النص المفهرس
صفحات 1-20
طبْعٌ خَاصَّة بمناسَة مُرُورِ تَسْعِ مِئَةِ سَنَةٍ على وفاة حجّةَ الإِسْلامِ الغَزَّالِيّ ١١١١ - ٢٠١١ م ◌ِقَاء عَلَوْمِ الدّين ٥٠ن ٠٠٠٠ ל C So. ـتن ٥ ـة عَلَوْمِ الدّين ٤٠ ٧ تأليف الإِمَامِ المُجُدِّدِ، حُجَّةِ الإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ زَيْرِالدّيْنِ، أَيْ حَتَامِد مُحَدِ بْنِ مُحَدِ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ أَحْمَدَ الغَزَالِيّ الطُّوْسِيّ الظَّابَرَانيّ الشََّافِيّ رَضِىَاللهُعَنْهُ (٤٥٠ - ٥٠٥ هـ) - (١٠٥٨ - ١١١١ م ) رُبُعُ الْمُنْجِيَاتِ / القِسْمُ الثَّاني كِتَابُ الفَقْرِ وَالزُّهْدِ - التَّوْحِيدِ وَالتّوَكّلِ الَحَبَشَةِ وَالشَّوْقِ وَالْأُنْسِ وَالرِّضَا المُجَلّدُ الثَّا مِنُ دَارُ المُشَارِ Gء ـحن الطّبْعَة الأولى ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١م جميع الحقوق محفوظة للناشر دَارُ المُشَارَةِ للنشرِ وَالتَّوِ المملكة العربية السعودية - جدة حي الكندرة - شارع أبها تقاطع شارع ابن زيدون هاتف رئيسي 6326666 - الإدارة 6300655 المكتبة 6322471 - فاكس 6320392 ص . ب 22943 - جدة 21416 www.alminhaj.com E-mail: info@alminhaj.com ISBN: 978 - 9953 - 541 - 50 - 1 حن .. بِسِاللهِ الرّمنِ الرَّحَّةِ أَمَّنْ هُوَقَنِتُّ ءَانَآءَ الَتْلِ سَاحِدًا وَقَابِمَا يَخَذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُواْرَحْمَةَ رَبِّهِ ـر إِنَّمَا يَتَذَّكَّرُ أُوْلُوا الْأَ لْبَبِ ے منتون شن من ڪَڪِتَابُ الفَقِّوَالرُّهْدِ وهو الكتاب الرابع من ربع المنجيات من كتب إحياء علوم الدين و ٧ ون جن ـرز أ.ف. مالك 1 1 --- rmIm Sa ربع المنجيات ـوجـ كتاب الفقر والزهد كتاب الفقه والزّهد ١٠٤ الحمدُ للهِ الذي تسبِّحُ لهُ الرمالُ، وتسجدُ لهُ الظلالُ، وتتدكدكُ مِنْ هيبتِهِ الجبالُ ، خلقّ الإنسانَ مِنَ الطينِ اللازبِ والصلصالِ ، وزيَّنَ صورتَهُ بأحسنٍ تقويمٍ وأتمّ اعتدالٍ ، وعصمَ قلبَهُ بنورِ الهدايةِ عنْ وَرَطاتِ الضلالِ ، وأذنَ لهُ في قرع بابِ الخدمةِ بالغدوِّ والآصالِ، ثمَّ كحلَ بصيرةَ المخلصِ في خدمتِهِ بنورِ العبرةِ حتَّى لاحظَ بضيائِهِ حضرةَ الجلالِ ، فلاحَ لهُ مِنَ البهجةِ والبهاءِ والكمالِ ما استقبحَ دونَ مبادي إشراقِهِ كلَّ حسنٍ وجمالٍ ، واستثقلَ كلَّ ما صرفَهُ عنْ مشاهدتِهِ وملازمتِهِ غايةَ الاستثقالِ ، وتمثَّلَ لهُ ظاهرُ الدنيا في صورةِ امرأةٍ جميلةٍ تميسُ وتختالُ ، وانكشفَ لهُ باطنُها عنْ عجوزٍ شوهاءَ عُجَنَتْ مِنْ طينةِ الخزي وضُربَتْ في قالَبِ النكالِ ، وهيَ متلفعةٌ بجلبابِها لتخفيَ قبائحَ أسرارِها بلطائفِ السخْرِ والاحتيالِ ، وقدْ نصبَتْ حبائلَها في مدارجِ الرجالِ ، فهيَ تقتنصُهُمْ بضروبِ المكرِ والاغتيالِ ، ثمَّ لا تجتزىءُ معَهُمْ بالخُلْفِ في مواعيدِ الوصالِ ، بلْ تقيَّدُهُمْ معَ قطع الوصالِ بالسلاسلِ والأغلالِ ، وتبليهِمْ بأنواع البلايا والأنكالِ (١)، فلمَّا انكشفَ للعارفينَ منها (١) الأنكال : جمع نِكْل، وهو القيد الشديد، أو جمع نُكلة ، وهي ما نكلت به غيرك كائناً من كان. ((إتحاف)) (٢٦٥/٩). ٩ ٢٠ ٠٢٠ ٢٠٠٠ كتاب الفقر والزهد 40 ربع المنجيات ـدن قبائحُ الأسرارِ والأفعالِ .. زهدوا فيها زهدَ المبغض لها فتركوها وتركوا التفاخرَ والتكاثرَ بالأموالِ ، وأقبلوا بكنْهِ هممِهِمْ على حضرةِ الجلالِ ، واثقينَ منها بوصالٍ ليسَ دونَهُ انفصالٌ، ومشاهدةٍ أبديّةٍ لا يعتريها فناءٌ ولا زوالٌ . والصلاةُ على سيدنا محمدٍ سيِّدِ الأنبياءِ وعَلَى آلِهِ خيرِ آلٍ . أنا بعكّد: ---- فإنَّ الدنيا عدوَّةٌ للهِ عزَّ وجلَّ، بغرورِها ضلَّ مَنْ ضلَّ، وبمكرِها زلَّ مَنْ زلَّ، فحبُّها رأسُ الخطايا والسيئاتِ ، وبغضُها أمُ الطاعاتِ وأسُّ القرباتِ ، وقدِ استقصينا ما يتعلَّقُ بوصفِها وذمّ الحبِّ لها في كتابٍ ذمِّ الدنيا مِنْ ربعٍ المهلكاتِ ، ونحنُ الآنَ نذكرُ فضْلَ البغضِ لها والزهدِ فيها فإنَّهُ رأسُ المنجياتِ ، فلا مطمعَ في النجاةِ إلا بالانقطاعِ عنِ الدنيا والبعدِ منها ، ولكنْ مقاطعتُها إِمَّا أنْ تكونَ بانزوائِها عنِ العبدِ ويُسمَّىُ ذلكَ فقراً، وإمَّا بانزواءِ العبدِ عنها ويُسمَّىُ ذلكَ زهداً، ولكلِّ واحدٍ منهُما درجةٌ في نيلِ السعاداتِ ، وحظٌّ في الإعانةِ على الفوزِ والنجاةِ . ونحنُ الآنَ نذكرُ حقيقةَ الفقرِ والزهدِ ، ودرجاتِهِما ، وأقسامَهُما ، وشروطَهُما ، وأحكامَهُما ، ونذكرُ الفقرَ في شطرٍ مِنَ الكتابِ والزهدَ في شطرٍ آخرَ منهُ . ونبدأُ بذكرِ الفقرِ فنقولُ : مدن ربع المنجيات كتاب الفقر والزهد الشَّظِرُ الْأَوَّلُ مِنَ الْكِتَاب فى الفقر وفيهِ : بيانُ حقيقةِ الفقرِ ، وبيانُ فضيلةِ الفقرِ مطلقاً ، وبيانُ فضيلةٍ خصوصِ الفقراءِ ، وبيانُ فضلِ الفقرِ على الغنى ، وبيانُ أدبِ الفقيرِ في فقرِهِ ، وبيانُ أدبِهِ في قبولِ العطاءِ ، وبيانُ تحريمِ السؤالِ بغيرِ ضرورةٍ ، وبيانُ مقدارِ الغِنَى المحرِّم للسؤالِ ، وبيانُ أحوالِ السائلينَ ، واللهُ الموفقُ للصوابِ بلطفِهِ وكرمِهِ . بيان حقيقة الفقه واختلاف أحوال