ إبراهيمُ : تريدُ أنْ أمحوَ اسمي مِنْ ديوانِ الفقراءِ
بعشرةِ آلافِ درهمٍ ؟! لا أفعلُ ذلكَ أبداً (٤).
ـحر
(١) قوت القلوب (٢٤٣/١).
(٢) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) (٦٦/١٠)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٤٧/٢).
(٣) رواه الترمذي ( ١٧٨٠ ).
(٤) أورده صاحب ((القوت)) (١٩٥/٢) والسياق عنده، والقشيري في ((رسالته)) (ص٤٥٣).
.4G
٣٨

ربع المنجيات
كتاب الفقر والزهد
بيان فضيلة خصوص الفقراء من الراضين والقانعين والصادقين
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((طوبى لمَنْ هُدِيَ إلى الإسلامِ
وكانَ عيشُهُ كفافاً وقنعَ بهِ ))(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يا معشرَ الفقراءِ؛ أعطوا اللهَ الرضا مِنْ
قلوبِكُمْ .. تظفروا بثوابٍ فقرِكُمْ، وإلا .. فلا))(٢)، فالأوَّلُ للقانع، وهذا
للراضي ، ويكادُ يشعرُ هذا بمفهومِهِ أنَّ الحريصَ لا ثوابَ لهُ على فقرِهِ ،
ولكنِ العموماتُ الواردةُ في فضْلِ الفقرِ تدلُّ على أنَّ لهُ ثواباً كما سيأتي
تحقيقُهُ ، فلعلَّ المرادَ بعدم الرضا هوَ الكراهةُ لفعلِ اللهِ في حبسِ الدنيا عنهُ ،
وربَّّ راغبٍ في المالِ لا يخطرُ بقلبهِ إنكارٌ على اللهِ عزَّ وجلَّ ولا كراهةٌ في
فعلِهِ ، فتلكَ الكراهةُ هيَ التي تحبطُ ثوابَ الفقرِ .
4
ورُوِيَ عنْ عمرَ بنِ الخطابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( لكلِّ شيءٍ مفتاحٌ ، ومفتاحُ الجنَّةِ حبُّ المساكينِ ،
(١) رواه الترمذي (٢٣٤٩)، والنسائي في «الكبرى)) ( ٩٧٩٣) من حديث فضالة بن
عبيد رضي الله عنه، وعند مسلم ( ١٠٥٤) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً: ((قد
أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه )).
(٢) كذا في ((القوت)) (١٩٤/٢)، وهو عند الديلمي في ((مسند الفردوس)) ( ٨٢١٦)،
وحكى سنده الحافظ ابن حجر في ((زهر الفردوس)) (٢٨١/٤)، وانظر (( الإتحاف))
(٩/ ٢٨٣، ٦٥٠) .
٣٩
كن

كتاب الفقر والزهد
ربع المنجيات
والفقراءُ الصبُرُ هُمْ جلساءُ اللهِ تعالى يومَ القيامةِ))(١).
ورُوِيَ عنْ عليّ رضيَ اللهُ عنهُ، عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :
(« أحبُّ العبادِ إلى اللهِ الفقيرُ القانعُ برزقِهِ الراضي عنِ اللهِ تعالى))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اللهمَّ؛ اجعلْ قوتَ آلِ محمدٍ
كفافاً))(٣).
وقالَ : (( ما مِنْ أحدٍ غنيٍّ ولا فقيرٍ إلا وذَّ يومَ القيامةِ أنَّهُ كانَ أُوتِيَ قوتاً
في الدنيا )»(٤).
وأوحى اللهُ تعالى إلى إسماعيلَ عليهِ السلامُ: اطلبْني عندَ المنكسرةِ
قلوبُهُمْ، قالَ: ومَنْ هُمْ؟ قالَ : الفقراءُ الصادقونّ(٥) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا أحدَ أفضلُ مِنَ الفقيرِ إذا كانَ راضياً)(٦)
(١) رواه الديلمي في ((الفردوس)) (٤٩٩٣)، والقشيري في ((رسالته)) (ص٤٥٣) .
(٢) كذا في (( القوت " (١٩٤/٢) حيث قال: (وروى عبد الرحمن بن سابط عن علي
عليه السلام ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل ... ) وذكره ، وتقدم
حديث: ((إن الله يحب الفقير المتعفف)) وهو ما رواه ابن ماجه ( ٤١٢١).
(٣) رواه البخاري (٦٤٦٠)، ومسلم (١٠٥٥) بلفظ: ((اللهم؛ ارزق آل محمد قوتاً))،
ويلفظ المصنف رواه ابن حبان في « صحيحه» ( ٦٣٤٣)، وقال الحافظ الزيدي في
((إتحاقه)) (٢٨٣/٩): (وفي بعض النخ: ((رزق)) بدل ((قوت))).
(٤ )
رواه ابن ماجه ( ٤١٤٠).
(٥) قوت القلوب (١/ ١٩٢).
(٦) كذا في ((القوت)) (١٩٢/١) حيث قال: (وفي الحديث الذي روي عن ابن
الأعرابي ... ) وذكره .
٤٠
ـحنون