الفعشير وأساميه اعلمْ : أنَّ الفقرَ عبارةٌ عنْ فقدِ ما هوَ محتاجٌ إليهِ، أمَّا فقْدُ ما لا حاجةً إليهِ .. فلا يُسمَّى فقراً، وإنْ كان المحتاجُ إليهِ موجوداً مقدوراً عليهِ .. لَمْ يكنِ المحتاجُ فقيراً(١) . وإذا فهمتَ هذا .. لمْ تشكَّ في أنَّ كلَّ موجودٍ سوى اللهِ تعالى فهوَ فقيرٌ ؛ لأنَّهُ محتاجٌ إلى دوامِ الوجودِ في ثاني الحالِ ، ودوامُ وجودِهِ مستفادٌ مِنْ فضْلِ اللهِ تعالى وجودِهِ ، فإنْ كانَ في الوجودِ موجودٌ ليسَ وجودُهُ مستفاداً (١) فالفقير: هو الفاقد المحتاج، والفقر: هو الفقد والاحتياج. ((إتحاف)) (٢٦٦/٩). ٠٫٠٠ ٠٩٨٢ ١١ دن حـ حن حن متن حن ---- كتاب الفقر والزهد ربع المنجيات كرة. لهُ مِنْ غيرِهِ .. فهوَ الغنيُّ المطلقُ، ولا يُتصوَّرُ أنْ يكونَ مثلُ هذا الموجودِ إلا واحداً ، فليسَ في الوجودِ إلا غنيٌّ واحدٌ ، وكلُّ مَنْ عداهُ فإنَّهُمْ محتاجونَ إليهِ ليمدَّ وجودَهُمْ بالدوام ، وإلى هذا الحصرِ الإشارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿ وَاَللَّهُ اَلْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ﴾. هذا معنى الفقرِ مطلقاً . ولكنَّا لسنا نقصدُ بيانَ الفقرِ المطلقِ ، بلِ الفقرِ مِنَ المالِ على الخصوص ، وإلا .. ففقرُ العبدِ بالإضافةِ إلى أصنافِ حاجاتِهِ لا ينحصرُ ؛ لأنَّ حاجاتِهِ لا حصرَ لها ، ومِنْ جملةِ حاجاتِهِ ما يُتوصَّلُ إليهِ بالمالِ ، وهوَ الذي نريدُ الآنَ بيانَهُ فقطْ ، فنقولُ : كلُّ فاقدٍ للمالِ فإنَّا نسمِّيه فقيراً بالإضافةِ إلى المالِ الذي فقدَهُ، إذا كانَ ذلكَ المفقودُ محتاجاً إليهِ في حقُّهِ ، ثمَّ يُتصوَّرُ أنْ يكونَ لهُ خمسةُ أحوالٍ عندَ الفقرِ ، ونحنُ نميزُها ونخصِّصُ كلَّ حالٍ باسمٍ ؛ لنتوصَّلَ بالتمييزِ إلى ذكرِ أحكامِها . الحالة الأولى - وهيَ العليا - : أنْ يكونَ بحيثُ لوْ أتاهُ المالُ .. لكرهَهُ وتأذَّى بهِ ، وهربَ مِنْ أخذِهِ ، مبغضاً لهُ، ومحترزاً مِنْ شرِّهِ وشغلِهِ ، وهوَ الزهدُ ، واسمُ صاحبهِ الزاهدُ . الثانيةُ : أنْ يكونَ بحيثُ لا يرغبُ فيهِ رغبةً يفرحُ بحصولِهِ ، ولا يكرهُهُ كراهةٌ يتأذَّى بهِ ويزهدُ فيهِ لوْ أتاهُ ، وصاحبُ هذِهِ الحالةِ يُسمَّى راضياً . الثالثةُ : أنْ يكونَ وجودُ المالِ أحبَّ إليهِ مِنْ عدمِهِ ؛ لرغبةٍ لهُ فيهِ ، حن من بان ١٢ ربع المنجبات كتاب الفقر والزهد مكن ولكنْ لمْ يبلغْ مِنْ رغبتِهِ أَنْ ينهضَ لطلبهٍ ، بلْ إنْ أتاهُ عفواً صفواً .. أخذَهُ وفرحَ بهِ ، وإن افتقرَ إلى تعبٍ في طلبِهِ .. لمْ يشتغلْ بهِ ، وصاحبُ هذهِ الحالةِ نسمِّيهِ قانعاً؛ إذْ أقنعَ نفسَهُ بالموجودِ حتَّى تركَ الطلبَ معَ ما فيهٍ مِنَ الرغبةِ الضعيفةِ . الرابعةُ: أنْ يكونَ تركُهُ للطلبِ لعجزِهِ ، وإلا .. فهوَ راغبٌ فيهِ رغبةً لوْ وجدَ سبيلاً إلى طلبِهِ ولوْ بالتعبِ .. لطلبَهُ، أَوْ هوَ مشغولٌ بالطلبِ، وصاحبُ هذهِ الحالةِ نسمِّيهِ الحريصَ . حم ئن 3 الخامسةُ : أنْ يكونَ ما فقدَهُ مِنَ المالِ مضطراً إليهِ ؛ كالجائع الفاقدِ للخبزِ ، والعاري الفاقدِ للثوبِ ، ويُسمَّىُ صاحبُ هذهِ الحالةِ مضطراً ، كيفَما كانَتْ رغبتُهُ في الطلبِ إِمَّا ضعيفةً وإمَّا قويَّةً، وقلَّما تنفكُّ هذهِ الحالةُ عنِ الرغبةِ . فهذهِ خمسةُ أحوالٍ ، أعلاها الزهدُ ، والاضطرارُ إنِ أنضمَّ إليهِ الزهدُ وتُصوَّرَ ذلكَ (١) ، فهوَ أقصى درجاتِ الزهدِ كما سيأتي بيانُهُ . ووراءَ هذهِ الأحوالِ الخمسةِ حالةٌ هيَ أعلى مِنَ الزهدِ ، وهيَ أنْ يستويّ عندَهُ وجودُ المالِ وفقدُهُ، فإنْ وُجِدَ .. لمْ يفرحْ بهِ ولمْ يتأذَّ ، وإنْ فُقِدَ .. فكذلكَ ، بلْ حالُهُ كما كانَ حالُ عائشةَ رضيَ اللهُ تعالى عنها ؛ إذْ أتاها مئَةٌ ألفِ درهمٍ مِنَ العطاءِ ، فأخذَتْها وفرقَتْها مِنْ يومِها ، فقالَتْ خادمتُها : ـمي (١) بأن يكون كارهاً للمال مع اضطراره. ((إتحاف)) (٢٦٧/٩). ١٣ ۵٠زم كتاب الفقر والزهد ربع المنجيات ما استطعتِ فيما فرَّقتِ اليومَ أنْ تشتري لنا بدرهم لحماً نفطرُ عليهِ ؟ فقالَتْ : لوْ ذكرتِني .. لفعلتُ(١). فمَنْ هذا حالُهُ ؛ فلوْ كانَتِ الدنيا بحذافيرِها في يدِهِ وخزانتِهِ .. لمْ تضرُّهُ ؛ إذْ هوَ يرى الأموالَ في خزانةِ اللهِ تعالى لا في يدِ نفسِهِ ، فلا يفرِّقُ بينَ أنْ تكونَ في يدِهِ أوْ في يدٍ غيرِهِ ، وينبغي أنْ يُسمَّى صاحبُ هذهِ الحالةِ المستغنيَ ؛ لأنَّهُ غنيٌّ عنْ فقدِ المالِ ووجودِهِ جميعاً . وليُقُهمْ مِنْ هذا الاسمِ معنىً يفارقُ اسمَ الغنى المطلقِ على اللهِ تعالى ، وعلىُ مَنْ كثرَ مالُهُ مِنَ العبادِ ، فإنَّ مَنْ كثرَ مالُهُ مِنَ العبادِ وهوَ يفرحُ بهِ .. فهوَ فقيرٌ إلى بقاءِ المالِ في يدِهِ ، وإنَّما هوَ غنيٌّ عنْ دخولِ المالِ في يدِهِ ، لا عَنْ بقائِهِ ، فهوَ إذاً فقیرٌ مِنْ وجهٍ . وأمَّا هذا الشخصُ .. فهوَ غنيٌّ عنْ دخولِ المالِ في يدِهِ ، وعنْ بقائِهِ في يدِهِ ، وعنْ خروجِهِ مِنْ يدِهِ أيضاً ، فإنَّهُ ليسَ يتأذَّى بهِ ليحتاجَ إلى إخراجِهِ ، وليسَ يفرحُ بهِ ليحتاجَ إلى بقائِهِ ، وليسَ فاقداً لهُ ليحتاجَ إلى الدخولِ في يدِهِ ، فغناهُ إلى العموم أميلُ ، فهوَ إلى الغنى الذي هوَ وصفُ اللهِ تعالى أقربُ، وإنَّما قربُ العبدِ مِنَ اللهِ تعالى بقرْبِ الصفاتِ ، لا بقربِ المكانِ . أن ولكنَّا لا نسمِّي صاحبَ هذهِ الحالةِ غنيّاً ، بلْ مستغنياً ؛ ليبقى الغنيُّ اسماً لمَنْ لهُ الغنى المطلقُ عنْ كلِّ شيءٍ، وأمَّا هذا العبدُ فإنِ استغنى عنِ (١) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) (٦٦/١٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٤٧/٢). ١٤ حن ـن ربع المنجيات كتاب الفقر والزهد حر المالِ وجوداً وعدماً .. فلمْ يستغنِ عنْ أشياءَ أخرَ سواهُ ، ولمْ يستغنِ عنْ مددٍ توفيقِ اللهِ تعالى لهُ ليبقى استغناؤُهُ الذي زيَّنَ اللهُ بهِ قلبَهُ ؛ فإنَّ القلبَ المقيَّدَ بحبِّ المالِ رقيقٌ ، والمستغنيَ عنهُ حٍّ ، والله تعالى هوَ الذي أعتقَهُ مِنْ هذا الرقُّ ، فهوَ محتاجٌ إلى دوامِ هذا العتقِ، والقلوبُ متقلُّبةٌ بينَ الرَقِّ والحريّةِ في أوقاتٍ متقاربةٍ ؛ لأنَّها بينَ إصبعينٍ مِنْ أصابعِ الرحمنِ ، فلذلكَ لمْ يكنِ اسمُ الغنى مطلقاً عليهِ معَ هذا الكمالِ إلا مجازاً . واعلمْ : أنَّ الزهدَ درجةٌ هيَ كمالُ الأبرارِ ، وصاحبُ هذهِ الحالةِ مِنَ المقرَّبينَ ، فلا جرمَ صارَ الزهدُ في حقُّهِ نقصاناً ؛ إذْ حسناتُ الأبرارِ سيئاتُ المقرَّبينَ ؛ وهذا لأنَّ الكارة للدنيا مشغولٌ بالدنيا ، كما أنَّ الراغبَ فيها مشغولٌ بها ، والشغلُ بما سوى اللهِ تعالى حجابٌ عنِ اللهِ تعالى ، إذْ لا بعدَ بِينَكَ وبينَ اللهِ حتَّى يكونَ البعدُ حجاباً ؛ فإنَّهُ أقربُ إليكَ مِنْ حبلِ الوريدِ ، وليسَ هوَ في مكانٍ حتَّى تكونَ السماواتُ والأرضُ حجاباً بينَكَ وبينَهُ ، فلا حجابَ بينَكَ وبينَهُ إلا شغلُكَ بغيرِهِ، وشغلُكَ بنفسِكِ وشهواتِكَ شغلٌ بغيرِهِ ، وأنتَ لا تزالُ مشغولاً بنفسِكَ وبشهواتِ نفسِكَ ، فكذلك لا تزالُ محجوباً عنهُ ، فالمشغولُ بحبِّ نفسِهِ مشغولٌ عنِ اللهِ تعالى ، والمشغولُ ببغضِ نفسِهِ أيضاً مشغولٌ عنِ اللهِ تعالى . بلْ كلُّ ما سوى اللهِ تعالى مثالُهُ مثالُ الرقيبِ الحاضرِ في مجلسٍ جمعَ العاشقَ والمعشوقَ، فإنِ التفتَ قلبُ العاشقِ إلى الرقيبِ ، وإلى بغضِهِ واستثقالِهِ وكراهةِ حضورِهِ .. فهوَ في حالِ اشتغالٍ قلبِهِ ببغضِهِ مصروفٌ عنِ ١٥ عن 3 ےے wwwww srisis كتاب الفقر والزهد ربع المنجيات التلذُّذِ بمشاهدةِ معشوقِهِ، ولو استغرقَهُ العشقُ .. لغفلَ عنْ غيرِ المعشوقِ ولمْ يلتفتْ إليهِ ، فكما أنَّ النظرَ إلى غيرِ المعشوقِ لحبِّهِ عندَ حضورِ المعشوقِ شرْكٌ في العشقِ ونقصٌ فيهِ .. فكذا النظرُ إلى غيرِ المحبوبِ لبغضِهِ شرْكٌ فيهِ ونقصٌ ، ولكنْ أحدُهُما أخفُّ مِنَ الآخرِ ، بلِ الكمالُ في ألا يلتفتَ القلبُ إلى غيرِ المحبوبِ بغضاً وحبّاً ؛ فإنَّهُ كما لا يجتمعُ في القلبِ حبَّانِ في حالةٍ واحدةٍ . . فلا يجتمعُ أيضاً بغضٌ وحبٌّ في حالةٍ واحدةٍ . فالمشغولُ ببغضِ الدنيا غافلٌ عنِ اللهِ كالمشغولِ بحبِّها ، إلا أنَّ المشغولَ بحبِّها غافلٌ وهوَ في غفلتِهِ سالكٌ في طريقِ البعدِ ، والمشغولُ بيغضِها غافلٌ وهوَ في غفلتِهِ سالكٌ في طريقِ القربِ ؛ إذْ يُرجى لهُ أنْ ينتهيَ حالُهُ إلى أنْ تزولَ هذهِ الغفلةُ وتتبذَّلَ بالشهودِ ، فالكمالُ لهُ مرتقَبٌ ؛ لأنَّ بغضَ الدنيا مطيّةٌ توصلُ إلى اللهِ تعالى . حن فالمحبُّ والمبغضُ كرجلينِ في طريقِ الحِجِّ ، مشغولينِ بركوبِ الناقةِ وعلفِها وتسييرِها ، ولكنْ أحدُهُما مستدبرٌ للكعبةِ، والآخرُ مستقبلٌ لها ، فُهُما سيَّانِ بالإضافةِ إلى الحالِ في أنَّ كلّ واحدٍ منهُما محجوبٌ عنِ الكعبةِ ومشغولٌ عنها ، ولكنْ حالُ المستقبلِ محمودٌ بالإضافةِ إلى المستدبرِ ؛ إذْ يُرجى لهُ الوصولُ إليها ، وليسَ بمحمودٍ بالإضافةِ إلى المعتكفِ في الكعبةِ والملازم لها ، الذي لا يخرجُ منها حتَّى يفتقرَ إلى الاشتغالِ بالدائَّةِ في الوصول إليها . فلا ينبغي أنْ تظنَّ أنَّ بغضَ الدنيا مقصودٌ في عينِهِ ، بل الدنيا عائقٌ فات. فاكـ ١٦ حن كن حن ربع المنجيات كتاب الفقر والزهد عنِ اللهِ تعالى ، ولا وصولَ إليهِ إلا بدفع العائقِ. ولذلكَ قالَ أبو سليمان الدارانيُّ رحمَهُ اللهُ : ( مَنْ زهدَ في الدنيا واقتصرَ عليهِ .. فقدِ استعجلَ الراحةَ، بلْ ينبغي أنْ يشتغلَ بالآخرةِ)(١)، فبيَّنَ أنَّ سلوكَ طريقِ الآخرةِ وراءَ الزهدِ ، كما أنَّ سلوكَ طريقِ الحجِّ وراءَ دفعِ الغريمِ العائقِ عنِ الحجِّ . فإذاً؛ قدْ ظهرَ أنَّ الزهدَ في الدنيا إنْ أُريدَ بهِ عدمُ الرغبةِ في وجودِها وعدمِها .. فهوَ غايةُ الكمالِ ، وإنْ أُرِيدَ بهِ الرغبةُ في عدمِها .. فهوَ كمالٌ بالإضافةِ إلى درجةِ الراضي والقانع والحريصِ ، ونقصانٌ بالإضافةِ إلى درجةٍ المستغني ، بلِ الكمالُ في حقُّ المالِ أنْ يستويَ عندَكَ الماءُ والمالُ ، وكثرةُ الماءِ في جوارِكَ لا تؤذيكَ بأنْ تكونَ على شاطىءِ البحرِ ، ولا قلَّتُهُ تؤذيكَ إلا في قدْرِ الضرورةِ ، مع أنَّ المالَ محتاجٌ إليهِ ، كما أنَّ الماءَ محتاجٌ إليهِ، فلا يكونُ قلبُكَ مشغولاً بالفرارِ عنْ جوارِ الماءِ الكثيرِ ، ولا ببغضِ الماءِ الكثيرِ ، بلْ تقولُ : أشربُ منهُ بقدْرِ الحاجةِ ، وأسقي منهُ عبادَ اللهِ بقدْرِ الحاجةِ ، ولا أبخلُ بهِ على أحدٍ . ٤ بـ ٨٥٠ ٨٠٠ ١٩٧ فهكذا ينبغي أنْ يكونَ المالُ ؛ لأنَّ الخبزَ والماءَ واحدٌ في الحاجةِ ، وإنَّما الفرقُ بينَهُما في قلَّةِ أحدِهِما وكثرةِ الآخرِ ، وإذا عرفتَ اللهَ تعالى ، ووثقتَ بتدبيرِهِ الذي دبّرَ بهِ العالمَ .. علمتَ أنَّ قَدْرَ حاجتِكَ مِنَ الخبزِ يأتيكَ (١) رواه البيهقي في ((الزهد الكبير)) (٥٤) بنحوه . ١١ 5 ثر كتاب الفقر والزهد ربع المنجيات - لا محالةً - ما دمتَ حيّاً كما يأتيكَ قدْرُ حاجتِكَ مِنَ الماءِ ، على ما سيأتي بيانُهُ في كتابِ التوكُلِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى . قالَ أحمدُ بنُ أبي الحَواري : قلتُ لأبي سليمانَ الدارانيِّ : قالَ مالكُ بنُ دينارِ للمغيرةِ : اذهبْ إلى البيتِ فخذِ الركوةَ التي أهديتَها لي ، فإنَّ العدوَّ يوسوسُ إليَّ أنَّ اللصَّ قدْ أخذَها، فقالَ أبو سليمانَ: هذا مِنْ ضعفٍ قلوبِ الصوفيّةِ ، هوَ قَدْ زهدَ في الدنيا ، ما عليهِ مِنْ أخذِها؟!(١). فبيَّنَ أنَّ كراهيةَ كونِ الركوةِ في بيتِهِ التفاتٌ إليها سببُّهُ الضعفُ والنقصانُ . فإنْ قلتَ : فما بالُ الأنبياءِ والأولياءِ هربوا مِنَ المالِ ونفروا منهُ كلَّ النغارِ ؟ فأقولُ: كما هربوا مِنَ الماءِ على معنىُ أَنَّهُمْ ما شربوا أكثرَ مِنْ حاجتِهِمْ، فنفروا عمَّا وراءَهُ ، ولمْ يجمعوهُ في القِرَبِ والروايا يديرونَها معَ أَنفسِهِمْ، بلْ تركوهُ في الأنهارِ والآبارِ والبراري للمحتاجينَ إليهِ ، لا أنَّهُمْ كانَتْ قلوبُهُمْ مشغولةً بحبِّهِ أَوْ بغضِهِ . وقدْ حُمِلَتْ خزائنُ الأرضِ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وإلى أبي بكرٍ وعمرَ رضيَ اللهُ عنهُما ، فأخذوها ووضعوها في مواضعِها ، (١) قوت القلوب (٢٦٧/١)، وخبر مالك مفرداً رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (٢/ ٣٦٤)، وليس فيه ذكر للمغيرة، بل قالها للحارث بن نبهان. نج حن حن حن G ١٨ ربع المنجيات كتاب الفقر والزهد وما هربوا منها ، إذْ كانَ قدِ استوىُ عندَهُمُ المالُ والماءُ، والذهبُ والحجرُ . 5.9 وما نُقِلَ عنهُمْ مِنِ امتناع؛ فإمَّا أنْ يُنقلَ عمَّنْ خافَ أنْ لوْ أخذَهُ أنْ يخدعَهُ المالُ ويقيدَ قلبَهُ ، فيدعوَهُ إلى الشهواتِ ، وهذا حالُ الضعفاءِ ، فلا جرمَ البغضُ للمالِ والهربُ منهُ في حقُّهِمْ كمالٌ ، وهذا حكمُ جميع الخلقِ ؛ لأنَّ كلَّهُمْ ضعفاءُ إلا الأنبياءَ والأولياءَ ، وإمَّا أنْ يُنقلَ عنْ قويٌّ بلغَ الكمالَ ، ولكنْ أظهرَ الفرارَ والنفارَ نزولاً إلى درجةِ الضعفاءِ ؛ ليقتدوا بهِ في الترْكِ ، إذْ لوٍ اقتدوا بهِ في الأخذِ .. لهلكوا ، كما يفرُ الرجلُ المعزِّمُ بينَ يدي أولادِهِ مِنَ الحِيَّةِ، لا لضعفِهِ عنْ أخذِها، ولكنْ لعلمِهِ أَنَّهُ لوْ أخذَها .. أخذَها أولادُهُ إذا رأَوها فيهلكونَ ، والسيرُ بسيرِ الضعفاءِ ضرورةُ الأنبياءِ والأولياءِ والعلماءِ . % ھے حتر عالي. فقدْ عرفتَ إذاً أنَّ المراتبَ ستٍّ ، وأنَّ أعلاها رتبةُ المستغني ، ثمَّ الزاهدِ ، ثمَّ الراضي ، ثمَّ القانع، ثمَّ الحريصِ، وأمَّا المضطرُ .. فيُصوَّرُ في حقِّهِ أيضاً الزهدُ والرضا والقناعةُ، ودرجتُهُ تختلفُ بحسَبِ اختلافِ هذِهِ الأحوالِ ، واسمُ الفقيرِ يُطلقُ على هذهِ الخمسةِ . أَمَّا تسميةُ المستغني فقيراً .. فلا وجهَ لهُ بهذا المعنى، بلْ إنْ سُمِّيَ فقيراً فبمعنى آخرَ ، وهوَ معرفتُهُ بكونِهِ محتاجاً إلى اللهِ تعالى في جميع أمورِهِ عامَّةٌ ، وفي بقاءِ استغنائِهِ عنِ المالِ خاصةً ، فيكونُ اسمُ الفقيرِ لهُ كاسم ١٩ كتاب الفقر والزهد ربع المنجيات العبدِ لمَنْ عرفَ نفسَهُ بالعبوديّةِ وأقرَّ بها ، فإنَّهُ أحقُّ باسم العبدِ مِنَ الغافلينَ وإنْ كانَ اسمُ العبدِ عامّاً للخلقِ ؛ فكذلكَ اسمُ الفقرِ عامٌ ، ومَنْ عرفَ نفسَهُ بالفقرِ إلى اللهِ .. فهوَ أحقُّ باسمِ الفقيرِ ، فاسمُ الفقيرِ مشتركٌ بينَ هذينٍ المعنيينِ . ٥٠٠ وإذا عرفتَ هذا الاشتراكَ .. فهمتَ أنَّ قولَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أعوذُ بكَ مِنَ الفقرِ)) (١)، وقولَهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( كادَ الفقرُ أنْ يكونَ كفراً)»(٢) .. لا يناقضُ قولَهُ: (( أحيني مسكيناً وأمتْني مسكيناً))(٣)؛ إذْ فقرُ المضطرِّ هوَ الذي استعاذَ منهُ، والفقرُ الذي هوَ الاعترافُ بالمسكنةِ والذلَّةِ والافتقارِ إلى اللهِ تعالى .. هوَ الذي سألَهُ في دعائِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وعلى كلِّ عبدٍ مصطفىّ منْ أهلِ الأرضِ والسماءِ . محاسب (١) روى أبو داوود (١٥٤٤)، والنسائي (٢٦١/٨)، وابن ماجه (٣٨٤٢) عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (( اللهم ؛ إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة ... )) . (٢) رواه أبو الشيخ في (( التوبيخ والتنبيه)) (٧٤)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٥٣/٣)، والبيهقي في ((الشعب)) (٦١٨٨) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً . (٣) رواه الترمذي (٢٣٥٢)، وابن ماجه (٤١٢٦) . ٢٠